عن بنية التنظيمات السلفيّة في سوريا: جيش الإسلام نموذجاً

لم يكن في البال حين بدأتُ منذ فترة العمل على هذه الورقة البحثية، أن أنهي العمل عليها أمام مشهد شباب داريا الخارجين منها. لم يكن هذا في البال رغم الحوادث والوقائع ومئات البراميل التي تسقط يومياً على كيلو مترات مربعة قليلة؛ لم يكن في البال أن داريا ستسقط، وأن هؤلاء الأبطال سيخرجون منها.

الآن وقدم قصمت وقائع الكابوس الذي نعيشه ظهرَ آمالنا، ستكون إعادة الحسابات أكثر من محقة وضرورية، إعادة الحسابات في كل مسار وكل كلمة، والبحث عن تلك اللحظات التي لم نمتلكها، والبحث عن حدود لم نكسرها ونحن نواجه العالم متمثلاً في آلة القتل الأسدية. لا كلام لأهل داريا وشبابها فهم «كفّوا ووفّوا»، نحن الذين علينا أن نستوفي اليوم والآن ما لم نستوفه من شروط التخلص من الطغيان والهزيمة داخلنا في مواجهتنا مع ما صار واضحاً أنه وجه العالم الأفّاق والحقيقي جداً، وجه آل الأسد الرابض على صدورنا، ووجه الموت الذي لم يتوقف لحظةً واحدة.

توضيح: اعتمدت في هذا النص على مقابلات أجريتها مع عدد من الناشطين والضباط، الذين كانوا على صلة بشكل مباشر بجيش الإسلام منذ تأسيسه، وعلى صلة بوقائع الثورة السورية في منطقة الغوطة الشرقية منذ بدايتها وحتى اليوم. وكذلك على مشاهداتي المباشرة أثناء وجودي في الغوطة منذ بداية الثورة وحتى ربيع عام 2013، ومتابعتي المستمرة لكافة التطورات بعد خروجي منها بشكل نهائي، بالإضافة إلى أرشيف بيانات وتصريحات قادة جيش الإسلام. (من ضمن المقابلات التي تم إجراؤها، بالإمكان الاستماع إلى شهادة العقيد خالد الحبوسعلى صفحة الجمهورية على ساوندكلاود)

السلفية «الشامية»

كان لكل تحول تاريخي في المنطقة أثر واضح على تيارات الإسلام السياسي، والتيارات السلفية بتمايزها وانقساماتها التاريخية المعروفة، منذ تمرد حركة إخوان من أطاع الله في الجزيرة العربية إثرَ اتفاقات الأسرة المالكة السعودية على وقف الحرب «الدعوية» عند حدود المملكة الحالية، مهادنةً قبائل شمّر المتواجدة على الحدود العراقية، وحتى اتفاق كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل، الذي صدر على إثره كُتيب الفريضة الغائبة لمحمد عبد السلام فرج الذي كان ضمن المجموعة التي دبرت عملية اغتيال السادات لاحقاً. كان هذا الكُتيب، الذي سبق اغتيال الرئيس المصري وظهر عام 1981، أحد المرجعيات الهامة لما يسمى اليوم بالحركات السلفية الجهادية.

المفصلُ الأساسي في الحركات التي سُميّت بالسلفية الجهادية، هو توقف الدول الحديثة عن الحرب عند حدودها، الأمر الذي أفضى إلى نشوء هذا التيار الذي تحرك على مستويين: تحركٌ داخليٌ مرجعها فيه فكرة الجاهلية لسيد قطب، والتي استُخدِمَ فيها لفظ تاريخي بشكل معاصر لتوصيف المجتمعات الإسلامية التي ارتضت حكماً «دنيوياً» وقوانين وضعية، على الضد من فكرة الحاكمية التي تحكم الفكر السلفي «إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ »1. وتحركٌ خارجيٌ يستند إلى أن الفريضة الغائبة، الجهاد، هي فريضة قائمة إلى يوم القيامة، وحدودُ الدول الحديثة لا معنى لها فقهياً أو فكرياً عند التيار السلفي، بل بالعكس، كانت هذه الحدود عدواً رئيسياً لهم، ونقطة مواجهة في استراتيجية توسيع حدود «الجهاد». وفي هذا السياق، من المفيد الاطلاع على الجهد الرئيسي في الحديث عن هذه العتبة التي تعسكرت عندها الحركات السلفية، اصطلاحاً وبحثاً عند ياسين الحاج صالح2، وهو كلام تثبته الوقائع التاريخية منذ بداية نشأة الدول الحديثة في منطقتنا أوائل القرن العشرين.

