لكارهي الليبرالية: ترامب عليكم!

 

وصل الملهوف إلى كرسي الحكم الأكبر أخيراً. لدى ترامب الكثير لإثباته، حيث لا يضاهي الأنا المستفحلة لدى فاحش الثراء هذا إلا حجم الفضائح والمهازل التي تلاحقه. انكب على توقيع عشرات الأوامر التنفيذية في أسابيعه الأولى في البيت الأبيض، ليُثبت، على الأقل، أنه رجل الأفعال لا الأقوال. المكسيك والصين في مرمى نيرانه دائماً، واحتقاره للإعلام في تصاعد مقلق لنخبة البلد السياسية. أصدر أوامره أيضاً بتفكيك مشروع أوباما للتأمين الصحي الهزيل أصلاً، وأصدر قراراً بمنع دخول مواطني عدد من الدول العربية، لا لشيء إلا لأنهم من مجتمعات أغلب سكانها مسلمون تطحنهم الحروب المشتعلة.

أحد ضحاياه كان برنامجاً حكومياً لدعم تنظيم الأسرة حول العالم، ويكلّف هذا الغرض الإنفاقي بمفرده خزانة الدولة الأمريكية 450 مليون دولار سنوياً. منطق إلغاء هذا الإنفاق طبعاً هو ضرب سبعين ألف عصفور بحجر واحد: استعراضٌ للقاعدة الانتخابية الساخطة على تراجع مستوى معيشتها، ولمّ شمل الحزب الجمهوري على ما تطرب له قاعدته من بطشٍ بحق النساء في الإجهاض. أحد العصافير أيضاً هو خفض الإنفاق تدريجياً (بالذات لصنوف غير ذات مردود نفعي مباشر، كتوفير خيارات لنساء أجنبيات وعوائلهن)، وبالتالي خفض الضرائب مستقبلاً (غالباً، الضرائب على الأغنياء)، وهذه الأخيرة مفيدة في محاولته القادمة لرأب الصدع لدى نخب هذا المجتمع المنغمسة حالياً في تقطيع بعضها بعضاً. يعود هذا التضارب في مصالح النخب الأمريكية الحاكمة إلى الوعود الجامحة التي أطلقها الرئيس الجديد خلال المنافسة الانتخابية، حيث صعد ضمن فراغ سياسي غير مسبوق ناتج عن تآكل القواعد الانتخابية للحزبين الحاكمين، بما سمح لحملتين انتخابيتين من خارج مؤسسات الحزبين بحصد الأصوات: حملة ترامب الشعبوية في الحزب الجمهوري، وحملة ساندرز الديموقراطية الاجتماعية في الحزب الديموقراطي.

 تقوم إحدى وعوده على تغيير دراماتيكي في موازين التجارة العالمية، تهدف إلى عرقلة المستوردات من أسواق رئيسية كالصين والمكسيك لتطوير الإنتاج في الداخل الأمريكي، وبالتالي، تخليق وظائف جديدة. تغيير كهذا ينطوي على تهديدات كبرى لمصالح أعلى شريحة من رأسماليي الولايات المتحدة والعالم أجمع، يستحيل طبعاً تخيّل ردة في نفوذ هؤلاء المتعاظم دائماً بلا أدوات المواجهة المناسبة: طبقة عاملة منظمة تُؤخَذ على محمل الجد. ولأن هذا ليس الحال في أميركا اليوم، ترامب أقل قدرة على استمالة الكبار لمشروعه الشعبوي ضد أعمالهم ترليونية الحجم، وعليه بالتالي أن يقدم لهم تنازلات متنوعة ستكون تخفيض مستويات الضريبة أبرز عناوينها (لمن لا يستطيع التهرب منها طبعاً، فشركة جنرال اليكتريك، على سبيل المثال، تمكنت من أن لا تدفع حتى دولاراً واحداً للضريبة الفدرالية في أعوام سابقة. ترامب نفسه، بليونيير لا يدفع ضرائب منذ فترة طويلة، وكل هذا بالقانون). في المحصلة، رأسماليو البلد الكبار أمام تموضع جديد، مفتوحين على تغيير ممكن في ربحية قطاعات الأعمال المختلفة يصعب الآن تقدير على ماذا ستستقر تحديداً.

