عندما كان الإعلام الفرنسي صديقاً للمجاهدين

مقدّمة المترجم

إذا كان الإعلام الفرنسي مشغولاً، هذه الأيام، بملاحقة أخبار المجاهدين، «المجرمين، الإرهابيين، المتطرّفين»، وبالتمحيص على نحوٍ هوَسيّ في أحوالهم وتاريخهم وأصغر تفاصيلهم، فإن هؤلاء كانوا، لنحو عقدين من الزمن، قبل أكثر من ثلاثين سنة، من أعزِّ ممدوحيه وأكثرهم سلامةً من نقده.

كان مبدأ «عدوّ عدوّي صديقي» المعمول به في ذلك الوقت، يدفعُ ليس إلى التغاضي عن دينيّة أو تعصّب المجاهدين الأفغان فحسب، بل إلى تصويرهم كأبطالٍ ومقاومين استثنائيين، ككواسر لا تهاب الموت، كجنودٍ متحلّين بالإيمان اللازم لردّ المعتدي، وكأصحاب قضيةٍ عادلة تستحق الإغاثة والتسليح الغربيّين. كل ذلك في سبيل تقديم صورة مقبولة ومقنعة عمّن صاروا، بمجرّد عدائهم للسوفييت، حلفاء للغرب.

أبعد من ذلك، كان كتّاب وصحافيون وباحثون مشغولين، كما يرينا التحقيق أدناه، بتبرير ما قد يُقلق أو يُثير أسئلة الفرنسيين، «العلمانيين»، من تصرفات وتقاليد «متخلّفة» أو «قمعيّة».

هكذا، كان هؤلاء يخترعون تفسيرات وتحليلات، تستحقّ الملاحظة فعلاً، لـ«تقاليد» أفغانية، إشكالية في فرنسا، مثل تديّن جُلِّ أو كُلِّ المقاتلين، وعدم وجود نساءٍ بينهم، ومثل تعدّد الزوجات، ومهر العروس، والزواج المدبّر من قبل الوالدين، واضطرار المرأة إلى ارتداء الشادور، وغير ذلك.

يشرحُ أحد الكتّاب، مثلاً، أن لتعدّد الزوجات، رغم بعض سلبيّاته، فضائلَ عدّة، من بينها إيجاد حلولٍ اقتصادية، وكذلك إدماج النساء العاقرات في المجتمع! أما المهر، أيّ دفع مبلغ للعروس أو لأهلها كشرطٍ للزواج منها، فليس، بالنسبة إلى كاتبٍ آخر، سوى تقليدٍ يشكّل جزءاً من نظام عاداتٍ متكامل في هذا البلد. في المحصلة، يجب على الفرنسيين والأوربيين، كما تدعو كاتبةٌ أخرى، التخلي عن تقوقعهم حول مفاهيمهم وثقافتهم كي يستطيعوا فهم هذا الآخر بوصفه مرتبطاً بسياقٍ اجتماعيٍ وتاريخيٍ مختلفين! هذه الكاتبة، ذاتها، تقول إن تغيير المجتمع الأفغاني لا يمكن فرضه بالدبابات من الخارج، بل هو ثمرة صيرورة داخلية يحكمها، قبل كل شيء، قرار الأفغانيات أنفسهنّ!

لا يسعنا اليوم، إذ نقرأ ما يُطلعنا عليه تحقيق دُني سوشون (المنشور في عدد شباط 2016 من شهرية «لو موند ديبلوماتيك»)، إلا أن نتعجّب من تغيّر الأحوال، ومن قدرة الإعلام، وقدرة الأشخاص أنفسهم أحياناً، على قول الشيء ونقيضه خلال عدة سنوات، والترويج لكليهما بين الملايين من الناس بالطاقة والحماس ذاتيهما.

عبر الاقتباسات المتتالية، يترك سوشون الإعلام الفرنسي يتحدث عن نفسه؛ ما يبدو له، ولنا أيضاً، طريقةً مناسبة، مهنياً وأخلاقياً، لفهم النسق العام الذي كان سائداً في فرنسا قبل أكثر من ثلاثين عاماً.

