في نقد سلافوي جيجك: حتى لا يأخذنا هيتشكوك بعيداً

«لماذا يتم اليوم فهم كثيرٍ من مشاكل الحاضر بأنها إشكالات تتعلق باللاتسامح، بدلاً من كونها تتعلق باللامساواة والاستغلال والظلم؟ لماذا يكون التسامح دائماً هو الحل المقترح، بدلاً من التحرر والصراع السياسي والصراع المسلح حتى؟ إن الجواب المباشر ينبع من طريقة عمل الإيديولوجيا الخاصة بمنطق التعددية الثقافية بشكلها الليبرالي، والتي يُقصد بها ثقفنة السياسة، وهي: أن يتم جعل الفارق والاختلاف السياسي –والمقصود هنا الاختلاف المحكوم بالفوارق السياسية أو الاستغلال الاقتصادي- قيمةً محايدة، ويتم تحييدها لمصلحة الاختلاف الثقافي، والمقصود هو الاختلاف في أساليب الحياة، والذي يُقدم كمعطىً لا يمكن تغييره أو التغلب عليه كفارق.» - العنف، ص 140، سلافوي جيجك.

ظهرت في الآونة الأخيرة عدة انتقادات للناقد الثقافي السلوفيني سلافوي جيجك –لا أسميه فيلسوفاً، وليس لذلك علاقة بنقدي له هنا- بخصوص آرائه في قضية اللاجئين في أوروبا. واتخاذه مواقفاً يعتبرها اليسار متماهيةً مع آراء ومواقف اليمين الأوروبي بخصوص هذه المسألة. بدأ الأمر برمته بعد مقالٍ كتبه جيجك عقبَ أحداث باريس العام المنصرم، بعنوان «في أعقاب أحداث باريس: على اليسار التمسك بقيمه الأوروبية»، انتقدَ فيه نقاده من اليساريين بسبب آرائه تجاه هذه القضايا. وادعى جيجك في المقال بأنه يكسر التابوهات اليسارية التي لا يتجرأ كثيرٌ من اليساريين على النقاش فيها، فهو يقترح التوقف عن نقد الإسلاموفوبيا قائلاً: «ليتوقف هذا الخوف الوبائي عند كثيرٍ من اليسار الليبرالي الأوروبي، الذين يخافون أن يوصموا بعار الإسلاموفوبيا»، ويعني بذلك عند نقدهم بعض القيم أو المفاهيم الإسلامية. أيضاً هو ينتقد أولئك الذين ينتقدون بدورهم المركزية الأوروبية من اليساريين، مبرراً ذلك بأن أوروبا عليها: «صياغة حدٍّ أدنى من النماذج ليتبعها الجميع، وتتضمن الدين والمرأة.. إلخ، بدون أن يخشى المرء منا أن يوصف هذا النموذج بسمة المركزية الأوروبية». ويقول في نهاية الفقرة من المقال أيضاً، إن من لا يتلاءم مع هذه الصيغ، ومن يحاول مقاومتها من اللاجئين، سيُطبَق عليه القانون بكل أشكاله المناسبة. أضف إلى ذلك بأنه قال بعسكرة مسألة اللاجئين، والحدِّ من حرية تنقلهم.

ما سبق هو البداية، وهو من مقالٍ واحدٍ فقط، والحديث يطول عن هذا المقال. لكنني هنا وأنا أنتقد جيجك، فإنني انتقد نقّاده أيضاً، خاصة من اليساريين. فهم يقومون باجتزاء النصوص من مقالاته ولقاءاته ويضعونها في سياقات نقدهم له، وهذا الأسلوب وإن صح وأثبت بعض ما يتهمونه به، إلا أنه يبقى غير موضوعي. والإشكال الأكبر في هذا الأسلوب من النقد، أنه لا يعود ليقرأ في مفاهيم جيجك وآرائه حول التسامح والعنف والتعدد الثقافي، هذا إذا غضضنا الطرف عن سوء التأويل واختلاف السياقات. ولكن وبسبب عدم وجود ترجمات أو نقودات توضح الآراء الخاصة بجيجك فيما يخص موضوع اللاجئين، سأضطر أن أعرج على بعض ما قاله، وأجتزأ نصوصه تجاوزاً كما يفعل من أنتقدهم هنا من نقاده، محاولاً ألّا  أقع في الفخ ذاته.