على الرغم من وجود قاعدة شعبية تطلب التغيير لمصلحتها، وقد نجحت بصعوبة في إيصال ترامب إلى سدة الحكم، وعلى الرغم من أن مشروعه هذا مفتوح لصياغة مصالح رأسمالية متعددة يستطيع أن يأمن جانبها إن أرضاها، إلا أن أي برنامج يميني مضرّ بمصالح قطاعات واسعة من البشر في أي مجتمع يدفع به إلى اللجوء لحِزَمِ أفكار وقيّم (إيديولوجيا) رجعية تصوغ شكل كتلة ملائمة لمواجهة اجتماعية قادمة.

تقوم هذه الكتلة على المفاضلة بشكل أو بآخر بين عموم الطبقات الدنيا، وفي حالة الولايات المتحدة، فإن شكل هذه الرجعية هو المستوى الظاهر للعيان اليوم من ذكورية فجّة وعنصرية مقيتة نبتت في تلك البلاد منذ ما قبل تعميم النمط الرأسمالي لعلاقات الإنتاج (حيث منطق الرأسمالية الموضوعي يعمل كالأسيد على تذويب أو إلحاق أي منظومة فكرية تعيق عملها). تلقّت هذه الرجعية ضربة كبرى في ستينيات القرن الماضي على وقع حراك اجتماعي هائل، اضطرت النخب الأمريكية الحاكمة أن تتجاوب معه في حينها، وذلك عن طريق تقديم جملة من الحقوق والحريات الفردية، ليبرالية الطابع، التي لا ترغب النخب بشيوعها، وذلك لأنها تضع ضمانات قانونية بأسنان حادة في أيدي الطبقات العاملة. بل وقامت هذه النخب، ورغماً عنها أيضاً، بتقديم حزمة إنفاق اجتماعي وازنة من جيوبها خلال الفترة الممتدة من ثلاثينيات إلى سبعينيات القرن الماضي.

هذا الشكل من الرجعية في أميركا، وعلى الرغم من صوته المرتفع اليوم، عبارة عن إيديولوجيا تسير إلى موت أكيد، تبعثها فئة ترامب من قبر وشيك، حيث تغيّرَ الواقع الذي قامت عليه مسبقاً وإلى غير رجعة: النساء اليوم أقوى بما لا يقاس لأنهن يملأن مواقع العمل، والملونون اليوم أكثر وأقوى للسبب نفسه أيضاً، ولكن العمال، وبشكلٍ إجمالي، فقدوا جزءً معتبراً من مكتسباتهم السابقة. لن تستطيع فئة ترامب أن تصوغ هذه الكتلة الحاسمة المرجوة في المواجهة القادمة، بالذات أن هذا مشروع يميني يقوده رأسماليون لا زالوا غير مستعدين للإنفاق وشراء ولاء ناسٍ ضاقوا ذرعاً بفقرهم. إلا أن ما يتضح الآن، في أميركا كما في أوروبا، هو استعداد الطبقات الحاكمة لاستدعاء أفظع الأفكار ضد وحدة الطبقات العاملة، واستعدادها أيضاً في حالات أكثر استقطاباً، أي عندما تنتفض الطبقة العاملة كما حصل في ألمانيا وإيطاليا في ثلاثينيات القرن الماضي، أن تُسلّم هذه الطبقات السياسة والدولة بكل أجهزتها إلى كتلة فاشية فاعلة، وإن كان بكلفة بشرية ومالية مرتفعة، ولكن هذه الكتلة هي أملها الأخير في النجاة من زخم شعبي متعاظم.

فلنعد قليلاً إلى نقطة البداية، أي إلى جزئية قطع التمويل عن المنظمات غير الحكومية المرتبطة بتأمين حق النساء في الإجهاض، لأنها تضيء على منطقة أخرى غير مفترق الطرق الذي تقف الولايات المتحدة عليه اليوم. يتضح ممّا سبق أن الحقوق الفردية ليبرالية الطابع ترتبط عضوياً بمنظومة الانتاج الرأسمالي، ولكن بشكل مرن ومتحرك، تلبسها النخب وتخلعها كما يتفق ومصالحها والتهديد القادم من الطبقة العاملة المنظمة (على سبيل المثال، وخلال ثلاثينيات القرن الماضي نفسها، هيّمن الكساد على أميركا كما على ألمانيا، ولكن تطورَ النظام السياسي في كل منهما بشكل مختلف تماماً).

