يسألونكِ عن خلع الحجاب

في الملف الثاني في الجمهورية، ننشر «شهادات نساء» عن الحرب السورية. في كل من هذه الشهادات قصة شخصية مكتوبة أو مسجلة لنساء عمّا حدث ويحدث في سوريا اليوم. 

لا ندّعي هنا أن مجموع القصص يقدّم رؤية شاملة أو نموذجية عن وضع المرأة في الحرب، كما أننا لا نركّز على مآسي الحرب وويلاتها فقط. في هذه القصص تأملات عن الدين والحرية، وعن الحرب وآثارها، وعن الماضي والمستقبل في سوريا، وغيرها من العناوين. ما نريده من هذا الملف الصغير هو أن نسهم في النقاش الدائر، عن طريق هذه القصص المختلفة، حول دور المرأة في الحرب، وأثر الحرب عليها، والنقاش حول النسوية في سوريا، وغيرها من الأسئلة؛ علّ «شهادات نساء» تكون مفتاحاً لفهم أعمق لهذه الأسئلة. 

ستنشر الجمهورية، في هذا الملف الذي يعدّه عدي الزعبي، مقالاً أسبوعياً لمدة ستة أسابيع. وقد بدأ مع مقال «عن سجينات عدرا المنسيّات» لـ ميسا صالح.

*****

لم أكن قد أتممت الحادية عشر عاماً يوم رأت كل من جدتي لأبي وعمتي أنني «أطول من كل بنات جيلي، وأنني ملفتة للنظر وهذا حرام، ويجب أن أرتدي الحجاب». دون أي نقاش، انصاع والدي «غير المتدين» لما يدفع عنه حتى احتمالات اللغو، ولم تكن لأمي سطوة النساء بحيث تمنع قراراً لم تكن لها رغبة فيه.

بدأت ارتدي الحجاب، كنت في الصف الخامس الابتدائي، أغدو إلى مدرستي بدونه، سدارة الطلائع على رأسي ككل التلاميذ المنضبطين، أنهي دوامي، وأعود لتناول غطاء أبيض مربع، أثنيه من منتصفه ليغدو مثلثاً، أضعه وأثبته بدبوس طويل. كنت بارعة في وضعه دون أن أتسبب بجرح في عنقي، لكن أمي كانت تصر أن أستبدله بدبابيس «الشكل» منعاً لاحتمال دخوله يوماً في عنق مدللتها.

مرت السنوات وبات الحجاب جزءاً من طقس التدين الذي غرقت فيه لسنوات. عام 2007، ارتديت اللباس الشرعي كاملاً، وصرت زوجة «صالحة»، وفي ربيع 2009 سافرت لأداء العمرة، لكني لم أذهب تقرباً، بل لأنني كنت على قناعة تامة بأن سحراً وقع علي وعلى زوجي السابق، ولا بد من اللجوء إلى الله لرفعه عني.

أحزن كلما فكرت اليوم أنني استغرقت إلى هذا الحد، وسرت كالمغيبة وراء الأقاويل. قد يقول قائل هنا: ما علاقة الحجاب بذلك؟ أقول أنه جزء من استسلامي (ككثيرات) للسائد، وانسياقنا القطيعي في كثير من المواقف والسلوكيات التي لا تنحصر بارتداء الحجاب.

في مكة، ورغم قدسية المكان، وما يلقيه على النفس من هدوء وسكينة، كان همي أن يذهب السحر عني. بات الأمر هاجساً لدرجة مراودته لي أثناء نومي، كنت أبحث في كتب الرقى والعلاج بالقرآن، كتيبات صغيرة وضعها الشيخ الجليل فلان أو سواه من حملة الشهادات العليا في علوم الشريعة من أهل تلك البلاد، أبحث عن علاج ما. قرأت في أحدها أن علي دقّ أوراق من السدر  بحجر ووضعها في الماء، وقراءة آيات السحر عليها، ثم الاغتسال بالماء.

بحثنا في مكة عن السدر، لا سدر في مكة، ترى ما شكل هذه النبتة؟ ما شكل أوراقها؟ وجدنا في مكة أوراق سدر جافة، اشتريناها على مضض، وتوجهنا إلى المدينة بعد الكثير الكثير من الدعاء. ليلتان في المدينة ولا سدر أخضر. عشية رحيلنا قالت لي سيدة سعودية من موظفات المسجد النبوي إن شجرة سدر موجودة في مسجد قباء. صباح توجهنا إلى سوريا عائدين، خيرونا أي الأماكن نريد أن نزور، أحد ومسجد قباء أو مسجد ذي القبلتين، لم أكن أهتم سوى للوصول إلى قباء، الغالبية طالبت بزيارة المواقع الثلاثة، فقد لا نعود ثانية إلى هذه الأراضي المقدسة.

