السرطان والكيملك ورحلة الموت

عندما يشاهد المرء وجهها الشاحب ويديها الهزيلتين، ينتابه شعور بالسخرية من فكرة الموت ذاتها. كان الزمن يفعل فعله في ذلك الجسد الغض خلال ثلاثة أشهر، يحزُّ الرئة في رحلة الموت الطويلة، التي بدا الموت نفسه في نهايتها رفاهية. كان عليها أن تقطع كل الطرقات وتعيش كل أنواع القهر لتجتاز عتبة الألم والذل الحدودي، وتحظى في النهاية بالموت لا بالحياة.

حلب، 2014

باتَ العثور على منزلٍ صالحٍ للسكن في حي كرم البيك في منطقة طريق الباب أمراً شبه مستحيل، وبعد ثلاث سنوات من الثورة كانت حصة هذا الحي مئات من الصواريخ والقنابل والشهداء والدمار، البيوت في الحي بيوت عربية لم تدخلها لوثة الأبنية الطابقية، ومتجاورة إلى الحد الذي تلتصق فيه أسطح المنازل، وبفعل القصف بدت وكأنها بيت واحد مشرع للريح.

أم أحمد تزوجت في بداية الثورة 2011، وكان حظها أن تبقى في أحد بيوت الحي. غرفةٌ واحدة هي ما تبقى من منزلها الذي غادرته مع بداية «حملة البراميل» في نهاية عام 2013 كما يطلق عليها أبناء الحي، لتعود إلى منزلها مع زوجها وطفليها بعد أن أنهكتهم الحياة وارتفاع أسعار البيوت في مدينة اعزاز التي كانت شبه آمنة.

أبو أحمد الذي كان يبيع الخضار في الحي على سيارة «سوزوكي» هي كل ما يملك في حياته، كان يجلس قبالتها كمن يتغزل بامرأة مضيئة، يغسلها و«يفحّم الدواليب» كما كان يقول، ويكلم نفسه ويخاطب المارة قائلاً: «عروس».

باع سيارته ليدفع إيجار البيت لثلاثة أشهر في نزوحه الأخير، وبعد أن انتهى كل ما كان يملكه عاد إلى بيته من جديد، وقفَ على أنقاض منزله، رفعَ يديه إلى السماء مخاطبا الله هذه المرة: «يا رب والله ما سرقت».

تتشابه قصص الحياة بين أهل المدينة المنكوبة، ولعل الحديث عن الإغاثة وأماكن القصف وغلاء الأمبير والبحث عن حطب للشتاء يختصر كل أحاديث الرجال، والنساء أيضاً.

حلب، أيار2016

منذ سيطر النظام على بعض النقاط في الملاح، بدأ صوت الحصار يعلو ويأخذ المكانة الأهم في الأحاديث اليومية، المدينة على وشك الحصار. الخوف من الجوع صار أكثر حضوراً من الخوف من براميل الكلور، التي يتناقل أهل المدينة الأحاديث عن اقتراب النظام من رميها عليهم، ما الذي يمنعه، فعلها سابقاً في الغوطة وقرى إدلب، هذا النظام «ابن حرام» لا يخاف.

تغرق في تفاصيل الحديث عن الحصار والإيمان والسفر والهروب والبقاء في حي لم يبق من سكانه كثيرون. لا أحد يحتمل العيش في هذه الظروف، والأطفال؟ كيف سنؤمن لهم خبزهم والماء على الأقل؟ حين يحاصر النظام مكاناً ما، يمنع الهواء من الدخول، هذا ما بدأت به أم أحمد استقبالها لزوجها بعد يوم متعب. نظرَ إلى وجهها الصغير المصفر كالشمع، وتحسس جيبه شبه الفارغ، لم يكن يعلم وقتها أن الرحلة ستطول.

بكت أم أحمد، ورافقَ بكاءها سعالٌ كان يرافقها منذ أيام. كان السعال متواصلاً هذه المرة، ولم تنتبه بفعل غياب الكهرباء والضوء الخافت لشاحن الكهرباء، «اللد» كما يسمونه في الحي، أن الدم ملأ وجهها ويديها. في حلب لم يعد هناك فرق بين الدم والدمع على الوجوه، كلاهما له الملوحة والحرارة نفسهما.