في مقابل ذلك الارتباط المرن، تقوم أطروحات تيارات ما بعد الحداثة، من على شاكلة «هيمنة الخطاب الليبرالي» أو «ضرورة المنظومة الليبرالية لشرعنة نظام الحكم»، على تأبيد مستوى الارتباط بين القاعدة المادية للإنتاج، وشكل البُنية القانونية والقيّمية الفوقية التي يتم من خلالها شرعنة وتبرير علاقات الاستغلال والتفاوت الطبقي. ببساطة شديدة، تدّعي هذه الأطروحات حاجة الرأسمالية إلى تسويق نفسها بقناع المدافع عن حقوق الأفراد وحامي حرياتهم، وتستند مثلاً على أدلة كعدد مرات تشدّق أوباما بكلمة الحرية، والتي تسعى إلى أن تخفي ورائها مثلاً، عدد القذائف التي تلقيها جيوشه في الساعة الواحدة (اعترفت حكومته فعلياً بإلقاء ما يزيد عن ٢٦ ألف قذيفة في منطقتنا من العالم خلال العام المنصرم فقط، بينما لا يفوت أوباما تذكير مشاهدي عروضه الخطابية دائماً بأنه داعية إنهاء الحروب على العراق وأفغانستان).

حسناً إذاً، أوباما وكثر غيره من المنافقين، يرغبون بتعميم هذا الخطاب الكاذب، وتقويض الوعي الجمعي لأنهم يتكئون على فئات معينة من الناخبين لديها قناعات راسخة بحقوق الإنسان. يذهب مفكرّو ما بعد الحداثة مسافةً أبعد من ذلك: لعل مصطلح الديموقراطية، والثقافة الليبرالية السائدة من حوله، عبارة عن ممارسات خطابية لا أكثر، مصطلح عديم المضمون، مخادع ويرّوج جرعات مخدرة لمسحوقي هذا العالم البائس. قفزة جامحة في الهواء! ذهب آخرون إلى أبعد من ذلك، وازداد ارتفاع وقوفهم في الهواء، لا سيما من المنشغلين بالكتابة عن هذه البلاد ومديح ربيعها العربي-الفقيد المأسوف على شبابه فعلاً، بالقول إن العرب تجاوزت هذه المصائد المشرّعة أمامها، وإن هؤلاء العرب نادوا في انتفاضاتهم بما هو أسمى وأعمق من كل هذه الحيّل الكلامية الرائجة. هذه ديموقراطيتكم (أضف هنا بعد الديموقراطية ما شئت من صفات حسب النكهة المفضلة: البيضاء، الإمبريالية، الذكورية، العنصرية، … إلخ) رُدت إليكم، فلا حاجة لنا بها، قالت العرب. فليكن! ولندع قليلاً ما أراد أيٌ كان (علماً أن كل استطلاع رأي تلو الآخر يثبت أن أغلب المواطنين العرب تواقون إلى الديموقراطية وينظرون إليها أداتياً)، ولنعُد خطوة إلى الوراء. لماذا على الرأسمالية أن تسوّق نفسها بهذه الأقنعة والأكاذيب ابتداءً؟ هل من منافس في هذا العالم؟ هل يمكن لأي شخص أن يختار اليوم بين هذه الرأسمالية القذرة ونظام اجتماعي آخر؟

بالطبع لا، قوة الرأسمالية الحقيقية هي في اكتساحها الفعلي للعالم، لا مفر منها اليوم إلا إلى الكهوف، أو من تلطفت به الأقدار ليجد أرضاً تحت أقدامه، يحرثها لتطعمه وتعفيه من شرور الاستلاب (إن وجدت، عزيزي القارئ، أي من هؤلاء، فلا تتردد بأخذ «سيلفي» معه، فإنهم أعجوبة هذا الزمان)، حيث يقضي أغلب الناس جُلَّ أيامهم في أعمال مُضنية أو مملة. بعض المحظوظين تحصّلوا على وظائف ممتعة نوعاً ما، ولكن هم أيضاً يعملون بأجر بخس كما جحافل المُنهكين والضجرين. يفعل الناس هذا لا لشيء إلا لأنهم إن لم يفعلوا ماتوا جوعاً. لا حاجة لإقناع أحد. الكل يركل جوعه إلى الأمام، البعض فقط يتمكن من الركل بعيداً، ولكن الأغلب بالكاد يركل جوعه لساعات معدودة. لا داعي أيضاً للإعجاب بالشروط، فكثر من ينتظرون دعوات الركل القليلة المتاحة (وهؤلاء المتلهفين أكثر وفرة في بلداننا العزيزة من غيرها). لا داع لإقناع أحد حقاً، فالخيارات محدودة: الركل أو الفناء. الجميع سيأتون في الصباح إلى مواقعهم، الضجرون والسعداء، وستدور دواليب القهر الناعمة والخشنة يومياً، وستتراكم الثروات بعيداً.

