المصارف اللبنانية تستقيل من وظيفة «مدير أعمال حزب الله»

عُلِّقَت الأزمة بين حزب الله والمصارف اللبنانية على خلفية تطبيق العقوبات الأميركية المقرّة نهاية العام الماضي. هذا ما تشي به الهدنة غير المعلنة بين الطرفين منذ تفجير «بنك لبنان والمهجر» في 12 حزيران الماضي.

فقد أدى التفجير الغامض، الذي لم يُدنه الحزب، إلى شبه اتفاق بين الحزب وحاكم مصرف لبنان رياض سلامة بوساطة المدير العام للأمن العام عباس ابراهيم.

ينص الاتفاق على وجوب عودة المصارف التي تنوي إقفال حسابات لأفراد أو مؤسسات تابعة للحزب إلى «هيئة التحقيق الخاصة» في مصرف لبنان، التي تفتي بجواز الإقفال من عدمه. يأتي ذلك بعد أن أصدر سلامة تعميماً في مطلع أيار الماضي، يوجب على المصارف اللبنانية تنفيذ عملياتها بما يتناسب مع مضمون القانون الأميركي المذكور والأنظمة الصادرة، أو التي سوف تصدر، عن السلطة التنفيذية في الحكومة الأميركية.

هذا التعميم أخرج الحزب عن طوره، حيث اتهم سلامة وأركان القطاع المصرفي بأنهم حريصون على مصلحة أميركا أكثر من حرصهم على الاقتصاد الوطني، مستخدماً لغة اتهامية وتخوينية للمرة الأولى في تاريخ علاقته بهذا القطاع.

المصارف «تخون» الأمانة

على أن ما جرى يطرح أكثر من علامة استفهام حول الأسباب التي حدت بالحزب إلى التصعيد الحاد ضد قطاع ظلت علاقته به مثالية طوال أكثر من عقدين، على الرغم من التشويهات البنيوية التي تسببت بها هيمنة المصارف على مجلس إدارة النموذج الاقتصادي القائم، الذي لم يعد يستجيب للحد الأدنى من حاجات اللبنانيين.

فممثّلو الحزب حضروا إحدى الجلسات التشريعية النادرة في تشرين الثاني الماضي، التي جرى خلالها تصديق قانوني مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب إلى جانب التصريح عن الأموال عبر الحدود، بضغط من أميركا مباشرة.

وهو لم يذهب في الجلسة حدَّ استخدام نفوذه الكبير لمنع إقرار هذين القانونين، اللذين رافعَ أبرز حلفائه (العونيين وحركة أمل) دفاعاً عنهما، وعن دورهما في حماية دور لبنان ضمن النظام المالي العالمي، وإنما انتهت الجلسة بإقرار القانونين بعد إدخال بعض التعديلات عليهما. علماً أن الرئيس الأميركي وقّع مشروع قانون توسيع العقوبات على الحزب في كانون الأول الماضي، أي بعد إقرار القانونين. ما حدا بخصم الحزب، الرئيس سعد الحريري، إلى التعليق بعد الحملة التي شنها الحزب على المصارف مذكّراً إياه بأنه «عندما أقرّ المجلس النيابي في نهاية السنة الماضية قوانين مكافحة تبييض الأموال، التزَم عملياً بتطبيق القوانين المالية العالمية».

وأشار الحريري إلى «أنّ هذه القوانين أُقِرّت بالإجماع، أي أنّ من صوّت عليها أيضاً هم نوّاب حزب اللهّ وليس رياض سلامة، وهذا يعني أنّه إذا أراد حزب الله أن يفتح حساباً في بنك إيراني سيتمّ رفضُه بسبب هذه القوانين نفسها، إلّا أنّنا لم نسمع هجوماً من حزب الله على المصارف الإيرانية وعلى البنك المركزي الإيراني».

على أن ما تقدّم يتجاهل حقيقة موضوعية حكمت علاقة الحزب بالقطاع المصرفي عموماً، وبحاكمية مصرف لبنان خصوصاً طوال العقدين ونصف العقد من عمر الهيمنة السورية التي تلت توقيع اتفاق الطائف.

فسلامة، وبالتعاون مع القطاع المصرفي، وبرعاية مباشرة من مهندس اقتصاد ما بعد الحرب الراحل رفيق الحريري، سهّلَ للحزب تمرير أمواله عبر القطاع المصرفي، وبالنتيجة عبر القنوات الشرعية للنظام المالي العالمي، حيث لم يشهد الحزب مشاكل تذكر في هذا الإطار، إلا لماماً. وما انزعاج الأخير من سلوك أركان القطاع المصرفي سوى انزعاج رئيس شركة من «خيانة الأمانة» أو من «سوء إدارة» مرؤوسيه وانقلابهم عليه.

بعبارة أدق، تعاملَ الحزب مع المصارف كما لو أنها قرّرت، بغتة، الاستقالة من وظيفة إدارة أعماله، منقلبة على تاريخ سرّي من تبادل المنافع! الأمر الذي تفسّره تصريحات من قبيل توجه الحزب للمصارف بالقول «قلعوا شوككم بأيديكم»، أو من قبيل اعتباره أنه غير مسؤول عن إيجاد الحلول، مطالباً المصارف وسلامة بتوفير هذه الحلول!

آثار العقوبات على الاقتصاد

لقائلٍ أن يقول إن الحزب أكد بلسان أمينه العام حسن نصر الله أن آثار القانون الأميركي لم تظهر عليه بعد، وإن ما يقوم به لا يعدو أن يكون دفاعاً عن البيئة الشيعية الحاضنة للحزب، التي لامسَ الموسى عنق بورجوازيتها!