الطبيب في المشفى طلبَ من أبو أحمد صورة مرنان مغناطيسي لمعرفة المرض الذي تعاني منه زوجته، لم يكن هنالك طريق آخر، إما أن ترسلها إلى حلب النظام أو أن تأخذها إلى مدينة إدلب.

استغرق الطريق من حلب إلى إدلب المدينة حوالي خمس ساعات، وكان عليه أن يدفع 1500 ليرة للراكب الواحد، والصورة بـ 12000 ليرة، وأبو أحمد لا يملك في جيبه إلا بقايا نقود كان يشتري بها الخضار لقوت عياله.

أمام دور التصوير الطويل كان عليه أن ينتظر لثلاثة أيام كاملة في مدينة إدلب حتى يستطيع أن يأتي بالصورة لزوجته، استدل على أحد أقربائه من النازحين في المدينة ليقيم عنده ريثما يأتي دوره، صامتاً أمضى الأيام الثلاثة والسعال الدموي في ازدياد حتى باتَ الأمر مخيفاً.

مُضيفه الذي نزحَ بأولاده إلى مدينة إدلب أراد التخفيف عنه، وإخراجه من حالة الصمت الذي يعتريه، فحكا له قصة سمعها من أحد أهالي كفرنبل. قال له إن أحد أبناء القرية كان يدرس الطب، وأراد أن يخطب فتاة من القرية معظم أخواتها قد تزوجن من شرطة مرور في هذه القرية المليئة بهم، والذين امتازت حالتهم باليسر المادي نتيجة لذلك، وحين سألته والدة الفتاة عن عمله أجابها أنه يدرس الطب، فاستفسرت منه عن عدد السنوات التي بقيت في دراسته حتى يصبح شرطي مرور.

ابتسمَ أبو أحمد، وأكمل مُضيفه، لا تقلق سنجد طبيباً غداً في المدينة يساعدنا، رغم نزوح من تبقى من الأطباء وهجرتهم إلى الخارج، ولكن الأمر لا يخلو من وجود طبيب جيد.

في صباح اليوم التالي تم الحصول على الصورة المطلوبة، لكن دون أن ترفق بتقرير عن نوع المرض الذي تعاني منه أم أحمد. طبيب الداخلية في مشفى إدلب الذي استدل المُضيف عليه سألَ عن حالة أم أحمد، وفيما إذا كانت تشتكي من ضيق في التنفس، وعن فقدانها لكثيرٍ من الوزن وعما إذا كانت مدخنةً، وهو يقلب الصورة بين يديه، قبل أن يطلق حكمه الأخير.

حين سأل زوجته عن كونها مدخنةً ضَحِكَت، لم يرها زوجها تفرج عن ابتسامة منذ زمن. قللَ الطبيب من أهمية المرض ووصفَ أم أحمد بالدلال، وطلب إليها الانتظار في الخارج ريثما يكتب الدواء المناسب. وعند خروجها ألقى على مسامع أبي أحمد همَّ الجبال كلها، أم أحمد مصابة بسرطان الرئة، والمرض هذا ينتقل إلى الخلايا المجاورة ويغزو الخلايا الجديدة، وأن من أهم أسبابه التدخين، ولكن أم أحمد لا تدخن، بل إنها تكره رائحته.

ألقى الطبيب غضبه على التلوث الحاصل والطيران ودخان المدافع والمواد السامة التي يلقيها الطيران، ثم بدأ يشرح أهمية التقوى والإيمان والتمسك بالأمل وإخفاء الأمر عن أم أحمد حتى لا تنتكس حالتها، كان وقع الخبر على أبي أحمد يشبه الصاعقة، خمس وعشرون سنة عمر أم أحمد، إنها صغيرة جداً على السرطان، احتضن طفليه بقوة. لعله كان يستعد لليتم منذ تلك اللحظة.