في سوريا، وهي العمق الشامي الأكبر، سيطرت تاريخياً مدارس فقهية اعتمدت مفكرين ومشايخ انتموا لأحد المذهبين الحنفي أو الشافعي، وكان للتأصيل الفكري عند المشايخ الشوام الأشعريين أثرٌ عميقٌ في صد التمدد السلفي، لتُسجَّلَ بداية ظهور التيار السلفي في سوريا عبر ما يسمى بالسلفية العلمية، التي ظهرت بالترافق مع حرب الخليج الثانية في التسعينات، وبالتوازي مع خروج أهل السلفية الجهادية الكبير على الحكام العرب وإعلان الجهاد ضدهم علناً.

التيار السلفي العلمي «الدعوي» في سوريا، والذي اعتُبِرَ جزءً من ردة دينية في المنطقة، بدأ بالتغلغل عبر الحلقات المسجدية التي استعادت بعضاً من زخمها في تلك الفترة. وعلى الرغم من مزاحمة التيار السلفي في سوريا من قبل عدة تيارات أخرى بعضها صوفي وبعضها ينتمي إلى التيار المشيخي الشامي التقليدي، إلا أن السلفية الدعوية أو العلمية كانت وضعت أسساً لها في سوريا لتحقق فورتها الكبيرة عند إعلان الحرب على العراق. ومع عودة بعض المقاتلين السوريين من العراق، كانت آثار الهيكلية التنظيمية التي تبنتها مجموعات السلفية الجهادية الأفغانية والعراقية واضحة على هؤلاء.

مع ذلك بقيت السلفية الدعوية صاحبة الزخم الأقوى وخاصة في مدن مثل دمشق، ومع بداية الثورة السورية حصل التحول الأساسي على هذه الكتلة من السلفيين، الذين كانوا «طلاب علم» في حلقات المشايخ الكبار وفي المدارس الدينية. هذا التحول الذي سنتحدث عنه كتحولٍ متمايزٍ عن السلفية الجهادية وعن السلفية الدعوية أو العلمية في البنية التنظيمية والمراجع الفكرية، والأهم من كل ذلك التمايزُ التنظيمي والفكري، حتى أصبح بإمكاننا الحديث عن ظاهرة مستقلة سأسميها هنا «السلفية الشامية»، التي سنبحث تمايزها عبر مثالها الأوضح في سوريا، منظمة «جيش الإسلام».

بنية المؤسسات العسكرية والسياسية لجيش الإسلام

لم يبدأ الصراع بين الحركات السلفية في سوريا والنظام السياسي مع الثورة السورية، بل إن هذا الصراع، الذي امتلك تاريخياً ميكانيزمه الخاص وأسبابه الذاتية، كان في البداية جزءاً من معركة نظام آل الأسد مع حركات الإسلام السياسي وتفرعاتها العسكرية كالطليعة المقاتلة، التي استمرت بعد ذلك بشكل متواتر. ففي نهاية التسعينات قامت مخابرات النظام بحملة ضد حزب التحرير الإسلامي الذي يتبنى مزيجاً من أفكار السلفية والأشكال التنظيمية الإخوانية، ومن ثم شكّلَ دخول النظام السوري كحليف في «الحرب على الإرهاب» فرصةً ثانيةً للقضاء على كافة المجموعات السلفية في سوريا، وخاصة تلك التي لها ارتباطات في العراق أو حتى أفغانستان، وكان لهذه الاعتقالات أن قضت على فُرَصَ تنظيم واضح لهذه المجموعات ضمن تيار قادر على التحرك الفعّال.

