عن أسئلة الفاعل السياسي: الأداة والوظيفة والعوائق والهوية

مرةً أخرى، يبادر موقع «الجمهورية»، بفريق المثقفين والنشطاء الذي يقف وراءه، إلى طرح أداةٍ جديدة للحوار الثقافي الذي يثابر على نشر دوائره، بين السوريين المهتمين بالشأن العام، منذ تأسيسه. تمثّلَ هذا في الحوار المرئي الذي نشره الموقع مؤخراً بعنوان «عن أزمة السياسة والشأن العام في سوريا»، وذلك استكمالاً للملف الذي فتحه منذ أشهر حول الموضوع نفسه.

وفيما يلي جملة ملاحظات على سبيل المساهمة في الحوار المذكور تحديداً، وفي مجمل المواضيع التي تتعلق به إجمالاً.

أولاً: في العلاقة بين (الأداة) ووظيفتها

«إذا كانت الأداة الوحيدة لديك هي المطرقة، فإن من الطبيعي أن تنظر إلى كل شيء على أنه مسمار». ثمة مغزىً في هذه المقولة، لعالم الاجتماع أبراهام ماسلو1، يفيدنا في فهم الظاهرة، مجال البحث، على أكثر من مستوى.

بشيءٍ من المبالغة لتأكيد المعنى، نريد هنا استخدام الأداة الجديدة التي وظّفتها «الجمهورية»، بذاتها، للدلالة على العلاقة بين الأدوات من جهة ووظائفها من جهةٍ أخرى. فحين تبقى الأدوات، للبحث في موضوعٍ مثل (الفاعل السياسي)، على سبيل المثال، محصورةً في المقال والورقة والدراسة المنشورة، يكاد يكون من الطبيعي أن يسود الانطباع، نفسياً وفكرياً، لدى القارىء، أن المُنتجَ النهائي هو مادةٌ ثقافية مكتوبة، لا أقل ولا أكثر. من المحتمل، بل من المُفترض، أن تكون هذه المادة جزءً من تراكمٍ معرفي يؤدي إلى فعلٍ بشري في نهاية المطاف. لكن الأمر، في مثل هذه الأحوال، يكون، في اللاوعي، منوطاً بأحدٍ آخر، يقوم هو بتلك المهمة عملياً.

لا ننسى أن الاهتمام بالثقافة، في «ثقافتنا» واجتماعنا البشري السوري، لايزال متدنياً، في أحسن الأحوال. وحين تظهر شريحةٌ تهتم بالموضوع وتعطيه جهداً ووقتاً، في مثل هذا الواقع، فإن الافتراض المُرجح، في العقل الجمعي، أن ماتُنتجه سيكون ثقافةً أولاً وثقافةً آخراً. قد يؤكد هذا الانطباع ما علمناه من الحوار المرئي، وهو أن النقاش في «ضرورة العمل السياسي» مستمرٌ منذ سنتين على الأقل في أوساط مشرفي «الجمهورية» ومتابعيها وجمهورها الوثيق. ولم يبدُ، من الاستقراء، أن ثمة نتيجةً لهذا التفكير سوى الاستمرار في الإنتاج (المكتوب).

هناك، إلى هذا، وقائع جزئية يمكن استحضارها هنا لتأكيد الدلالة. فعلى مدى أعوام، العامين السابقين على الأقل، يكتب ياسين الحاج صالح، بشكلٍ مباشر وغير مباشر، ما يشير إلى ضرورة تشكيل فاعلٍ سياسي جديد، وأستحضرُ من الذاكرة على الأقل واحدةً منها كانت تبحث في أمر الفاعل السياسي بشكلٍ وثيق. وكان المُفترض، حسب المكتوب فيها، أن تتلوها ورقةٌ أخرى تطرح ملامحَ ومقدمات عملية لكيفية الحركة فيه بشكلٍ فعلي، لكن الورقة الثانية لم تظهر. وأعتذرُ إذ أذكر ما لا أعتقده سراً من أنني سمعتُ منه شخصياً، أيضاً منذ أكثر من سنتين، أنه بصدد العمل على هكذا مشروع، لكن هذا لم يحصل أيضاً.