تموز 2016

لم يكن لأبي أحمد أي فكرة عن المكان الذي يجب عليه أن يتوجه إليه، أعطاه الطبيب ورقة إلى مشفى باب الهوى، الجميع في بيت مُضيفه يدلي بدلوه: «خذها إلى تركيا العلاج هناك أفضل»، وبعضهم أقرَّ بوجوب إرسالها إلى دمشق من أجل الجرعات الكيميائية، وآخرون تحدثوا عن حالات مشابهة شفيت، وعن وجوب الصدقة لأنها تدفع البلاء وتشفي المريض، وحده أبو أحمد كان يعلم حجم المصاب وثقل الدين على الرجال.

في المشفى حدد يوم العملية لاستئصال الورم، وأم أحمد غدت بوزن القشة وبملامح ميته، وشبه نَفَسٍ يخرج من صدرها بصعوبة الحشرجة. في اليوم التالي من نجاح العملية التي أثنى الأطباء على نجاحها طُلِبَ من أبي أحمد الدخول إلى تركيا لأخذ الجرعات الكيماوية، وترافقَ ذلك مع محاولة الانقلاب الذي حدث في تركيا وإغلاق معبر باب الهوى بالكامل حتى إشعار آخر.

وقف أبو أحمد أمام المعبر ليشتم حظه، وأراد في تلك اللحظة أن يركض بزوجته من خلال المعبر المغلق وليفعلوا ما يريدونه، ستقتله الجندرما، سمعَ عن حالات مشابهة لأشخاص قتلتهم الجندرما وهم يحاولون العبور من طريق التهريب «التيل»، ولكنهم هنا لن يفعلوا ذلك، سيكتفون بإغلاق الباب في وجهه.

لم يكن أمام الرجل إلا أن يذهب إلى معبر باب السلامة في إعزاز، حيث وعده أحدهم بإدخاله إلى تركيا، فسماسرة الطريق تتجاوز فاتورتهم للدخول 1000 دولار للشخص الواحد، وهو لا يملك فلساً واحداً من هذه النقود، والدَين قد أثقل كاهله.

إلى إعزاز مرة أخرى، إعزاز التي سرقت سيارته «السوزوكي» قبل سنتين مقابل بيت يأويه لثلاثة أشهر، إعزاز التي استغلته كما غيره من النازحين مقابل القليل من الأمان الذي تشهده هذه المدينة. قال في نفسه، ما الذي ستسرقه منه هذه المدينة من جديد، ونظر إلى زوجته بكثيرٍ من الانكسار.

أخذ أبو أحمد أوراق زوجته المريضة، الطريقُ إلى هناك يجب أن يمر من مدينة عفرين التي تسيطر عليها وحدات الحماية الكردية، ولا يسمحون بمرور سيارات الإسعاف القادمة من المناطق المحررة إلى إعزاز. شتمَ أبو أحمد هذا الوطن المقطع بين أبنائه، وتخلى عن فكرة سيارة الإسعاف المجانية واضطر أن يأخذ سيارة أجرة هذه المرة، فأم أحمد حالتها سيئة ولا تقوى أن تحشر في السرفيس للمرور إلى الضفة الأخرى من ريف مدينته التي عاشها منذ أقدم جذر للعائلة.

كان الطريق هذه المرة أكثر مرارة وأشد قسوة، اضطرَ لترك طفليه عند أحد أقاربه لأنه لا يُسمَحُ بمرورهم مع المريض إلى تركيا كما أخبره الرجل «الواسطة».

وصلَ إلى عفرين بعد أن مرَّ في مدينة الأتارب التي تحول طريقها إلى جرف صخري يستعصي على الماعز لكثرة الغارات عليه في الآونة الأخيرة، بدت الأتارب شبه ميتة. نظر إلى أم أحمد، أراد أن يشاركها أفكاره ولكنه خشي أن تخونه عيناه بدمعة تكشف لزوجته سوء حالتها.

