حروب وأساطير

مقدمة قبرصية

قبل عام زرت قبرص اليونانية، وحصلت من أحد المراكز السياحية على خريطة قبرص. كانت الخريطة ملفتةً، فهي لكامل قبرص غير أن القسم الشمالي (التركي) بدون ملامح، فلا الطرقات ولا حتى المدن محددة بشكل واضح. تُرِكَ القسم التركي شبه فارغ، لكنه غير مفصولٍ عن بقية قبرص.

عندما سألت عن السبب وراء تقديم القسم الشمالي على هذه الصورة، كان الجواب أن هذا القسم جزءٌ من قبرص ولكنه تحت الاحتلال التركي، ولذلك لن يتسنى لي، كسائح، الذهاب هناك. الواقع أن الانتقال غاية في السهولة، وهو ما فعلته لاحقاً. هذا قادنا (الموظف وأنا) إلى حديث قصير قدّمَ فيه حكايته، أو بالأحرى حكاية القبارصة اليونانيين، عن الاحتلال العثماني ثم البريطاني، وكيف عاد الاستعمار التركي مجدداً واحتل الجزء الشمالي من الجزيرة، ولكنه يبقى من الجزيرة وسيعود إليها، ولهذا يبقى على الخرائط.

لكن الحكاية، وككل حكايةٍ يكون الاستعمار في صلبها، لم تخبر أي شيء عن القبارصة الأتراك وانحيازهم إلى تركيا وعن أنهم جزءٌ من هذا «الاستعمار». لم تنكر الحكاية وجودهم، ولكنهم تفصيل صغير مهمل في رواية الاستعمار التركي، وسيعودون إلى قبرص مع زوال الاحتلال وتعود الأمور إلى طبيعتها، قبرص واحدة وشعب واحد.

ما أن تسيرَ في شوارع قبرص وتراقبَ أهلها، فإنك سترى أن هناك واقعاً آخراً لا تأتي هذه الحكاية على ذكره. أول المشاهد هو الحضور الطاغي للكنيسة الأرثوذكسية في تحديد هوية الشعب والبلد، من العدد الكبير للكنائس وتماثيل مطارنة وبطاركة الكنيسة، إلى محلات الأيقونات ومظاهر التدين الشعبي. بتعبيرٍ آخر، تشغل الكنيسة كامل المجال الرمزي العام الذي يُعرّف هوية قبرص. سترى كذلك الأعلام اليونانية على المنازل والسيارات والكنائس، بينما تقتصر أعلام قبرص وبتواضع على الأبنية الحكومية. المشاهد تُظهر أن الجماعة (الإثنية) القبرصية اليونانية تُعرّف نفسها عبر مُحدِّدَين أساسيين، الكنيسة الأرثوذكسية واللغة/الانتماء اليوناني أنت تكون قبرصياً يعني أن تكون أرثوذكسياً ويونانياً.

هذه المشاهد لا تدعم حكاية استعمارٍ ومستعمَر، بل حكاية مختلفة قليلاً عن النزاع الإثني. لدينا إثنيتان، الأولى قبرصية يونانية تُعرّف نفسها بديانتها الأرثوذكسية ولغتها اليونانية، والثانية قبرصية تركية تعرّف نفسها بديانتها الإسلامية ولغتها التركية. بين هاتين الإثنيتين نزاعٌ يجد جذوره العميقة في التاريخ، منذ الاستيطان التركي في الجزيرة في العهد العثماني وصراع اليونانيين ضد العثمانيين، وصعود الحركات القومية في اليونان ولاحقاً في تركيا، وتحوّل هذه الجماعات إلى جماعات قومية متحاربة، ثم الاحتلال الإنكليزي ومحاباته للأتراك، فالاستقلال وتطور النزعة القومية اليونانية ومسعاها للتوحد مع اليونان. إثنيتان لا تملكان ما هو مشتركٌ سوى أنهما تعيشان على الجزيرة ذاتها، تنتميان إلى تراثين متباينين وحتى متخاصمين، وتتماهيان بدولتين مختلفتين بينهما أيضاً من النزاعات ما بينهما.

