في «لا معنى» أن تكون يسارياً

عام 2013 حضرتُ مؤتمراً تضامنياً مع فلسطين في مدينة شتوتغارت الألمانية، كانت هناك دار نشر يسارية أوروبية مرافقة لفعاليات المؤتمر عبر مندوبَيها، وقد دار بيننا حديث حول الوضع في سوريا. أخذَ الحديث تقريباً الشكل التالي: سُئلت عن موقفي مما يحصل في سوريا فأجبت «طبعاً مع الثورة»، عندها تدخل أحدهما ليسألني إن كنت اعتبر نفسي يسارياً وهو ما أكدته أيضاً، ليبادرني بحدة أنه لا يجوز ليساري أن يكون في صف الإمبريالية. عندها بدأ الآخر حديثاً مطولاً عن الإمبريالية وتقسيم العمل على المستوى الدولي وما يرافقه من استغلال، وعن دور البرجوازية الوطنية، للبرهنة على خطأ موقفي. عندما انتهى علقتُ بأنه ورغم تقديري لكل ما قاله، إلا أنه وخلال كل حديثه لم يذكر ولو لمرة واحدة سوريا ولم يقم بالإحالة إليها، وهي أصل الحديث ومبرره، أما فيما يتعلق بالبرجوازية الوطنية، فإن اعتبار رامي مخلوف (وهو لا يعرفه) والأسد ممثلي البرجوازية الوطنية لن يعدو سوى مزحة سمجة. بادر بالرد أن هذا قد يكون صحيحاً، ولكن علينا أن نرى الأمور بكليتها، وكليتها كانت عشر دقائق أخرى حول الإمبريالية والتبعية. عندها أنهيت الحديث بالتعليق بأني أخطأت العنوان، وأنني كما يبدو لست يسارياً ولا رغبة لي بأن أكون كذلك.

الحادثة شكلت وقتها صدمة بالنسبة لي، لسبب بسيط تماماً وهو أنني اعتدتُ يوماً على تقديم محاججة شبيهة في حالات مغايرة (يوغسلافيا وساحل العاج وفنزويلا كأمثلة)، لكن يبدو أن «الواحد بيتعلم من كيسه».

اللافت هو الهوة التي تفصل بين اللغة المستخدمة لتفسير الواقع وإسباغ قيم محددة عليه، والواقع نفسه. هذه اللغة تبدو مقطوعة الصلة بعالمها، تحيا مكتفية بالإحالة إلى ذاتها. تصف معارك وصراعات لا يمكن تعيينها أو رصدها في النزاع الواقعي، بكلمة أخرى تخلق عالمها المتوهم وتعيش فيه. عوضاً عن بشار الأسد والجماعات الثائرة ضده ووقائع القمع والاستبداد والفساد، فإنها تروي حكاية منقطعة الصلة بكل ما يحصل. حكاية عن صراع طبقات (لا أحد من المتحاربين يعرّف نفسه بالإحالة إليها) وإمبريالية وتقسيم عمل على الصعيد الدولي (لا أحد يفهم مغزاه في كل الحرب السورية، والإحالة إليه لا تفترض أصلاً فهم آلية اشتغال الاقتصاد السوري وتقسيم العمل داخله) وبرجوازية وطنية (لا أحد يعرف ماهي). المقولات التي تستدعيها هذه اللغة لغرض التفسير تظهر فارغة المحتوى، يمكن استخدامها –واستُخدمت عملياً- لتحليل أي بلد لا على التعيين، سواء كان سوريا أو يوغسلافيا سابقاً أو أوكرانيا.

المثال الأقرب لهذه اللغة هو اللغة اللاهوتية التي تفسر العالم بالإرادة والتدخل الإلهيين، وصراعات الملائكة والشياطيين، وغضب الله على البشر جراء شرورهم وخطاياهم. مع قدوم العلم الحديث أصبحت هذه اللغة شيئاً فائضاً لا معنى له، وليست مجرد أمر خاطئ. مقولاتها مثل «إرادة الله» أو «الشياطيين» لا تحيل إلى أي شيء مخصص، وفي الوقت ذاته من الممكن أن تحيل إلى أي شيء، يمكنها أن تفسر قضية ما ونقضيها في الوقت ذاته. تشتغل هذه المقولات في عالمها الخاص، وباستقلال تام عن الوقائع التي من المفترض أنها تفسرها. هناك كثيرٌ من الذين ما زالوا وسيبقون يفسرون العالم باللغة اللاهوتية، ولكنها لم تعد تلعب دوراً يُذكر خارج جماعاتهم. اللغة اللاهوتية لم يعد لها قيمة تفسيرية مع استبدالها بلغة العلم الحديث، غير أنها أصبحت في المقابل موضوعاً علينا أن نفسر استمراره ووجوده ووظيفته لدى الجماعات التي ما زالت تستخدمها.