انطلاقُ الثورة السورية شكّلَ فرصةً مهمةً جداً لهذا التيار، وبدأ بالفعل تشكيل مجموعات ذات طابع سلفي اختارت ومنذ بداية تشكيلها العمل المسلح المنظم، على الرغم من أن هذا الخيار لم يكن قد عُمِّمَ بين المنتفضين في سوريا، الذي تمسكوا لفترات أطول بالعمل السلمي والعصيان المدني.

الافتراقُ واضحٌ بين خيار السلفيين الذين حملوا السلاح في الغوطة وبين بقية أهلها، وظهر الاختلاف من حيث التنظيم وإدارة التشكيل في حالة سرية الإسلام، التي كان من الواضح أن تنظيمها يحمل طابع التنظيمات السلفية، سواءً من حيث الهرمية الواضحة في التنظيم التي لم تكن بهذا الوضوح لدى المجموعات التي بدأت العمل المسلح ضمن الحراك الثوري.

ولمن اطلَعَ على شكل تلك المجموعات، فقد كانت عبارة عن تشكيلات صغيرة بدأت العمل بأسلحة بسيطة وبعمليات صغيرة تضمنت اغتيالات لعناصر الأمن وضباطه، كما تضمنت هجوماً على الحواجز التي أنشأها النظام في كل سوريا، وخاصة في المناطق التي تركز فيها الحراك ضده. أما بالنسبة لحالة جيش الإسلام، فقد كانت البنية التنظيمية أكثر وضوحاً منذ البداية، الأمر الذي يؤكده كلام العقيد خالد الحبوس، الرئيس السابق للمجلس العسكري في دمشق، ضمن شهادته عن جيش الإسلام. وهي تلك الفترة نفسها التي تحدثَ عنها زهران علوش نفسه، في مقابلة مع صحيفة مقربة من التيار السلفي 3.

هذه الهرمية تخفي أيضاً ضمنها تحالفاً صلباً بين بعض عائلات دوما الكبيرة التي تنتمي للتيار الإسلامي، وحلقة ضيقة ضمت أشخاصاً محدودين إلى جانب زهران علوش. وقد ذكرَ أحد الناشطين في شهادته لنا بعض أسمائهم: أبو قصي ديراني، أبو ياسر شيخ بزينة، سمير كعكة، «الشرعي العام» لتنظيم جيش الإسلام، وعصام بويضاني القائد الحالي لجيش الإسلام. وشكلَ هؤلاء بنية صلبة كانت تتلقى دعماً من شبكة مشايخ سلفيين في السعودية والخليج، ذكرَ منهم العقيد خالد الحبوس الشيخ عدنان العرعور والداعية الكويتي شافي العجمي.

اتحدت العوامل الثلاث لتشكل هذه البنية الصلبة: ثباتُ شبكة التمويل التي ظلت على خيارها في دعم لواء الإسلام، الذي أصبح لاحقاً جيش الإسلام؛ دعمُ عدد من عائلات دوما الكبيرة التي تنتمي للتيار السلفي (البويضاني، الشيخ بزينة، ودلوان)؛ والبنية الأمنية الصلبة التي كانت، حسب ملاحظات عدد كبير من الذين أجرينا معهم مقابلات، شبيهةً بالبنية الأمنية لتنظيمات السلفية الجهادية كجبهة النصرة (تسمى الآن جبهة فتح الشام).

على الرغم من التشابه التنظيمي مع تنظيمات السلفية الجهادية، إلا أن اتحاد عوامل أخرى كالتحالفات العائلية وتمدد البنى الإدارية للتنظيم في حالة جيش الإسلام، ومحاولته ابتلاع المؤسسات المدنية في الغوطة، تجعله صورةً مختلفةً عن التنظيمات السلفية الجهادية. وسنرصد بصورة أكبر تمايزاً مهماً، وهو إخفاء العقاب أو تجنب العقاب العلني الذي استخدمه تنظيم الدولة الإسلامية، وبشكل أقل جبهة النصرة (فتح الشام حالياً)، من ضمن آليات السيطرة وإدارة المجتمعات المحلية، وكجزء من عقيدتها المتأصلة، في حين اتبع جيش الإسلام منهجيات مختلفة حتى عن تلك الموجودة في أدبيات السلفية.

