أمّ محمد، مساكن هنانو وطريق الباب، وحلب

جلست أم محمد وحدها على باب بيتها في حيّ طريق الباب في حلب، كانت تراقب الشارع الخالي من مظاهر الحياة، وتضم يديها الباردتين إلى صدرها لتخفف من حدّة الصقيع الذي زاد من سوء ذاك النهار.

لم يكن هذا بيتها القديم الذي عاشت فيه مع زوجها وأولادها مرارة وحلاوة كل شيء، فالنزوحُ صار سمة معظم القاطنين في مدينة حلب، والبحثُ عن مناطق آمنة بعض الشيء، أو أقل قصفاً، أجبرها دوماً على حمل أحفادها والخروج بهم، إلى أن استقر المطاف بها في هذا البيت العربي في ضهرة عواد كما يُطلَق عليها، أو حارة الجورة في حيّ طريق الباب، بعد أن تضرّر بيتها في مساكن هنانو العمالية وأصبحت الإقامة فيه خطيرةً منذ تشرين الثاني 2013.

كان حلم العودة إلى بيتها لإصلاح ما يمكن إصلاحه والسكن فيه يرافقها دوماً، فتركت معظم أغراضها فيه رافضةً إخراجها، وعندما كانت جاراتُها تَلُمنَها على عدم أخذ أغراضها كانت تقول: «ما زال جيراني في الحارة، الذين عشت معهم عشرين سنة، هم سيحمون بيتي من السرقة».

حظي، الجميل ربما، أسعفني بمجاورة أم محمد وعائلتها عشرين عاماً، كنا في بناية واحدة، وكان أولادها أصدقاء المدرسة والأرصفة وكرة القدم. بيتها كان يحتوينا جميعاً، كانت أكثر جارات المبنى عطفاً علينا، وكنّا بحق نناديها «أمي».

حي العمالية السكني في مساكن هنانو كان يجمع سوريين من مختلف المناطق بوجوههم الريفية ولهجاتهم المتعددة، فقد سلّمت الدولة هذه البيوت للعمال عام 1990، بعد أن دخل قرعة تسليم البيوت جميع العمال الذين كانوا لا يملكون بيوتاً ويزيد عدد أفراد عائلاتهم عن سبعة أشخاص. كان نصيب كل معملٍ عشرة شقق سكنية، مقابل مئات من العمال الذين لم يسعفهم الحظ بنيل شقة.

تم تقدير ثمن الشقة وقتها بـ 225000 ل.س مقسطة على عشرين سنة، بالإضافة لإيجار شهري يُقتَطَع من الراتب، وكان حظ زوجها آنذاك أن يُقتَطَع من راتبه 625 ليرة. ما زالت تذكر المبلغ، وتحتفظ بأوراق بيتها وإيصالات الدفع بعد وفاة زوجها قبل نزوحها عام 2013.

كان كل مبنى في مساكن هنانو العمالية يحتوي على ثلاثين شقة تمثل خريطة كاملة للجغرافيا السورية، فنادراً ما كان يوجد في مبنى واحد عائلتان من منطقة واحدة. السمة الوحيدة التي كانت تجمعهم هي الفقر، والجري وراء لقمة العيش في بيوت طابقية تشبه علب الكبريت.

استُشهِدَ ابنها البكر محمد في حي الشعار، حيث كان يعمل بائع خضار، عام 2014، مخلفاً لها زوجته وأربعة أطفال عليها أن تعيلهم. واعتُقِلَ ابنها الأوسط علي على حاجز ساحة سعد الله الجابري في العام نفسه تاركاً لها زوجته وطفلةً لم يتجاوز عمرها شهرين آنذاك. صارت مسؤولةً من جديد عن عائلة كبيرة من خمسة أطفال وزوجتي ولديها، وابنها الوحيد الباقي بقربها، سامر، الذي رفض الزواج فهو لا يستطيع إنجاب أطفال ليتركهم لقدرهم: «الموت يحيط بنا من كل جانب، وعليَّ أن أعمل لأساعد أولاد أخويّ».

وقتها كنتُ قد نزحتُ إلى طريق الباب أنا أيضاً. على كرسي في صيدليتي كانت ترتاح أم محمد وهي عائدة من سوق الخضار، تمرُّ بي فتريح قدميها المتعبتين. كانت تعانقني كأطفالها «أنت من ريحة الغوالي»، وكثيراً ما كانت تُسِرُّ لي بتفاصيل صغيرة.

«لقد أوقفوا راتب زوجي التقاعدي، فأنا لم أعد أقوى على الذهاب إلى مناطق النظام، صحتي لم تعد تساعدني وليس لدي مكان أنام فيه. منذ بداية عام 2015 لم أقبض أي راتب، كان المعتمد أبو عثمان هو من يجلبه لي وكان يسكن في حي السكن الشبابي. اعتقله النظام بداية 2015، ومن وقتها قُطِعَ راتب زوجي ونعيش على المساعدات والنقود القليلة التي يأتي بها سامر من عمله على مولدة كهرباء في الحي مقابل راتب 20000 شهرياً».

