الجهاديون والنظام الإقليمي والدولي

قرأت مادة «الإسلام، الإسلاميون، والعنف» لياسين الحاج صالح وأفادتني بقدر ما أمتعتني؛ هذه عادةً نصوص ياسين، المهموم حتى نقيّ العظم بأحوالنا كسوريين وكمنتمين للعالم الإسلامي وكمسلمين. في الحقيقة هذه المادّة، وغيرها مما كتبه عن الإسلام والمسلمين، تصلح لأن تُقرأ من عموم المسلمين، فما بالنا بمن يسيّسون الإسلام؟ ثمة نزعة أخلاقية في فكر ياسين، تنزع بتكوينها إلى إمكانية جعلها مبحثاً معاصراً لإسلاميي الراهن، إضافة لمبدأ حرية المعتقد والذي يؤسِّس لإسلام من نوع مختلف، فيما لو وجد إسلاميين يحملونه ويؤسّسون له... في مادّته البحثية تلك يؤكد ياسين على أن الإسلام السياسي بمختلف تياراته ما يزال عبارة عن محاكاة للسلطات القائمة، وكأنه صِنوُها ممارسةً وأسلوباً، علماً أنه يميز بين ’الإخوان المسلمين‘ والسلفيات الجهادية الاحترابية، إلا أنه تمييز لا يصمد أمام جرأة جماعة ’القاعدة‘ في تصدّرهم للمشهد الإسلامي كما يشير ياسين، خاصةً إعلان داعش عبر خليفتها إبراهيم البغدادي عن دولة خلافتها، والتي هي نسخة سلفية جهادية عن دولة الخلافة التي ما زال ’الإخوان‘ يشتغلون عليها أيضاً. هنا يصير البحث عن معتدلين إسلاميين هاجساً حقيقياً.

أتابع ياسين بشغف في الحقيقة، لكن هنالك نقطة أظنّها مفصلية تغيب عن المشهد التحليلي لياسين، ربما نتيجة أولوية الثقافي والمعرفي عنده أكثر مما نتيجة جهل بها. هذه النقطة في الحقيقة تتعلق بالنظام الدولي: أولوياته؛ توضّعاته، الإقليمية في مناطق العالم والمحلية في كل بلد على حِدة؛ آلياته في إنتاج التطرّف، سواء كان بشكل مباشر أو غير مباشر؛ لغة المصالح والسياسة؛ تمرّس سلطة الدولة الكبرى، وتوضّعاتها الإقليمية في سلطات توازيها خبرةً في إنتاج هذا التطرف لا بل وفي بناء مؤسسات عملاقة لهذا التطرف السياسي، إسلامي أم غير إسلامي.

سأضرب أمثلة من وحي اللحظة السلفية الوهابية 1 منذ انطلاقها، فقد حملتها القوة والعسكرة، ولم تنتشر سلمياً، ثم انتلقت لتنتشر لاحقاً في كامل أراضي المملكة العربية السعودية، وفيما بعد في خارجها، وكل ذلك عبر مسارب مالية وإعلامية خُصّصت لها أموال ضخمة جداً. ثم تأسّست ’القاعدة‘ أميركياً وإقليمياً في الشرق الأوسط لكن على أرض أفغانستان إبّان الغزو السوفييتي لها عام 1989، وبدأ عبد الله عزام 2 وبن لادن 3 بتأسيس ’القاعدة‘ عبر مكتب خدمات في أفغانستان، كان له فرع معروف في أميركا لتطويع الجهاديين عام 1984. ثم قامت داعش حالياً...

من يَعُدْ إلى عام 2009 للبحث عن الملف الذي، بتكليف من رئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي، حمله هوشيار زيباري 4 إلى الأمم المتحدة وواشنطن حول تحوّل نظام الأسد إلى أكبر مصدر للإرهاب في العراق، حيث شارك في تطويع الشبّان لقتال القوّات الأميركية، وفي إرسال متطوعين قادمين من بلدان أخرى وتقديم كافة التسهيلات لهم، مع قاعدة لوجستية لهم للانتقال للعراق قادمين من أفغانستان وبقية فروع ’القاعدة‘ إلى العراق لإفشال تجربتها الأميركية. ثم الأطرف هو أن إيران والولايات المتحدة الامريكية، بقيادة أوباما، طلبا من المالكي طيّ الملفّ، وعاد زيباري من واشنطن بخُفَّيْ حُنين... علماً أن أميركا قبل نهاية عهد جورج بوش كانت قد قصفت في تشرين الأول 2008 منطقة البوكمال بوصفها المعبر الاستخباراتي السوري ومركز تجمّع لهؤلاء.