ما أقصده بلغة اليسار هو الإطار المرجعي الذي نتمثل من خلاله وبواسطته العالم، ونحدد بواسطته التناقضات الأساسية التي تقسمنا وتؤسس لانحيازاتنا وخياراتنا. الإطار الذي يحدد لنا كيف نفهم العالم من حولنا، من نحن ومن هم أعداؤنا وعلى ماذا نختلف ونتنازع. لغة اليسار تستند إلى معجم أساسي يتضمن «الطبقات الاجتماعية»، «الملكية»، «النظام الرأسمالي»، «الاستغلال الاقتصادي»، «العدالة الاجتماعية» وغيرها. الحبكة المركزية تقوم على اعتبار الملكية أساس النزاع الاجتماعي، وعليه فإن الصراع الطبقي يحدد لنا كل نزاعٍ لاحق. الانتماء الطبقي هو الانتماء الأصلي الذي يمكن إرجاع أي انتماء آخر إليه، عالم اليسار هو عالم الطبقات الاجتماعية. هذا الإطار التفسيري يقدم معنى ومغزى الانحيازات السياسية، وتمثل هذه اللغة بنيةً تحتيةً (لنستعمل المجاز الماركسي) يمكن توسيعها وترجمة لغات النزاعات المغايرة إليها، كما في حال نضال الشعوب المستعمَرة ضد مستعمِريها باعتباره صراعاً طبقياً على المستوى العالمي، أو حتى الهوية الجنسية كشكل من الاستغلال الطبقي، وإن لم يكن من الممكن إرجاع هوية ما (أو نزاع) إلى مثل هذه اللغة، فستُعتَبر وعياً مزيفاً كالانتماء الطائفي أو القبلي. عملية الإرجاع كانت دوماً محل تنازع، فلم يقبل كل اليساريين بشرعية النضال القومي مثلاً.

خلال العقود السابقة هيمنت لغة اليسار على تمثلنا وفهمنا لعالمنا، التحديات والصراعات المركزية فيما يتعلق بالاستعمار والاستغلال والصراع الطبقي والتنمية صيغت داخل تصور اليسار للعالم وطبيعة النزاع فيه. هيمنةٌ أرغمت كل حركة سياسية على أن تحدد موقفها بناء على الأسئلة التي طرحها اليسار. كان على الإسلاميين أن يحددوا موقفهم من الملكية والصراع الطبقي والعدالة الاجتماعية، كما فعل محمد باقر الصدر وسيد قطب ومصطفى السباعي.

حدد اليسار وقتها معنى السياسة وصراعاتها، لكن الوضع اختلفَ اليوم، لم يعد التصور المستمد من عالم اليسار/اليمين يسهم في تشكيل أي قضية أو تحدٍ سياسي في عالمنا المعاش. لا الطبقات بوصفها هويات سياسية، ولا قضايا التنمية أو الملكية أو غيرها، هذا لا يعني أن هذه القضايا اختفت، إنما لم نعد ندركها من داخل التصور الذي ورثناه عن اليسار. فتقاليد الاحتجاج –مثلاً- لم تعد تلجأ إلى الطبقات، إنما أصبحت تُصاغ بالإحالة إلى هويات مغايرة، كالسكان الأصليين، الهوية الجنسانية أو الإثنيات والطوائف. أصبح سؤال الشريعة محك النزاع السياسي الذي يُحدد تقريباً كل منازعة تالية، كما كان سؤال الملكية يفعل سابقاً. اليوم أصبح الإسلاميون هم الذين يحددون نقاط النزاع، ويشكلون بناءً عليها المخيال السياسي.