الواضح من هذه البنية المركبة أن هيكلية جيش الإسلام اتخذت شكلاً نهائياً وثابتاً في وقت مبكر من تأسيسه، دفعته لاحقاً إلى خوض صراعٍ على عدة مستويات مع القوى المدنية والثورية الفعالة في الغوطة، ومع المجلس العسكري لدمشق وريفها، الذي يمثل الكل المنظم للعمل المسلح ضد النظام السوري، ومع الفصائل الكبيرة في دوما ومحيطها، لتصل هذه الصراعات إلى المعارك الأخيرة التي خاضها ضد فصائل الغوطة الكبيرة، كفيلق الرحمن4.

مرحلة الصدام (نخبوية سلفية وصراع مركب لفرض السيطرة)

من النقاط المشتركة المهمة بين جميع الشهادات التي قمت بجمعها عن علاقة جيش الإسلام بالفصائل والناشطين والمؤسسات المدنية في الغوطة، النخبوية في خطاب جيش الإسلام الرسمي، وحتى طريقة حواره المباشر مع الجميع. كان زهران علوش كثيراً ما يرفض أن يوجه حديثه مباشرةً للضباط المنشقين، الذين كفّرهم في أحد المراحل، خلال اجتماعات ضمتهم.

تكررت الملاحظة نفسها في عدد من الشهادات عن شخصية زهران علوش وعن خطاب جيش الإسلام، وهي تتعلق بأن الفوقية تجاه الآخرين كانت نوعاً من سياسة أو فكرة مسيطرة عند الشخص والتنظيم، وهي ستكون عنصراً جديداً ضمن الظاهرة التي أدرسها هنا، السلفية الشامية.

تتصل هذه النخبوية تجاه الجميع بأفكارٍ متأصلةٍ في التيار السلفي عن جاهلية المجتمع، مضافاً إليها نخبوية شامية مشهورة عند العائلات الكبيرة في المدن. شكّلَ هذا الاتحاد بين فكرة عقائدية وتصرف طبقي نوعاً من النخبوية لدى تنظيمات السلفية الشامية، حكمت علاقتها مع الجميع وكانت مرجعاً رئيسياً في توجيه تحركات وتفاعل هذه التنظيمات مع المحيط.

وهكذا فإن الصدام كان على عدة مستويات، صدامٌ مع الفصائل على النفوذ والسيطرة الكاملة على المناطق التي حررها أهلها من سيطرة النظام، ومع المؤسسات المدنية على استقلاليتها، ومع المجتمع المحلي بغية فرض الشكلانية السلفية ونظام الخطاب السلفي.

كان الصراع مع الفصائل العسكرية صعباً، وأقل منه صعوبة محاولة السيطرة على المؤسسات المدنية، أما نظام الخطاب السلفي فقد فُرِضَ على السوريين الذين يواجهون أسئلة الموت؛ وفي هذه الجزئية يقول ناشط بارز في الغوطة: «كان المقاتلون على الجبهات أسهل انقياداً لهذه المنظومة من الخطاب والشكلانية التي تجيبهم ببساطة عن سؤال الموت. قصفُ النظام ومذابحه لم تكن تطرح أسئلة عن الحياة أو الخدمات، كانت تفرض ببساطة سؤال الموت». سيكون الموت مفيداً جداً، إذاً، لتغذية هذه الصراعات المؤسسة على العدم، وقد اتهمَ خالد الحبوس جيش الإسلام بالدخول في معارك ضحى فيها بعدد كبير من مقاتليه، من دون جدوى حقيقية أو نتائج عسكرية مهمة.