*****

في الفترة الممتدة بين الهزيمة الدامية للولايات المتحدة في الهند الصينية (نيسان وأيار 1975)، وسلسلة الاضطرابات الواقعة في البلدان الأوروبية الدائرة في فلك الاتحاد السوفييتي (خصوصاً في بولندا، حيث جرى إعلان حالة الطوارئ في كانون الأول 1981)، تحسَبُ الولايات المتحدة وأوروبا الغربية، أو تدّعيان، أن موسكو قد شنّت هجوماً عالمياً ضخماً. في أفريقيا، تبدو أنغولا وموزامبيق، المستقلتان حديثاً حينها، وكأنهما تمدّان ذراع المودّة إلى السوفييت؛ أما في أميركا الوسطى، فيُسقِط المتمرّدون الماركسيون نظاماً دكتاتورياً موالياً للولايات المتحدة في نيكاراغوا؛ بينما في أوروبا الوسطى، يمسك حزبٌ شيوعيّ موالٍ للسوفييت زمام السياسة في البرتغال، العضو المؤسس في «منظمة حلف شمال الأطلسي». غزو «الجيش الأحمر» لأفغانستان، في كانون الأول 1979، يبدو مؤشراً على ما يشبه هروباً إلى الأمام تقوم به موسكو. إنها تبدأ مرحلة جديدة من الحرب الباردة بين المعسكرين. أما معارك المجاهدين «مقاتلو العقيدة المنخرطون في الجهاد» الأفغان، التي ستبدو وكأنها مُرسلةٌ من السماء لمواجهة طموحات الاتحاد السوفييتي التوسّعية، فستصبح، في الغالب من الأحيان، موضع احتفالٍ وثناءٍ على نحوٍ ملحميّ.

1-2.jpg

«أفغانستان: على ظهور الخيل في مواجهة الدبابات الروسية!» صورة لسيريل تورنور ديزون. «مجلة لو فيغارو»، 16 كانون الثاني 1988.
«أفغانستان: على ظهور الخيل في مواجهة الدبابات الروسية!» صورة لسيريل تورنور ديزون. «مجلة لو فيغارو»، 16 كانون الثاني 1988.

ليس مهماً أن جلَّ هؤلاء المقاتلين، الذين رُفعوا إلى مرتبة الأبطال، مسلمون تقليديون، بل ومتزمّتون. في تلك الفترة، لم يكن يُرى إلى الدين بوصفه عامل تخلّفٍ بالضرورة، إلا إذا تعارضَ مع مصالح الغربيين الاستراتيجية، كما هو الوضع في إيران في ذلك الوقت. غير أن وضع أفغانستان، كما بولندا الكاثوليكية التي أخذها برعايته الأب يوحنا بولس الثاني، أسقف كرواتيا السابق، مختلفٌ عن إيران. وبما أن الأولوية الجيوسياسية ترمي إلى أن تُصبح أفغانستان بالنسبة إلى الاتحاد السوفييتي ما كانته فيتنام بالنسبة للولايات المتحدة، فإن سرديةً إعلاميةً وحيدةً تقريباً ستتكفل، خلال سنوات، الإعلاءَ من شأن المجاهدين وتقديم انتفاضتهم على أنها ثورةٌ محقّة، وثيقة الصلة بالعقيدة. سرديةٌ ستأخذ على عاتقها، بشكل خاص، وصف مكانة وحياة النساء الأفغان بعدّةٍ جوهرانية، ساذجة ومسحورة أحياناً بالتقاليد الشعبية.

العودة، بعد مضي خمس وثلاثين سنة، إلى هذا الخطاب العام وتصوّراته المسبقة مفرطةِ الحضور حينها في الصحافة الفرنسية، من «مجلة لو فيغارو» إلى «لو نوڤل أوبسرفاتور»، تسمحُ بالوقوف على حقيقة أن جلَّ ما كان يستدعي الإعجاب في الأمس، إذ كان وسيلة استقطابٍ وحشدٍ للمعركة ضد «إمبراطورية الشرّ» (الاتحاد السوفييتي بحسب رونالد ريغان)، صارَ اليوم مصدراً للبُغض والفزع. كنا نصفّق، بين 1980 و1988، لمآثر «مقاتلي العقيدة» ضد «الجيش الأحمر». لكن بدءاً من العقد اللاحق، سيجري وصف أبناء عمومتهم عقائدياً في الجزائر («الجماعة الإسلامية المسلّحة»)، ومن ثم في أفغانستان («طالبان»)، وأخيراً في الشرق الأوسط مع «تنظيم القاعدة» و«تنظيم الدولة الإسلامية»، بعبارات «المتعصّبين»، «المتطرّفين»، و«البرابرة».

2.jpg

«أرواحهم تُقرأ على وجوههم»، تصوير خوليو دونسو، نص ڭي سورمان بالتعاون مع پاسكال بروكنر، «مجلة لو فيغارو»، 20 أيلول 1986.
«أرواحهم تُقرأ على وجوههم»، تصوير خوليو دونسو، نص ڭي سورمان بالتعاون مع پاسكال بروكنر، «مجلة لو فيغارو»، 20 أيلول 1986.