إذا أخبرك أحدهم اليوم بأنه يساري، فما الذي يمكن أن تستفيده من هذه المعلومة فيما يتعلق بمعرفة موقفه من أي من القضايا الأساسية؟ عملياً لا شيء. قد يكون مع السيسي أو مؤيداً لمرسي، ربما يكون نصيراً متحمساً للأسد أو مؤيداً للثورة السورية، وهذا يصدق على أي قضية أخرى. عليك أن تسأله بشكل مباشر ومحدد، إذا أردت أن تعرف موقفه من قضية ما، أما معرفتك بيساريته فنافلة.

حتى اختزال اليسار إلى قيمة أساسية لن ينفع في زيادة الوضوح، بل سيقودنا إلى تناقضات ذاتية، كما في حال تعريف اليسار بالعدالة الاجتماعية أو حق الشعوب في تقرير مصيرها، ودليلُ ذلك انحيازُ كثيرين ممن يرفعون هذه الشعارات إلى الأسد وروسيا وإيران والصين وربما كوريا الشمالية، وهي –كما نعرف- دولٌ تمتاز بمعدلات عالية للمساواة الاجتماعية وممارسة ديموقراطية مستقرة، على العكس من الدول الإمبريالية كالولايات المتحدة ودول أوروبا الغربية، التي تقصف شعوبها بالبراميل ويورث فيها الحكم من الجد للابن فالحفيد، وتتحكم الدولة هناك بوسائل الإعلام وتلاحق الصحفيين وتعيش شرائح واسعة من طبقتها العاملة ما يشبه العبودية.

يسار جديد

هل نحن بحاجة إلى يسار جديد؟ منذ سقوط الاتحاد السوفياتي لم تزل مسألة «يسار جديد» تُطرح بشكل مستمر، ويمكن للمرء أن يذكر عدداً هائلاً من المؤتمرات السياسية والملفات النظرية (كما في مجلتي النهج والطريق) التي عُقدت لهذا الغرض، والنتيجة لا شيء. هذا مجرد تقرير حالٍ عن فشل محاولات بعث اليسار، وليس تفسيراً للقول إننا لسنا بحاجة إلى مثل هذا اليسار.

سأطرحُ بعض النقاط التي أعتقدُ أنها تقدم بعض الإجابة على عدم الحاجة لاستدعاء لغة يسارية لتأطير الصراعات السياسية التي تًخاض اليوم:

أولاً، لم يعد هناك من حاجة للربط بين الدفاع عن المساواة والديموقراطية وحقوق مجموعات بشرية متباينة من جهة واليسار من جهة أخرى، فالحركات التي تدافع عن حقوق المثليين والنساء والسكان الأصليين والمهمشين لم تعد تهتم لصياغة قضاياها ومطالبها بلغة يسارية. دافعَ البشرُ عن أنفسهم وخاضوا صراعاتهم للحصول على المزيد من الحقوق والوصول المتكافئ لمصادر الثروة والسلطة دون الحاجة إلى اليسار. تشكيل هويات سياسية يمكن أن يتم انطلاقاً من سياق النزاع نفسه، فمثلاً صراع المهمشين في المدن موجه ضد التهميش والاستبعاد ومن أجل الوصول إلى الميزات التي يُتيحها النظام للآخرين، مثلُ هذا الكفاح لا يحتاج إلى هوية مُعرّفة بالعمل والإنتاج، ولن يكون لأجل استبدال النظام الرأسمالي بآخر اشتراكي.