 حتى افتراض زوال «الاستعمار» التركي لن يحل المشكلة، فكيف ستعيش هاتان الجماعتان سويةً؟ الديموقراطية قد لا تعدو سوى سيطرة الأكثرية اليونانية وإقصاء الأقلية التركية. المحصلة أننا أمام نزاع إثني يُفترض أن يُحل ضمن تسوية مناسبة بين الإثنيتين، وهذه المحصلة ستجدها في الدراسات الغربية (الاستشراقية بعباراتنا)، ولكنك لن تسمعها من القبارصة أنفسهم. هم سيحدثونك عن حكاية أخرى، عن مستعمِرين ومستعمَرين.

كي تفهم نزاع قبرص، ولاحقاً كي تفكر بإمكانية حلّه، عليك بكل بساطة أن تنحي بالحكاية القبرصية جانباً، وتنظر إلى هذا النزاع على حقيقته، نزاع إثني.

إلى بلادنا

ولأن قبرص نجمة سوريا، لا يبدو وضعها غريباً عنا، فأول ما كنت أتذكره عند استماعي لمحدثي هو حكاية نزاعاتنا التي اعتدنا سماعها باعتبارها حكاية عن مواجهة الاستعمار، وكل شيء آخر هو تفصيل صغير لهذه الحبكة المفصلية. تفاصيل يتم تجاهل غالبيتها، أو اكتشاف أبعاد عميقة لبعضها الآخر عبر وصلات من المؤامرات والخيانات «الموضوعية» (من خلال الترفع الأخلاقي عبر عدم وصم الآخرين بالخيانة المقصودة، والقول إن انحيازاتهم في التحليل الأخير تصب في خدمة الاستعمار).

الحكايات المفسرة للنزاعات في بلادنا، المشرق العربي، تدور حول الاستعمار والهيمنة الأمريكية والمقاومة والممانعة أو الاستبداد والحرية، أما الطوائف والإثنيات1 ونزاعاتها فهي تقريباً غائبة، أو تحضر باعتبارها تفصيلاً صغيراً على اللوحة، أو مؤامرة استشراقية2.

علاقةُ هذه الحكاية مع الواقع الذي تدّعي تفسيره لا تختلف كثيراً عن تلك العلاقة التي تربط الحكاية القبرصية بواقعها، وهي تثير العديد من المفارقات المضحكة المبكية. مثل رؤية أحمد الجلبي محاضراً في مؤتمر لحزب الله دعماً للنظام السوري في مواجهة الإمبريالية الأمريكية، أو ظهور مقاتل عراقي شيعي في سوريا في مقطع فيديو مخاطباً المقاتلين السوريين على الجهة الأخرى، منبهاً إياهم على أنهم جزء من المؤامرة الإمبريالية الصهيونية الوهابية؛ غافلاً تماماً عن أن دولته بقضها وقضيضها وسلاحها إنجاز الإمبريالية الأمريكية، وأنها لا تخوض معاركها ولا تتقدم شبراً واحداً دون حماية ودعم سلاح الجو الإمبريالي. أو أن يُبرر المتحدث باسم الحوثيين، في إحدى حلقات برنامج «في العمق»، تهجيرهم للسلفيين من قراهم في اليمن حيث يتداخل المذهبي مع القبلي، بالانقسام إلى معسكرين في منطقتنا والعالم ، معسكر الهيمنة الأمريكية ومعسكر الممانعة والمقاومة، وهكذا فإن نزاع قبيلتين في اليمن يجد امتداده في مشاريع صندوق النقد الدولي في أمريكا اللاتينية.