صحيحٌ أن مجاهدي سنوات الـ1980، الذين لم يكونوا يقومون بهجمات في الخارج، يختلفون، على أكثر من مستوىً ذي أهمية، عن مقاتلي «الجماعة الإسلامية المسلحة» الجزائرية وعن أعضاء «داعش»، غير أنه صحيحٌ أيضاً أن أفغانستان طالما شكّلت بوتقةً وحاضنةً للاحقيهم. فأبو مصعب الزرقاوي، أردني الجنسية، الذي يُعتبر كالـ«أب» لتنظيم «داعش»، حطّ رحاله هناك بالتزامن مع انسحاب «الجيش الأحمر»، وظل مقيماً في البلد حتى 1993. كما أن أسامة بن لادن، مؤسس «تنظيم القاعدة»، جرى إرساله من قبل المخابرات السعودية إلى بيشاور، في باكستان، لدعم نضال المجاهدين. أما الجزائري مختار بلمختار، الذي كانت مجموعته «تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي» قد تبّنت توّاً الهجوم على مستشفى «لو سبلُنديد» في واغادوغو في بوركينا فاسو، فقد ذهب أيضاً إلى هناك، نهاية سنوات الـ1980، لملاحقة المتحالفين من الأفغان مع الاتحاد السوفييتي، ليعود بعد ذلك إلى الجزائر خلال الحرب الأهلية مقاتلاً مع «الجماعة الإسلامية المسلحة» (الجزائريون ذوو المسار المشابه كانوا يسمّون بـ«الأفغان»)، قبل أن يلتحق بـ«تنظيم القاعدة».

هؤلاء، وكثيرون غيرهم، حظوا باستقبالِ وترحيبِ الغرب بما أنّهم كانوا يخدمون مخططاته الاستراتيجية. وإذِ انقلبوا ضدّه بعد ذلك، فإن الصورة التي قدمتها الصحافتان الأوروبية والأميركية عن دوافعهم وتطرفهم الديني ووحشيتهم قد تغيرت بشكلٍ كبير.

1-حلفاء استراتيجيون للغرب

في الثالث من شباط 1980، وبعد أسابيع من تدخل «الاتحاد السوفييتي» العسكري في أفغانستان، يصل إلى باكستان السيد زبغينيو بريجنسكي، مستشار الرئيسي الأميركي جيمي كارتر في قضايا الأمن. يتوجه إلى المجاهدين النازحين من الطرف الآخر من الحدود، ويعدهم: «تلك الأرض التي هناك هي أرضكم. ستعودون يوماً ما إليها لأن نضالكم سينتصر. بيوتكم ومساجدكم ستعود إليكم مجدداً، لأن قضيتكم عادلة ولأن الله معكم».

هكذا، سيؤيد الخطابُ الإعلامي الفرنسي، حول أفغانستان، أهداف الجيوسياسة الأميركية:

واجبالتدخلالعسكري

«يجبأننفكّر،ويجبأننتقبّلأننفكّرأنالأفغان،حالهمكحالالمقاومينفيالعالمأجمع،لايستطيعونإحرازالنصرإذالمتكنلديهمأسلحة. لنيهزمواالدباباتبالرشّاشّات،ولنيهزمواالمروحيّاتإلابـSam-7. ولنيربحواالمعركةضدالجيشالسوفييتيإذالمتكنلديهمأسلحةأخرى (...) غيرتلكالتيينتزعونهامنالجيشالأحمر. باختصار،لنينتصرواإذالميوافقالغربعلىمساعدتهمهناأيضاً. أرىأننااليومفيوضعمشابهلفترةالحربالاسبانية (...). فياسبانيا،كانثمةواجبللتدخل،للتدخّلالعسكري (...). أعتقدأنالأفغانليسلديهماليومأيةحظوظللانتصارإلافيحالوافقناعلىتدخّلناعسكرياًفيالشؤونالداخليةالأفغانية».

برنار-هنري ليفي، نشرة أخبار الليل، تلفزيون «ت. ف. 1»، 29 كانون الثاني 1981.

سيعودُ برنار-هنري ليفي ليدعم بالحماسة ذاتها التدخّل الغربي في أفغانستان، إثر تفجيرات 11 أيلول 2001.

كمافيزمنالمقاومةفيفرنسا

«منأجلالسماحللأفغانبالحديثمعالأفغان،تماماًكماكانالفرنسيونيتحدثونمعالفرنسيينفيزمنالاحتلال،فإن ’لجنةحقوقالإنسان’قررتمساعدةالمقاومةالأفغانيةعلىتأسيسمذياععلىأرضها: مذياعكابولالحرة. منذسنةونصف،وتحديداًمنذ 27 كانونالأول 1979،كانتواحدةمنالقوىالكبرىعالمياًقدبدأتللتوّغزوهالبلدٍمجاور،ضعيفوأعزل. (...) البنادقالعتيقةتخرجمنالصناديق،والمسدّساتمنتحتأكوامالقشّ. هاإنالمقاومةتنهض،رغمضعفتسلّحها».