لا نريد التعميم من مثالٍ واحد، لكن استقراء الساحة السورية فيما يتعلق بالانتقال، في مسألة الفاعل السياسي، من التنظير إلى التطبيق، يوحي بأن الطريق طويلٌ بينهما، ويبدو محفوفاً بكثيرٍ من مشاعر الحذر والتوجس والتردد. مع الترجيح بأن السبب يكمن في التحرزات والحسابات الكثيرة والمعقدة التي لا يبدو أن ثمة مخرجاً منها للتعاطي مع الموضوع على المستوى العملي. قد لا يكون تعسفاً أن ننظر إلى الأمر هنا على أنه نوعٌ من انتظار «الكمال» في جانب التنظير، آخذاً بالاعتبار حساسية الموضوع وطبيعة التجارب السابقة ودرجة الشعور بالمسؤولية. لكن العملية تبدو، مع مرور الأيام، أشبه بانتظار «غودو» الذي لن يأتي أبداً.

في المقابل، تُشكل مجرد النقلة في استخدام الأداة، من المادة المنشورة إلى تلك المرئية / الحوارية، نقلةً ودفعةً نفسيةً وفكرية وعملية، ليس فقط في اتجاه تطوير الحوار حول موضوع الفاعل السياسي، بل وفي التقدم عملياً باتجاهه.

لا يمكن شرح الموضوع هنا بشكلٍ دقيقٍ علمياً دون شيءٍ من المبالغة و«مطﱢ الموضوع»، كما ذكرنا أعلاه. ففي عملية تكوين فاعلٍ سياسي، ثمة فارقٌ واضح بين كتابة عشرين ورقة عنه، هي ضروريةٌ بالتأكيد، وبين اجتماع أربعة شباب سوريين؛ شابتين وشابين في الأصح، لا يبلغ أكبرهم خمسة وثلاثين عاماً، فيما يبدو، للحوار في الموضوع، بطريقةٍ حرةٍ وعفوية، وبشكلٍ يراه ويسمعه المهتمون، وهذا نشاطٌ، لمدة ساعة، لن يصبر عليه إلا مُهتم!

ثمة «حرارةٌ» إنسانيةٌ إضافية هنا في عملية تحويل الفكرة إلى الواقع تجعل النقلة جليةً، حتى لمن لم يخطر في باله النظر إليها بالطريقة المذكورة في هذه السطور. فنحن نجد أنفسنا إزاء جملة «عناصر» تدخل، وُفق قوانين الاجتماع البشري، في صلب تلك العملية، وهي عناصر لاتتوافر أبداً في المادة المكتوبة. نحن هنا إزاء بشرٍ «نراهم» و«نسمعهم»، يمكن جداً أن يكونوا «فاعلين» سياسيين، بشكلٍ لا يمكن أن توحي به كلمات مكتوبة. نحن أمام شباب، شباب مثقف، نساء ورجال، يتجادلون عن عوائق تشكيل الفاعل السياسي، يبحثون عن هوية محتملة لذلك الفاعل، وعن هياكله الممكنة، والوسط المحلي والإقليمي والعالمي، السياسي والثقافي والاجتماعي والعسكري، الذي يُشكل الإطار الموضوعي الخارجي الذي سيُعمَل فيه، وغيرها من مسائل تتعلق بالقضية مجال البحث. والإطارُ، النفسي على الأقل، يوحي من خلال ميكانيزمات التفاعل مع الموضوع بين المتحاورين أنفسهم، وبينهم وبين المتابع المهتم، بأن بضع جلسات من هذا النوع يمكن أن تؤدي إلى بلورة، أو زرع نواة، فكرة عملية تتعلق بموضوعة الفاعل السياسي. وبشكلٍ لايمكن أن توحي به عشرات المقالات.

هذا ما يبحث عنه كثيرون في سوريا المشهد الراهن، بما فيه من فراغٍ هائل يتعلق بالفاعل السياسي. شباب، تنوع، ثقافة، حوار، جدية، اختلاف في الآراء دون خلاف، بحث في قضايا تأسيسية، مقترحات، وهكذا.