ثم كانت تجربة الأسد في لبنان عبر إنشاء تنظيمات إرهابية والقيام بتفجيرات فيه واغتيالات. ومن الجدير بمكان قراءة ظاهرة الأفغان العرب 5 التي ظهرت طلائعها الأولى في أحداث الجزائر والسودان 1990، وذلك بعد إعلان ’الجيش الإسلامي للإنقاذ‘ عام 1997 عن هدنة بينه وبين قوات الأمن الجزائرية خفّت بموجبها أعمال العنف إلى حدّ كبير، ثم حاولت الجماعة تفعيل عملياتها المسلحة مرة أخرى عبر قيادة قمر الدين خربان، الحاصل على اللجوء السياسي من بريطانيا وصاحب العلاقة الوثيقة بأسامة بن لادن منذ كان مسؤولاً عن مراكز تدريب الأفغان العرب في أفغانستان... ثم لنلاحظ هذه المفارقة: «ظهر [فرع لـ] الأفغان العرب في بلاد الشام أوائل عام 1993، ويبدو أن هناك تداخلاً تنظيمياً بينهم وبين تنظيم ما يُعرف بـ«جيش محمد» [فقد صار لدينا نسخة منه في سوريا]. وفي سوريا 1993 أعلنت السلطات اعتقال مجموعة من الأفغان العرب الذين دخلوا البلاد بطريقة غير قانونية، وحكمت عليهم بالسجن مُدَداً مختلفة». لكن ماذا فعل بهم الأسد؟ وكيف استثمرهم في لبنان ومناطق أخرى لاحقاً؟

تشير المعطيات أيضاً أن أعمار من ذهبوا للقتال في أفغانستان كانت تتراوح بين 15-20 عاماً، فأيّ ثقافة سلفية جهادية تلقّاها هؤلاء قبل ذهابهم إلى تورا بورا قادمين من الدول العربية وأوربا وأميركا؟ وهل ترافقت مثلاً مع زيارات لأعضاء الكونغرس الأميركي إبّان تلك الفترة؟ تُقدّر أعدادهم بنحو 19 ألف، منهم 6 آلاف مقاتل والباقي متطوعون للعمل الإغاثي هناك، وقلة منهم من عادوا إلى بلادهم واندمجوا من جديد في مجتمعاتهم، فجلهم صاروا مطلوبين في بلدانهم وربما من بلدان أخرى، فتحولوا إلى محترفي سلفية جهادية تتوزع في بؤر التوتّر في العالم الاسلامي (ما عدا فلسطين ربما) وبالتالي تحولوا إلى مطية لأجهزة استخبارات تؤمّن لهم الملجأ والحماية وتستخدمهم –عند اللزوم إيران أو العراق أو سوريا أو الجزائر– نماذج حيّة، لذا نادراً ما تجد تنظيماً جهادياً يخلو من قيادي من هؤلاء، في كل فروع ’القاعدة‘ في العالم العربي، و’داعش‘ و’النصرة‘ أيضاً نموذجان راهنان، فكلٌّ من الناطقَين الإعلاميََّين باسميهما من الأفغان العرب. لذا تفيد دراسة ظاهرة الأفغان العرب في رصد الكيفيات والوسائل التي تم بها انتشار تنظيم ’القاعدة‘ 6. ثم تلزم محاولة الدخول لمعرفة كيفية تشكل ’جماعة أنصار الشريعة‘ في تونس ومن ثم ليبيا.

من الجدير بالملاحظة الحديث عن العلاقة بين الأفغان العرب وأميركا، والمعتقلين السابقين في غوانتانامو، وكيف وزعت الولايات المتحدة أغلبهم على سلطات الشرق الاوسط وخاصةً سوريا، بعد أن قرّر أوباما إغلاق المعتقل. تحضرني هنا حادثة طريفة رغم أنها كانت قد تؤدي لحرب طائفية في لبنان، وهي أن مشغّل موقع «لواء أحرار السنّة-بعلبك» ينتمي إلى حزب الله، ويدعى حسين شامان الحسين، وهو من أصل إيراني ومجنّس في لبنان! وقد كان صاحب الموقع عضواً في حزب الله ويأتمر بأمره. هذا الموقع الذي كان يثير غرائز الشيعة ضد السنة 7 لدرجة أن المخابرات اللبنانية استنفرت لاعتقال اصحاب الموقع لاعتقادهم أن «لواء أحرار السنّة الحزباللهي» ينتمي إلى ’جبهة النصرة‘ أو داعش!