مارك هالتر، «لو موند»، 30 حزيران 1981.

هنا، يلمّح هالتر إلى بيتٍ معروف من «ترنيمة المناصرين»، نشيد المقاومة الفرنسية: «أخرِجوا البنادق من القشّ، أخرجوا الذخيرة والقنابل».

معركةجميعضحاياالشموليّة

«معركةالأفغانهيمعركةجميعضحاياالشموليةالشيوعيةوالفاشية».

جان دانييل، «لو نوفل أوبسرفاتور»، 16 حزيران 1980.

كمافيبرلينوبودابست،الجيشالأحمرأطلقالنار

«’اللهأكبر،اخرجواأيهاالرّوس’: الكابوليون،المسلموناللاشيوعيون،لمينسوا. أرادواأنيتظاهروا،يومالجمعة 22 شباط،ضدحضورالجيشالسوفييتيالذيلايطيقون. كانعلَمُالإسلامالأخضرفيمقدّمتهم. فيصباحذلكاليوم،وكماسبقَأنحدثَفيبرلينالشرقيةوفيبودابست،أطلقَ «الجيشالأحمر» النار».

فرنسوا لو مونييه، «لو بوان»، 3 آذار 1980.

أننتخلّصمنالاحتلالالسوفييتي،أننحافظعلىمجتمعالبشرالأحرار

«هينظرةاعتزازنادرة،يصعبالعثورعليهافيمكانآخرمنالعالم. نظرةتبديالمقدارالحقيقيلإرادةالأفغانالضاريةفيالتخلّصمنالمحتلّالسوفييتي،حتىولوبدتوسائلهمبلاقيمةٍتُذكر».

باتريك بوافر دارفور، نشرة «القناة الثانية»، 8 تموز 1980.

«الذييموتفيكابول،تحتالجزمةالسوفييتية،هومجتمعُبشرٍنبلاءوأحرار».

باتريس دو بلونكيت، «مجلة لو فيغارو»، 13 تمّوز 1980.

كما «الألويةالدولية»،ثمة «أفغان» فرنسا

في «لو موند»، 19 كانون الأول 1984، تتحدّث دانيل ترامار عن بعض الفرنسيين الذين «يعملون مع المقاومين الأفغان». لم تكن ثمة مخاوف، في تلك الفترة، من أن يعود هؤلاء المقاتلون الأجانب إلى بلدهم وهم «أكثر تطرّفاً» بسبب تجربتهم في الحرب:
«هذههيالصداقةالفرنسيةالأفغانية: صديقٌيساعدصديقه. (...) فرنسواتعلّماللغةالفارسية،حالهكحالإيزابيل. بعداجتيازهالحدودهذاالصيف،سارطيلةستةأيام،صباحاًومساءً،وفيالطينأحياناً،بخطىثابتةبمايكفي».

بدوره، يخصص كلود كورس تقريره المنشور في «مجلة لو فيغارو» في 19 كانون الأول 1987 للأطباء والمهندسين الزراعيين والمهندسين الفرنسيين الذين يساعدون الأفغان، وذلك مع إحالةٍ إلى المقاومة الفرنسية:

«هؤلاءالأفغانالنمطيّون،بلحاهموعماماتهموعيونهمالحادّة،ليسوافيالحقيقةإلافرنسيين. منبينهمبحّارٌقادممنإقليمبروتاني،مختصٌّبمنطقةبولينيزيا،لكنّهاختارَأنيصبحمهندساًزراعياًقادماًمنجبالهذاالبلدالذيتعاكسالرياحُمركبَه. شجرةالكستناءهذه،التيتعدّمصدراًغذائياًمهمّاًهنا،تشكّلرمزاًلأملهذاالشعبّالذيتوحَّدَأبناؤهضدالغازيالشيوعيالراغبفيضمّهمإليه،حالهمكحالالرّعاةفيمنطقةالكستنائيةفيكورسيكا،الذينسبقلهمأنوقفواكذلكفيوجهجيوشالاحتلال».

2-غرائبية وتضاريس جميلة

هزيمة الشيوعية السوفييتية لم تكن تشكّل الغرض الذي يصبو إليه الجميع في فرنسا. ولهذا، كي تنال قضية الأفغان، وطنيين كانوا أم تقليديين، مزيداً من الدعم، كانت وسائل الإعلام تربطها برغبةٍ ما في المغامرة، بفردوسٍ مفقود. وهذه مهمّةٌ سهلة إذا ما عرفنا أن الصراع الأفغاني يدور في بقعة جغرافية ساحرة تخطف بحيراتها الأنظار. بهاء تضاريس (وكذلك تقاليد) أفغانستان يُستحضَرُ لدى جيل غربيّ كامل (من هؤلاء الذين باتوا بالغين في سنوات الـ1960)، تلك البلاد التي كان يحلم بها رحّالةٌ قطعوا مسافات كي يصلوا إلى كاتماندو. هي عودةٌ إلى الطبيعة، إلى القيَم الحقيقية وإلى «الجبال الوعرة والجميلة». إنها أفغانستان، تلك التي تشكّل نقيضاً للحضارة الحديثة، المادية والتجارية:

3.jpg

مارك هالتر وبرنار-هنري ليفي متنكّرين في زيّ أفغاني تقليدي، إلى جانبهما القائد العسكري أمين. «لو نوفل أوبسرفاتور»، 12 أيلول 1981.
مارك هالتر وبرنار-هنري ليفي متنكّرين في زيّ أفغاني تقليدي، إلى جانبهما القائد العسكري أمين. «لو نوفل أوبسرفاتور»، 12 أيلول 1981.

منفرطالجمال،ننسىأنهاالحرب

«بدأذلككماتبدأقصةحب. ذهبَجلّهمإلىأفغانستان.ومنالرحلةالأولى،كانتالفتنةلاتُقاوم. يصفونذلك: إنهالمكانالمثاليلأننكونبعيدين. لاسككحديديةولاصناعة. فسحةٌوحرية. تقولإيزابيل: ليسثمةأفغانيٌينظرإليكِأويضايقكِ.وتضيف: منفرطالجمال،ننسىفيبعضاللحظاتأنهاالحرب».

دانيل ترامار، «لو موند»، 19 كانون الأول 1984.

الأكثرخصوبةً،الأكثرزهواً،الأكثرلمعاناً

«تمتدّسلسلةجبالهندوكوشمنالشمالالشرقيإلىالجنوبالغربي،مطلّةًبذلك،منعلوّهاالبالغ 5 آلافمتر،علىالوديانالأكثرخصوبةً،والفاكهةالأكثرجمالاً،والملابسالأكثرزهواً،والبازاراتالأكثرلمعاناً؛وتحدّهاشمالاًوجنوباًصحارىرمالُهاذهبية».

روبير لوكونتر، «مجلة لو فيغارو»، 12 كانون الثاني 1980.

لحاهمالسوداء،أنوفهمالمحنيّةونظراتهمالحادة

«مذهلون،بلحاهمالسود،بأنوفهمالمحنيّةوبنظراتهمالحادّة. يشبهونالطيورالجارحة. إنهممحاربونبالولادة. لايبالونلابالجهدولابالبردولابالتعب. كائناتٌمنطينةٍأخرى،لاتعنيهاالوحدةولاالجوعولاالموت. ببنادق ’إنفيلد’قديمة،موديل 1918،يصيبونهدفهمعنبعد 800 متر. لقدأثبتالتاريخأنهليسبمقدورأيّجيش،قادماًمنالخارجكانأممنالداخل،أنيجبرهمعلىالاستسلام. وحدهتراكمانتصاراتهم،تمزيقهمالعدو،عزّتهموفخرهم،مايسمحلـ17 مليونأفغانيبأنيؤمنوااليومأنهؤلاءالمدافعينعنهمسينتصرونمجدداً،همالرابضونفيمغاراتهمأعلىقممالجبال،هناك،حيثاختاركيبلينغأنيعيش «إنسانه» الذيأرادأنيصيرملكاً».

جيروم مارشان وجان نولي، «لو بوان»، 21 كانون الثاني 1980.

ماذاحلَّبالفارسالمعمّمالسائروسطالثلج؟

«ماذاحلّبهؤلاءالبشتونالرُحّل،الذينكانوايحتسونشايهمالأخضرفيالمقاهي،واضعينبنادقهمعلىمقربةمنهم؟ماذاجرىلذلكالراعيالقادممنقربنبعماءفيجبالالهندوكوش،ولذلكالفارسالمعمّمالسائروسطالثلج؟ (...) الكثبانالشاسعةالتيتنحتهاالريحأمواجاً؛شوارعمدينةهراةحيثتدوّخكمرائحةالوردالتييتنفسّهاعجوزٌ؛حيث،بأزرقهاالسماويّ،تحيّركمأبواببيوتالأغنياءالمسمّرة؛وحيثتفاجئكمعضلةساق،ملفوفةبمشدّأبيض،لامرأةمغطّاةتماماًبشادورٍذيطيّات،تمرُّنظرتهامنثقوبشبيكتهالمطرّزة».

نيكول زاند، «لو موند»، 9 كانون الأول، 1980.