وبشيءٍ من خيالٍ لا حرجَ فيه هنا. لو أن متابعاً للكتابات المتعلقة بالموضع شاهد الحوار المرئي، وسُئل عن انطباعه المباشر عما قد يكون أقربَ لتحقيق هدف تشكيل الفاعل السياسي بين النشاطين (الكتابة والحوار المرئي)، لذكر دون تردد، فيما أحسب، أن الحوار يجعلنا أقرب بكثيرٍ للوصول إليه. وما من شكٍ أن رؤية كرم نشار ومرسيل شحوارو وعُلا رمضان وياسين سويحة يتحدثون في اللقاء تُرسل رسالة شعورية، وربما فكرية، أقوى بكثير على إمكانية أن يكون هؤلاء الأربعة، مثلاً، نواةً أو جزءً من فاعلٍ سياسي جديد، من إمكانية تواجد مثل ذلك الشعور بعد قراءة مواد مكتوبة لكلٍ منهم عن الموضوع نفسه، ولو بمضمونٍ علمي أكثر صرامةً وترتيباً.

تحدّث المشاركون في ملف «الجمهورية» عن «إطار سوري أشبه بمؤتمر عام، يؤخذ فيه الشتات السوري بعين الاعتبار، ويكون مرناً بعيداً عن المؤسساتية الصارمة»2، واستعادوا سرديات التجربة الفلسطينية كتجارب يمكن الاستفادة منها3، وكتبوا عن إطارٍ ممكن للفاعل السياسي على شكل سياسية مدنية تقوم على قاعدة المجتمع المدني4، وكتب ياسين الحاج صالح وغيره كثيراً في الموضوع، بحيث لم يعد مُستكثراً القولُ بوجود تراكمٍ من التنظير يمكن البناء عليه بأشكال متطورة، تدريجياً، ودونما ادعاءٍ بكفاية التنظير وكَمالهِ، غير الممكن أصلاً دون التفاعل العملي مع الواقع، وفق الجدلية المعروفة بينهما.

ثمة حاجةٌ للتطوير، في هذه المرحلة، في أدوات بحث موضوع الفاعل السياسي كمبدأ. لا يقتصر الأمر، بطبيعة الحال، على الحوارات المرئية كاكتشافٍ فريدٍ سيقود إلى تحقيق الهدف، وإنما نقصد الانتقال إلى نوعٍ ودرجةٍ من الحركة التي تُمثل أُسَّ الفعل والإنجاز البشري، مسترشدةً بالنظر ومقترنةً به على الدوام. ثمة ضرورةٌ للحركة بمعناها الحرفي، عبر فعاليات عملية، اجتماعاً وحواراً وصياغةً للمقترحات العملية، وربما تجريباً، بما يخلق تكاملاً وتحفيزاً لديناميكيات نفسية وفكرية وعملية، غالباً ما تكون دافع الفعل البشري لدى الفرد والجماعة، وبشكلٍ يُطلق شرارة المبادرات والاقتراحات، ويُحرّرُ كمون الفعالية الإنسانية من أسر النص المكتوب المُغلق.

ثانياً: في عوائق ظهور الفاعل السياسي

يطرح الحوار سؤالاً عن عوائق وجود الفاعل السياسي، وتتنوع الإجابات بخصوص طبيعة تلك العوائق وماهيتها. فتتكلم مرسيل شحوارو، مثلاً، عما أسمته «الحالة التطهرية» الموجودة لدى كثيرين من المهتمين بالشأن العام إجمالاً والسياسة تحديداً، حيث تَظهر ضرورة الانخراط في الهياكل السياسية للمعارضة، مثلاً، ولكن من يشعر بتلك الضرورة ينأى بنفسه عن مستلزماتها العملية، خوفاً من «التلوث» بالأجواء السائدة في تلك الهياكل، ويطلب من الآخرين، بلسان الحال أو بلسان المقال، التصدي لتلك المهمة. أما ياسين سويحة فيتحدث عن عوامل تبدأ من انهيار الإيديولوجيات التي تشكل إطاراً تُبنى فيه رؤية العالم والتحالفات الضرورية للفعل السياسي، وصولاً إلى طغيان مأزق العنف في الواقع السوري، بما يجعل كل نشاطٍ إنساني، بعيداً عن البقاء على قيد الحياة، نوعاً من الترف لدى السواد الأعظم من السوريين. وتميل عُلا رمضان إلى توصيف سلبية التجربة مع الأنظمة والحكومات، والشعور لدى كثيرين، هي منهم، بأن مساحة النقد تضيق وتتضاءل في ساحة السياسة. وتلك عناصر ينفر البعض منها مفضلين العمل، بسببها، مع «من يُشبههم» في حقل المجتمع المدني ومؤسساته.