على الضفة الأخرى هناك حكاية الاستبداد والحرية والديمقراطية، وطبعاً سترى أسماء الكتائب المقاتلة وما قد يحصل للعلوي على حواجز هذه الكتائب، أو أن يتحدث أحدهم في الوقت ذاته عن الشعب السوري الواحد والحرية وتطبيق الشريعة. في سوريا كثيراً ما يحصل أن يخرج متحدث باسم فصيل إسلامي سني، وهذا بحسب ما يعرّف هذا الفصيل عن نفسه، ليخبرك بما تفعله «الميليشيات الطائفية» وكأنه فصيل علماني، أو أن الطائفية لا تكون إلا شيعية.

وحدها الحركات الإسلامية، السلفية تحديداً، تصرح عن البعد الطائفي للنزاع الذي تخوضه. بالتأكيد، إن النزاع يجد مرتكزاته في الاستبداد القائم لما يزيد عن نصف قرن وتتداخل معه رغبة التحرر، خاصة في أول سنتين من عمر الثورة السورية، والإشكالية الاستعمارية والحالة الاستثنائية للشرق الأوسط مع وجود إسرائيل. لكن هذه جميعها لا تلغي محورية البعد الإثني/الطائفي للنزاع، والذي يُخاض بهذا الشكل على المستوى اليومي.

الحشد الشعبي (الشيعي) يقاتل الدولة الإسلامية (السنية) متحالفاً مع النظام السوري (العلوي) في مواجهة انتفاضة جزء كبير من السوريين ضده (السنة)، كما يتحالف حزب الله (الشيعي) مع انتفاضة البحرين (شيعة) ضد نظام الحكم هناك (سنة)، ولكنه في الوقت ذاته يحارب السوريين (السنة) المنتفضين ضد نظامهم (العلوي)، وتنتصر أنظمة الخليج (السنية) للسوريين (السنة) ولكنها تقمع البحرينيين (الشيعة) وهلم جرا. كل ما عليك أن تفعله هو أن تطرح الهوية الطائفية، الجماعة الإثنية، وسترى أنك تفسّر الجزء الأكبر من الانحيازات.

جرب عوضاً عنها معياراً آخر: التحرر والديموقراطية، وفسّر لماذا يتحالف نصر الله مع انتفاضة البحرين ويحارب انتفاضة السوريين! الإمبريالية، وفسّر كيف يحارب الحشد الشعبي تحت الغطاء الأمريكي! إسرائيل، وفسّر كيف أن الراعي الأول للممانعة، روسيا، هي حليف إسرائيل! في المقلب الآخر ستجد المشهد نفسه، بعض حلفاء الثورة السورية، لأنها ثورة حرية، هم من دعموا السيسي في انقلابه، وهلم جرا.

قصة متخيلة

لنتخيل بلداً يُدعى سوراقستان، في هذا البلد تحيا عدة قبائل تخوض من وقتٍ لآخر حروباً فيما بينها. «س» قبيلةٌ من الرعاة، ومنها انحدرت النخبة العسكرية الحاكمة للمملكة القديمة في سوراقستان. في هذه المملكة، ككل الممالك ما قبل الحديثة، لا تملك السلطة الحاكمة جهازاً بيروقراطياً حديثاً، ولا تتدخل في التشريع والقضاء؛ المتروك للجماعات المحلية. استخلصت النخبة العسكرية الحاكمة الخراج من الفلاحين المنحدرين من القبيلة الكبرى الأخرى«ع»، وهي قبيلة مزارعين مستقرين. الحدود بين القبيلتين ليست واضحة تماماً، فهي حدود وظيفية، رعاةٌ في مواجهة فلاحين، وإن كان لكل قبيلة قصصها عن الأصل المشترك، بل ربما قد يبدو أن هناك اختلافات شكلية بين أبناء القبيلتين، لكن أغلبها يمكن تفسيره بالتباين بين نمطي العيش. العديد من أبناء «س» ينحدرون أصلاً من «ع»، لكنهم التحقوا مع بعض مواشيهم بـ«س» وأصبحوا بمرور الزمن أفراداً فيها، كما أن هناك عدداً كبيراً من المصاهرات بين القبيلتين.

