لماذا مات اليسار؟ وماذا يعني ذلك للعالم الجديد؟

كنت قد بدأت بالكتابة حول معضلات اليسار المعاصر كمساهمة منّي في ملف «اليسار وسؤال الحرية» في موقع الجمهورية، وبلغ النصّ نحو أربعة آلاف كلمة قبل أن أدرك أن كتابة ورقة نعوة لليسار لا تحتاج أكثر من صفحة واحدة. معظم الرفاق اليساريين سيرفضون هذا الطرح جملةً وتفصيلاً، وقد يشيرون إلى أن موت اليسار هو أقدم أماني الفاشية والظلامية، وأن أكثر ما نحتاجه اليوم هو عملية إعادة إحياء له. سأحاول في هذا المقال أن أشرح لماذا أعتقد أن العكس هو المطلوب: دفن اليسار بات ضرورة لكي تتمكن قوى التغيير من بناء حركة جديدة (بل حركات عدّة) على قدر التحدّيات التي يطرحها العالم اليوم.

الملف الذي نشرته الجمهورية كان من المفترض أن يعبّر عن تجدّد الحيوية الفكرية لليسار، وأن يطرح المساهمون فيه حلولاً للمعضلات اليسارية الحالية، لكنّي كلّما قرأت مقالاً منه شعرتُ كأن كل كلمة فيه تضيف حفنة إضافية من التراب على قبر اليسار، والشعور هذا ينطبق على كلّ أدبيات اليسار التي اطلعتُ عليها خلال السنوات الأخيرة من أينما كانت في العالم.

من الواضح أنه هنالك عالماً جديداً في طور التشكّل خلال السنوات الأخيرة، وهو عالم قلنا عنه إنه سيكون أكثر شبهاً بالماضي منه بالمستقبل نظراً لطبيعة الأزمة الشاملة التي تقف خلف تحولاته. العالم الجديد هذا سيكون مزيجاً من أسوأ كوابيسنا وأجمل أحلامنا، سيكون عالماً قبلياً، محلّياً، متسماً بالصراعات القاسية والتحوّلات الجذرية، تقف فيه التكنولوجيا الفائقة التطوّر جنباً إلى جنب مع انقطاع الكهرباء عن ضواحي المدن، وتقف فيه أحدث السيارات إلى جانب الأطفال الحفاة في الشوارع.

العديد من الأفكار والتصنيفات القديمة لا مكان لها في هذا العالم الجديد، ومنها اليسار التقليدي. المشهد الحضاري هذا لا ينبع من التفاوت الطبقي الكلاسيكي الذي نعرفه جيداً في ظلّ الرأسمالية، بل هو أيضاً نابعٌ من عمليّة سقوط بطيء للحضارة تتشابه مع مرحلة سقوط الإمبراطورية الرومانية ودخول الإنسانية في العصور المظلمة من بعدها.

العالم الجديد هذا يطرح علينا تحدّيات كبرى لم نواجهها من قبل، ونحتاج لأدوات جديدة وأسلوب جديد في التفكير والعمل والعيش كي يكون لنا دور في بناء المستقبل الآتي، واليسار العالق بين ستالينية القرن العشرين وليبرالية القرن الحادي والعشرين غير مؤهل للقيام بهذه المهمّة.

فيما يلي بعض الأسباب التي تفسّر افتراضنا هذا.

بين ستالينية الماضي وليبرالية الحاضر: هل بقي هنالك معنى لكلمة يسار؟

هنالك بعض الأسئلة التي أوردها ملف الجمهورية من قبيل «كيف يكون المرء يسارياً في هذا الزمن؟»، «هل يقدم اليسار أجوبة وحلولاً لمشكلاتنا الراهنة؟»، وهذان السؤالان يعبّران تماماً عن لبّ إحدى المشكلات الرئيسية في اليسار. معظم اليسار لا يزال يتعامل مع نفسه كأنه هوية ودين مغلق، يحرّم على المؤمنين به البحث عن أجوبة خارجه أو تجاوز مسلّماته الفكرية خوفاً من «التكفير اليساري». من السهل جداً أن نرى مثلاً كيف أن السؤالين المذكورين يحاكيان الأسئلة التي تُطرح في أوساط الإسلاميين نفسها تماماً، منها «كيف يكون المرء مسلماً في هذا الزمن؟»، «هل يقدم الإسلام أجوبة وحلولاً لمشكلاتنا الراهنة؟»، وكلاهما سؤالان يفترضان أن الإيديولوجيا – اليسار أو الإسلام – غير قابلة للنقاش.