ما من شكٍ أن عوائق ظهور الفاعل السياسي كثيرةٌ ومعقدةٌ ومتداخلة، وأن هذا يصدق في راهن الواقع السوري، ربما أكثر من أي واقعٍ آخر. لكن من المفيد هنا أن نبحث في بعض المسكوت عنه في هذا الإطار، لسببٍ أو لآخر، حتى لو كان الموضوع حساساً، لأسباب شخصية / عملية / فكرية (إيديولوجية). فالحديثُ فيه بصراحةٍ وشفافية منهجيٌ وضروي إذا أردنا الحفاظ على درجةٍ من الجدية والموضوعية في البحث، فلا نتجاهل جوانبَ فيه ذات علاقة، ما من شكٍ أن إغفالها سيجعل البحث ناقصاً. خاصةً حين يكون ما نتحدث عنه ظواهر عملية لها حضورٌ على أرض الواقع، بل ولها تاريخ، مُشتركٌ أحياناً على بعض المستويات، وليست مجرد شعارات وأفكار هامشية ليس لها تأثير في الموضوع. بمعنى أن الهروب من مناقشتها الآن قد يؤدي، على الأرجح، إلى مواجهتها عملياً في المستقبل، والأرجح بشكلٍ سلبي نفسياً وعملياً.

ففي الحوار المرئي لـ«الجمهورية»، تساءلَ كرم نشار عما تعنيه كلمة «نحن» عند الحديث عن ضرورة «أن نقوم نحن بتشكيل فاعل سياسي». وخلص، بشيءٍ من الشرح، إلى أنه يقصد شريحة تنتمي إلى العلمانية الديمقراطية، وإن لم يكن قد ذكرَ الحداثة، إلا أن معناها ومقتضياتها لم تكن غائبة عن السياق. وذكرَ أن مثل هذا التأسيس يأتي للتعبير عن «رؤيتنا»، وبعيداً عن التحالفات والهياكل الائتلافية السابقة والسائدة.

لكن ثمة شرائح ومجموعات سورية، منها ما هو مؤطرٌ بأشكال مختلفة، يمكن القول إنها تنتمي إلى الرؤية التي تحدث عنها نشار، وهذه فيما نحسب حقيقةٌ لا يمكن إنكارها على مستوى منطلقات الرؤية ومقدماتها الأساسية على الأقل. رغم هذا، يشهد الواقع بأن التواصل، ومعه التعاون والتنسيق، ضئيلٌ بين هذه المجموعات وتلك الشرائح، إن لم يكن مُفتقداً بشكلٍ نهائي.

من هنا نصل إلى السؤال (البدهي / المعقد؟) الذي تحدثنا عنه: لماذا لا تستطيع شرائح سورية، مثقفة وجدية، توجد بين رؤاها تقاطعات واسعة، على الأقل فيما يتعلق بهوية ورؤية الفاعل السياسي، أن تتواصل، فضلاً عن أن تُنسق وتتعاون، حين يتعلق الأمر بهذا الموضوع الخطير والهام وطنياً وسياسياً، ليس فقط بالنسبة لسوريا وشعبها، بل ولأفراد الشريحة نفسها؟

