نحو مؤتمر سوري عام

قد يبدو العنوان أعلاه مُفزعاً، وهذا في أحسن حالات رد الفعل، ذلك إن لم يكن مثيراً لمشاعرَ أخرى لا علاقة لها بالفزع! ولكن ما وصلنا إليه من حالٍ ما عادَ يَحتَمِلُ من أيٍّ منا مقارباتٍ لا تصل إلى مبتغاها مباشرةً، ودون إطالةٍ لن تؤدي سوى إلى مزيدٍ من اليأس، وربما مزيدٍ من مشاعرَ أكثر سوءاً، أعني المشاعر التي تنتاب من يحاول تناول الوضع السوري الراهن، الذي بات يراه كثيرون مغلقاً ومستعصياً على أي حدٍّ أدنى من المخارج أو الحلول العادلة، وبشكل كامل؛ وهذا غير صحيح أبداً.

حالُ السوريين ليست الأولى من نوعها في التاريخ البشري، هناك تاريخٌ طويلٌ من الاضطهاد المتوحش الذي تعرضت له شعوب كاملة من قبل حكم محلي مستبد، وهناك أيضاً تاريخ طويل للاستعمار الاستيطاني تجاه شعوبٍ أخرى، وهناك تاريخٌ طويل لاستعمارٍ استيطاني أشد شراسة مما سبق، وهو الذي يسعى لإحلال شعبٍ محل شعبٍ آخر، وإلغاء الشخصية الوطنية بشكلٍ كاملٍ للشعب المحتل عبر طرده من أرضه. الحالة السورية تجمع النماذج الثلاثة أعلاه! وإن كان لا بدَّ من الحديث عن شخصية سورية وطنية معاصرة، فهي بالتحديد تلك الشخصية التي تشكلت في خضم الثورة على الاستبداد السلالي الأسدي المفترس، وهي نفسها الشخصية التي يحاول المستبد الأسدي، وشركاؤه المستعمرون، إلغاءها بالكامل وبأي ثمن، حيث السوريون هم من يدفعون هذا الثمن دائماً.

التاريخ، حتى المعاصر منه، حافلٌ بأشكال المقاومة المختلفة التي طورتها الشعوب المُضطَهَدَة، واستطاع بعضها فعلاً الوصول إلى ما يريد، بالرغم من استحالاتٍ كاملة كانت تقف في طريقه. حالة جنوب أفريقيا مثال، ليس على تلك الاستحالات فحسب، بل وأيضاً على المقاومة التي لم تتوقف لحظةً، وقاومت حتى الزمن نفسه محولةً مقاومة هذا الشعب، التي استمرت عقوداً طويلة، إلى رمزٍ إنسانيٍ هائلٍ ما زال يشع أمام كثيرٍ من الشعوب الأخرى، ومنها الشعب السوري.

وأعتقد أن الظرف الراهن يفرض علينا التفكير، ليس فقط في تلك النماذج المطروحة أمامنا، بل وأيضاً وقبل أي شيء آخر بـ«نموذجنا» الخاص.

بدايةً، باتت الحالة السورية أشبه ما يمكن بالحالة الفلسطينية من ناحية التشرد على الأقل، هناك دياسبورا سورية يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار قبل البدء بالحديث عن أي إطارٍ جامعٍ للسوريين عموماً. وهذه الدياسبورا، وللأسف، ليست مؤقتةً، وهي مقسومة إلى قسمين: الأول يشملُ القسم الأعظم من سوريي الدياسبورا الذين طُردوا خارج سوريا، والمتواجدين في مخيمات اللجوء في الدول المجاورة، ويبدو أن حالة اللجوء هذه ستستمر لسنواتٍ طويلة، دون أن نجامل أنفسنا بالأمل بحٍل يحقق الحد الأدنى من مصالح أولئك الذين باتوا لاجئين على مرمى حجر من ديارهم؛ وهناك أيضاً ذلك القسم الذي أفلحَ، بعد تضحياتٍ هائلة، بالوصول إلى برِّ أمانٍ ما، أوروبيٍ بشكل رئيسي، وهو الجزء الأقلّ من تلك الدياسبورا، ولكنه بالمقابل الأكثر فعاليةً وإمكانيةً للحركة بسبب الظروف التي تَمكَّن من الوصول إليها. الدياسبورا السورية هي مجالُ عملِ أي إطارٍ تحرريٍ يبحث عن أفراد فاعلين يمتلكون حداً أدنى من إمكانية الحركة وحتى الموارد، تلك التي يجب أن تكون موجهة باتجاه الداخل بشكل رئيسي، حيث ما يزال قسمٌ كبيرٌ من السوريين يرزح تحت نير احتلالات متعددة ومركبة، ودائماً متحالفة ضدهم، وكوجود قبل أي شيء آخر.