السؤال الأصح لأي مهتم بالتغيير يجب أن يكون: «ما هي الأجوبة والحلول لمشكلاتنا الراهنة؟»، قد يتضمّن الجواب اليسار وقد لا يتضمّنه، لكننا يجب ألا ننطلق من اليسار لنحصل على حلول لأزمات العالم، بل من أزمات العالم نفسها لنحصل على حلول بغضّ النظر عن التصنيف الإيديولوجي لهذه الحلول. برأينا الشخصي، التحليل الطبقي الماركسي والتحليلات الاقتصادية اليسارية هي أدوات ضرورية لفهم الواقع، لكنّها مجرّد أداة واحدة من بين عدّة أدوات لا بدّ من استعمالها للتعامل مع واقع اليوم.

أستطيع أن أرى اعتراضات بعض اليساريين على الفقرة السابقة بوضوح؛ سيقولون إن اليسار اليوم هو متنوع جداً ويضم تيارات متنوعة، من بيئيين ونسويين وأناركيين وماركسيين وديموقراطيين وغيرهم. هذا الاعتراض لا يقدّم في الواقع إجابة على الفقرة السابقة، بل يلقي الضوء على مشكلة أخرى هي التشوّش الفكري. مأساة اليسار أنه يعاني من معضلة الإرث: القليل من التجديد وسيعاني من جمود فكري مميت، والكثير من التجديد وسيعاني من تمييع فكري مميت.

على الجهة الأخرى من المعادلة – الجهة العصرية – اليسار بات فضفاضاً إلى درجة أن الكلمة لم تعد تعني شيئاً على الإطلاق. حتى أن الاقتصاد الاشتراكي، الذي كان تاريخياً الصفة الجامعة لطروحات لليسار، لم يعد اليوم نقطة التقاء بين تيارات اليسار المختلفة (ونقطة الالتقاء هذه غير كافية أساساً، لأن الإسلاميين واليمين القومي المتطرف يؤمنون باقتصاد ذو نمط اشتراكي أيضاً).

يقول الأستاذ فادي بردويل في تحليل صائب إن اليسار التقليدي فقد خلال العقود الأخيرة إجماعه على أقانيمه الثلاث، وهي القضية الوطنية والمسألة الاجتماعية وإشكالية الحداثة (العلمانية، الحرية الفردية، العقلانية)، وبات يشكل تيارات متناقضة سياسياً وفكرياً، لكن ما لم يقله الأستاذ بردويل هو أن ذلك يجعل من كلمة «يسار» كلمة لا معنى لها على الإطلاق.

هنالك تيارات في اليسار تتقاطع مع الليبرالية والرأسمالية وحتى مع اليمين والإسلاميين أكثر مما تتقاطع مع بعضها بعضاً، ولهذا أعتقد أن تعبير «الانتماء إلى اليسار» لم يعد يعني شيئاً، لأنه قد يعني أموراً متناقضةً مع بعضها بعضاً لأشخاص وتيارات مختلفة.

اليسار الحديث هو مزيج أكاديمي-ليبرالي بعيد عن الواقع اليومي

هذا التشظّي بين محاولة الحفاظ على هوية يسارية تقليدية واعتناق خطاب وأفكار جديدة، خلقَ يساراً هجيناً لا يقلّ غرابة عن الهجين الماركسي-القومي الذي ساد في العالم العربي في الستينيات والسبعينيات. اليسار اليوم هو خليط غير متناسق، يضم اليسار التقليدي والطروحات القومية والليبرالية الفردانيّة والنسوية التحرّرية جنباً إلى جنب. الغائب الأكبر من اليسار الحالي هو من دون شك الطروحات الطبقية، والحاضر الأكبر هو الحريات الشخصية والقضايا النسوية وسياسات ردّات الفعل وخطاب توسّل الحكومات لتحقيق «المطالب».