إن حديثَ جيجك عن التعدد الثقافي في لقائه الأخير في القناة الرابعة، والذي قال فيه إن المسلمين لا يفهمون بعض القيم الأوروبية، ولا يستطيع أمثال جيجك -كما يقول- فهْم هؤلاء المسلمين، هو حديثٌ يناسب الاقتباس في مقدمة المقال، والمأخوذ من كتابه العنف، والذي خصص له باباً في نقد مفاهيم التسامح الثقافي ونقد السياسة الليبرالية. يناسبه لكونه تناقضاً صارخاً مع ما يدعيه في تصريحاته ومقالاته، فهو عندما يقول في مقاله عن أحداث باريس: «يستحيل على المسلمين أن يتحملوا صورنا المليئة بالهرطقة، وحسّ الفكاهة غير الاكتراثي لدينا». أو كما يقارن بينهم وبين الأوروبيين قائلاً: «إن أسلوبهم في العيش لا يتناسب مع الأساسيات الإيديولوجية لدولة الرفاه الغربية». أو عندما يمتدح ويقتبس كلمات الكاتب الروسي يفجيني جريشكوفيتس الذي يقول قاصداً اللاجئين: «هؤلاء ليس لديهم أدنى فكرة عن القيم الأوروبية، وأساليب الحياة فيها وعاداتها، وتعددها الثقافي أو تسامحها». أو عندما يقول في مقالٍ آخر كتبه بعد اغتصاب أحد اللاجئين لفتاة في ألمانيا: «إننا نتعامل مع تحول طبيعي لرغبة محبَطة إلى العدوانية كما يصفها المحللون النفسانيون، والإسلام ما هو إلا مُهِيئ للصيغ التأسيسية لهذه الكراهية العدوانية». وهناك كثيرٌ من هذه الاقتباسات الصادمة ربما لأول وهلة، ولكنني سأكتفي بهذه لتبيين تناقض جيجك. فهو ينتقد في كتاب العنف خطاب التسامح الذي يحيّد ما يشكل الفرد مثل الطبقة الاقتصادية والواقع السياسي، لمصلحة نظرات جوهرانية تحوّل الأفراد إلى كائنات ثقافوية لا تخرج من دائرة ثقافتها، بصفته خطاباً غير إنسانوي مؤدلجٍ لمصلحة خطاب مادي يستند على التحليل الطبقي. حيث التحليل الطبقي هنا هو خطاب لا إنسانوي، لكنه يطمح لاستعادة الإنسان من اغتراباته الاجتماعية. ولا ينسَ هذا الفكر التسامحي أن يؤكد مراراً وتكراراً على أهمية التسامح واحترام الاختلاف –كما يفعل جيجك أيضاً- إلا أن هذا ليس ما يهم، بل ما يهم هو ضحالة هذا التفكير وسطحيته حيث لا يرى أي تناقض داخلي داخل المكون الواحد، أياً كان هذا المكون. وهذا الفكر عندما يصل لأعلى مراحل تمظهراته فإنه يتحول إلى فاشية، وهي بالضبط النظرة الجوهرانية للأفراد أو للجموع. عندما يقول سلافوي جيجك ما يقوله من جمل مماثلة لما ذُكر آنفاً، فإنه ينزل إلى مزالق ما ينتقده، ويقع في فخٍّ كان قد حذر منه، ألا وهو ذات البنية الإيديولوجية التي يقوم عليها مفهوم التسامح. والقائلة بتضمين هوية عملاقة داخل الفرد، والهوية العملاقة هنا هي الإسلام، فيشكل الإسلامُ الفردَ لوحده كما لو أنه يتمثل فيه، وهذه هي العنصرية، فالعنصرية ضد الفرد تكون بإلغائه لصالح هوية ضخمة تنعدم ضآلته فيها.