هذا الكلام صحيح نسبياً حتى الساعة، إذا راعينا ما أكده نصر الله أكثر من مرة منذ العام 2009 عن التمويل الإيراني للحزب، حيث بلغت به الصراحة في إحدى إطلالاته الأخيرة أن قال: «نحن ليس لدينا مشاريع تجارية وليس لدينا مؤسسات استثمارية تعمل من خلال البنوك، ونحن وعلى المكشوف وعلى رأس السطح نقول: موازنة حزب الله ومعاشاته ومصاريفه وأكله وشربه وسلاحه وصواريخه من الجمهورية الإسلامية في إيران».

فالحزب هنا، يطمئن عناصره، الذين يشكلون عشرات الألوف بأن رواتبهم باقية ما بقيت ملاءة إيران، لكنه عاجز عن طمأنة الأكثرية الساحقة من أصحاب الأعمال الشيعة، الذين نسج معهم علاقات غير قابلة للفكاك خلال سنوات نموه وتسيّده، بأن أعمالهم وأرباحهم والوظائف التي يؤمنونها لفقراء الشيعة ستدوم ما بقيت علاقاتهم بالحزب على حالها.

ومتى ما أخذنا في الاعتبار مدى عمق الهيمنة التي أرساها الحزب على غالبية طوابق البناء الشيعي اللبناني، يتبين لنا كم أنه بات من الصعب جداً فصل رساميل حزب الله عن رساميل البورجوازية الشيعية الناشئة، خصوصاً بعد الحرب. وبالنتيجة، بات من الصعب جداً الحديث عن دور اقتصادي شيعي في لبنان، من دون إدراج الدورة الاقتصادية للحزب فيها. فالاندماج الكبير بين الاثنين، يأتي بعد سنوات من العمل الدؤوب للحزب وإيران على السواء، والذي وجد رعاية استثنائية من الوصاية السورية. ما يعني أن الأذى اللاحق بأحد هذين المستويين سيترك انعكاساته على الاقتصاد الوطني ككل.

وإذا كان رأس المال، أياً تكن طائفته (!)، جباناً، فالحزب يحاول القول إنه مستعد للذهاب بعيداً دفاعاً عن الرساميل الشيعية وعن دورها وامتيازاتها المستجدة ضمن الاقتصاد اللبناني وضمن قيادة الحزب أيضاً، واضعاً نفسه في خانة الدفاع عن كل ما يتعلق بالشيعة، لا بأمنهم وحسب.

اقتصاد الحزب

مهما يكن، كي نفهم ما يشكله اقتصاد الحزب في الاقتصاد الوطني اللبناني، من المفيد العودة إلى تقرير نشرته صحيفة الأخبار المقربة منه، في نسختها الإنكليزية. إذ ينقل التقرير الصادر في العام 2012 عن مراقبين غربيين قولهم إن التمويل الإيراني للحزب يراوح ما بين 100 و400 مليون دولار سنوياً، مرجحاً بلوغ هذا المبلغ في الأزمات، كحرب تموز 2006 مثلاً الـ 1.2 مليار دولار.

كما ينقل التقرير عن ممثل الحزب في طهران، عبد الله صفيّ الدين، قوله إن تمويل الحزب يأتي مباشرة من المرشد الأعلى للجمهورية الإيرانية علي خامنئي، وأنه غير مقيد في سجلات الموازنة الإيرانية العامة.

وكان نصر الله قد اعترف بعد حرب تموز العام 2006 بأن التعويضات التي سددها الحزب والبالغة 300 مليون دولار، جاءت من خامنئي شخصياً. كما يتلقى الحزب، وفق التقرير، دعماً من مراجع التقليد الأخرى في إيران والمنطقة، التي تجمع «الخمس» من المقلدين.

هل يعني ما تقدّم أن الاقتصاد اللبناني سيتأثر من جراء العقوبات الأميركية على الحزب؟

لم تظهر حتى الساعة مخاطر ملحوظة من جرّاء تطبيق هذه العقوبات، فأموال إيران لا تزال تهدر في محرّكات مؤسسات الحزب العسكرية والاجتماعية التي تشغّل ألوف الشباب الشيعة، ولو أن قنوات إيصالها السابقة بدأت تضيق وتضيق. علماً أن الدور المركزي الذي يلعبه الحزب اليوم في سوريا دفاعاً عن النظام الأسدي يسهل إيصال الأموال إليه عبرها، خصوصاً في ظل استمرار تحكّم النظام بمفاصل النظام المالي السوري.

على أن البيئة الحاضنة للحزب لن تكون بمنأى عن تداعيات هذا القانون خلال السنوات المقبلة. فهي ستجد نفسها، عاجلاً أم آجلاً، أمام خيارين: إمّا دفع أثمان باهظة دفاعاً عن الدور الإقليمي للحزب، كذراع أمني لإيران، وإمّا إعلاء الصوت دفاعاً عن مصالحها الاقتصادية، وعن المصلحة الوطنية العليا التي لم يعد الحزب يقيم لها أي اعتبار. لا في الممارسة ولا حتى في البروباغندا!

ليس تخاذلاً أمام من يعادي المصلحة الوطنية القول للحزب إن خياراته الاستراتيجية لا تمت للبنان بصلّة، وأن أكلافها الوطنية، فضلاً عن أكلافها على بيئته باتت تفوق أي مردود متوقع مستقبلاً.

هذا إذا افترضنا أن الانتماء للوطن لا يزال له معنى في ظل تفرّق اللبنانيين مللاً ونحلاً!