بداية عام 2016 تركتُ طريق الباب بعد أن قُصِفَت صيدليتي، ولجأتُ إلى تركيا باحثاً عن عمل، وربما هارباً بطفلتي من الموت. ودَّعتُ «أمي»، أم محمد، التي بكت لفراقنا، ثم غادرت. صارت الوسيلة الوحيدة للتواصل هي الواتس آب، أحكي لها ما يحصل معي هنا، وأزرعُ ابتسامةً على وجهها من وقتٍ لآخر بقصةٍ من قصص الذكريات. هي كانت دائمة الاتكال على «الحمدُ لله» ودائمة الدعاء لنا، كان دعاؤها مغرياً ومحبباً وهادئاً. عندما حوصرت حلب نهائياً منذ أربعة أشهر كنت أطمئن عليها وعلى أحفادها بشكل يومي، آتيها خجلاً عاجزاً مهزوماً فيأتي صوتها ليمنحني القوة. لم تفقد صبرها يوماً، ولا أملها بأننا سننتصر.

قبل أيام قليلة، في 27/11/2016، دخلت قوات النظام إلى حي مساكن هنانو. على شاشة التلفاز رأيتُ بيتنا وبيت أم محمد، كنتُ خائفاً جداً من الاتصال بها، ولكني فعلت. رغبتُ بأنانية مني أن أشحذ قواي الخائرة بصوتها ودعائها، جاء صوتها حزيناً عبر الهاتف، قالت: «منذ زمن لم أرَ بيتي، شاهدتُه في التلفاز، كانوا يعرضون صوراً لدخولهم إلى الحي، بدا شاحباً بلا أبواب ولا نوافذ، دققتُ النظر في بيتي على هاتف سامر المحمول، وكان قد سجّلَ المقطع ليريني إياه. منذ أشهر لم نذهب إلى هناك، فبيتي مقابل دار العجزة وهو مرصودٌ من قوات النظام».

للحظة شعرَت أم محمد بالاختناق، قصصٌ كثيرة حكتها أم محمد خلال دقائق لتفرغ ذاكرتها أمامي. مرَّ أمامها شريط الذاكرة لبيتها الذي دَهَنَتُه باللون الأبيض بيديها هي وزوجها لتوفر أجرة العامل، سريرها في الغرفة القبلية بعد أن أقعدها ألم المفاصل، وحال دون نومها على «فرشة الصوف» التي كانت دائماً ما تتباهى بأنها ثقيلة جداً ومحشوةٌ بصوف «طلي»، أي خروف الصغير. منذ عرسها كانت هذه «الفرشة» رفيقتها.

الخزانة الحديدة على الشرفة التي كانت تضع عليها «المونة»، و«تنكات الزرع» من عدة أصناف «تم السمكة، قلب عبد الوهاب، والريحان». كانت تجلس مع زوجها على أريكة على الشرفة المطلة على الشارع ليشربا القهوة، التي كان يفضلها في كأسٍ زجاجية، وكانت تلومه دائماً قائلةً إن القهوة لا تُشرَب إلا بفنجان، ثم تعرّجُ على أن «الدخان هذا سيقتلك»، فيما ينظرُ إليها هو بحدّة ويسألها عن المارّة في الشارع، وعمّا إذا كان نظرها يصل لمعرفة ذلك الشخص المارّ من هناك أو لون ثيابه، وحين تجيبه كان يقول لها: «ما زلت شابة يا حجة».

مرّت أمامها صورة «براكة» الخبز التي طالما وقفت عليها، لتأتي لأطفالها بالخبز مع ذهاب زوجها إلى العمل باكراً وخروج أبنائها إلى مدارسهم وجامعاتهم. هي الأميّة التي علّمت كل أبنائها، لم يخطر في بالها أنها علمتهم للموت لا للحياة، أو ليعمل سامر، طالب الهندسة، بمسح مولدة كهربائية ومراقبة «قاطع الأمبير».

مرَّ في ذاكرتها أيضاً جامع عثمان بن عفان في مواجهة بيتها، واستئناسها الدائم بصوت المؤذن وسماعها لخطبة الجمعة، هي التي لا تجيد من القرآن سوى سورة الحمد وسورة الصمد. كانت تحفظ كلمات من الخطبة لتسأل أولادها عنها عند عودتهم، لتتأكد من ذهابهم إلى الجامع.

تذكرت كيف زَوَّجَت محمد في بيتها، وكيف ضمت الغرفةَ الصغيرةَ إلى الشرفة كي تتسع لغرفة نومه، وتذكرت سهرات الضحك والبكاء التي رافقت جدران هذا المنزل التي تحمل شهادات أولادها وصورة لزوجها وورداً بلاستيكياً مررته على الجدران، وستائر طرّزت عليها حصانين متقابلين، تغطي بها باب البيت كعادة أهل قريتها.