ويأتي ضمن النقد الموجه لجيجك، حديثه عن أوروبا كملجأ للنازحين. فيقول مثلاً في معرض حديثه عن اللاجئين: «على أوروبا أن تطلب من اللاجئين النازحين إليها احترام القيم الأوروبية». ويقول في مقال آخر: «إنها حقيقة، أن أغلب اللاجئين يأتون من ثقافة تتعارض مع مفهوم حقوق الإنسان»، إنه حديثٌ عن قيمٍ أوروبية ومعانٍ أوروبية، وصفاتٍ أخرى تبدو لوهلةٍ وكأنها تخص جماعة متجانسة أو مكاناً ضيقاً جغرافياً اسمه أوروبا. لكنه يتحدث عن أوروبا بشكل موغل في السذاجة، كما لو كنتَ تستمع لمارين لوبان قائدة الجبهة الوطنية الفرنسية اليمينية، فبمقارنة حديثٍ سابقٍ لها مع حديث جيجك، نجدُ تماهياً واضحاً مع الخطاب اليميني الأوروبي المبني على الشوفينيات القومية التي لطالما انتقدها جيجك في كتبه: «من دون سياسة واضحة نستطيع من خلالها الحد من تدفق حركة اللجوء، سيصعب علينا إن لم يكن سيستحيل، محاربة التكتلات الاجتماعية وصعود الأساليب الحياتية المتعارضة مع قيم الجمهورية الفرنسية.». بل يذهب أحياناً إلى مستوى من الخطاب يقارب الخطاب الاستشراقي، عندما يتكلم بشكل برنارد- لويسي (نسبة لبرنارد لويس) عن افتتان هؤلاء اللاجئين بأوروبا ونمط الحياة فيها وحسدهم، وأنهم برغبتهم هذه يشكلون خطراً على أسلوب الحياة الأوروبي، وذلك بناءً على افتراض أن هؤلاء اللاجئين النازحين من سوريا وأفغانستان والعراق وليبيا وكوسوفو والكونغو وجنوب السودان والصومال يأتون من ثقافة واحدة. وماذا يكون هذا غير نظرة استشراقية كلاسيكية؟ خاصةً عندما يتحدث عن النساء وهنّ مرتديات البرقع أو النقاب، أو عن انعقاد زيجات الأطفال، أو الاعتداء على مثليي الجنس، أو معاداتهم لغيرهم وانعدام فكرة التسامح الأوروبي لديهم، ذلك على الرغم من أنه يقول بتخلف وجهل كثيرٍ من الطبقة العاملة الأوروبية في أوروبا أيضاً، ويُعيد سبب كراهيتهم لمثليي الجنس والغرباء لهذا السبب. يقول أيضاً بافتتان مقاتلي داعش الغربيين بنمط أسلوب العيش في الغرب، وكأنما لم يكونوا جزءاً منها وليسوا نتاجها. هو لا يفهم أن القيم الأوروبية التي يتحدث عنها ماهي إلا نتاج البرجوازيات الحاكمة المتعاقبة تاريخياً على أوروبا، وأنها ليست إلا تاريخاً مستمراً من الحروب والاستعمار، فعن أي قيمٍ يتحدث؟

ويسوق ضمن ادعاءاته أيضاً، أن على اليسار أن يتمسك بقيمه الأوروبية، وأنه لا يجب عليه أن يخشى من أن يوصف بأن أفكاره ذات مركزية أوروبية، متسائلاً: ألم تكن فكرة اعتناق الماركسية فكرةً ذات مركزية أوروبية؟ وهذا ادعاءٌ تجاوزه أغلب اليساريين حالياً، وما بحوثُ الماركسيين الجدد، فيفيك تشيبر وألكسندر أنيفاس، إلا نقدٌ واضحٌ لهذا الادعاء، الذي ما هو إلا رَجلُ قشٍ جيجكي.