هذا التحوّل في الهوية الفكرية لليسار يعكس بدوره تحولاً في التركيبة الديموغرافية للتيارات اليسارية، التي تبدو بشكل متزايد أشبه بنادٍ سياسي واجتماعي لأبناء الطبقة الوسطى.

لعلّ هذا التحوّل أيضاً يفسّر هيمنة الخطاب الأكاديمي الجاف والمنفصل عن الواقع على أدبيات اليسار وخطابه. كل من يحاول أن يقرأ منشورات اليسار اليوم، سواء كان غربياً أم عربياً، سيعاني من صعوبة فهم الكتابات اليسارية، وهذا ليس لأن الكتابات اليسارية الحالية متقدّمة فكرياً بل لأنها باتت ممتلئة بكمية هائلة من الهراء الأكاديمي.

ابتداءً من أواخر الستينيات، انسحب اليسار الغربي إلى الجامعات وباتَ مع الوقت أيديولوجيا الأساتذة والباحثين المتفرّغين، والنتيجة اليوم هي أن الخطاب اليساري هو بمعظمه خطاب نظري منفصل عن الواقع، وأقرب إلى حلقة نقاش أطروحة دكتوراه منه إلى فكر ثوري.

نستطيع تخصيص مقالات بأكملها تعالج كل فكرة عجيبة خرج بها اليسار المعاصر، من ما بعد الكولونيالية والنسوية التقاطعية وصولاً إلى فكر ما بعد الحداثة، لكن ذلك سيكون على الأرجح مضيعة للوقت، فكل ما قامت به هذه الإضافات هي وضع طبقة من التشوّش فوق طبقة من التشوّش، حتى بات الفكر الرسمي لليسار يعتنق فكرة أنه ليس هنالك من منهج واحد يمكّننا من فهم الواقع وليس هنالك من حلول مشتركة لمشاكل العالم (وهذا التأثير الأساسي لفكر ما بعد الكولونيالية وما بعد الحداثة – المفكر فيفك تشيبر يقدم نقداً شاملاً لهذه المقاربة).

ماذا تقدمُ هذه المصطلحات وهذه الطبقة من المثقفين اليساريين لحياة المهمّشين في الضواحي؟ للآباء والأمهات الذين يعملون بوظيفتين لتعليم أولادهم؟ ماذا يقدّم هذا اليسار للشباب المستعدين لركوب قوارب الموت بحثاً عن مستقبل لهم وراء بحار بلدانهم، ولملايين الناس الذي يسحقهم النظام يومياً والذين لا يرون منه سوى خوذ الأمن وربطات عنق الرأسمالية وعباءات رجال الدين التي تتحالف كلّها عليهم؟

سيجيب أحدهم أن اليسار سيقدّم لهؤلاء الناس الأدوات الفكرية لفهم واقعهم، لكن في ذلك احتقار هائل للناس، فهل تعتقدون أن من يبيع ملابسه ليدفع ثمن رحلة على قارب للموت لا يعلم أن العالم مكان غير عادل، وأن هنالك طغاة يجب دفنهم وحكومات يجب التمرّد عليها وأغنياء يجب استرجاع الحقوق منهم؟

كل شخص مهمّش وكل شخص فقير يعلم بالفطرة أن الترتيبات الاقتصادية والسياسية التي يعيش في ظلّها غير عادلة بحقّه، وأنها تفيد الأغنياء على حسابه هو، فهل يحتاج هذا الشخص لمصطلحات فاخرة ليسمّي بها واقعه، أم يحتاج لأخوية من المقاتلين إلى جانبه تتيح له انتزاع حقوقه من السلطة؟

اليسار العصري يجلس على يسار السلطة ومفتون بإيديولوجيا التقدّم

من المؤسف أن اليسار خلال العقود الأخيرة تحوّل إلى جزء من السلطة، إمّا عبر المشاركة المباشرة فيها، أو عبر تبنّي خطابها  ومنهجها. في العالم العربي جلس جزء كبير من اليسار على يسار الطغاة، وقَبِلَ بالفتات السياسي الذي كان يحصل عليه من الحكم مقابل الاضطلاع بدور استيعاب تململ الفقراء والتنظير لضرورة بقاء الطاغية في الحكم.