ما أردت قوله من هذا العرض السريع، إلى خلاصة ما يُهمله ياسين في مبحثه الهام، وهو أن الأيديولوجيا مهما كانت متطرفة، خاصة في زمننا وربما في أي زمن آخر، لا تستطيع بناء قوة مسلحة كـ’القاعدة‘ وداعش و’النصرة‘ و’أنصار الشريعة‘... والقائمة تطول...، خاصة إذا علمنا أن هذه الأيديولوجيا تنشط بشكل سرّي في البلدان الإسلامية أو تحت إشراف مباشر لأجهزة استخبارات، وتتدفق إليها أموال من كل حَدَب وصَوْب حسب المنطقة والبلد، وحسب مواقف النظام الدولي. يشير معظم المعنيّين بهذا الشأن إلى أن موقف إدارة اوباما المخزي من الشعب السوري هو ما كان وراء انتشار هذه الداعش وتلك النصرة.

لهذا أعتقد أن ما يجري من نقاش عن داعش أو ’القاعدة‘، حول أنهم إسلاميون أو الإسلام منهم براء، هو نقاش خارج الموضوع السوري، وداعش والأسد يريدانه أن يستمرّ، لأنه بالضبط يُبعد الأسد وجريمته عن المشهد أو يتركه في زاوية مهملة... إنهم مرتزقة بالمحصّلة.

أيامَ العمل السرّي لـ’حزب العمل الشيوعي‘ وأيام الأصدقاء في ’الحزب الشيوعي السوري-المكتب السياسي‘ (’حزب الشعب‘ حالياً) كان واضحاً لنا أن الأيديولوجيا لا تبني لوحدها تنظيمياً سرّيّاً، ولا يمكن أن يحوز أحد على هيمنة مجتمعية-أيديولوجية بدون حامل مادّي على الأقل أو دولي. لهذا قال لنا أحد ضباط المخابرات الذي حقّق معنا: البيض لا يُقلى بالماء! تقْلُون البيض بالماء نتيجة إفلاسكم وتريدون إسقاطنا! قالها ضاحكاً ومستغرباً طبعاً: كيف لنا تحمّل ظروف عيش كهذه من أجل العمل السياسي؟

خلاصة القول أن أيّ إصلاح ديني لا يمكن أن يمرّ دون حقل السياسة، بكل ما يحمله من شروط؛ وقوى؛ وأنظمة؛ ومصالح تتقاتل وتتصارع؛ وجرائم تُرتكب باسم الأيديولوجيا أحياناً... والأيديولوجيا بفعل هذا الزمن عبارة عن ملحق سياسي بالنظام الدولي وتوضّعاته الإقليمية والمحلية. لذا أية أيديولوجيا دون حمولة دولية لا يمكن أن تكون مشروعاً ناجحاً، ولا يمكنها حتى شراء السلاح أو دفع رواتب مقاتليها. هؤلاء لا يأتون ومعهم أموالهم، بل يأتون ويحصلون على رواتب شهرية تفوق غالباً مستوى الدخل في البلدان المعنيّة. هذا ما أثبته الربيع العربي عموماً، والثورة السورية خصوصاً: الجهاديون هم مرتزقة حرب!

في مادّة قبل أقلّ من عام كتبت أن الإسلاميين هم روح التضحية ورداءة السياسة؛ لكن مَن يضحّي بمَن هنا، عندما ننقل المشهد الاسلامي كله ونحاكيه انطلاقاً من داعش و’القاعدة‘؟ من يتابع محطات التفلزة الخليجية المختصة بالشريعة الاسلامية، أو القنوات الإيرانية المختصة، بتسويق الوليّ الفقيه والاحتراب الطائفي، يمكنه أن يعرف أن هؤلاء يُحاكون السلطة ويتماهون بها، لأنهم محترفو حرب، وليسوا حَمَلَة أيديولوجيا بالمعنى المعروف للعبارة.

أية أيديولوجيا يحملها مثلاً وثنيّو أو مسيحيّو إفريقيا التي تبرّر الذبح في دُوَلها؟ أية أيديولوجيا حملها مقاتلو شرق أوكرانيا؟ التخلص من هؤلاء لا يمكن أن يتم إلا عبر التخلص من الوضع الدولي الذي أنتجهم. لأن تجفيف منابعهم يحتاج طبعاً إلى ثقافة يدعو لها ياسين، لكن هذه الثقافة تحتاج إلى حامل سياسي مؤسَّسي ويمتلك إمكانيات مالية. لهذا، في لقاء لي مع المرحوم الدكتور نصر حامد أبي زيد، سألته عن هذه النقطة بالذات، كيف يمكننا الحديث عن الإصلاح الديني بمعزل عن الدخول إلى الحقل السياسي؟ فكانت إجابته: نعم هذا صحيح، وبدونه لا يمكن القيام بأي إصلاح ديني. السياسة بكل ما تعنيه هذه الكلمة هي مَن تصنعنا في النهاية. مهمّ في هذا الاطار العودة لتجارب تأسيس حزبَي ’العدالة والتنمية‘ في العالم الإسلامي في كلّ من تركيا المغرب، لنعرف بالضبط دور السياسة والنظام الدولي في هذه التجربة.