 دعم صمود أهلنا في ديارهم، بكل الممكنات، هو هدفٌ أسمى لأي تجمعٍ أو إطارِ عملٍ سوري، لا يمكن له في كل الأحوال أن يحافظ على استقلاليته إلا بتواجده خارج السجن السوري الكبير الآن، وبعيداً عن أية صيغة سياسية تقليدية. هذه حقيقة، مركبة، يجب أن تُؤخذ بعين الاعتبار لتحدد لنا: إطارَ العمل؛ مضمونَ هذا الإطار؛ وهدفه. وبالتالي فإن السعي إلى تشكيلِ إطارٍ سياسي، بالمعنى التقليدي لهذا الإطار، لن يفعل شيئاً إلا إضافة جسمٍ «سياسيٍ» جديد إلى كتلة أجسامٍ سبقته، مَضَت جميعها، وبشكلٍ يدعو لخيبة ما بعدها خيبة، إلى مستودع المحفوظات في متحف «التاريخ الطبيعي» للسياسة!

السعي لتشكيل إطارٍ، تحت أي مسمى (المؤتمر العام ليس إلا اسماً مقترحاً يستلهم من تسميات تجارب سبقت، جنوب أفريقيا مرة أخرى) يجب ألا يقترن بمطالبة هذا الإطار بـ، أو بسعيه إلى، تمثيلٍ سياسيٍ للسوريين، أو حصة من هذا التمثيل على الأقل، هذا أمرٌ سيأتي لاحقاً من خلال عمل طويل ومركب ومتعدد المحاور، يجعل من هذا الإطار صيغةً تجمع السوريين حولها من خلال ما يقدمه لهم، الإطارُ نفسه، من إمكانياتٍ للحركة والتفاعل والعمل.

محاور هذا العمل يجب ألا تكتفي بالسياسة، حيث السياسة في كل الأحوال موجودة حتى في الهواء الذي بتنا نتنفسه مؤخراً. بل يجب أن تمضي باتجاهاتٍ محددة، محاولةً سد ثغرات حقيقية، وتلبية احتياجات أكيدة وملحة، باتت تظهر مؤخراً بسبب وضع السوريين الجديد المركب والعصيّ على إيجاد حلٍ واحدٍ جامعٍ مانع، «سياسي»، حسب تصور «ساسة» النظام، وجزء كبير من المعارضة التقليدية للأسف، للفعل السياسي. هناك كثيرٌ من المشكلات التي بات يطرحها هذا الوضع الجديد، غير المتوقع نهائياً حتى قبل بضعة سنين خلت. وهي تبدأ بهموم اجتماعية ثقافية مركبة في بيئات جديدة مختلفة تماماً عما اعتاد عليه السوريون، أو حتى توقعوا مواجهته، مروراً بهموم معيشية، كارثية بالكامل، خصوصاً لأهلنا في الداخل السوري، وصولاً إلى همٍّ كبيرٍ يتعلق بمصير القضية السورية برمتها.