ما من شكٍ أن ثمة أسباباً ما توجد في ذهن أصحاب العلاقة، وقد يمكن جداً تفهمُها على صعيد التفاصيل. لكن المشكلة في المسألة تتمثل في أن هذا لا يحلُّ العقدة الكبيرة التي تفرض نفسها عندما ننقل الظاهرة إلى ساحة العمل العام، حيث مكانها وموقعها الأصيل نهايةَ المطاف. إذ كيف يمكن للسوري المُقتنع بضرورة وجود فاعلٍ سياسي جديد أن يفهم هذا الوضع الغريب، والأرجح «الشاذ»، في نظره؟ وهل يكون غريباً على السوري من أهل الإسلام السياسي أن يطرح هذه الظاهرة مثالاً على «أزمة رؤية» لدى «خصومه السياسيين»، بل ويتعدى ذلك إلى وصفها على أنها أزمة شخصنة وخلافات ومصالح؟

هل يعني هذا، فيما يعنيه، أن ثمة مشكلةً ثقافية (فوق سياسية، أو ربما تحت سياسية) تؤثر في السوري، بغض النظر عن ثقافته السياسية، خاصةً عندما يتحرك في ساحة الشأن العام؟

ولكن، في مدخلٍ آخر للنقاش، هل يمكن التفكير بأن الأمر يتعدى المسائل الشخصية، ليكون خلافاً في مضمون الرؤية ذاتها، وهي التي يُعتقد أنها واحدةٌ، على الأقل على مستوى المنطلقات والمفاهيم والمبادىء العام؟ الواضح أن مثل هذا الوضع يعيد المسألة بأسرها إلى نقطةٍ صفرية تتعلق بحقيقة وجود رؤية علمانية ديمقراطية حداثية يمكن الاتفاق على منطلقاتها ومفاهيمها ومبادئها الرئيسة.

في جميع الأحول، يستمر السؤال الرئيس، مع ما يُفرزه من أسئلةٍ أخرى، محط تساؤلات مشروعة سواء جرى طرحها بشكلٍ موضوعي يبحث عن الحل في نهاية المطاف، أو بخلفيةٍ كيدية وانتقامية. وتبقى الإشكالية بأسرها مفتوحةً تطرح سؤالاً كبيراً، يحتاج بدوره إلى إجابات صريحة، تقتضي تحليلاً جذرياً لمضمونها، في عمليةٍ قد تساعدنا على فهم الجزئية المتعلقة بعوائق ظهور الفاعل السياسي العتيد.

ثالثاً: في هوية الفاعل السياسي

خلال الحوار المرئي الذي نتحدث عنه، تساءلَ كرم نشار حول مدى «الجماهيرية» الممكن، بين السوريين على الأرض، داخل سوريا وفي الشتات، لأي هيكل سياسي يحمل هويةً يسارية / علمانية / ديمقراطية، أو بمعنى، هوية خارجة على توصيفات مثل «الإسلام السياسي» و«الإسلاميين». لكن الإجابة على السؤال المذكور لم تُناقش، لأن الحوار سار في موضوعٍ آخر بعد طرح السؤال، كما يظهر من متابعة سياقه.

وبعيداً عن الإحصاء العلمي الصارم، يبدو من استقراء الواقع السوري أن الإجابة سلبيةٌ على السؤال المذكور. هل يَنتج هذا عن قناعةٍ لدى السوريين بأن الإسلام السياسي وأهله يمتلكون الحلول لمشكلاتهم والإجابات لأسئلتهم؟ لا، على وجه التأكيد، خاصةً بعد التجربة المُرة مع هؤلاء في مؤسسات المعارضة السياسية.

هل ينتجُ عن انطباعٍ بأن مناضلين ومقاتلين من خلفيةٍ إسلامية كانوا الغالبية العظمى ممن حمل السلاح دفاعاً عنهم، بغض النظر عن ظواهر داعش والقاعدة التي سنعود للحديث فيها من زاويةٍ أخرى؟ الاحتمالُ كبير، وأسبابه منطقية.

هل ينتجُ عن شعورٍ بالانتماء إلى الإسلام كهوية وثقافة تاريخية؟ نعم بالتأكيد، وبخلفيةٍ يصعب الجدال فيها.