النزاعات والحروب كانت أساساً بين هاتين القبيلتين، «س» ضد «ع». غير أن هذه الحروب كانت أيضاً حروباً ما قبل حديثة، تُخاض بالقوس والرمح، وقتلاها لا يزيدون عن بضعة عشرات. أيامُ هذه القبائل ليست إلا مبارزات خيضت بالشعر واستعراضات الفروسية أكثر منها قتلاً. طبعاً لكل قبيلة حكاية تفسر هذه النزاعات، فأبناء «ع» يحدثونك عن الظلم الذي تعرضوا له خلال عهد المملكة القديمة واعتداءات الرحل عليهم، أما أبناء «س» فقد يخبرونك عن خداع الفلاحين المستمر لهم وامتهانهم واعتبارهم أقل مرتبة منهم رغم تفوقهم العسكري.

في لحظة من التاريخ وصلت أولى السفن الأوروبية إلى شواطئ سوراقستان، أثارَ اهتمامَ الأوروبيين نوعٌ من الفراء الموجود في المناطق الداخلية، والذي كان أبناء «س» يجلبونه عبر رحلات الصيد. هكذا نشأت التجارة مع الأوروبيين، البنادق مقابل الفراء، وطبعاً بفضل موارد هذه التجارة اختلفت حياة «س» تماماً واهتمت بتطوير مواردها من تجارة الفراء.

المملكة القديمة، وبضغط الأوروبيين وتهديدهم، تعرضت إلى تحولات مهمة. ظهرت البيروقراطية، وحاولت المملكة ضبط تجارة الفراء واحتكارها، مما اضطرها إلى فرض عدد كبير من القوانين والتدخل بحياة الفلاحين بشكل متزايد. تحولت المملكة القديمة إلى دولة حديثة، ومعها اختلفت الحروب التي أصبحت تُخاض الآن بالسلاح الناري، وتعتمد الطرق الأوروبية التي تقوم على القتل بكثافة، مقابل الشعر والاستعراضات القديمة.

النزاعات المستمرة على السلطة والرغبة بالاحتفاظ بها، والموارد الكبيرة التي قدمتها تجارة الفراء، دعت النخب إلى التأكيد على روابط الهوية، القرابة، في صراعاتها. ما كان حدوداً غائمةً ومفتوحةً بين «س» و «ع» أصبحت صلبة وصعبة العبور، لقد تم تثبيتها.

خلال هذه الصراعات نشأت نخب متعلمة، وهكذا فإن النخبة الحاكمة المنحدرة من «س» شكلت الحزب الدستوري الذي يستند إلى تاريخه في مواجهة الأوروبيين وحماية الاستقلال، رغم أنه لم يكن هناك احتلال أو استقلال حقيقةً، فالأوروبيون كانوا أصحاب اليد العليا طوال الوقت. ضم هذا الحزب أغلب أبناء «س» حتى الذين ليسوا في السلطة، وهؤلاء هم الغالبية الساحقة من أبناء «س». بالمقابل فإن أغلب الفلاحين، وهم أبناء «ع» تجمعوا خلف الحزب الفلاحي الاشتراكي وخاضوا تمرداً ضد السلطة.

في الحرب الأهلية في سوراقستان كان هناك العديد من المذابح التي شهدتها القرى والأحياء في المدن، فالدستوريون، أبناء «س»، استباحوا قرى الاشتراكيين، أبناء «ع»، وكذلك فعل الاشتراكيون في الأحياء الفقيرة التي يسكنونها في المدن مع جيرانهم الفقراء من أبناء «س».

السؤال: كيف لنا أن نفهم الحرب؟

قد نتبنى مقاربة تقليدية تقول إن هذه الحرب شكلٌ حديثٌ للحروب القبلية القديمة، الحرب بين «س» و«ع» ككل الحروب السابقة، تستلهم حكايات النزاعات القديمة والثارات، وهذا ما يراه المرء بشكل واضح في القصص المنتشرة بين المقاتلين والأهالي. ميزةُ هذه المقاربة هي تذكيرنا بالطبيعة الإثنية للنزاع.

