صمت السجين

أذكر في مقالٍ قرأته، في ملف مجلةٍ أسبوعيةٍ فرنسية عن صمت ضحايا النازية الطويل، وعدم نقلهم الشفهي لمّا حَلَّ بهم إلى أولادهم، وتغييرهم أحياناً لأسمائهم كلها لدى «استقرارهم» إثر عودتهم العجائبية إلى بلاد طفولتهم من معتقلات أفران الغاز الرهيبة، أذكرُ أن أحدهم شهدَ أخيراً بعد خمسين عاماً: «لم أكن أصمت عمداً عن إرادة محسوبة، بل كنتُ كلما هممتُ بالكلام، كان صوتي يختنق ويُحتبس بين ضلوعي، ثم لا يعود لي صوت، بل حشرجةٌ وضيقٌ في القلب والصدر كأن موتاً وشيكاً سيدهمني».

الشام، شورى، الأيام كلَّها

حدث لي الشيء نفسه مع أخي مرات عديدة، أذكرها بتفاصيلها، بل لا إنني أنساها مدى الحياة. كلما حسبتُ أنني في خلوة لنا، بعيداً عن الأم والأخت، وجرؤت على سؤاله عن سجنه الطويل، فإنه نادراً ما كان يجيب. كلما شرعَ بالكلام، دون النظر إلي مباشرةً بل ساهماً في المدى، كانَ ما أن ينطق بجملة أو ببعضها، حتى تحيطَ صوتَه الحشرجة، فتتغير معالم نبرته كأنه آتٍ من جوف قبر، ثم يكاد يختنق. أهربُ بدوري، كمن «طُعن بحربةٍ» متخذةً من البيت مكاناً قصيّاً، حاجبةً عنه، وعن أفراد أسرتي، دموعي وقهري واختناقي. أما المرات التي خفتُ فيها أن أسأله، رغم إعداد نفسي كل مرة ساعاتٍ طويلة للسؤال وعواقبه، فإنها لا تُحصى! لا فائدة! كلٌّ منا يكرر المشهد نفسه، فهو صامت، وأنا لا أسأل!

لا أحد في العائلة يسأل!  فما كلّ ما لا يُعرفُ يُسأل عنه!

مضى على سجن أخي ستة وثلاثون حولاً، وعلى إطلاقه خمسة وعشرون! كُتِب على سجلّه، برواية شهود عيان كلمة «براءة»! نعم، في سوريا طبيعيٌ أن ينتظر الـ«موقوف من أجل الوطن» ثمانية أعوام قبل ما يسمّونه «محاكمةً»، وعاماً في انتظار توقيع «البراءة»، ثم عاماً آخرَ حتى يأتي الدور، فتنفتح الأبواب الموصدة بألف قفلٍ وقفلٍ ظالم. كان هذا «الاستثناء السوري»، حسب زعمي، يصيب خاصة «أهل كهف» سجن تدمر.

خمسة وعشرون، ستة وثلاثون، ثلاثة أعوام وشهران وعشرة من الأيام، ثم سبعٌ من الساعات، دهرٌ انتظاراً لجسدٍ قتلته أنشوطة، وقررتْ شَحطَةُ قلم أنه أبداً لن يعود. عندما أتكلم عن زمن السجن، أجدني كمن لا يقول إلا هراءً عقيماً! كيف لي أن أقيس زمنه، وهو العصيُّ الخارجُ عن زمن أرض البشر؟ لزمنِ السجن فرادةٌ، وليس هو بالواحد أصلاً! نعم، ليس هذا «الزمن» واحداً حتى لفردين «تَساجَنا» الزنزانة نفسها، المدةَ الزمنية «نفسها».