في أوروبا، حكم اليسار الديموقراطي عدّة بلدان لعقود، واتبع سياسات دولة الرعاية الاجتماعية والتسامح الثقافي وتمكين المرأة وحقق معظم ما أراد تحقيقه في تلك القارة.

أما اليسار الذي بقي خارج السلطة، فهو مسحور بالسلطة، يتعامل معها كأنها أب كلّي القدرة، فيخاف منها تارة ويغضب عليها تارة أخرى، ويلومها على وضعه أحياناً ثم يطالبها بتحقيق مطلبٍ ما له بنعومةٍ ورفقٍ في أحيان أخرى. في كلّ ذلك تبقى أنظار اليسار موجهة للسلطة ومفتونة بها بشكل دائم، كأنها كل ما هناك في المجتمع الذي يعيش فيه. يفوت اليسار أن معظم الحكومات باتت أجساماً فارغة لا حول لها ولا قوّة، وأن بعضها مجرّد عصابة معادية لشعوبها، وأن توسّل أي تغيير منها هو مضيعة للوقت. السلطة الحقيقية اليوم هي في الشركات والجيوش والمؤسسات الدينية والمنظّمات العقائدية وما شابه، ومع هذه السلطات ليس هنالك من مكان للمطالبات السياسية، هنالك مواجهة وصراع.

الفاشيّون والإسلاميون يعلمون كل ذلك جيداً؛ يعلمون أن أجندتهم لا مكان لها في مطالبات تُوجَّه إلى الحكومات، وانشغلوا خلال العقود الماضية بعمل أكثر نفعاً بكثير، أي بناء مؤسساتهم الخاصة والتمدّد الثقافي والاقتصادي والاجتماعي في المجتمع. في هذا الوقت، لا يزال اليسار ينظّم التظاهرات نفسها في الأماكن نفسها من المدينة.

هذا لا يعني أن مطالبة الحكومات باحترام حقوق الناس هو مضيعة للوقت، لكن أعتقد أن الصراع مع الحكومات هو جزء صغير فقط من النضال. حكومات القرن الواحد والعشرين لا رجاء منها، ولا نستطيع تضييع وقتنا بانتظار الحكومة فيما يُحكم الظلاميون والفاشيون والأغنياء قبضتهم على رقابنا.

إلى ذلك، الجزء الأكبر من طرح اليسار يتماهى تماماً مع عقيدة المنظومة العالمية المهيمنة: اليسار يدافع عن التقدم التكنولوجي ويتبنى العلم كأنه عقيدة له ويركز كثيراً على الحقوق الاقتصادية والثقافية للناس في ظلّ الرأسمالية، ويركّز مؤخراً أيضاً على خلق «مساحات آمنة» خالية من التمييز العنصري والجنسي وما شابه. قد تبدو كلّ هذه الأمور جيدة، لكنها ليست أموراً مناهضة للمنظومة القائمة، بل هي في الواقع أمورٌ تشكّل جزءً أساسياً من أجندة هذه المنظومة السائدة. المساواة القانونية والثقافية في ظلّ الرأسمالية لا تعني شيئاً: لن تعاني الرأسمالية من أي أزمة حين نصبح جميعنا نسخاً قابلة للاستبدال عن بعضنا بعضاً، سوداً وبيضاً وذكوراً وإناثاً وملحدين ومؤمنين. الرأسمالية تريدنا أن نكون جميعنا مجرّد «براغي» قابلة للاستبدال في ماكينتها الضخمة. التركيز على المساواة على حساب التركيز على العدالة الاجتماعية هو أمرٌ متوافقٌ مع الخطاب السائد في الرأسمالية.