كل ما في الأمر، أنه يأتي على هذه الجموع أيام تبتسم فيها الحياة قليلاً، فيتمكن بعض من يشغلون مواقع حيوية في دورات الركل من إيقاف الدواليب قليلاً، والمقايضة على شيئ ما قبل أن تعود للدوران، هذا الحق أو ذاك: مردود مالي أفضل، أو انتخابات، أو تأمينات اجتماعية، أو قضاء نافذ، وما إلى ذلك من جملة مؤسسات إن وجدت بحد أدنى (وهنا تتنوع تعريفات هذا الحد الأدنى)، أُطلقَ عليها مسمى ديموقراطية ناجزة. هذه هي آلية إنضاجها عبر القرون الست التي نظمت فيها الرأسمالية حياة من وقع تحت دواليبها من بشر. تاريخ في جُلّه قمعٌ صريح، تمت حلحلة كثافته بالتقطير البطيء. تبتسم الحياة بسمة أعرض في أيام أقل تكراراً، وتُعطب فيها الدواليب تماماً مثل ما فعل لينين ورفاقه لسنوات قليلة قبل قرن من هذا العام. لن يحنو سكان الطبقات العليا ما دامت دواليب أرباحهم دائرة، فهؤلاء في ترقب دائم كي لا تسحقهم دواليب أكبر أو أكفأ.

المنافحون عن حق الإنسان في حياة كريمة تصوغها حريته المطلقة، على الهامش، وكذلك فإن أقنعة أوباما على الهامش أيضاً، على عكس ما يعتقد ما بعد الحداثيون بأصنافهم. بل إن أصحاب هذه الأطروحة مدعوون للدفاع عنها بالذات في عصر ترامب وأشباهه الصاعدين في أوروبا من المتفاخرين بدعس ما تيّسر من حقوقٍ وأفرادٍ وجماعات، وأقنعةِ أوباما أيضاً. الحقوق الفردية ليبراليةُ الطابع أسلحة في أيدي الطبقات العاملة والمضطهدين على أصنافهم، ولهذا تحديداً تُنتزع ولا تُستجدى، تتلقفها النخب أو ترفضها حسب ظروف مواجهاتها الاجتماعية. على مؤيدي الربيع حفظ ذكراه بما كانت عليه فعلاً من عصف جماهيري لأجل مكتسبات محددة: أنظمة ديموقراطية وشيوع للحقوق الفردية ليبرالية الطابع. الذاكرة تشيخ والسنوات تمضي. لن يسعفنا سوء التوصيف في شيء.

لكارهي الليبرالية والربيع-الفقيد المأسوف على شبابه أيضاً بالرغم من لعناتكم، وتحديداً من تهيأ للرحلة، ثم جلس في الحافلة على عتبة المنتزه، ظناً منه أن لن يظهر أحدٌ سواه في هذه الحقول المهجورة. من هؤلاء سوى عملاء ومأجورون! نسأل إذاً: هل نحن في صدد رُهاب الأجانب؟ تأتينا الإجابة: لا يمكن، فنحن الأمميون! البلاد العربية وُجهةٌ رائجةٌ لبرامج الدعم الخارجي لتمكين النساء، ولإصلاح التعليم والتشريعات، ولضمان الحرية الجنسية، وتمديد المياه، وحماية البيئة، ودعمٍ رياديٍ للمشاريع الصغرى، وغيره الكثير، بحيث لم يبقَ موطئ قدم لإنسان في موطنه لم تسبقه إليه برامج الآخرين. الأجانب في كل مكان، ولا يُعقل لمن انغمس في أدق التفاصيل أن يتنحى عن أكبر التغيّرات.