تمثلت الحلقة الأولى من الصراع في الغوطة بالضغط على المجلس العسكري. كان أول أوجهها هو السيطرة على كامل السلاح الواصل للمجلس العسكري في دمشق وريفها. وأكد العميد خالد الحبوس، رئيس المجلس العسكري، في شهادته أن زهران علوش، الذي كان مكلفاً بنقل السلاح الواصل من الشمال السوري إلى الغوطة، استحوذ على معظم هذه الأسلحة والذخائر، وبذلك احتكر لتنظيمه قوة عسكرية استخدمها في فرض سيطرته الكاملة. وكان هذا واحداً من الأسباب لقطع العلاقة بين المجلس العسكري وجيش الإسلام، وملاحقة جيش الإسلام لكافة الكتائب التابعة للمجلس العسكري، لتندمج تلك الكتائب لاحقاً في الألوية والتنظيمات الكبرى في الغوطة كفيلق الرحمن وجيش الأمة.

انقطعت الشعرة الأخيرة بين جيش الإسلام والجيش الحر، المتمثل تنظيمياً بالمجالس العسكرية وهيئة الأركان، عندما هاجمت الكتائب الإسلامية، ومن ضمنها جيش الإسلام، مستودعات الأركان على الحدود السورية التركية شمال سوريا5، واستولت على كل السلاح الموجود وطردت الضباط المسؤولين عن المستودعات.

هذا التحرك، الذي أنهى عملياً وجود هيئة أركان الجيش الحر المنبثقة عن مجلس الثلاثين6، شكلَ القطيعة الأخيرة مع الهيكلية التنظيمية للجيش الحر وضربةً كبيرة لهذا المشروع. وبالتوازي مع ذلك كان جيش الإسلام يخوض حرباً خفية ضد الكتائب التابعة للمجلس العسكري في دمشق وريفها، تبعتها صدامات مع لواء شهداء دوما، الأقرب للجيش الحر، والذي يمثل الثقل الموازي لتنظيم جيش الإسلام في دوما، وكانت كتائبه قد حررت دوما نهاية عام 2012 بقيادة أبو صبحي طه.

لعبة التوازنات في الغوطة التي دفعت لتشكيل قيادة موحدة ضمت كل القوى وتسلم قيادتها زهران علوش، الذي لقب وقتها بالقائد العام للغوطة، لم تكن مستقرة، فالفصائل الأقرب لفكرة الجيش الحر، كلواء شهداء دوما، شكلت تجمعاً أسمته «جيش الأمة» كمحاولة لكسر احتكار الإسلاميين في الغوطة، وخاصة في دوما، للسلطة. وانتهت هذه المحاولة بعد حملة جيش الإسلام على جيش الأمة، واعتقال قيادييه وإعدام عدد من أبرزهم، كأبو علي خبية7.

الصراع بين جيش الإسلام وفصائل الجيش الحر والهياكل النظامية المتشكلة ضمن الحراك الثوري السوري، كان على مستويين: رفضُ جيش الإسلام لفكرة تبعيته لقيادة عسكرية نظامية وقيادة سياسية محددة، ورفضه جميع التشكيلات السياسية علناً وسراً. ورغم أن جيش الإسلام كان يتلقى السلاح من المجلس العسكري في دمشق وريفها ومن هيئة أركان الجيش الحر، إلا أنه لم يكن موافقاً على هذه التشكيلات بشكل سري وضمن الاجتماعات المغلقة في البداية، ولاحقاً بشكل علني بعد قطع شعرة معاوية معها، لتخلو الساحة في دمشق وريفها له كمرجعية عسكرية كبرى ومسيطرة في محيط العاصمة، وتتجاوز الدول الإقليمية الداعمة لاحقاً هذه التشكيلات بوصفها المسؤول الوحيد، ولو شكلياً، عن الجبهات والتحركات العسكرية وتوزيع الدعم العسكري على الفصائل.