ويمكن هنا طرح أمثلة كثيرة، تبدأ بمشكلة الأطفال الذين وُجِدوا في ظروف جديدة بالكامل، اللجوء الأوروبي بشكل رئيسي، ورغبة الأهل في إبقائهم على ارتباط، إن لم يكن بوطنهم الذي فروا منه، فعلى الأقل بتلك الثقافة التي حملها الأهل معهم وباتوا عاجزين عن التخلي عنها، أو التواصل بدونها، وفي الوقت نفسه راغبين بالتواصل مع أولادهم الذين بدأوا بتمثّل ثقافةٍ أخرى مغايرة، وليس لديهم سوى تلك الثقافة، واللغة، العربيتين وسيلةً للتواصل، يجب أن لا تنتهي هكذا بسهولة بحيث يجدُ الأهل أنفسهم، قبلَ الأولاد، وقد خسروا كل شيءٍ بما فيه أولادهم؛ مروراً بمشكلةٍ أكثر إلحاحاً ومصيرية عند السوريين في مخيمات اللجوء، حيث بات تعليم الأولاد هاجساً يفوق في إلحاحه وأهميته هاجس المأوى والطعام والدواء؛ وصولاً إلى مشكلة السوريين في الداخل، في تأمين أبسط متطلبات الحياة والمضي في صمودهم في وجه محاولات الاقتلاع الهمجية، التي لن تتوقف بالتأكيد عند شكلها الأكثر فجاجة ووحشية، حصارُ التجويع والقصف المباشر لأماكن عيشهم بالبراميل والطائرات الحربية. مع ما يطرحه الوضع الأخير بالذات من تحديات لحظية تتطلب دائماً جاهزية وقدرة على الحركة السريعة والتواصل المباشر، رغماً عن الحصار وعن محاولات الاقتلاع الدائمة؛ وصولاً إلى قضيتنا الكبرى والاستمرار في إبقائها حية عبر العمل الثقافي بمختلف أشكاله وبأفضل طريقة ممكنة، حيث مأساة السوريين، ومعجزتهم في آن، جديرةٌ بأن تُقدَّم بأفضل صورة ممكنة، وبما يضعها في إطارها الطبيعي كمعيار لإنسانية عالمٍ كامل، كلما توغل أكثر في أنانيته وعزلته، كلما ازداد توحشاً.

الأمثلة المطروحة أعلاه لا تتعدى بضعةَ أُطرٍ عامة للحركة، وجميعها تتطلب عملاً حثيثاً لتحديد تلك الأطر بشكل أكثر تفصيلاً، وإعطائها مضامينها الحية والدقيقة بحيث يتطور العمل المحدد والمطلوب، وإطاره، كلما تقدمنا خطواتٍ إلى الأمام. وتجب هنا الملاحظة بأن هناك عدداً لا بأس به من السوريين قد باشروا فعلاً بالحركة في هذا الاتجاه أو ذاك، من الأمثلة المذكورة أعلاه وأكثر، ولكن ما ينقصهم فعلاً هو ذلك الإطار العام المنظم والفاعل، وغير المطروح بتاتاً بصفته بديلاً عن تلك الأُطر التي أفلحوا في تأسيسها، وبتضحياتٍ وجهودٍ كبيرة، وعلينا ألا ننسى هذا أبداً. هذه النقطة بالذات في غاية الأهمية لفهم طبيعة عمل الإطار المقترح، هو ليس بديلاً أبداً، بالعكس، هو يهتدي بتجارب الآخرين ويحاول الاستفادة منها ليعود لاحقاً، ويدعم تلك التجارب بصفتها تجارب مستقلة، ولكنها في الوقت ذاته تخدم الهدف نفسه. أي أن الإطار المقترح ليس إطاراً مهيمناً مركزياً أو «مؤسساتياً» صارماً في طبيعته، تلك المرونة مطلوبة ليس فقط للوصول بالعمل إلى أكبر فعالية ممكنة، بل وأيضاً لضمِّ أكبر عدد من الخبرات والإمكانات السورية المنتشرة في جميع أنحاء العالم الآن.