بغياب لغة عالمية يمكن ترجمة كل الصراعات إليها لن يظهر شكل من الوحدة العالمية للصراع، التي سمحت يوماً لجماعات متباينة أن تتماهى مع بعضها بعضاً. زودَ اليسارُ الناس بمثل هذه اللغة، التي حددت الصراع المركزي وموقع بقية الصراعات الثانوية بالنسبة إليه، مما سمح لمجموعات متباينة أن تتماهى مع بعضها بعضاً، فنضال المهمشين صيغةٌ ما للصراع الطبقي، والنضال ضد الاستعمار يرتبط بصلة قربى بالنضال ضد الرأسمالية وبالتالي بالصراع الطبقي، كما يمكن نسج صلة مع الاضطهاد الجنسي والاثني وقضايا المهاجرين، وعليه يمكن للسود في جنوب إفريقيا أن يروا أنفسهم في الفلسطينيين، وهؤلاء في نضال الإيرلنديين، وكلهم ينظرون إلى نضالهم كجزء من النضال ضد الرأسمالية الذي تخوضه الطبقة العاملة. لغة اليسار كانت لغة كونية، ليس فقط على مستوى الوصف إنما حتى في طبيعتها المعيارية، أن يرى الجميع أنفسهم شركاء في صراع ما ويتضامنون مع بعضهم فهذا يعني أن هناك قيماً عامة يستندون إليها. اليوم تبدو النزاعات محلية ومنكفئة على قضايا محددة في سياقات خاصة دون إمكانية ترجمتها إلى بعضها بعضاً، هذا يعني أنه من الممكن لجماعات ذات وضع متشابه أن تخوض صراعات فيما بينها انطلاقاً من تعريف نفسها بقيم متباينة، أو أن تتوافق جماعات متباينة مع بعضها كما في انحياز المهاجرين مثلاً إلى أحزاب يمينية تدافع عن قيم أخلاقية محافظة يميلون إليها.

لم يعد هناك صراع أساسي يمكن فهمه بالإحالة إلى لغة اليسار، عوضاً عن هذا لدينا صراعات متنوعة وتُخاض على سويات متباينة، قد تجتمع مع أحدهم على مستوى معين ولكنك تخوض النزاع ضده على مستوى آخر. لم تعد هناك لغة أساسية يمكن العودة إليها لفهم وخوض كل نزاع، بل لغات متباينة تُستخدم حسب السياق الذي نحتكم إليه.

ثانياً، لم يعد اليسار هو الذي يصوغ المخيال السياسي، وفي منطقتنا نجح الإسلاميون في تشكيل المخيال السياسي وصياغة الأسئلة التي تقسم الناس وتحدد هويتهم السياسية بالإحالة إليها. هذا التبدل يحيل إلى تحول في ماهية السياسة ومكانها. سابقاً عُرفت السياسة بالإحالة إلى الدولة بشكل شبه حصري، وكان هدف أي حزب هو الاستيلاء على السلطة (الدولة) عبر الثورة (بمعزل عن استراتيجية الثورة الخاصة به والتحالفات الطبقية التي سيعقدها لهذا الغرض) من أجل فرض التحولات الاجتماعية التي يريدها. الدولة هي حيز السياسة وما خارجها هو خارج السياسة، ومنه يبدأ المجال الخاص للأفراد. لم تعد الدولة اليوم المجال الوحيد لممارسة السياسة، لا يعني هذا ضعفها فهي ما تزال شديدة القوة وستبقى كذلك، لكن التحول أصاب مجالات عملها، واليوم لا يعرف أحدٌ تماماً ما الذي يمكنه عمله حتى لو استلم السلطة (سيريزا بعد فوزها بالانتخابات مثل جيد). إضافة إلى القيود المفروضة على مجال فعالية الدولة، فقد ظهر أيضاً فاعلون سياسيون شديدو القوة من خارج الدولة بدءاً من الشركات والمنظمات الأممية، وانتهاء بتنظيمات مثل القاعدة والدولة الإسلامية. التحول امتد أيضاً إلى شكل وماهية المجال العام، فقد نجح الإسلاميون مثلاً في تسييس البعد الأخلاقي وإدراجه في المجال العام، وهو ما كان يُنظر إليه كجزء من المجال الخاص. الدولة والفاعل السياسي والمجال العام والعلاقة بينها أصابها تحول أساسي، لا يمكن التعامل معه انطلاقاً من إيديولوجيا اليسار.