وصلنا قباء، لم أعبأ كثيراً بما كتب على باب مصلى النساء من أن الركعتين هنا بحجة أو ربما عمرة، بعباءتي السوداء وغطاء الصلاة فوق الحجاب خرجت إلى ساحة المسجد، أسأل عن شجرة السدر. كانت شجرة عملاقة لا يمكن الوصول إلى أدنى غصن منها، الوقت ضيق، وأنا أشعر بالسحر يسيل من أكمامي ونهايات القماش على بدني، ناديت أحد العاملين في خدمة المسجد: السلام عليكم يا أخي، الله يبارك بشبابك أريد أوراقاً من السدر. كل ماحصل يومها كان كالصدف في الأفلام، تحت الشجرة تقف سيارة تنظيف ضخمة، اعتلاها الشاب، وجمع لي من أوراق السدر حفنة، وضعتها في مناديل ورقية ولاقيت زوجي السابق بفرح أشبه بالمسّ: السدر ،حصلنا على السدر أخضر.

في الطريق براً إلى سوريا، صرت أتفقد الأوراق تجف رويداً رويداً وأنا أتساءل ترى هل ينفعني اغتسالي بمائها إن هي جفت؟

صباح اليوم التالي كنا في حمص، بعجالة سلمنا على أهله وتوجهنا إلى بيتنا الواقع على أطراف حي الخالدية الحمصي. كنا أتينا بكمّ لا بأس به من ماء زمزم، وكنا ما زلنا في شهر نيسان، وما زال الجو بارداً. فكرت: أأغتسل بماء عادي؟ لا بد أن زمزم أكثر بركة، زمزم إذن، لكن هل يجوز أن أسخنها؟ لا بد أن علي الاغتسال بها كما هي، هذا ماء مبارك لا يجوز العبث به.

وضعت السدر في زمزم وقرأت الآيات، كنت أجهد لجمع الماء في وعاء ووضع الكثير من الشراشف حوله كي لا تسقط قطرة مما قرئ عليه القرآن هنا أو هناك، لم أخشع وأنا أصب الماء بارداً علي وأشهق والخشوع يضيع بين الشهقة وأختها.

وضعت الشراشف في الهواء كي يجف ما سقط عليها من قطرات مباركة، ليحمل زوجي السابق الماء ويذهب به إلى حديقة بيت أهله الترابية، إذ لا يجوز أن نسكب ماء قرئ عليه القرآن إلا في تراب طاهر.

فعلت كل ذلك وأنا طالبة جامعية أظن أنني تجاوزت محيطي العادي بكل خطوطه ومستوياته يوم وطأت قدماي عتبة الجامعة. لا أرمي هنا إلى انتقاص الدين، بل إلى انتقاص طريقة تفكيرنا به وتمثلنا له، ومدى سطحية الاعتقاد، بمعزل عن مقدار حب الذات الإلهية في داخل كل منا، ما يعكس سلوكيات غالباً ما تحيل إلى انعدام التوازن بين ما يجب التزامه ظاهراً، وما يمكن اجتراحه خفية، مما يحتاجه الفرد بالفطرة للتلاؤم مع وجوده وإنسانيته.

خلع الحجاب بعد سنوات من ارتدائه دليل على عدم استناده إلى عقيدة أو قناعة مرتبطة بالخوف والإيمان والارتباط الروحي، بل بانحلال المنظومات الاجتماعية في داخلنا، وأقصد هنا المنظومات القائمة على السلطة الذكورية في الدرجة الأولى. أعرف اليوم أنني ارتديت حجابي إرضاء للناس، وتجنباً لعقوبات لا ينفذها بحقنا في النهاية إلا الذكور، أو رواسب الذكورة في أذهان الكثيرات من أمهاتنا. واليوم، لو ابتعدنا عن الجانب الشكلي الذي يمنحني، كامرأة غير محجبة، الكثير من الفرح  والثقة بالذات، فإن شعوراً يتوالد في داخلي بامتلاكي لجسدي، وانتفاء توصيف «العار» عني كتابع لأي «ذكر» في أسرتي أو محيطي السابق.

كنت متدينة أتبع الخط الواحد دون التفكير في كل الفضاء الذي خلقه الله من حولي، فكان اختصار الله والدين بالطقوس، وكان التفكير  بالذات الإلهية وتصورها على أنها ولي العقاب والعذاب فقط.

يوم خلعت الحجاب (كان ذلك في 26 / 4 / 2014) صار العالم جديداً فجأة، للحظات اكتشفت أني لا أعرف ما معنى أن يعبر الهواء ذاك الفضاء الصغير الممتد ما بين الكتفين والعنق، أستطيع اليوم أن أرخي شعري متوسط الطول في الهواء، أن أستعيد طعم النسيم الأول يتخلله، أن أسخط في يوم ماطر إذ يتبلل، بعد أن سرت تحت المطر وتقمصت الأشجار والأزهار  تتحرى جفافاً ألِقاً بعد مطر غزير يغلسها، وهي تتمثل الله في لحظة ارتواء أكثر من أي لحظة أخرى.