وإن أخذنا بعين الاعتبار الإمكانيات الهائلة التي تضعها وسائل التواصل الحديثة بين أيدينا، وتجاربنا معها، وخبراتنا من خلالها، فلن يكون من العسير علينا إيجاد تلك المنصة التي يمكن للإطار المُقترح أن يولد من خلالها. حيث يمكن توجيه الدعوة، مفتوحة وعامة لمن يرغب من السوريين في أي مكان كانوا، للمشاركة وأبداء الرأي، وتحديد أطر عمل أكثر دقة وعملية، وتشكيل أطر تنفيذية معروفة ومعلنة للجميع، على الأقل فيما يتعلق بإمكانيات العمل خارج سوريا المحتلة. تلك الأطر التنفيذية الخاضعة للرقابة والمحاسبة أيضاً، وللمراجعة الدورية بحيث نستفيد دائماً من تجاربنا وأخطائنا، ستكون هناك أخطاءٌ لا محالة، ونطور عملنا إلى الأمام لنصل في نهاية المطاف إلى تلك الحالة التمثيلية المشرفة الجديرة بأن تكون سوريّةً.

وعلينا ألا ننسى أن مشكلة السوريين مع الحكم السلالي المفترس لآل الأسد ليست كل مشكلتهم، إن العالم كله مشكلتهم. وبالذات القوى المهيمنة، إقليمياً ودولياً، والتي لم تكفَّ لحظة عن التدخل ووضع العراقيل في وجه السوريين الساعين للوصول إلى أبسط حقوقهم، لأسبابٍ باتت أكثر وضوحاً من أن نمتنع عن طرحها، خصوصاً بعد الثمن الباهظ الذي دفعناه.

هناك نظام عالمي جديد بدأ بالتشكل فعلاً، وعلى أشلائنا نحن أولاً. يعتمد مبدأ المساومات لتصريف فائض القوة المسلحة، والمدفوعة بأوهامٍ قوميةٍ معوّضةٍ عن تردٍ كاملٍ في مختلف القطاعات الحياتية لشعوب كاملة، مقارنةً مع نموذجٍ بات استفزازياً أكثرَ منه محفزاً، النموذج الأمريكي بالتحديد. عجزُ سلطاتٍ مهيمنة على شعوب أخرى عن الوصول بشعوبها إلى المكانة التي ترى تلك الشعوب نفسها جديرة بها، يجعلُ تلك السلطات تنفخُ في أوهام العظمة التعويضية، كبديلٍ عن عجزٍ كاملٍ في مختلف القطاعات التي يُطلَبُ من تلك السلطات إثبات جدارتها فيها قبل الجعجعة. هذا النفخ جَعَلَ الجميع يرون العجز بصفته عجزاً عن تحقيق ما وصل إليه الأمريكيون (مظاهر القوة والسيادة والسيطرة على العالم هي المُستفزة هنا بالدرجة الأولى)، وجَعَلَ مناكفة الأمريكيين سمةً «وطنيةً» لا يجرؤ أحد على التشكيك بها. وتلك السلطات تمتلكُ ما يكفي من وسائل المناكفة إن كان إقليمياً أو دولياً، في ظل إدارة أمريكية ما عادت ترى من العالم سوى مناطق نفوذ يمكن إعادة توزيعها، وتصريف تلك المناكفات باتجاهٍ آخر وتحت قيادة أمريكية، عوضاً عن أن يكون ضدها، وبما يخدم مصالح الأمريكيين، وشركائهم التاريخيين، أوروبا وإسرائيل، قبل أي أحدٍ آخر وعلى حساب الطرف الأضعف، وهو في الحالة السورية السوريون أنفسهم؛ حتى ولو كان تحت شعار مفبرك «محاربة الإرهاب»! كما أشار مرةً، وعن حق، ياسين الحاج صالح.

في ظل هكذا وضع، يصبحُ من الملّحِ بالنسبة لنا أن نبحث عن صوتنا وملامحنا الحقيقية من خلالنا نحن، لفتح ثغرة كبيرة في جدار الحصار المضروب، ليس حول سورية ومناطقها السكانية فحسب، بل حول فكرة سوريا الحرة نفسها، وحول فكرة الحرية من أساسها بعد المقتلة السورية الهائلة. حيث باتت القضية السورية استفزازاً حقيقياً لكل قوةٍ ساعية لتكريس أمرٍ واقعٍ على حساب أولئك السوريين بالذات، والتي يجب أن تكون بدورها، سوريا الحرة، إلهاماً لشعوب أخرى تريد الخروج من حالة الحصار التي سببها الاستعصاء العالمي الجديد.