لكن حرب جيش الإسلام التوسعية في العمق المحرر من محيط دمشق وريفها لم تتوقف عند هذا الحد، وكان للموقف السلبي والتحريضي الذي انتهجه شرعيُ جيش الإسلام ضد باقي الفصائل في الغوطة أثرٌ كبير على توحد عدد من القوى العسكرية التي لا تنتمي لتيار واحد ضد جيش الإسلام.

تشكّلَ جيش الفسطاط، الذي ضم جبهة النصرة ولواء فجر الأمة8، بالإضافة إلى كتائب محلية في المنطقة الممتدة من زملكا وعربين حتى عمق الغوطة في حمورية وسقبا. وعنى تشكيل هذا التحالف شيئاً وحيداً، وهو أن لا أحد راضٍ عن سياسة جيش الإسلام التوسعية في عمق الغوطة.

كانت المعركة الأخيرة بين فيلق الرحمن وجيش الفسطاط من جهة، وجيش الإسلام من جهة أخرى، القشة الأخيرة التي أنهت أي مجال لترتيب الأوضاع في الغوطة من جديد، لتتحول الغوطة الشرقية وحتى اللحظة إلى إقطاعات للفصائل العسكرية، كل فصيل يسيطر على قطاع وينصب الحواجز العسكرية على أبوابه، وسط تبادل اعتقالات واتهامات بين الفصائل حتى اللحظة.

هذه الأجواء، التي غذت مكنة جيش الإسلام، دعمتها بالطبع مكانته لدى دول إقليمية اعتبرته القوة المناسبة للسيطرة على طوق العاصمة، وفي الوقت الذي كان قادة الجيش يستعرضون فيه قواتهم الكبيرة في الغوطة، كانت نساء سقبا وحمورية يتظاهرن ضد ما وصفنه باستبداد يشبه استبداد النظام السوري9.

سيطرت نظرية طوق العاصمة على توازنات الإقليم طوال الأعوام الماضية، لكنها تغيرت جذرياً منذ الاتفاقات الثنائية الأخيرة بين روسيا والولايات المتحدة وتركيا، وابتعاد إيران والسعودية عن واجهة الأحداث، وتراجع فاعليتهما فيما يخص سوريا. هذا التوازن منتهي الصلاحية دفع ثمنه أهالي الغوطة، ودفع ثمنه مناضلون اختطفوا علي يد هذه المنظمة.

كانت التحركات والاعتقالات التي طالت النشطاء المدنيين والمؤسسات الثورية في الغوطة، واحدة من حلقات الصراع التي خاضها جيش الإسلام ضد كل من يختلف عنه وكل من خالفه. أحد الناشطين الذين أُخذت شهادتهم كان مطلعاً تماماً على الأجواء التي سبقت اختطاف رزان زيتونة وسميرة الخليل ووائل حمادة وناظم حمادي، وأكد التحريضَ الواسع ضدهم ضمن شبكة المشايخ التابعين لجيش الإسلام في الجوامع وفي كل اللقاءات. وفي تفاصيل الحادثة ذاتها أكد وجود مقر لجيش السلام على مقربة من مكتب النشطاء المخطوفين، ولم يكن لأحد أن يدخل مسلحاً ويطلق النار ويخطف أناساً ويسلب محتويات من مكتبهم بكل أريحية دون علم مركز جيش الإسلام القريب، وحتى موافقته.

هذا الثمن الذي دفعه السوريون على هامش صراع هذه الحركات مع المجتمع، لم يحرك أي تغيير داخلي ضمن التنظيم الذي ظل عصياً حتى اللحظة على التفاعل مع الأثمان الحقيقية التي من أجل مثيلها خرج السوريون في ثورتهم على نظام آل الأسد. هذه الطبقة الصماء ضد التغيير تعيد إثبات نوع النواة الصلبة للتنظيم، التي اتخذت خياراتها بشكل واضح بعيداً عن خيارات ومصالح السوريين.

هذا التعنت الغريب في كل القضايا الخلافية، وحتى المتفق عليها، كان واحداً من مميزات تنظيم جيش الإسلام وتنظيمات السلفية الشامية التي تعمل حقيقةً لتحقيق مصالح تحالف صلب من شبكات التمويل ورؤوس الأموال، ونخبة دينية عسكرية تريد فرض سيطرتها على المجتمع السوري.