إلى ذلك، الهوس بالتقدّم التكنولوجي والقبول الأعمى لكل تكنولوجيا جديدة تقذفها الرأسمالية علينا، ومن دون أيّ حسّ نقدي على الإطلاق، هو أيضاً مشكلة جدّية في صفوف اليسار. بعض التيارات اليسارية باتت تربط جزءً من طروحاتها بآمال تكنولوجية وعلميّة، وتعتقد بسذاجة أن الرأسمالية ستخلق الأدوات التي تؤدي إلى نهايتها. هذا الاعتقاد هو خطأ منهجي قديم في الماركسيّة، ويعود اليوم إلى الحياة من جديد كأننا لم نتعلّم أي دروس من الرأسمالية خلال المائتي عام المنصرمة.

لا أرى في الحماس التكنولوجي لليسار أي اختلاف مع الرأسمالية، التي بات توسعّها في المرحلة الحالية يعتمد بشكل مباشر على الابتكار التكنولوجي على حساب الفقراء والبيئة في بلدان العالم الثالث.

عدم تشكيك اليسار في إيديولوجية التقدّم اللانهائي السائدة في الرأسمالية يجعلني أشعر أن اليسار أصبح الراعي الإيديولوجي للرأسمالية، يدافع عن علمها وتقنياتها ويحمل مطالب ترفع من كفاءتها التشغيلية ويهتم بمعالجة بعض الشوائب هنا وهناك، من دون أن يشكّك بالفكرة الأساسية التي تقوم عليها ألا وهي التقدّم والنموّ.

زمن الانهيار يستوجب رؤى شاملة لا مواقف سياسية: مشكلة اليسار ذو البعد الواحد

جرت محاولات كثيرة خلال السنوات الماضية لإدخال أبعاد جديدة إلى اليسار، نسوية وتحرّرية وبيئية وحتى روحيّة، لكن أهمّ نتيجة يمكن أن تصدر عن هذه المحاولات فشلت في رؤية النور. ما نقصده هو أن هذه الجهود فشلت حتى الآن في تقديم نظرة فكرية شاملة ومتناسقة تنافس الإيديولوجيات الشاملة الأخرى، كالإسلام السياسي مثلاً. الطروحات البيئية والنسوية والروحية لا تزال في معظم الأحيان طروحات ملحقة باليسار، ومتصارعة فيما بينها على الأجندات والأفكار داخله.

إحدى أهم الأبعاد التي يبرز فيها النقص اليساري هي البعد الروحي والحياتي المباشر. الروحانيّة بمعناها البسيط هي كيفية رؤيتنا لدورنا في الحياة وعلاقتنا مع أنفسنا، مع الآخرين، ومع العالم من حولنا، والدين هو مجرّد تقنين لهذه الرؤيا ضمن طقوس وتشريعات ومعتقدات.

الإسلام هو دين، الإلحاد وفلسفة العلم هي أديان، والرأسمالية الحديثة هي أيضاً دين يعبد المال ويؤمن بالتقدّم الأزلي عبر أنبياء التكنولوجيا والعلم. اليسار كان له دين هو الشيوعية، مع منهجه الخاص وأنبيائه وكتبه المقدّسة وأعياده وطقوسه.

بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، خلع اليسار عن نفسه رداء الدين العلماني، فأنكر أنبياءه وتخلّى عن كتبه المقدّسة ولعن طقوسه الحمراء وأعلن أنه لا عقيدة رسميّة له، وأصبح مجرّد أفكار سياسية حول الدولة والعدالة الاجتماعية. في هذا الوقت، تقدّم الإسلاميّون والفاشيّون ليملؤوا الفراغ، وقدّموا لأتباعهم رؤية شاملة للحياة والوجود فيما كان اليسار ينطوي على نفسه أكثر وأكثر في قضايا جزئية وجانبية.

لا يوجد سوء تقدير أكبر من الذي ارتكبه العلمانيون والليبراليون واليساريون خلال السنوات الماضية: اعتقدوا أن زمن الدين والفلسفة والإيديولوجيات الشاملة قد انتهى، بل وضعوا أنفسهم في موقف المعادي لأي فكر يزعم أن له رؤية حياتية كاملة، بحجّة أن كل فكر من هذا النوع هو شمولي وسيء. اعتقدوا أن زمن العولمة يعني تخلّي الأفراد عن كل هوياتهم السابقة وتحوّلهم بشكل سحري إلى مواطنين في القرية العالمية الرأسمالية، فيما الواقع كان يقول إن معظم الناس هم في أشدّ الحاجة لفكر يرشد حياتهم في واقع يتّسم بالضياع والقسوة والفوضى.