هل ينتجُ عن افتقاد (غير الإسلاميين)، من جهة، للقدرة على طرح برامج ورؤى ومواقف تظهر فيها ملامح إجابة على الأسئلة وحلول للمشكلات، وتَحملُ، من جهةٍ أخرى، درجةً من الانسجام الحضاري مع تلك الهوية والثقافة، دونما عداءٍ وإقصاء وشعورٍ بالفوقية؟ نعم حتماً، وبمنطقٍ مفهوم.

مرةً أخرى، لا يستند الاستنتاج أعلاه إلى إحصاءات رقمية وتحليلات حسابية، لكننا نحسب أنه يدخل في إطار التحليل الموضوعي النظري للظاهرة، مبنياً على قراءة المشهد العام، وربما بالنسبة لكاتب الكلمات، على تجارب شخصية متطاولة مع أجسام المعارضة السورية وبيئاتها، خاصةً في سنوات الثورة الخمس الماضية.

قد يمكن القول إن هوية الفاعل السياسي وتحديات صياغته تتمحور حول العناصر التالية: 1) المنطلقات النظرية الأساسية، 2) ما فرضته طريقة تعاطي العالم، بنظامه الدولي السياسي والثقافي، مع الثورة السورية من معطيات فكرية ونفسية وعملية، 3) ثقافة المجتمع السوري التاريخية، 4) الواقع السياسي والميداني والاجتماعي السوري المحلي، بمتغيراته المعقدة.

بالجمع بين الفرضيات الكامنة في الفقرتين السابقتين، يمكن الاستنتاج بصعوبةِ، إن لم يكن استحالةِ، الحصول على قبولٍ جماهيري شعبي سوريٍ بالمعنى المقصود في سؤال كرم نشار أعلاه لفاعلٍ سياسي (من لونٍ واحد). يَصدقُ هذا، كما يوحي الاستقراء، بحق هياكل ومؤسسات الإسلام السياسي، لكنه يصدق أكثر بحق هياكل ومؤسسات تقف كلياً في الجهة المقابلة لها، وعلى النقيض منها. إذ كيف يمكن أخذ المُعطيات والمقتضيات المتعلقة بالعناصر الأربعة أعلاه بعين الاعتبار جميعاً، وهي كثيرةٌ ومُعقَّدة، وحشرُها، خلال عملية تكوين أي فاعلٍ سياسي، في إطار فلسفةٍ سياسية معينة تقليدية (إسلامية أو علمانية أو يسارية..)، ستكون محدودةً مهما كانت، في قدرتها على استيعاب إفرازات الواقع السوري الفريدة والتعامل معها بشكلٍ إيجابيٍ بنَّاء.

فمع فشل تجربة الإسلاميين السوريين العملية؛ والفراغ الذي يخلقه وجود (داعش) و(النصرة) بممارساتهما لدى أصحاب العواطف والخلفية الإسلامية من غير المنخرطين في الشأن السياسي؛ وافتقاد قدرة العلمانيين الديمقراطيين الحداثيين على تقديم نموذجٍ يكونُ بديلاً في أعين الناس؛ وحمولة التاريخ السوري الزاخرة بحكم الشعب تحت عناوين قومية ويسارية وعلمانية وحداثية، ولو زوراً؛ وطغيان شعور السوريين بفشل المنظومة الأخلاقية العالمية في التعامل مع قضيتهم، وهو، في نظرهم، مرتبطٌ بفشلٍ في منظوماتهم السياسية وقواعدها النظرية؛ مع كل هذا التعقيد، لا يبدو ثمة مخرجٌ سوى في البحث عن نموذجٍ (من خارج الصندوق) كما يقولون. لايستطيع أحدٌ الادعاء بالقدرة على عرض هذا النموذج حالياً فيما نحسب، فهذا سؤال الستة ملايين دولار كما يقولون في الإنجليزية، لكن من الأرجح أنه سيكون نموذجاً جديداً هجيناً أساسه الوطن والمواطنة، وقد يكون (مُفصلاً) على مقاس الحالة السورية، وسيُنسَجُ بناءً على تفاعل بين النظر والحركة بالمعنى الوارد أعلاه، فيكون بالتالي مولوداً شرعياً للثورة السورية بمعناها الكبير.