الصراع مع السلفية الجهادية

شكّلَ الصراع الداخلي بين التنظيمات السلفية في سوريا، السرّي منه والعلني، أحد أهم أوجه الحدث السوري خلال السنوات القليلة الماضية، وخاصة منذ نهاية 2013. الصراع حول قيادة المشروع الإسلامي والسلفي كان لبّ هذه المعارك، التي لم تبدأ من الصراع على شبكات التمويل الدولية، ولم تنتهِ عند الصراع المسلح الذي وصل إلى حد المعارك الكبرى والقصف بالسلاح الثقيل على المناطق الآهلة بالمدنيين.

ضمن هذه المعارك المفتوحة، كان للتيار السلفي الشامي نزعة نحو السيطرة الكاملة، مماثلةٌ لتلك النزعة لدى التنظيمات السلفية الجهادية في توحيد كافة القوى الإسلامية تحت قيادتها. المعارك والاشتباكات التي بدأت مع تنظيم الدولة الإسلامية، الذي خاض حربه ضد الجميع، لم تتوقف هنا، فصراع السلفية الشامية مع جيش الإسلام شمل الركن الثاني للسلفية الجهادية في سوريا وهو تنظيم جبهة النصرة (جبهة فتح الشام حالياً)، القادم من الخلفية التنظيمية التي أتى منها تنظيم الدولة نفسها. هذا الصراع الذي وصل حد التكفير بين منظري الجهتين، جبهة النصرة وجيش الإسلام، تواصلَ على جبهتين: صراعٌ على الجبهة الفكرية، مُؤَسسٌ على الخلاف العقائدي بين الجهتين، أججته فتاوى شرعيي هذه الفصائل الذين كفر كلٌ منهم الطرف الآخر. وصراعٌ على مستوى الاعتقالات والاختطافات بين الطرفين، انتهت باشتباكات مباشرة أثناء المعارك الأخيرة في الغوطة بين الفصائل كما أشرنا سابقاً.

هذا الصراع على تزعم التيار الإسلامي في سوريا، ومن خلف هذا التيار شبكات تمويله وزعاماته الفكرية، شكل أحد الانقسامات الأساسية التي نبني عليها التمايز الواضح بين تيار السلفية الجهادية الذي نما وتشكل في بيئة غريبة هي أفغانستان ومن ثم العراق، وتيار السلفية الشامية الذي تأسس تنظيمياً وفكرياً على الأرض السورية كجزء من تيار إسلامي سوري.

آليات العقاب

من الظواهر المميزة لدى تنظيمات السلفية الشامية نزوعها إلى العقاب في السر، إذ تقوم المكاتب الأمنية التابعة لجيش الإسلام بإحالة المعتقلين إلى سجونه دون أي محاكمة، ولو حتى صورية، ويتم اتباع منهجية قاسية في التعذيب وإقصاء وإخفاء كل المعارضين10. هذا الإفناء لكل معارضي نفوذ جيش الإسلام، باستخدام السجن والتعذيب والاختطاف والاغتيال، يوضح النزعة السلطوية الكامنة في لب هذه التنظيمات.

تمثّل السرية في الإجراءات والعقوبات، على عكس علنية العقوبة لدى تنظيمات مثل داعش، جزءاً من تمايز هوية تنظيمات السلفية الشامية، التي تعمل بشكل منظم وسريّ على الإنهاء الكامل المادي والمعنوي للمعارضين لها وفق آلية واضحة. يمتلك جيش الإسلام اليوم ثلاثة سجون كبيرة معروفة لنا، هي سجن التوبة، سجن الباطون، وسجن الكهف. بالإضافة إلى الأقبية والمعتقلات الصغيرة التي تقيمها المكاتب الأمنية التابعة له، والتي تعمل طبعاً وفق تسلسل هرمي واضح ومعروف، وتتبع بشكل مباشر للقيادة العامة للتنظيم.