كلّ سوريٍ له قلبٌ باصرٌ بصيرٌ كان يعرف! وكان يدرك بحدسه ظروف سجن تدمر. وإن كنتُ مع من يميلون للاعتقاد بأن ما قيل خارجاً للعلن، عن هذا السجن، والصمت والخوف ما زالا في القلوب، أقلُّ بكثيرٍ مما يمكنُ أو يجبُ أن يُقال، ومما قد تحفظُ منه أدراج المكاتب وقلوب الناس وأرواحهم، ولحمُ أجسادهم!

لقد وصل الأمر بأحدهم في عالم تدمر «الآخر» آنذاك، إلى القول: صارت البشرية عندنا كلها تُقسم إلى نوعين من البشر فقط لا غير! من عاش سجن تدمر، ومن لم يعشه! ليزيد عليه أحدهم لحظة جنون تدمري، وجثثُ الذين قضوا من السلّ ممدةٌ أمامه، يرفض السجانون سحبها لأيام كي «يشبع الآخرون من الرائحة، فتكون لهم في ذلك عظة»: بل أقول تقسم البشرية كلها إلى قسمين لا ثالث لهما، من عاش مهجعَ السل في تدمر، ومن لم يعشه!

الزيارة والشمس، كلمتان خلتا من قواميس أهل كهف سجن تدمر لسنواتٍ طويلة. كلمتا سرٍّ تعنيان للخارج من تدمر، إن خرج ولم تبتلعه حفر الصحراء، أو المنقول إلى سجن صيدنايا، إن حالفه الحظ، الفرقَ بين ألف جهنمٍ ونصفِ حرية!

كل شئٍ منظمٌ في عالم السجن والفروع الأمنية، ليس للأمر أن يسير على عواهنه إطلاقاً. يلعب الاسم والمهنة غالباً دوراً شديد الدراسة، ربما يحمل لصاحبه الويل والثبور. فـ«الشغلة ليست داشرة أبداً»، كما قال لي أحد «جنرالات» العسف الكبار آنذاك!

باريس أكتوبر/تشرين الأول 2015

لم أعرف إطلاقاً، وبقي أخي نفسه بعض مدة، داخل سجنه، لا يعرفُ السبب الحقيقي المباشر لسجنه! (أكاد أضحك بعبث الهازئ من نفسه وعليها، فهل تلزم للطغاة أسباب؟). ذلك السبب الذي من أجله تم أخذه من قطعته العسكرية، موثق اليدين معصوب العينين، وصولاً لفرع فلسطين حيث تم أمره بخلع الثياب العسكرية التي قيل له إنه «لم يستحق شرف لبسها»، ليُترك عارياً كما ولدته أمه. أجل، لم أكن أعرف، كبقية كل أفراد الأسرة، عن «سبب» إيقافه شيئاً! طوال هذه المدة لبثنا نظن «السبب» ما نعرفه عن ميوله البعثية القديمة منذ سنة 61، إلى أن طرحَتْ عليه ساندي، ابنة أخته، مدفوعةً ربما ببراءة عملها الإعلامي، في باريس، شهرَ تشرين أول أوكتوبر2015، سؤالاً بسيطاً: ما سبب اعتقالك خالو؟

أكان يجب أن يبتعد جسده آلاف الكيلومترات عن سوريا كي يبدأ بفتح فمه للكلام؟

للمرة الأولى ينطق أخي أمامنا جميعاً، بصوتٍ له صدى غريب راجف، قائلاً للصبيّة: السبب بضع كلمات نُقلت عني قلتها أثناء خدمتي الإلزامية في لبنان البقاع، ذلك الزمان الذي أنجبَ إجرام هذا الزمان. كنت مع رفيقٍ لي، قريبٍ مني، نتحادث في أمر جيشنا «العقائدي» ودوره في لبنان. لقد شاء قدري أن أكون شاهداً على ممارساتٍ لحظيةٍ تحدث أمام عيني. لم أعد أطيقُ السكوت، فأسررت بخلجاتي لهذا القريب: «كنت أظن أننا أتينا للبنان لمساعدة الحركة الوطنية، وليس لنهب اللبنانيين وكل ما تقع عليه أيدينا لدى مداهماتنا لبيوتهم، وسرقة الغالي والنفيس من شققهم وإذلالهم كل يوم».