أزمات العالم اليوم شاملة لدرجة أننا نحتاج إلى حلول شاملة ورؤى شاملة، نحتاج إلى أساليب جديدة في التفكير والعيش والوجود، ولا يمكن الاضطلاع بمهمّة من هذا الحجم بمجرّد موقف سياسي هنا ومقال تحليلي هناك. كان يمكن للروحانية الحرّة وللفلسفات الطبيعية أن تقدّم بعداً روحياً وحياتياً مهماّ لليسار، وأن تقدّم نظرة جديدة للوجود والإنسان نواجه بها الظلمة المحيطة بنا، لكن ما حصل في الواقع هو أن اليسار أصبح أكثر رفضاً مع الوقت لكل ما هو روحي ولكل ما هو «غير سياسي»، حتى أن العديد من اليساريين يوزّعون انتماءاتهم على عدّة تيارات، ويخفون بشكل خاص معتقداتهم الروحية الخاصة خوفاً من سخرية رفاقهم.

أعتقدُ أنه فات الأوان على اليسار أن يبني هذا النوع من الرؤى الشاملة، خصوصاً بما يحمله من عبء فكري تاريخي، إضافة إلى أنه مبني حالياً على ثقافة ليبرالية وفردانيّة معادية لكلّ ما هو روحي ورافضة بالمطلق لأي طرح حياتي كامل. كلّ ذلك يجعل اليسار ملامساً للعبثيّة، وهذا ما سنناقشه تالياً.

هل أصبح اليسار ذو ثقافة عبثية؟

لا يوجد أيّ شكّ بالنسبة لي بضرورة الدفاع عن العمّال وعن الطبقات المهمّشة، وكل من يقوم بذلك يستحقّ كلّ الدعم والمساندة، لكنّ الدفاع عن الطبقات المهمّشة هي مهمّة استقال منها معظم اليسار منذ فترة طويلة.

معظم اليسار يؤدي فقط واجبات لفظيّة تجاه الطبقات المسحوقة، فيما يتلّهى بقضايا ونقاشات لا تهم أحداً سوى الناشطين البرجوازيين في اليسار. في المقابل، النقابات والتنظيمات العمّالية خارج اليسار تخوض معظم معاركها منفردة في وجه السلطات، فيما تقترب التيارات الإسلامية والفاشية من الشارع ونبضه أكثر من أي وقت مضى، وتحمل في العديد من الأحيان قضاياه المباشرة. من المفارقات أن الفاشية باتت أكثر قرباً من العمّال فيما أصبح اليسار أكثر برجوازية.

كلّ ذلك كان يمكن أن يمرّ لولا العبثية القاتمة التي تهيمن على أجواء اليسار. فمن ناحية أولى، هنالك عبثية فكرية سبق وأن تحدّثنا عنها: إن كنت ترفض تقديم فكر متكامل ومتصل بالواقع وتصرّ على اعتناق مزيج هجين من الأفكار المتناقضة فهذه عبثيّة، لأنها لا تؤدّي إلى أي نتيجة.

هنالك أيضاً عبثية تنظيميّة: اليسار «المودرن» يرفض فكرة التنظيم وكل ما يرتبط به، وهو بغالبيته الساحقة عبارة عن أفراد متفرّقين لا يجمعهم شيءٌ سوى صفحات شبكات التواصل الاجتماعي. حتى التنظيمات، التي من المفترض أن تقدّم دليلاً على أهمية التنظيم في العمل السياسي، هي بمعظمها مشلولة بخطاب فكري مشوّش وهيكليات تنظيمية «غير منظّمة» تحرمها من الفعالية.