الصلابةالتييولّدهاالبردالقارسورياحالرملالحارقة

«لدىالأفغان،بوصفهممعتادينعلىالعيشبخشونة،صلابةٌتولّدهاالتضاريسالجافّة،وكذلكالبردالقارسورياحالرملالحارقة. (...) ثمةانسجاممذهلفيمجتمعناالصغير،إذلاوجودتقريباًلأيّخلافبينالمجاهدينرغمأنهميظلّونملتصقينببعضهملأياموأيام. (...) صحبةالثورةتمحوالهرميّةالتقليدية. (...) لايكادأحدهميُصاببحزنٍأوكآبةحتىتتلقّفهروحالدعابة،وفكاهةالمجموعةودفئها».

كاترين شاتّار، «لو موند»، 20 أيار 1985.

3-مقاتلون متحلّون بالإيمان

غير أن قضية التآلف، بين فرنسيين قليلي التديّن وغارقين في الليبرالية الثقافية، وبين أفغانٍ تقليديين، مدعومين في الوقت نفسه من السعودية وإيران، ليست بتلك البديهيّة. ومن هنا تأتي أهميّة تقديم المجاهدين بوصفهم ناساً بسطاء، متحلّين بالإيمان ومتمسّكين بعادات أجدادهم وبتضامنهم القرويّ. أمّا المواجهة، المميتة في أغلب الأحيان، بين العشائر والقبائل المناهضة للسوفييت، فتُقدَّم بوصفها مشابهةً لكفاح قرى الغال، المحقّ وغير المنظّم، ضد جحافل الرومان.

4.jpg

«هؤلاء الأفغان؟ أطباء ومهندسون فرنسيون»، كلود كورس، «مجلة لو فيغارو»، 19 كانون الأول 1987.
«هؤلاء الأفغان؟ أطباء ومهندسون فرنسيون»، كلود كورس، «مجلة لو فيغارو»، 19 كانون الأول 1987.

إسلام «بلاتسييسمتشدّدكمافيإيران»

«دعونالانخلطالأمور. فيطهران،يرتبطالتعصّببالتحرّرالجنونيلطبقةالشعبالفقيرةبعدعشرينعاماًمنالهوسبالعظَمة،منالتبذيرومنالتغريبالمتبهرج. أمافيأفغانستان،فالقضيةقضيةتراث،ولاشيءآخرغيرالتراث. ليسثمةتسييسٌمتشدّدأواندفاعٌمبالغبهنحوالتديّنكمافيإيران. التقوىأمراعتياديّهنا. أبناءالجبالوالمقاومونأشخاصٌيتحلّونبالإيمان».

بيير بلانشيه، «لو نوفل أوبسرفاتور»، 7 كانون الثاني 1980.

«أعتقدُأنثورةالخمينيالإسلاميةتقدّمخدمةًسيئةًللقضيةالأفغانية. إنالمقاومةالأفغانيةبريئةٌمنتشدُّدالحركاتالثوريةالإيرانية،كماأنتيّاراتهاذاتالطابعالطائفيضعيفةُالحضور».

جان-كريستوف فيكتور، «أخبار أفغانستان»، كانون الأول 1983.

«مقاتلوالحربالمقدسة»

«لدىالأفغانحياءٌوإيمانٌبالقضاءوالقدريمليهماعليهمإيمانهمالكاملبإرادةالله. حتىأنهليبدوأنْليسثمّةطريقةعيشٍأفضل،ولاانشغالٌأسمىمنخوضالحربالمقدّسة. إنهاتُقرِّبُكلَّواحدٍفيهممنحياةنبيّالإسلام».

كاترين شاتّار، «لو موند»، 20 أيار 1985.

متسيّبون،مبتذلون،ثرثارون،لكنشجعان

«كمافيالأمس،يبقىالمجاهد،قبلكلشيء،فلّاحاًمتعلّقاًبأرضه. يدافععنهابكلصلابة،وإنلمتكنْمهدّدة،فهوغالباًمايفقدعدوانيته. (…) لايجبعلىعيوبالشخصيةالأفغانية –التسيّب،الميلإلىالمبالغةالكلاميةوصعوبةكتمالأسرار– أنتنسيناأهمّمافيهؤلاءالرجالمنصفات. شجاعتهموقدرتهمعلىتحمّلالمصاعبأمرانلايمكنالشكّفيهما،كماأنهميثبتونجسارةًلافتةًعندمايتطلّبالأمر».

باتريس فرانشيسكي، «لو بوان»، 27 كانون الأول 1982.