قد نميل إلى مقاربة حديثة تؤكد على الوقائع الحديثة الخاصة بهذا النزاع، فالحرب الآن مختلفة تُخاض بأسلحة نارية وتمتاز بالقتل العنيف. تتورط في هذه الحرب أجهزة الدولة الحديثة التي جلبها الأوروبيون إلى سوراقستان، هناك التدخل الأوروبي وتجارة الفراء. وأخيراً فإن الهوية الإثنية القابعة خلف النزاع لم تعد تشبه القديمة بمرونتها، بل هي صلبة وحادة.

يمكن للمرء أن يجنح إلى أي من هاتين المقاربتين، أو أن يزاوج بينهما. غير أن هناك مقاربة ثالثة لن تسمعها إلا من «مثقفي» الحزبين، وهي أن هذه الحرب هي جزء من الثورة الاشتراكية العالمية، وهو ما سيخبرك به مثقفو الحزب الاشتراكي، أو أن هناك مؤامرة دولية على استقلال سوراقستان ومسعىً لمصادرة قرارها الوطني، وهي القصة التي سيخبرك بها مثقفو الحزب الدستوري. كلتا المجموعتين ستؤكدان لك أنه لا بعد إثنيٌ في هذه الحرب، والموقف الوحيد الذي يمكن لك أن تأخذه من المقاربة الأخيرة هو رميها في أقرب سلة مهملات ونسيانها، هذا في حال أردت أن تفهم شيئاً بصدد النزاع.

هذه القصة المتخيلة ستراها في العديد من الدول الإفريقية، ضع الهوتو والتوتسي، أو الفور والبقارة، مكان «س» و«ع». غير أنك لا تحتاج للذهاب إلى إفريقيا لمعاينة نماذج شبيهة، انظر إلى لبنان مثلاً وتذكر الحزب التقدمي الاشتراكي (الدرزي). انظر إلى العراق وتذكر الأحزاب المناهضة لمشروع الهيمنة العالمية (الشيعية) في نزاعها مع أدوات الإمبريالية (السنية)، أمّا كون الميلشيات الشيعية تحارب في حماية الطيران الأمريكي فهو ليس سوى تفصيل صغير غير مهم تماماً، كتفصيل أن جيش «س» تم تدريبه وتسليحه من قبل الأوروبيين.

بالتأكيد هناك ظلم، بل وظلم فائض خلف الانتفاضات والحروب التي تُخاض لدينا، ولكن هناك فرقاً بين الظلم والمظلومية.

ياسين الحاج صالح3 يفرق بين الاثنين بشكل مفيد تماماً، فالمظلومية هي إيديولوجية تستخدمها النخب لتحقيق مصالحها السياسية وأهدافها، هي قائمة على الظلم ولكنها تهدف إلى تحقيق أهداف محددة. ينحاز المرء إلى المظلومين، ولكن ليس إلى ما قد يريدونه. أهل السنة في العراق يُقتَلون ويُضطهدون لأنهم سنة، لكن هذا لا يعني الانتصار للدولة الإسلامية. المظلومية ترغب بأن تماهي بين الظلم والمظلومية، أن تجعل مؤدى الاعتراف بالظلم المحيق بجماعةٍ ما على أساس إثني أو طبقي هو الالتحاق بأصحاب الأيديولوجيا القائمة على هذه الهوية، أن تعترف بالظلم المحيق بالسنة في العراق يعني أن تلتحق بالدولة الإسلامية.

التماهي بين الظلم والمظلومية هو أساس أي أسطورة.

أساطير سوريلية

لا بدَّ لنا من العودة إلى جورج سوريل عند الحديث عن الأساطير والسياسة. قيّمَ سوريل الأسطورة بشكل إيجابي جداً في الفعل السياسي، ليس بالنظر إلى محتواها بل إلى قدرتها على بناء الجماعات وحشدها وتعبئتها في معاركها، وسوريل أساساً من مناهضي الواقعية. الإضراب العام هو أسطورة بروليتارية تهدف إلى بناء الأخلاق البروليتارية الضرورية للحرب، وإلى رسم حدود الهوية البروليتارية ورسم حدود هوية العدو «البرجوازي». الأسطورة السوريلية تزودنا بمعنى«واقعنا»، وتهدف إلى بناء هوية الجماعة4 وإعطائها صورةً للمعركة التي تخوضها، إلى حشدها وتزوديها بالذخيرة الأخلاقية والروح القتالية الضرورية لها في معركتها.