عشرات الحواجز على الطريق، بين باب الهوى وإعزاز، وفي مدينة عفرين كانت السيارات رتلاً طويلاً تتعرض للتفتيش والمساءلة، وحتى للرشوة. هذا ما سمعه أبو أحمد من سائق السيارة التي تقله، وتذكر قصة شرطي المرور التي ابتسمَ بسببها بالأمس، هل تحول رجال الثورة لشرطة مرور؟ قال الرجل لنفسه وهو يمزج ألمه بابتسامة ساخرة.

على حاجز عفرين سُئلَ أبو أحمد عن وجهته، وعن السبب، وتم تفتيش السيارة من قبل امرأة تقف على الحاجز، شرطية مرور هذه المرة، وعن كونهم سيبقون في مدينة عفرين أم سيغادرونها، ولكنه لم يرَ أن السائق أعطاها أي نقود.

مرت السيارة في مدينة عفرين بعد ساعتين من الانتظار حتى الوصول إلى الحاجز، وكان الوقت قد داهم أبو أحمد، والمكتبُ الطبي سيغلق أبوابه ولن يستطيع أن يدخل بزوجته إلى تركيا هذا اليوم، ما سيضطره للمبيت في إعزاز. فكر بمكان يقضي فيه ليلته هذه، فهو لا يعرف أحداً في هذه المدينة، وخلال وجوده الماضي فيها لم يستطع بناء أي علاقة شخصية تسمح له بالمبيت عند أحد جيرانه القدامى.

قطعَ صمتَ سائق التاكسي ليسأله عن احتمالية وجود فنادق في إعزاز، السائقُ شرح لأبي أحمد أنه صار هناك العديد من الفنادق، وهي كثيرة، وأن البيت في المدينة ارتفع إيجاره ليصل إلى 100 دولار، وأن الفنادق صارت باهظة الثمن.

أوصله سائق التاكسي إلى أحد الفنادق، كانت الليلة الواحدة في الفندق بـ 5000 ليرة، دفعها أبو أحمد وهو يغصّ، فقد كان مُضيفه قد أقرضه مبلغاً من المال قبل خروجه.

تركيا، تموز 2016

في الصباح كان على أبي أحمد أن يراجع المكتب الطبي في معبر باب السلامة، كان هناك المئات ينتظرون دورهم للدخول إلى تركيا، بعضهم سيحالفه الحظ بختم الدخول والآخرون سيندبون حظهم، وربما موتهم قبل أن يصلوا إلى الجانب الآخر. كانت حالة أم أحمد من الحالات التي حالفها الحظ نظراً لخطورتها، فمرضى السرطان والتهاب الكبد لهم أولوية الدخول إلى تركيا للعلاج، ولكن كان على المكتب الطبي أن يتأكد من صحة التقارير، فأرسلَ أم أحمد إلى المشفى، وهناك أكدوا أن السرطان موجود، وطلبوا إليه أن يعود في الصباح للدخول إلى تركيا.

ليلةٌ أخرى في مدينة إعزاز، وأم أحمد التي تذوي أمامه تزيد من ضعفه وحنقه، بالإضافة إلى أن تحوّلَ، بسبب عدم قدرته على التدخين، إلى كائن عصبي يستفزه أي منظرٍ في الطريق، ويقاتلُ «ذباب وجهه».

خمسة آلاف أخرى أيضا في غرفة الفندق، ثم في الثامنة والنصف كان أمام المكتب الطبي في معبر باب السلامة ينتظرُ قدوم الأطباء مع مئات الأشخاص التي تكررت وجوههم أمام ناظريه. ارتعدَ من فكرة يوم ثالث، ترك أم أحمد جالسة على حافة الرصيف، وأخذ جانباً بعيداً ليدخن.

هناك كثيرٌ من المرضى، ومن السماسرة الذين ينتظرون فرصةً لاقتناصها، يتظاهرون بالحديث معك، علّكَ تفشلُ في الدخول فتكون صيداً ثميناً لهم بألف دولار كما سمع، والرجل لا يعرف كم صفراً في الليرة السورية تساوي الألف دولار.