إسلامهميعادلالشيوعيةفيالمعجمالسوفييتي

«وثمةالاعتراض،الخاذلوغيرالمباشر،الذييطرحهالبعضعبرتساؤلهمإنكانالمقاومونفعلاًأفضلمنالمحتلّين،إنكانإسلامهمغير «بدائيوبربري»،وإنكانثمة،فيالمحصّلة،مايوجبالمخاطرةلـ’الموتمنأجلكابول’. إنهادعوةإلىالتملّصمنالمسؤوليةفيالوقتالذييطلبفيهالأفغان،الذينيُقتلون،يدالمساعدة. يجب،إزاءطلبالنجدةهذا،الإعلانوبصوتعالٍأنمقاومةالأفغانفيوجهالمحتلّينالسوفييتعادلةٌمثلكلحروبالتحرير. (…) إضافةإلىأنإسلامهميعادلالشيوعيةفيالمعجمالسوفييتيوأنه،مثلها، ’إيجابيٌعموماً’،فإنهلمنالمعيبالتساؤلحولحضارتهمفيوقتيستميتونفيهللدفاععنأنفسهم».

جان دانييل، «لو نوفل أوبسرفاتور»، 16 حزيران 1980.

صحافيمن «مجلةلوفيغارو» يقبّلالمصحف «عنطيبخاطر»

«قبلكلهجوم،تأتيالصلاة: صلاةٌمقتضبةيطلبونمناللهفيهاالرحمةلأرواحهم. بعدهايمرّالمقاومونمنتحتعلَممشدود،فيهمصحفٌصغير. بعضهميقبّلالمصحف،وآخرونينحنونفيإشارةإجلال. السيدعنايةاللهأصرَّعلىأنأقومأناأيضاًبممارسةهذهالشعائر،ففعلتُعنطيبخاطر. فيالحقيقة،يحافظُالشعبالأفغانيعلىتماسكهمنخلالالإسلام،ويستمدّمنهالقوةالمعنويّةالتيتمكّنهمنالمقاومة. صحيحأنهيمكنللجهاد (أيالحربالمقدّسة) والطابعالإسلاميلهذهالمقاومةأنيُخيفا،إلاأننالمنعرفعنهذهالمقاومة،إلافيماندر،أيّملمحٍأصوليّ».

ستان بوافان-فيفييه، «مجلة لو فيغارو»، 5 كانون الأول 1987.

4-سؤال المرأة الشائك

5.jpg

صورة مقتطفة من كتاب رولان وصابرينا ميشو، «ذاكرة أفغانستان»، منشورات «شن»، باريس، 1985.
صورة مقتطفة من كتاب رولان وصابرينا ميشو، «ذاكرة أفغانستان»، منشورات «شن»، باريس، 1985.

«المركزيةالأوروبيةالمطلقة» لاتساعدعلىفهمظرفالنساءالأفغانيات

«’قمع’المرأةجزءمنهذاالنظام. والمركزيةالأوروبيةالمطلقةلاتساعدأبداًعلىفهمطبيعةهذاالمجتمع،خصوصاًإذاماعرفناأنهذا ’القمع’يلقيبثقلهليسعلىالنساءفحسب،بلوعلىالرجالأيضاً،كماهوحالالزواجالمدبّرمنقبلالوالدين،علىسبيلالمثال».

إيمانويل تودّ، «لو موند»، 20 حزيران 1980.

نساءٌيعتنينبمايكفيبنساءٍأخريات

«يستحيلأنتسمحامرأةأفغانيةلطبيبٍمابفحصها. (…). تتوافدالأفغانيات،وهنمتلفّعاتبحُجبهنّ،إلىخياممزوّدةبالمعدّاتاللازمة،حيثتستقبلهنّنساءأخريات،يستمعنإليهنّويعتنينبهنّ. إنهنّيجلبنمعهنّأطفالهنّالذينغالباًمايكونونمصابينبضرَرٍفيالعينين،أوبأمراضجلدية،أوبالسلّ».

فرنسواز جيرو، مستشارة أولى لدى الدولة في قضايا المرأة في فرنسا، «لو موند»، 25 كانون الثاني 1983.

«جيشظلّالمقاومةالأفغانية»

«عندماأحدّثهنعنوجودمقاتلاتمسلّحاتفيبلدانمسلمةأخرى،يبقينحالمات. ليسثمة،بالتأكيد،أيّامرأةٍبينصفوفالمجاهدين. لكنثمةمنهنّمَنينقلنالمتفجراتتحتعباءاتهن،أومَنيقمنبوظيفةالتشبيك،عبرنقلهنّالرسائلإلىالمدينة. (…) النساءجيشظلّالمقاومةالأفغانية».

كاترين شاتّار، «لو موند»، 20 أيار 1985.

ليسعلينامنعهممنالعيشكمايريدون

«ثمة،بيننا،مصوّرةٌفرنسية. هيالمرأةالوحيدةهنا. وقدتمّقبولها،بلامشاكل،رغمأنهالاتضعحجاباً؛الأمرالذيلميكنْليُسمحبهلوحدثفيالظروفذاتهافيإيران. كأنّالإسلام،هنا،لايشكّلوسيلةتهيّجهاسياسةٌما،كمافيإيران،بلشيئاًأكثرجوهريةًوبساطة. (…) باسمأيّتقدميةيحقّلناأننمنعالأفغانمنالعيشكمايريدون؟».