«لم يقل الجلادون لي شيئاً في البداية عن الأمر، وكان علي من ثم الرضوخ للحقيقة الساطعة. سبقتني كلماتي في تقرير مُدبّجٍ إلى فرع فلسطين، الذي سأساقُ إليه، موثق اليدين! ثم اقتادونيٍ كالـ[... تصويتٌ لكلمة/كلماتٍ غائبة؟ عَكَسَه صدىً شبه هامسٍ لريقٍ يُبلع بملوحةٍ ومرارةٍ سَرَتَا إلى حلقي] إلى واحدٍ من أخطر السجون التي عرَفَتْها البشرية، لأمضي به، ثمن هذه الكلمات، عشراً من السنوات كان حريّاً بها أن تكون أحلى سنوات شبابي».

المفوضية الأوربية في البقاع 2013

لم يقبل أعضاء اللجنة سماع شهادتي وحدي كما رجوتهم، كان ابني الأصغر ذو العشرة أعوام معنا، كنا جميعاً في المقابلة. ألححتُ، فلم يقبلوا! اضطررتُ إلى الكلام، وحولي أفراد عائلتي جميعاً.

لم يتحمل ابني بأعوامه العشرة ما سمعه فأصيب بصدمةٍ مروعة، لا أنسى أزمة التشنج والاختلاج التي أصابته ونحن خارجون من بناء المفوضية. في غرفة المقابلة لَحَظتُه مصعوقاً كأن شللاً أصاب عضلات وجهه التي كستها علائم السدر والجمود، تماماً كوجه أخيه ذي الستة عشر عاماً، والذي لم يكن يعرف شيئاً عن قصص تعذيبي التي أصرّ أعضاء اللجنة التفصيل فيها، فمنعني وجها ولدَيّ عن ذكرها.

منذُ خروجنا من هذا المكتب اللعين، لفّنا جميعاً وجومٌ كظيم! سهمَتْ نظرات ابني الأكبر في عالمٍ غير مرئي، وخلدَ إلى صمتٍ طويلٍ لم يبارحه أياماً، لم يوجّه لي خلالها سؤالاً واحداً، بل خِلتُه يتحاشى النظر إليّ مباشرةً. وما إن انفكت عقدة لسان الأصغر، حتى انهمرَ عليَّ بأسئلة تكرر الجمل نفسها دون شعور: بابا بابا لماذا سألوك عن السجن؟ بابا لماذا قلت لهم إنك كنت في السجن؟ بابا بابا من أين تعرف ما حدث في السجن؟ بابا بربّك من كان في السجن؟ هل حقاً أنت من كنت في السجن؟ بابا بابا ما سجن تدمر هذا؟ بابا، هل هي تدمر التي زرناها في المدرسة؟ بابا، بابا .... ثم انخرطَ في نوبات بكاءٍ عاصف.

منذ أن وصلنا بيتنا، بدأت تظهرُ عليه علامات المرض، أتته حمّى اشتدادية، وعاوده بعضُ الاختلاج وألمٌ شديدٌ في البطن عنيدٌ لا يهدأ، وعندما كان ينام تحت تأثير الأدوية المرخية، أضحى يردد كلاماً غير مفهوم! هممت أعالجه بالكمّادات والأدوية و«أدثّره» بما تيسر من أغطية، وأمّه بالأدعية  وشراب «الزهورات» والحَضْن وأكياس الماء الساخن. ما زلتُ حتى الساعة أحاول أحياناً تفسير نظراته، أستعيده طريحَ الفراش، زائغَ العينين خائرَ القوى، متأملاً إيايّ في كل مرةٍ كأنه لا يعرفني!