جلسَ إلى جانبه مجموعة من الناس يشكون همهم والحالة المزرية، ويشتمون المكتب الطبي والمعابر وحرس الحدود، ويدعون على النظام ورأسه بالموت، ولا يقل دعاؤهم وطأة على سماسرة المعبر ورجالاته، «ثوار الدولار» كما وصفوهم.

بعضهم عالق في إعزاز منذ أشهر، منذ أن قطع النظام الطريق نحو الريف الشمالي في شباط الماضي، واحتلت قوات سوريا الديمقراطية قرية تل رفعت وما حولها. بالإضافة إلى نزوح بعض أهالي مارع جراء الحصار الذي فرض عليهم من جميع الأطراف، وهجمات تنظيم الدولة. مئاتُ المرضى الواقفين على الدور، والعجائز والمقعدون يقف بعضهم منذ شهر على الدور ولم يحن وقت دخولهم.

بعض المنتظرين حالتهم باردة، وهو مصطلح يستعمله أهل الطب للدلالة على عدم الحاجة الملّحة للدخول، وإمكانية الانتظار. إلى متى سننتظر، حتى تصبح حالتنا ساخنة ونموت، هل يحسد من لديه مرض السرطان والتهاب الكبد، هل يحسد من يأت والشظايا تملأ جسده.

على المعابر يُحسد الأموات، سألهم أبو أحمد الرجل الجديد على المعابر كيف يدخل الناس بألف دولار إذاً؟ هل يحولون المريض ذو الحالة الباردة إلى ساخنة؟ عمَّ الصمتُ والعجزُ جلسة المدخنين.

جاء الطبيب في التاسعة والنصف، وسُلِّمَت الأوراق إلى مكتبه. بدأ رجلٌ من داخل المكتب ينادي على الأسماء بالدور، أشخاصٌ يخرجون فرحين فقد استلموا صك الدخول إلى الجنة، فينالون المباركات ممن حولهم، وأشخاصٌ يستلمون كتابهم بشمالهم إلى رحلة النار والانتظار من جديد والبحث عن طريق آخر على «التيل»، أو رحلة البحث عن ألف دولار.

عندما صرخ مدير المكتب باسم أم أحمد كان أحدهم بجانب زوجها يتحدث على الهاتف، فقدّر أن هناك تغطية تركية، لأن هاتفه قطعة حديد لا يرن ولا يئن منذ زمن. يقول لصاحبه في الجانب الآخر، الزحام هنا يشبه الزحام على باب الحديقة العامة في مدينة حلب أول أيام العيد، ويضحك.

مرضُ أم أحمد الساخن، و«الواسطة» الذي تحدث أبو أحمد معه على الواتس آب قبل يوم من غرفة الفندق جعلها من المقبولين. ختمَ الطبيب ورقة الدخول، وطلبَ من أبو أحمد الصعود إلى السيارة بعد أن سألَ عن الحقائب، وأنه لا يُسمَحُ لنا إلا بحقيبة واحدة صغيرة.

تركت العائلة حقيبة الثياب الكبيرة عند رجلٍ على الباب، حارسٍ على المعبر، وأعطاه أبو أحمد اسمه واكتفى ببعض الثياب القليلة، وصعدوا إلى الحافلة التي حملتهم إلى داخل الأراضي التركية.

أمام باب المشفى في مدينة كلّس، هذا الرجل التائه المليء بالجوع والمرض والبرد والظلم لا يعرف وجهته، يضبطُ نفسه كي يحافظ على ما تبقى من إيمانه ويبحثُ في أرجاء المكان عن شخص أو ربما شيء، هو لا يعرف ماذا يريد، لكنه وجدَ في النهاية مترجماً دله على الطريق إلى المكان الذي يتواجد فيه الأطباء.