تذكّرَت الأغطية «الحرامات» من النوع «الكوري» و«الدب القطبي»، التي وضعتها فوق محمل «الفرش»، وكانت قد أوصت عليها الحجيج من السعودية، وضنّت بها على نفسها وزوجها. كان من المفترض أن تكون تلك الأغطية هدايا لبناتها عند زواجهن.

قَتَلَ دخولُ قوات النظام إلى حيّها النورَ في وجهها الجميل، هي المرأة التي تجاوزت 65 عاماً، ولم يعد لديها من الأحلام سوى عودة ابنها المعتقل، والعودة إلى بيتها، وسقوط بشار الأسد.

معظم سكان ضهرة عواد، ومنذ سماعهم خبر تقدم قوات الأسد، أخذوا ما استطاعوا من ثياب ومواد أساسية وتوجهوا نحو الأحياء البعيدة عن التقدم البري. لم يكن هرباً من الموت، فالطيران يحصد الجميع، ولكن الخوف من الاعتقال أو انتهاك الحرمات كان يسيطر عليهم.

12366421_975668255826570_6844543641077295422_n-630x350.jpg

طريق الباب- مركز حلب الإعلامي
طريق الباب- مركز حلب الإعلامي

كان هناك «جنينة» صغيرة في أرض البيت الذي سكنته، الذي كان يعود لأحد أقرباء زوجها ممن هاجروا إلى تركيا. زرعت أم محمد فيها بعض الحشائش لتساعدها على الحصار المطبق منذ أشهر على المدينة، وبدأت تلك الحشائش بالنمو قليلاً فوق الأرض.

كان يساعدها على الصبر انتظارُ ابنها المعتقل، وأملُها بالحياة لترى موت الطاغية بأم عينها فيهدأ ثأرها الشخصي ممن قتل بكرها محمد، واقترابُ حصاد «موسمها» الذي زرعته بعناية على قطعة أرض لا تتجاوز الـ 50 متراً متحديةً الباصات الخضراء التي قال النظام إنه أعدها لهم للخروج من وطنهم. «يريد اقتلاعنا كما قتل أبناءنا»، قالت أم محمدٍ مع صوت تنهدٍ مسموع. سامر الذي جلس إلى جوار والدته ملتفاً بحضنها كما لو أنه يحاول العودة إلى طفولته قال لها «كل نفخة بتطبخ طبخة، روقي أم سامر»، فردّت عليه بغضب: «أنا أم محمد، الشهداء ما بيموتوا».

كان سامر قد أراد أن يخفف وجع والدته، وأن يحاول إيجاد مدخل ليبدأ حديثه عن ضرورة إخراجها وأولاد أخيه إلى حيٍّ آمنٍ بعض الشيء، بعيداً عن قوات النظام التي بدأت فعلياً بالاقتراب من طريق الباب. فهمت أمه من ارتباكه ما كان يدور في خلده، وهَوَّنَت عليه نزوحها الذي «لن ينتهي» كما قالت: «هذه المرة إلى الأرصفة، فليس هناك بيت يحتوينا». أجابها بصوت ضعيف: «أهل الخير كتيرين».

وهي تلمُّ في أكياس الخيش ثياب أحفادها والدمعةُ لا تفارق وجهها، وصوتُ بكاء الاطفال يملأ المكان ويضيفُ على الجو جنائزية جديدة، لمحت بندقيةً في زاوية البيت كان سامر قد أتى بها، لم تعد قدماها تحملانها، شعرت أن سامر سيكون شهيداً آخر، وعجزت عن الصراخ.

قالت لي في اتصالٍ لاحقٍ إنهما لم يتحدثا بشأن البندقية، وإن سامر اكتفى بتقبيل يدها قبل أن تنطلق السيارة التي جاء بها لتنقلها مع حوائجها والنساء والأطفال، وقالت أيضاً إنها اكتفت بلمس شعره الأسود، والدعاء. كان سامر قد أعدّ لها بيتاً في حي الفردوس، وفي الاتصال الأخير لي معها أخبرتُها أن الناس ينزحون إلى مناطق النظام، طلبتُ منها بخوفِ طفلٍ صغيرٍ أن تحمل أحفادها وتتجه إلى هناك. كان كلامي مبعثراً وغير مفهومٍ أمام صمتها، فأنا في حضرة أم محمد، ذاكرة المدينة وحاضنتها كما أعتبرُها.

قالت لي بعد أن انتهيتُ من حديثٍ طويلٍ عن الحياة وإرادة العيش: «البارحة اختصرت زوجة ابني كل هذا الحديث بجملة، قالت لي: أنا ما رح أطلع واتعرض لشي يمسّ كرامتي وشرفي، أنا بدي أموت هون».