لن تُترك «ثورة» (هذه الأقواس لراحة نظركم) لتمر مرور الكرام. وهذا كلام صحيح ولا غبار عليه، لن تترك «ثورة» لتمر مرور الكرام. فواقع الأمر، أن هذا الإنفاق الغزير قد أتى لأهداف تطوير بيئة الأعمال وبُنى الاقتصاد التحتية، بما فيها إعادة إنتاج أكثر كفاءة للقوى العاملة (تعليم عصري، إدخال النساء إلى أسواق العمل، مياه قابلة للشرب، … إلخ، بما يُشكل نقلة نوعية أحياناً، تطبيقاً للمقولة الساخرة والمحقة في آن: في ظل الرأسمالية، الأنكى من أن تُستَغَّل، هو أن لا تُستَغَّل)، وتهيئتها لاستثمارات أكثر عمقاً وتقنية، وبالتالي أكثر ربحية، ترى النخب الحاكمة الأجنبية منشأ التمويل، أن النخب الحاكمة المحلية غير قادرة على تعميق منظومة الإنتاج، وعدم قدرتها هذه، تعيق إمكانيات أرباح مُهدرة، وقد يصل عجزها هذا إلى تقويض نظام حكم مستقر (أربع خطوط سميكة تحت نظام حكم مستقر)، حيث على عكس ما يعتقد البعض، أن أميركا حققت أهدافها من احتلال العراق بإزالة صدام وتفجير الفوضى الخلاقة، ذلك الثقب الأسود الذي يستطيع البعض أن يلقي فيه كل ما يُتعبنا، يذهب تقييم النخبة الحاكمة في الولايات المتحدة إلى أن فشل الحرب على العراق قد وصل إلى أضعاف فشل الحرب على فيتنام. ترامب نفسه، وخلال أسبوعه الأول المليء بالأحداث، قال لقادة أجهزة الاستخبارات في محاولات إطفاء كرة النار المتدحرجة: «أننا لم نستفد شيئاً من حرب العراق. لا يهم، ربما سنتمكن من المحاولة مجدداً!».

أرهقت هذه الحروب موازنة الدولة، وأرهقت معها قطاعات الأعمال باستثناء الفئة المحدودة من تجار الأسلحة وملحقاتهم. درس العراق الثقيل هو أن تقويض أنظمة الحكم مغامرة مكلفة وغير مضمونة العواقب، ولهذا ستتخفِّفُ الإمبرياليات الكبرى من العبث بأمن الأنظمة، لأن لا نتائج مضمونة بعد اليوم. ولهذا تحديداً، لن تترك ثورة (فلتتنحى الأقواس الآن) أن تمر مرور الكرام. الجميع يريد الاستقرار لأن لا غنى عنه في تعميق الأسواق. ولهذا السبب، قضى أوباما ست سنوات في تخبط دائم بحثاً عن الاستقرار المفقود: مفاجأة تونس تعود لتتفجر بشكل مقلق في مصر أيضاً، عليه أن يتهيأ لتغيير قادم وأن يطلب من مبارك الرحيل. طالب الجميع بإصلاحات تجُبّ شرور الثورات، دَعمَ الإخوان المسلمين-أفضل ما يمكن ضمن قائمة الخيارات المتاحة، إلى أن استقر الانقلاب العسكري نوعاً ما، طالب الأسد بالرحيل، ثم تراجع، وأرسل مقاتلي وحدات خاصة للحفاظ على ماء وجهه أمام وجوهٍ من المحتمل أن تحكم سوريا غداً، ولكنهم تبخروا في الهواء. بدد حلفاؤه مبالغ طائلة على خلق حلفاء آخرين-فأقنعته تزعج حلفاءه، ولكنه لا يستريح إلى هيمنة الحلفاء الغارقين في دماء السوريين أيضاً، غير الواهمين. أنهى خصاماً طويلاً مع إيران الفعّالة وسط هذا الخراب، وتعاون معها في العراق، إلا أن سوريا أكثر صعوبة على الضبط، فهنالك انتفاضة شعبية وصلت إلى أخمص أقدام الشعب السوري. أراحه بوتين من حيرة أمره وقيود أقنعته، وذهب ليسحق الجميع نهائياً في بحثه عن أسواقه هو الآخر. ترامب في المقابل يجد أقنعة أوباما مملة، فهو يحب الرجال الأقوياء في الحكم بلا تردد، وراح يجدد الدعوة وراء الأخرى للعمل مع القبضات الحديدية لضبط الأمور.

في المشهد الأخير للربيع، يرتفع الصف المدافع عن نظام البراميل في دمشق من عالٍ إلى أعلى: المستنيرون العرب، الجالسون في الحافلة، وطائفيون بنكهة أخرى، ودولة حديدية يحكمها رجل دين، وإمبريالية صاعدة، ونظام احتلال وفصل عنصري مترقِب للأحداث، ونظام انقلاب عسكري، وإلى الغرب من هذا الأخير جنرال غير قادر على الانقلاب. إلى الشرق، ميليشيا قبلية-طائفية متحالفة مع رئيس مخلوع، وآخرون إلى الشمال هدأت نفوسهم أخيراً ووضعوا أوراقهم على الطاولة.

والآن، افسحوا المجال لترامب، فإن لهفته تسبقه إليكم.