لا أدعو إلى عدمية ثقافية أو معرفية أو أيديولوجية، لكن أدعو إلى الانطلاق من الحقل السياسي إليها وليس العكس. أتمنى ان أكون قد وضّحت ملاحظتي الوحيدة على محاولة ياسين، الأغنى معرفياً في هذا المجال وفي هذه اللحظة من عمر سوريا التي «غطّاها الحزن وكثرت عليها المطاليب».

  • 1. السلفية الوهّابية أو الوهّابية مصطلح أُطلق على حركة إسلامية سياسية، قامت في منطقة نجد وسط شبه الجزيرة العربية في أواخر القرن الثامن عشر الميلادي على يد محمد بن عبد الوهاب (1703 - 1792) ومحمد بن سعود (1710-1765)، حيث تحالفا لنشر الدعوة السلفية الحنبلية. وقد كانت بدايتهما في إمارة الدرعية حيث أعلن محمد بن عبد الوهاب «الجهاد» وشنّ سلسلة من الحروب (الغزوات) تمت فيها مصادرة أموال خصومهم من المسلمين في شبه الجزيرة (كانوا يسمّونها غنائم) وخسر العديد من المسلمين أرواحهم نتيجة هذه الحروب، واعتبرتهم مصادر عديدة أنهم بذلك خرجوا على الخلافة الإسلامية التي كانت تحت حكم العثمانيين.
  • 2. عبد الله عزّام (1941-1989) شيخ فلسطيني-أردني من الجناح السلفي لـ’الإخوان المسلمين‘، ولد في جنين ودَرَسَ في دمشق والقاهرة ودرّس في عمّان وجدّة، يعتبر أهم شخصية قيادية في الجهاد الأفغاني-العربي، انشقّت عن قوّاته منظمة ’القاعدة‘ العربية بعد تحرير أفغانستان والاقتتال العشائري في البلاد وأعلن عن نفسه بعد حرب الخليج الثانية.
  • 3. أسامة محمد عوّاد بن لادن (1958-2011) قيادي سلفي جهادي، كان طالب بزنس في الرياض قبل أن يغادر إلى باكستان ويؤمّن لـ’المجاهدين‘ الغطاء المالي والتنسيق الأمني والعسكري، عاد إلى بلاده وانشقّ عن النظام السعودي إثر التحالف السعودي-الأميركي ضد الغزو العراقي للخليج.
  • 4. هوشيار زيباري (1953-) سياسي عراقي كردي ووزير خارجية العراق بين 2003 و2014.
  • 5. «الظروف الدولية والإقليمية لقدوم العرب إلى أفغانستان»، مادة مهمة لمحمد عبد العاطي، الجزيرة.نت. «ساعدت عدة عوامل في وجود المقاتلين والإغاثيين العرب في أفغانستان وباكستان، وهو ما لم يتوفر لعمليات مقاومة مسلّحة أخرى سابقة للقضية الأفغانية مثل القضية الكشميرية والفلسطينية، أو لاحقة بها مثل القضية البوسنية أو الشيشانية. ويمكن تلخيص تلك العوامل في النقاط التالية: شجّعت الحرب الباردة الولايات المتحدة على تشجيع الشباب الإسلامي على التوجه إلى أفغانستان وباكستان للاشتراك في الحرب على السوفييت أو في العمليات الإغاثية هناك، خاصة أن واشنطن كانت تعيش التجربة الفيتنامية التي دعم فيها الاتحادُ السوفياتي الثوارَ الفيتناميين، فكانت الحرب الأفغانية فرصة للانتقام. سمحت الحكومات العربية الصديقة للولايات المتحدة والتي تخشى من المدّ الشيوعي لكثير من المتطوعين من مواطنيها بالسفر للاشتراك في تلك الحرب. وكانت أهم الدول التي قدّمت دعماً سياسياً واقتصادياً وعسكرياً للمجاهدين الأفغان هي السعودية وباكستان ومصر والكويت»... ويُغفل هنا الباحث عن دور نظام الأسد الأب في ذلك أيضاً.
  • 6. «ما المقصود بالأفغان العرب»، 2001، مادة بحثية للدكتور نشأت عبد الماجد، هنا رابط لها.
  • 7. «لبنان: مشغّل موقع «لواء أحرار السنّة بعلبك» ينتمي إلى حزب الله، خبر في جريدة القدس العربي .