بعد ذلك يعرج على موضوعٍ آخر، ألا وهو آثار اللاجئين الاقتصادية -رغم أنه لم يكن يوماً مهتماً بالاقتصاد السياسي- وعلى مسائل الزراعة المحلية في أوروبا وعولمتها. بل إنه يذهب ليتحدث عن تهديد رأسمالية الرفاه الأوروبية، والخطر المحدق بها من قِبل رأسماليتين لا تحملان في طياتهما أي ميل للديموقراطية على عكس الرأسمالية الأوروبية، وهما: رأسمالية السوق في نسختها الأمريكية، والرأسمالية الصينية الأوتوقراطية، أو ما يسميها في كتبه اصطلاحاً بالرأسمالية ذات الخصائص الآسيوية. وفي مقالٍ آخر بعنوان «النرويج ليست موجودة»، يناقش فيه فكرة وجود نزعة طوباوية عند المهاجرين، تتمثل في الرغبة بالاستفادة من خدمات دولة الرفاه الأوروبية، والإبقاء على أسلوب الحياة الخاص بهم، أي نيل الحُسنيين معاً. فهو يقول إن اللاجئين لا يودون الذهاب إلى أي دولة في أوروبا فحسب، بل هم يأتون محملين بهذا المخيال الفنتازيي، وبالمفهوم «اللاكاني» عن أوروبا، الذي يتجسد مثلاً في النرويج. ويدعي جيجك أن هذا المخيال غير موجودٍ، وأن النرويج الموجودة في مخيلة هؤلاء اللاجئين، غير موجودة حتى في النرويج ذاتها. وهذا الادعاء ينطوي على أشياء كثيرة ربما لا يتسع المقال لذكرها، لكنه غير منصفٍ بحق من يعانون من العنف في أوروبا بجميع أشكاله وأهمها الخطابي. غير منصفٍ أن يدعي جيجك أنهم فيما يشبه النزهة، يذهبون إلى حيث هم شاؤوا، ولا يواجهون السياج الكهربائي والجنود والمشي الطويل والبرد والدبابات.

في كتابه يناقش جيجك موضوعين في العنف، هما العنف الشخصي والعنف الغرضي، والعنف الغرضي هو ما يعنينا هنا. فالعنف الغرضي، أو ما نستطيع تسميته بالعنف الميتيقي كما يسميه والتر بنيامين. هو العنف النابع من بنية النظام نفسه أياً كان هذا النظام، وربما تحديداً في حالتنا هذه هو عنف النظام البيروقراطي الأوروبي. فجيجك يتماهى ليس فقط مع اليمين والاتحاد الأوروبي، وإن كان اليمين يعبر عن قمة البيروقراطية الأوروبية، بل هو يقدم حلولاً لمسألة اللاجئين من قبيل إرسال قوات عسكرية إلى مناطق النزوح الأساسية، رغم أنه يصرّح بما يعنيه هذا الوجود العسكري، وما هي مخاطره.

في لقائه في القناة الرابعة، لخص سلافوي فكرته بخصوص موضوع اللاجئين قائلاً، وهو يعرض صورا للاجئين على قاربهم في عرض البحر: «إن تلقي مسألة كل ما يحدث فيما يخص موضوع اللاجئين بوصفها أزمةً إنسانية، وأن علينا فتح قلوبنا لهم هو خطأ فادح. إن ما علينا فعله بمصطلحات سينمائية –ولطالما فعل هيتشكوك ذلك- هو أن الصورة تبدأ من هذه اللقطة الضيقة، ثم تبتعد ببطءٍ حتى نرى الصورة الأكبر، أو ما نسميه في مصطلحاتنا الماركسية التقليدية الكليّة الاجتماعية».

ربما يكمن الإشكال في الابتعاد عن الصورة الضيقة والذهاب للصورة الأكبر، دون الأخذ في الحسبان أن الصورة الأكبر لا تنحصر في معايير الكادر السينمائي كما الصورة الصغيرة، بل هي أعمُّ وأوسع. لكن يبدو أن جيجك أخذها بعيداً عمّا يجعلنا فعلاً نفهم مسألة اللاجئين، ألا وهو الصراع الطبقي ومنتجات الرأسمالية العالمية.

على هيتشكوك أن يُبقينا قريبين من الصورة، بحكم أن هؤلاء اللاجئين يشكلون نتاج الأزمة ومفاتيح حلها، لا البيروقراطية السياسية المتلاعبة بهم في صفقات سياسية مشبوهة. نعم، على هيتشكوك ألّا يأخذنا بعيداً، وإن كان لزاماً عليه أن يفعل، فلِنخلقَ نحن صورة الشاشة بأنفسنا. فكما يقول سام كريس في أحد نقوداته على مقال جيجك المتعلق بالنرويج: «إن لم يكن هناك نرويج، فإن علينا أن نبني واحدة».