لِنَعُد إلى قصتنا السابقة، لدينا حكاية تستند إلى عصبية قتالية هي عصبية «س»، وحكاية أخرى عن «المعركة في مواجهة الأوروبيين». الفرق بين الحكايتين لا يتعلق بأن إحداهما وصفٌ مطابقٌ للواقع فيما الثانية وصفٌ خاطئ له، وبالتالي أسطورة. كلا الحكايتين أسطورة. الأولى تدور حول الهوية الجامعة لـ«س» والأصل المشترك لأبنائها، والتاريخ الأسطوري عن صراعاتها المستمرة مع «ع». الثانية، أسطورة الحزب الدستوري، تدور حول نحن لا تتعلق بـ «س» أو «ع»، بل بكل سكان سوراقستان في حربهم مع العدو المثالي المتمثل بالأوروبيين.

الأسطورة الأولى فعالة، تجند شباباً وكهولاً لخوض الحرب، واعتماداً عليها تنتظم الفرق المقاتلة، وينضم المقاتلون زرافات إليها. الشعارات والأناشيد والأخلاق وكل ما يبث الروح القتالية ويغذّيها تجد أصوله في هذه الأسطورة، بينما الثانية لا تجد لها أثراً إلا فيما يذاع في العلن أو يُقدم للأجانب في مؤتمرات الحزب الدستوري، خاصة أن الحرب في سوراقستان هي حرب أهلية في المقام الأول والأخير.

الحزب التقدمي الاشتراكي اللبناني مثلاً حزب تدور حكايته «الرسمية» حول الاشتراكية والاستعمار والإمبريالية، وهو عضو في الدولية الاشتراكية وربما تسمع نقاشات صاخبة عن ماركس والفابيين، وحتى ترى بين مؤسسيه أبناء طوائف متنوعة (عبد الله العلايلي، محسن دلول، جورج حنا)، ولكن ما أن قُتل كمال جنبلاط حتى تولى مشايخ الدروز وضع العباءة على كتفي ابنه وليد، الذي أصبح أميناً عاماً للحزب، كما سيصبح ولده تيمور من بعده.

إذا استخدمنا استعارة الأسطورة السوريلية، فإننا نستطيع القول إن أساطيرنا السوريلية تتمثل في كربلاء ومقتل الحسين، في ظهور المهدي وحربه مع السفياني، كما في دولة الخلافة والمؤامرة على أهل السنة، في ذكريات مذابح العلويين على يد السلطان سليم الأول5، تماماً مثل أسطورة الأرثوذكسية في مواجهة الغزو الإسلامي والمشهد الدرامي لمقتل آخر أباطرة القسطنطينية ووعد عودته، وقصص الكفاح لحفظ الدين واللغة خلال فترة السيطرة العثمانية لدى القبارصة اليونان. في مقابل الأساطير السوريلية هذه لدينا أساطير «عارفية»، كأساطير الحزب الدستوري أو الاشتراكي في قصتنا المتخيلة، حول الإمبريالية والاستعمار والعلمانية، أو حول الصراع الطبقي والديموقراطية والدولة المدنية.

منتجو الأساطير

في روايته «السوريون الأعداء» يقدم الروائي السوري فواز حداد شخصية «عارف»، المثقف المعارض للنظام باسم الديموقراطية والاشتراكية، ولكن وما أن تبدأ الثورة حتى يقف إلى جانب النظام، وقوفاً يصيغه بلغته المعارضة.