رابعاً: السياسة في زمن الثورة

رغم إشارة كرم نشار إلى شبهة وجود مفارقةٍ، وربما تَفارُق، بين منطق الثورة ومنطق السياسة؛ وما يشيع أحياناً عن تناقضٍ بينهما لجهة الفاعلية السياسية للأفراد والمجموعات، إلا أنها بقيت إشارةً هامشية لموضوع هام يُحيل إلى أسئلةٍ يجدر التفكير بها: ماهو توصيف الوضع في سوريا اليوم؟ هل لا تزال مجاميع السوريين النشطاء والمثقفين، العلمانيين الديمقراطيين الحداثيين، تعتبر ما يجري ثورة؟ أو استمراراً لثورة في أقلِّ الأحوال؟

تبدو الأسئلة ملحّةً لأن من طبائع الأمور أن يكون ثمة اختلافٌ، كبيرٌ ربما، بين السياسة في زمن الثورة والسياسة خارج زمنها. وستظهر من البداية العلاقة بين هذه الأسئلة وبين سياق الحديث عن هوية الفاعل السياسي المُنتظر، وضرورة البحث عنه في مكانٍ ما خارج صندوق الأطر السياسية الجاهزة والمعلبة السائدة، نظرياً وهيكيلياً.

ثمة تراكمٌ أكاديمي وعلمي كثيف عن سياسات الثورة  Revolutionary Politic ليس هذا مقام البحث فيه، وإنما سنجتهد في الحديث حول مفاهيم وأسئلة تتعلق بالموضوع بشكلٍ مباشر. هل ننظر للسياسة، مثلاً، كقيادةٍ للثورة و/أو إدارةٍ لها؟ بعيداً عن جلد الذات الذي يُمارس في مثل هذ المقام أحياناً، وبحدٍّ من الموضوعية في التقويم، يحصلُ كلُّ الفاعلين السياسيين السوريين على علامة رسوب إذا نظرنا إلى السياسة من هذا المدخل، منذ بداية الثورة على الأقل. ولئن كان نصيب الإسلاميين شائعاً بين شرائح الشعب وفي أوساط ما يُسمى «النخبة»، فإن الوقائع تُظهِرُ أن أداء مَن مارس العمل السياسي ممن يَصدرون في ثقافتهم السياسية عن مشارب علمانية، يسارية كانت أو حداثية أو ليبرالية، لم يكن أفضل من نظرائهم الإسلاميين على الإطلاق.

من الضرورة هنا تصحيح انطباعٍ يتعلق بما يُسمى «هيمنة الإسلاميين» على الأجسام السياسية للثورة منذ بدايتها. التفاصيل كثيرة وهذا ليس مقامها، فيكفي القول إن المجلس الوطني، مثلاً، تشكل كهيكلٍ ائتلافي من سبع مجموعات كان الإخوان المسلمون واحدةً منها، في حين تمثلت البقية في إعلان دمشق والأكراد والآشوريين والحراك الثوري الداخلي والمستقلين (بقيادة برهان غليون)، إضافةً إلى ماكانت تُسمى (مجموعة اسطنبول)، التي انبثقت أصلاً عن (لقاء التنسيق الديمقراطي) الذي ضمَّ مجموعةً وازنة من العلمانيين، بأطيافهم، وبعض الإسلاميين المستقلين. إلى هذا، يعرف الجميع ما حصل بعد تشكيل الائتلاف الوطني بفترة من دخول كتلة علمانية ضخمة فيه وصلت إلى مواقع القيادة سريعاً، وأكثر من مرة.

لسنا هنا في مقام تقييم أشخاص بعينهم من هذا التجمع أو ذاك، وإنما الإشارة إلى استخلاصٍ محدد: إذا كانت السياسة تعني قيادة الثورة أو إدارتها، فإن الفشل هو الصفة التي تَلبسُ جميع الفاعلين السياسيين السوريين المعنيين بالموضوع على مدى خمس سنوات.