ثالثاً، يظهر اليسار في مشرقنا العربي تحديداً بوصفه لغة تقية، لغة تُظهر غير ما تُبطن. ينحدر كثيرٌ من يساريينا، خاصة من المؤيدين للأسد، من أبناء الأقليات الدينية. المعنى الحقيقي لليسار هنا لا يُحدد فيما يقوله، إنما فيما لا يقوله، في انتماء أفراده وانحيازهم. هذه ليست مشكلة جديدة على اليسار، وقد سبق لياسين الحافظ أن رصدها قبل عقود، ولكنها ومع التفتت الطائفي لمجتمعات المشرق أصبحت حالة وبائية. ابن الأقلية1 لدينا يصبح يسارياً كي لا يقول علناً أنه يخشى الإسلام السني، وعليه فلا معنى لأن تحاججه على أساسٍ من تراث ماركس وغيره، بل أن تذهب إلى النقطة المركزية وهي خوفه من الإسلام السني تحديداً كابن أقلية. ليست الخشية من تسييس الانتماء للإسلام السني بحد ذاتها شيئاً شنيعاً لابن أقلية، بل مفهومة تماماً -خاصة مع الشكل القتالي لتسييسها كما يظهر مع داعش وجبهة النصرة وغيرها-على أن تُناقش بشكلٍ علنيٍ وواضح، وليس أن تُصاغ بلغة مغايرة (لغة تقية) هي لغة اليسار. تقية تصل إلى حد رفض أي إشارة إلى الأصل الطائفي في تفسير سلوكٍ شبه موحدٍ على أساس طائفي بحجة اليسار وما يستتبعه من وطنية وعلمانية وهلم جرا، عندها تبدو إمكانية أي نقاش حقيقي ومفيد معدومة لأنها تُخاض أساساً بلغة مزيفة يدرك الكل زيفها ونفاقها.

تجديد اليسار يعني تحرير اليسار من هذه التقية وطرح المسألة الطائفية صراحةً، ولكن هذا الطرح لا يمكن له أن يتم أساساً بلغة اليسار نفسه من جهة، ومن جهة أخرى سيفتح الباب لجدل بيزنطي حول من هو اليساري حقاً وحول علاقة الباطن بالظاهر2. وسيؤدي تحرير اليسار من التقية تالياً إلى إعادة كسب ثقة الناس بصدق هذه اللغة، وبانحيازات أصحابها (مع فقر مضمونها، النقطتين السابقتين). كل هذا يطرح السؤال: ولماذا علينا أن نفعل كل هذا؟؟ لا أعتقد أن هناك إجابة مقنعة.

خاتمة

اليسار يمكن أن يزودنا اليوم بإرث كفاحي وقيم ونقاط انطلاق للتفكير لا أكثر، لكنه لم يعد قادراً على تزويدنا برؤية للعالم، رؤية تسمح لنا بفهمه وتغييره في الوقت نفسه. رأى ماركس أن وظيفة الفلاسفة تكمن في تغيير العالم، لكن تغيير العالم لا ينفصل عن تفسيره. كانت لغة اليسار تقوم بتفسير العالم، وأيضاً بإسباغ مقاصد وغايات من أجل تغييره. اليوم لم تعد هذه اللغة قادرة على أن تقوم بشيء من هذا.

انتظام السياسة حول الانقسام إلى يسار ويمين كان نتاج الثورة الفرنسية، بوصفها الثورة النموذج المؤسسة للمخيال السياسي. أما اليوم فإن هذا التمايز وما يقوم عليه في طريقه إلى الزوال. السياسة لم تعد صراعاً بين يسار ويمين، ولم يعد هذا التمايز مفيداً في تحديد موقف تجاه أكثر المسائل التي تشكل صلب منازعات هذا العالم، نرى يساريين ويمينيين في كل معسكر تقريباً، يساريون ويمينيون مع الأسد والسيسي أو ضدهم، مع اللاجئين أو ضدهم.

هو عالم ما بعد اليسار واليمين.

  • 1. لا يقتصر هذا على أبناء الأقليات، خلال دراستي الجامعية في حلب كنا نتداول دعابةً عن أن السني (المحافظ على تقدمي، خلطة المشرق) يصبح ناصرياً لأنه من المعيب أن يصبح إخوانياً، والمرابطون في الحرب اللبنانية ليسوا إلا مثالاً آخر.
  • 2. عندما تسمي اليساريين المنحازين للأسد سيكون بينهم عدد كبيرٌ من أبناء الأقليات الدينية، وهم سينكرون أي إشارة إلى أصولهم الطائفية في تفسير انحيازاتهم (فقط الصدفة جمعتهم)، وقد يتحول النقاش معهم حول تفسير هذا الانحياز إلى نقاش نوايا وخفايا قلوب، وهو في النهاية نقاش عديم المعنى والجدوى بشكل كامل.