ما يزال معارضاً ولكنه في هذه اللحظة المصيرية مع النظام، أو الأفضل، مع الجيش الوطني ومؤسسات الدولة، أما كيف تميزها عن النظام فهو تفصيل صغير آخر. للصدفة، كالعادة، فإن عارف علوي. تفصيل آخر صغير ككل التفاصيل الصغيرة السابقة، ولكن أهميته تظهر في حوارات عارف الخاصة. خلال هذه الحوارات تتم العودة إلى القصة كما هي دون أساطير، نحن وهم. نحن وهم تعودان إلى الجماعتين الإثنيتين المتنازعتين، نحن العلويون، وهم السنة. فإن سمعت أحدهم يحدثك عن المقاومة والاشتراكية والعلمانية، تذكر عارف.

مثقفٌ كعارف لن تحتاجه الميليشيات الشعبية، وقد يخدم النظام باعتباره «المعارض الوطني» ولكن النظام سيتخلى عنه مع انتهاء الحرب. عارف يخدم أولاً وأخيراً عارف. هو يجد لنفسه مكاناً عبر الحكاية التي يسوّقها، لم يتخلى عن إيديولوجيته الوطنية، يسوّق لروايةٍ قد تستقطب آخرين مثله متحرجين من الإثنية الفاقعة للنزاع، وتحكمهم مخاوفه ذاتها.

أخيراً وبحكم أقلوية جماعة عارف، فإن هذه الحكاية تبدو الأفضل للمجال العام طالما أنهم ليسوا قادرين على فرض هيمنتهم بوصفهم طائفة. بالطبع هذا ما يميزهم عن الحمقى على الجانب الآخر، الذين يعدون الآخرين بالذبح6 وهم تحت القصف والضرب.

قصة عارف تناسب العالم الخارجي الذي لن ينحاز إلى جماعة إثنية دون أخرى في نزاع إثني صريح، العديد هنا يحتاجون إلى قصة أخرى يمكن تقديمها، أو أنهم قد يرغبون بمتابعة معارك طواحين الهواء الخاصة بهم عبر إعادة إنتاجها في هذه الحرب.

الفرق الأساسي بين الأساطير السوريلية وتلك العارفية لا يكمن في علاقتها بالواقع، أي أن السوريلية وصف «صحيح» للواقع فيما «العارفية» وصف «خاطئ» له. في النهاية، إن اقتنع الناس بأنهم «عمال» وعليهم أن يتصرفوا تبعاً لهذه القناعة، ستصبح الطبقة هي الهوية «الحقيقية» والصراع الطبقي هو الصراع الوحيد «الحقيقي». أما إذا اقتنعوا أنهم سنة وشيعة، فستكون سنيتهم وشيعيتهم هي المعطى «الحقيقي»، كما ستكون الحرب الطائفية هي الحرب «الحقيقية».

الحقائق الاجتماعية ليست مستقلة عن إدراكنا ووعينا بها مثل حقائق العالم الفيزيائي، والفرق بين نوعي الأساطير يكمن في العلاقة مع الذات، مُنتِجة هذه الأسطورة. معتنق الأسطورة السوريلية «صادقٌ» فيما يدعيه ويتصرف على أساسه، يقاتل ويموت. فيما مُنتِجُ الأسطورة العارفية «كاذبٌ» فيما يدعيه، وهو نفسه لا يتصرف بمقتضى مع يدعيه7.

لا يمكن لنا فهم هذه النزاعات انطلاقاً من الأساطير التي يروجها المتنازعون أنفسهم بصدد نزاعاتهم في المجال العام وعلى وسائل الإعلام، والإصرار على مثل هذه الأساطير سيجعل إمكانية التواصل من أجل التوصل إلى حلٍّ مسألةً غايةً في الصعوبة، بل الاستحالة، حيث لا يكون مصدر النزاع محل النقاش، بل يدور النقاش حول مسألة مزيفة تماماً.