بيير بلانشيه، «لو نوفل أوبسرفاتور»، 5 تمّوز 1980.

ماقيمةمعاييرنابالنسبةإلىمجتمعلمنعدنفهمه؟

«يمكنناأننتحدث،استناداًإلىمعاييرنا،عناستلابالنساءالأفغانيات. لكنماقيمةمعاييرنابالنسبةإلىمجتمعٍلمنعدفهمه؟نعم،يصدمناالنمطالقديمالذييحكمعلاقاتالرجالوالنساءفيأفغانستان. غيرأنتغييرهذاالنمطلايمكنفرضهمنالخارجبجنودودبّابات،بليتأتّىمنتغييرٍيقومبهاهذاالمجتمععلىوتيرتهالخاصة،وفياللحظةالتيتختارهاالنساءالأفغانيّاتأنفسهنّ».

أنّي زورز، مجلة «الأزمنة الحديثة»، تمّوز-آب 1980.

«لاشكّأنّلنظامالمهر،الذييقضي،فيكثيرٍمنالمجتمعاتالآسيويةوالأفريقية،علىتقديمشيءماإلىالفتاةقبلالزواجمنها،مساوئَكثيرةعلىالشبابالمقبلينعلىالزواج. لكنْ،رغممساوئه،يشكّلهذاالنظام،بلاشكّ،نوعاًمنالحمايةللعروسفيالمجتمعاتالريفيةالفقيرة. ويُنظرإلىالمهرفيأفغانستانبوصفهنوعاًمنالاعترافبأهميّةالمرأة. لذا،فإنإلغاءهذاالعُرفبلاأيّمقدماتٍلنيعني،فيمجتمعكهذا،إلاتصغيراًمنقيمةالنساء. إنالمهريُظهرُاحترامالفلّاحفيهذاالبلدوتقديرهلابنتهولنفسه،وذلكمنخلالالامتناععنمنحهاهكذا،بلاأيمقابل،إلىأيٍّيكن،مندونأنيضمنمستقبلها».

برنار دوباين، «أخبار أفغانستان»، تشرين الأول، 1986.

«يشكّلتعدّدالزوجات،فيبعضالحالات،أداةًلدىالرجللتدبيرشؤونهالعاطفية،وللاستجابةإلىضروراتاقتصادية. كماأنهيشكّلصوناًللنساءالعاقراتاللواتييحقّقنوجودهنّبفضله،وذلكمنخلالالانتماءإلىعائلة،مايعنيالانتماءإلىالنسيجالاجتماعي. إنالمهر،فيأفغانستان،وفيبعضمنالبلدانالأخرى،ضمانةٌللمرأة؛إذيمكنلها،فيحالالطلاق،تحصيلهمعكافةالممتلكّاتالتيتعودإليهامنخلالالزواج. وقديقوللكمالبعضإنارتداءالحجابليستصرّفاًرجعيّاًفيحدّذاته،بلهو (…) وسيلةٌللمرأةكيتنالاحترامها،كماأنهيرتبطبمسألةالشرف. (…) إنمايراهالغربيوندليلاًعلىالقمعيرتبط،فيالحقيقة،بواقعٍأكثرتعقيداً. (…) وفيالمحصّلة،فإندورالنساءذوقيمةكبيرة،ويلقىتقديراًعالياً».

شانتال لوباتو، «أوترمون»، كانون الأول 1987.

خاتمة (مؤقتة)

سيبقى نظام الحكم الشيوعي، برئاسة محمد نجيب الله، ثلاث سنوات في السلطة بعد رحيل القوات السوفييتية في شباط 1989. في 1996، وبعد عدّة سنوات من المواجهات المميتة بين المتخاصمين من المناهضين للشيوعية، ستسقط كابول بين يديّ طالبان. يُلقي مقاتلو طالبان القبض على نجيب الله الذي كان قد لجأ إلى مبنى الأمم المتحدة. يعذبونه، يخصونه، يطلقون النار عليه ويعدمونه شنقاً.

في 15 كانون الثاني 1998، تسأل مجلة «لو نوفل أوبسرفاتور» السيد بريجنسكي إن كان «نادماً على تشجيعه التعصّب الإسلامويّ، وعلى تقديم النصح والأسلحة لمن سيصبحون إرهابيين قريباً»، يجيب: «أيهما الأهمّ بالنسبة إلى تاريخ العالم؟ طالبان أم سقوط الإمبراطورية السوفييتية؟ عددٌ من المتهيّجين الإسلامويين، أم تحرير أوروبا الوسطى ونهاية الحرب الباردة؟»