هنالك أيضاً نوع من العبثية الشخصية تنتشر في صفوف اليساريين، ومن الشائع أن نرى العديد من اليساريين ينتقلون مع الوقت من اليسار الهادف إلى عبثيّة متشائمة لا ترى أي قيمة في أي فكرة أو عمل. هذا الشعور العبثي يجد جذوره مع مفكّرين يساريين أثّروا على اليسار في الماضي مثل ميشيل فوكو وجيل دولوز وجاك ديريدا، ويصل إلى اليساريين الحاليين. الصحافي اليساري المخضرم خالد صاغية، والذي نشأ العديد من أبناء جيلي على متابعة مقالاته، يقول:

«أتساءلُ أحياناً من أين أتتني تلك الطاقة؟ فأنا منذ لجوئي إلى الصحافة هرباً من الهندسة، ابتكرتُ زاوية «يوميات» بتُّ معها كـ Bipolar يتنقّلُ بين مقالٍ سياسي متوتّر بحماسته، ومقالٍ عبثيّ لا يرى على هذه الأرض ما يستحقّ الحياة. حتّى الآن، وفيما أنا أكتب هذه السطور، لا أعرف ماذا أفعل، وما إذا كنتُ أكتبها بحماسةٍ سياسية أم بعبثيّةٍ مطلقة.».

هذا مثال واضح عن الضياع الذي يهيمن على اليساريين، وأعتقد أنه نتيجة طبيعية للضياع الفكري والتنظيمي الذي يهيمن على اليسار ككل.

اليسار مات لكن المعركة لا تزال مستمرة

رغم أنني على الصعيد الشخصي لا أزال أرى نفسي على أقصى اليسار – من حيث رفضي المطلق للمنظومة الرأسمالية المهيمنة المعادية للإنسان والحياة، وإيماني بضرورة إسقاطها التام وبناء عالم متوافق أكثر مع الفطرة الطبيعية – إلا أنني أصبحت مقتنعاً بشدّة بأن اليسار كفكر هجين وتنظيمات ضعيفة لم يعد مؤهلاً للتعامل مع أزمات العالم الحالي.

المؤشرات تظهر بأن اليسار قد يعيش انتعاشاً كبيراً خلال السنوات المقبلة مع عودة الطروحات الماركسية والطبقية في ظلّ استشراس الرأسمالية والظلامية الدينية، لكن ذلك لن يؤدي إلى الاختفاء العجائبي للمعضلات اليسارية التي ذكرتها هنا، بل أعتقدُ أنه سيجعلها أكثر حدّة وبروزاً. حتى وإن انتعش اليسار واستطاع تسلّم السلطة في بعض البلدان، لن تنفع الحلول التي يؤمن بها في حلّ الأزمات التي يواجهها العالم: حلول اليسار كان يمكن تطبيقها في العصر الذي كانت فيه الحضارة الصناعية في أوجها، وهي حلول تحتاج إلى أجهزة دولة فعّالة وتوافر طاقة رخيصة وتوازن سكّاني وموارد بيئية ضخمة، وهي كلّها أمور لم تعد متوافرة ولا ممكنة في زمن السقوط البطيء للحضارة.

الإيمان الأعمى لليسار بفكرّة التقدّم وعدم تشكيكه بالأسس البيئية والطاقوّية التي تقوم عليها الحضارة الصناعية هو نقطة ضعفه الحالية، والإسلاميون والفاشيون هم أكثر قدرة بكثير على التكيّف مع عصر سنرى فيه الأحصنة والسيوف جنباً إلى جنب مع السيارات والهواتف الذكية.

اليسار مات، وأعتقدُ أن من يكترث حقاً لمصير هذا العالم ولمصير الناس التي يحبّها، يجب أن يعترف بذلك لأن دفن اليسار هو الخطوة الأولى لبدء المعركة من جديد. هنالك معركة مصيرية قائمة حالياً مع الرأسمالية والظلامية الدينية والفاشيين، وهذه المعركة ستحدّد وجه العالم الذي سنعيش في ظلّه خلال السنوات المقبلة. الخيار لنا: هل نريد خوض أهم معركة في عصرنا بأسلحة قديمة ومهترئة، أم نريد أن ننتصر؟