هذه السجون المعدة لمعتقلي التنظيم لا تخضع لأي رقابة حتى من قبل القضاء الموحد في الغوطة، وهو تجمعٌ للقضاء الشرعي يتمتع بنوع من الاستقلالية، بالإضافة إلى أن المعتقلين فيها لا يعلمون مدة سجنهم، ولا التهم الموجّهة لهم، ويتعرضون، وفق شهادات من داخل الغوطة، إلى تعذيب ممنهج، ليس بهدف التحقيق فقط، كما يتم استعمالهم في مهام خطرة كحفر الأنفاق.

العقوبة والمنهجية هنا لا تتبع أي منظومة فقهية أو «شرعية» معتادة لدى التنظيمات الجهادية، وتخضع لسرية تشبه حالة المعتقلين لدى أجهزة النظام الأمنية، وتتسرب أخبار الإعدام دون إعلان صريح، حتى في حالات اتهمها تنظيم جيش الإسلام بالولاء لتنظيم داعش11. وقد أكدت عدة شهادات أن مجرد السؤال عن أي معتقل لدى جيش الإسلام هو تهمة تسبب الاعتقال أيضاً، وأن بنية العلاقات التقليدية في الغوطة غير فعالة في حل مشاكل من هذا النوع، إضافةً إلى أن بنية العلاقات الجديدة، التي يعد القضاء الموحد أحد أوجهها، لم تفلح حتى بالإفراج عن شخصيات عامة، وشخصيات ساهمت في تحرير الغوطة كأبو صبحي أحمد طه.

هذه السريّة تحيل إلى شكل التنظيم الأمني داخل جيش الإسلام، هذا التنظيم الذي كان مخططاً بشكل مسبق، ويحيل إلى تجارب موجود بالقرب من الغوطة في أفرع الموت التابعة لنظام الأسد. كما تحيلُ هذه المنهجية إلى منظمة فرضت نفسها كسلطة أمر واقع على أهالي دوما والغوطة، فارضة عليهم قوانينها الخاصة، وتفسيراتها لكل شيء انطلاقاً من معنى الحياة والموت، انتهاءً بالحياة اليومية.

تعبرُ بينة تنظيم السلفية الشامية عن مزيجٍ من العلاقات العائلية والمالية والفكر السلفي المُطوَّر، متحققاً في هيكلية حداثية تشكل أحدث إنتاجات السلفية الفكرية، التي لم تعد تهدم الدول بل باتت تطمح إلى بنائها، لكن على نموذجها الخاص، نموذج السلفية الشامية.

الآن، ينبغي النظر إلى التحول في الوضع العسكري في الغوطة منذ إعلان لواء الإسلام نفسه جيشاً، مروراً باستعراضه العسكري الكبير، وحتى اللحظة التي شهدنا فيها خسارة الغوطة لأهم مناطقها الزراعية، «قطاع المرج»، هذا العام. وكذلك ينبغي النظر إلى الصراعات الدامية بين جيش الإسلام وفصائل الغوطة، منذ اللحظة التي أعلن فيها سلفيو الشام أنفسهم فوق أهل الشام، حتى اليوم الذي نشهد فيه خروج مناضلين وأبطال من داريا، أبطال صمدوا أمام مئات البراميل المتفجرة يومياً، وأمام مد عسكري هائل طوال ما يقارب الأربع سنوات.

يمكننا اختصار المشهد بنتائج واضحة، والمفاضلة بسهولة بين ما قدمه عشرات الشباب من داريا لأهلهم، وما قدمته منظمة تسمي نفسها جيشاً لأهلها في الغوطة. اليوم وقد انتهت توازنات طوق العاصمة واستراتيجيتها، سيكون من المفيد حقاً للجميع إعادة النظر بهذه التجارب وما قدمته حقاً لثورة السوريين، وما قدمته لأهل الغوطة وشبابها الذين دفعوا المذابح عن أهلهم بأرواحهم، ودفعوا من دمائهم أيضاً أثمان معاركَ من نصّبوا أنفسهم سلفيي الشام.