تبكي أمي على الهاتف وتقول: «الله يردك لدينك»، أضحك وأنا أسألها: من قال لك إني تخليت عن ديني؟

الجميع يختزل دين الامرأة «السنّية» في حجابها. أفتح بريدي في إحدى المرات لأجد صديقتي الشابة والمتحررة «المنتمية لإحدى الطوائف» قد كتبت لي: «صراحة بدي أسألك شي بايخ بس لفتني لو سمحت؟»، أجيبها بسؤال: «مشان الحجاب؟»، فتكتب: «أي؟ شلحتي؟»، أرد: «أي!»، لتنهي: «ستي الأمر بيرجعلك بس لأني صديقة وبتمنى تعتبريني هيك رح قلك أنك أخترتي زمن خطأ، ومنحكي بعدين بالتفاصيل، تصبحي على خير. نحن بحاجة الحجاب الصح، هلق كنت قدوة. سلام».

تحيلني هذه الصديقة «المتحررة» إلى الكثير من الأسئلة: ترى أين تكمن المشكلة حقاً؟ ولماذا يظن البعض بحقهم في احتكار الأشياء دوناً عن غيرهم؟ ثم لماذا علي أن أكون كبش فداء لآخر يحلو له تارة أن يحترم الإسلام في فتاة محجبة تروقه، ثم لا يجد حرجاً في حصارها ونسف ما راكمه حول الإسلام إن هي انقلبت إلى صيغة حياة تشبهه، ترى أهكذا تكون محاولات التعايش والتقرب؟

لا تقتصر القضية على أذهان أبناء الملة إذن، بل تتعداها إلى إطار اجتماعي عام أسير سيادة النمط والتزام القوالب وصعوبة تجاوز المعتاد والخوف من احتمال الخلخلة.

كان صعباً قرار اختراق هذه الكثافة من الأعين الرقيبة والحسيبة في آن، وهذا الكم الهائل من الذكور الذين يغيبون طويلاً إلى أن تأتي لحظة تمرّد امراة «هادئة متدينة ومهذبة» لينبعثوا من حولها مدعين كل صفات القرابة والقوامة. أحد أطباء مدينتي ممن لم تجمعني بهم ولا حتى مقاعد الدراسة (على اعتبارها أقوى رابطة ممكن أن تجمع شاباً بفتاة في بيئتنا)، بل فقط العمل الثوري قبل سقوط المدينة، يكتب لي: «صورتك عاملة لغط»، ثم يهتف هذا «المتدين» عبر سكايب بعد منتصف الليل ليسأل عن سبب خلعي للحجاب، ويقول إني أسأت للإسلام والثورة، ثم يكتب هذا المتدين نفسه بعد  أشهر: «مساء الخير واللازورد، أنا في غازي عنتاب، هل يمكن أن أراكِ؟»

أتساءل عن سر هذا التأرجح، وأفكر في المرأة في كل مجتمعات العالم، فهي أسيرة الكثير من العلاقات المثبتة المعلنة في مجتمعاتنا الشرقية، الكل وليها علناً. وهي في الغرب، ورغم كل التحرر، إلا أنها تُستغل حتى من هذه الزاوية في عدم الالتزام بها في غالب الأحيان بعلاقة معلنة، ينطبق ذلك على كل مدّعيّ التحرر من الشرقيين، الذين يحولون التحرر إلى حالة من الانفلات واللامسؤولية.

يبقى الله والإسلام. وأقول: مرت سنوات طويلة وأنا أعبده ما استطعت، ومرت سنة وأنا في حل من عقود تنسب في جزء منها إليه. لا شيء تغير سوى شعوري الأعمق بتفردي بعلاقة معه وحده، لا تمر عبر مسارب الناس، ولا تهشم أثناء محاولة التوجه إليه. لا أهاجم الشعائر ولا الطقوس ولا القناعات، أو أقلل من قيمتها، لكنني أرفض الانسياق كما أسلفت في صيغة «القطيع» وأتيح لنفسي فرصة الانفتاح على خياراتي الشخصية.

وإن كنا نعتبر أنفسنا كسوريين نعيش الثورة لنيل الحرية، فلا حرية يمكن أن نتحسسها بدون توازن داخلي مبني على الامتلاء بالحرية الشخصية، وإذا كان الحجاب (كمثال) دليلَ انتماء ثوري، فهل نتوجه إلى تشكيلات كداعش والنصرة بوصفها منتهى الثورية؟

لا بد لهذه الثورة من المرور على كل مستويات حياتنا، الشخصية منها قبل العامة، فمن الصعب أن يثور أسير  تعاليم الآخرين.