الخلاف بين الحوثيين وأعدائهم ليس على الموقف من النظام الرأسمالي العالمي، والخلاف بين النظام العراقي وأعدائه ليس على الصراع مع إسرائيل، والخلاف بين النظام السوري ومحاربيه ليس على العلمانية واستقلال القرار الوطني. الخطوة الأولى لفهم ما يحصل في بلادنا هي إهمال ما يقوله أهلها علناً عمّا يحصل لديهم، تكذيبهم وليس تصديقهم، والإنصات لهم فقط عندما يكونون لوحدهم، عندها قد نحصل على بعض الحقيقة.

  • 1. أستعملُ طائفة وإثنية باعتبارهما مترادفتين، وباعتقادي أن الأديان في بلادنا، المشرق العربي، هي أديان إثنية، والنزاعات التي تُخاض هي نزاعات إثنية وليست حروباً دينيةً مثل الحروب الصليبية مثلاً. الإيديولوجية الدينية وحتى النهضة الدينية أضعف مما يعتقد المرء، وغالب من يحاربون باسم جماعتهم الدينية لا يحملون قناعات دينية أو معرفة دينية راسخة، بل العكس تماماً. هذا ما يشير إليه كل من حسن هنية ومحمد أبو رمان (تنظيم الدولة الإسلامية: الأزمة السنية والصراع على الجهادية العالمية. مؤسسة فريدريش إيبرت. عمان. 2015) في أطروحتهما عن مركزية مسالة الهوية «السنية» لدى التنظيمات السلفية الجهادية في منطقتنا وخاصة تنظيم الدولة الإسلامية.
  • 2. تتزايد الكتابات التي تسعى إلى رصد الأبعاد الطائفية/الإثنية للنزاع، وبشكل خاص بين الكتاب السوريين المعارضين، يمكن أن تُذكرَ أعمال ياسين الحاج صالح بشكل خاص في هذا المجال. غير أن هناك ملاحظتين فيما يتعلق بهذه الأعمال: الأولى محاولة إعادة ربط هذا النزاع بسويات أخرى يُشتق منها بما يجعله مظهراً لنزاع أساسي، وبالتالي تقديم تبرير لإهماله مقابل البعد «الحقيقي» للصراع، مثلاً بوصفه صراعاً من أجل الحرية. والثانية ما يبدو محاولةً لإلصاق الطائفية بأحد طرفي النزاع، جهة طائفية وأخرى ليست كذلك.
  • 3. الظالمون العادلون: من سرديات المظلومية إلى مقاومة الظلم.
  • 4. وهي جماعة متخيلة، ومن هنا يمكن لنا ربط أفكار سوريل بكل التصورات اللاحقة حول الجماعات المتخيلة كما في عمل بنديكت أندرسون، أو حتى فكرة العدو والصديق والسياسة كقرار وإرادة لدى كارل شميت. هذا البعد الإرادي في فكرة الأسطورة لدى سوريل، وهي أسطورة للمستقبل والفعل وليس حول أصول مشتركة، هو ما جعل من أفكاره وبرغم اشتراكيتها، أصلاً من الأصول الفكرية لليمين الثوري.
  • 5. علينا أن نشكر اليوتيوب الذي أعطانا فرصة أن نرى ما كان مقصوراً على المجالس المغلقة، ليصبح علنياً (وليس رسمياً، فحتى اليوم سينكر أي رسمي مثل هذه المواقف، ولكن كالعادة نعرف أن هذا الإنكار ليس إلا جزءً من اللعبة المتوافق عليها). الآن لدينا الملا حيدر عطار وغنائيته «زهرائيون»، ولدينا علي خزام وحفلة العرس، كما لدينا احتفاليات ثوار حمص ونشيد وين أيامنا
  • 6. مثل النشيد الذي اشتُهر في بنش «شرطة نصيرية... صبرا يا علوية، بالذبح جئناكم... بلا اتفاقية».
  • 7. بالتأكيد هناك من يؤمن بقيم الحرية والديموقراطية والكثير مما تدعيه الأسطورة العارفية، وأدعي أنني أحدهم، لكن المسألة لا تدور حول القناعات الشخصية، إنما حول الحكاية التي تُقدَّمُ عمّا يحصل.