المفارقة أن «الثورة» تحولت تحت أنظار هؤلاء، وفي ظل ظروف خارجية قاهرة لا يمكن تجاهلها، إلى مزيج من ثورةٍ وحربٍ أهلية وصراعٍ إقليمي ودولي تحت اسم (الحرب على الإرهاب). تنبع أهمية الموضوع هنا لأن البحث يتمحور، ابتداءً، حول وجود فاعل سياسي يعمل في مثل هذا الواقع. وإذ تُرَدﱡ هوية هذا الفاعل، وفق أحد الافتراضات، كما طرح كرم نشار، إلى الإطار العلماني الديمقراطي، بعيداً عن الأطر الأخرى، فإن مثل هذا الفاعل يضع نفسه في مواجهة تحدٍ شبه مستحيل. هذا باستقراء مسار الأحداث في الماضي من ناحية، وطبيعة الواقع الراهن وإكراهاته من ناحيةٍ ثانية.

ما نريدُ قوله هو أن الاستمرار في اعتبار ما جرى ويجري في سوريا «ثورةً» بالمعنى الحضاري الاستراتيجي الأكثر قرباً لقوانين الاجتماع البشري وتجاربه في هذا المجال، وهو ما نميل إلى تبنيه، يفرض ثورةً في عملية البحث عن الفاعل السياسي الجديد. لا مجال هنا للعودة إلى الأطر الجاهزة التقليدية، لا من حيث الإطار النظري ولا فيما يتعلق بالهيكل التنظيمي. هذه ثورةٌ تحتاج إلى كثيرٍ مما هو جديدٌ ومبدعٌ ومُبتَكَر، وخاصةً فيما يتعلق بمعنى وتعريف السياسة، ووجود الفاعل السياسي. وقد نكون بحاجة لعمليةٍ تتضمن «تبيئة» الإيديولوجيات ثم المزج والجمع بين مكوناتها، بما يناسب خصوصية الحالة السورية، للخروج من ذلك بتعريفٍ جديد للسياسة، ومعنى مختلفٍ عن السائد لها، وهويةٍ لفاعلها، ينسجم مع تلك الخصوصية، ويعمل وفق ذلك المعنى وهذا التعريف.

لا يمكن، طبعاً، استبعاد وجود فكرة «نحن لسنا أولئك الذين تتحدث عنهم» في خلفية حديث كرم نشار عن الموضوع، ومعها فكرة «العودة إلى الأصول والينابيع»، بحيث يكون المولود الجديد مختلفاً، حتى في غياب الحديث المباشر عن تلك الفكرة. ولئن كان التفكير فيها منطقياً ومشروعاً على الصعيد النفسي، إلا أن طبيعة المهمة التي تنتظر الفاعل السياسي الجديد تتصف بدرجات من التعقيد لا يمكن معها توقعُ وجود القدرة على أداء المهمة، وتحديداً مرةً أخرى، لأن إطار ثقافةٍ سياسية واحدة، أياً كانت، لن يكون قادراً على استيعاب عناصر تلك المهمة، بل هضمِها وابتكار الأدوات والسياسات التي تلبي متطلباتها عملياً. المفارقة هنا أن الإسلاميين حاولوا مراراً وتكراراً ممارسة «العودة إلى الأصول والينابيع» ونحن نعلم إلى أين أوصلهم هذا، بغض النظر عن شيءٍ من التعسف في المقارنة.

ثورة سوريا مستمرة، وهي تتكشف، وستتكشف، عن أبعاد، على المستوى الإقليمي والدولي، سياسياً وثقافياً واجتماعياً، لم تكن تخطر في بال من أشعلوها. إنها ثورة لا مهرب في خضمّها من السياسة، ولكن بتعريفٍ يناسب جسدها الكبير الذي لا يمكن حشرهُ في أي نوع من الملابس الجاهزة الضيقة عليها. وهي ثورةٌ تحتاج إلى فاعلٍ سياسي يُولد من تفاعلٍ وثيق بين النظر والحركة، ومواجهةٍ شجاعة لعوائق ظهوره الحقيقية بُغية تجاوزها، وإدراكٍ عميق لمعنى هويته الجديد، المفارق لإكراهات الهويات السائدة، والجامع لكل من طردتهم تلك الهويات، أو هربوا منها، بعد إذ أثبتت أنها لا تنتمي ابتداءً إلى زمن الثورة.