أخرج أبو أحمد أوراقه ليضعها في مكتب الاستعلامات، ليضعوا له عليها «لصاقة» تسمح له برؤية الطبيب، لكن عامل الاستعلامات ردَّ الأوراق وطلبَ «الكيملك». المترجمُ نقلَ لأبي أحمد ما قاله الطبيب، ولكن الرجل ظل مذهولاً فهو لا يعرف ماذا تعني هذه الكلمة، المترجم «المحمض» كما وصفه أبو أحمد ليس لديه وقت للشرح، فأعطاه الأوراق وغادرَ المكان. وقفَ أبو أحمد في صالة الانتظار يبحث عن مترجم أو عن أحدٍ يجيد العربية. أخيراً عثرَ على رجلٍ يجيدها، وما أكثرهم في هذه المدينة، لاحقاً رأى أبو أحمد أن كلّس «كلها سوريون، وفيها قليلٌ من الاتراك».

سأله الشخص عن طلبه فشرحَ له حالته، وأن المترجم طلب منه أن يحضر شيئاً لم يحفظ اسمه، أدركه بلفظة «الكيملك». هزَّ أبو أحمد رأسه موافقاً، تأثر اللاجئ الآخر لحالة أم أحمد فأخذها إلى قصر الوالي ليستخرج ورقةً تسمح لأم أحمد بالعلاج ريثما يتم استخراج هوية لها. كان عليها أن تنتظر حتى الصباح، حتى يأتي الطبيب، فأشار عليه اللاجئ المريض أن يحملها بين يديه ويُدخلها الى غرفة الإسعاف، فهم يستقبلون الحالات الإسعافية.

حملها بين يديه ليدخلها غرفة الإسعاف، طبيبة الاسعاف بزيها الأخضر كانت لطيفة جداً، صرخت بعلو صوتها: «ترجمان». فهمَ أبو أحمد الكلمة على أنها مترجم، وفرح ظناً منه أنها تجيد العربية. سألت الطبيبة الترجمان عن مرضها وحالتها فأخبره أبو أحمد عن الحالة، وأعطاه التقارير والصور المكتوبة بالإنكليزية والعربية. لم تُلقِ الطبيبة بالاً للتقارير، وطلبت من المترجم تصويرها، وأعطته ورقة التحاليل المطلوبة بعد أن أعطته ورقة تسمح بذلك. ساعة واحدة وكان كل شيء قد انتهى وموجود على الكمبيوتر، «يا لرحلة الشهر التي قضيتها في مدينتي من أجل صورة مرنان مغناطيسي» قال أبو أحمد. كان أمله أن تكون الصورة خاطئة والتقارير كاذبة، كما كل السنوات الثلاث الماضية التي عاشها.

الطبيبة أخبرت المترجم أن أم أحمد متأخرة عن العلاج، وأن المرض منتشر في كامل الرئة، والأمل معدوم من شفائها، وأن على زوجها أن يأخذها إلى مدينة غازي عنتاب للعلاج الكيماوي.

ما الذي استأصلوه في المشفى إذاً؟ وكيف سيشرحُ أبو أحمد لنفسه أن الأمر لم يكن بيده، وأن الحرب والطائرات وهجرة الأطباء والحواجز والمعابر وسماسرة الطريق والفقر وشرطة المرور كانت تقف بين زوجته وبين علاجها الكيماوي.

حملَ أبو أحمد زوجته مرةً أخرى ليتوه من جديد في مدينة عنتاب، وتبدأ رحلة العذاب بحثاً عن «الكيملك» مجدداً، لأن ورقة الوالي في كلّس لا تنفع في غازي عنتاب. عاد الرجل إلى كلّس من جديد في رحلة استخراج «الكيملك»، وزادَ الألم على المرأة وبدأت نوبة السعال وباتَ النَفَسُ شبه معدوم، علا صراخها. ركض في شوارع المدينة، أقلّه أحدهم إلى المشفى: «نحتاج إلى حقنة مسكن ألم، ستموت، أعرف، ولكنها تتألم».

في الصباح ماتت أم أحمد بلا أطفالها، غريبة صغيرة متألمة، تطلّعَ إلى عينيها المغمضتين ووجهها الشاحب، حَسَدَها في هذه اللحظة على الموت، حملَها جثة بين يديه.

كانت إجراءات الموت أسهل بكثيرٍ من إجراءات الحياة، غادرَ المشفى عبر الحدود ليدفنها في مدينته.