العار والذات

 

ليس داعش إذلالاً سياسياً واجتماعياً للمناكيد من السوريين والعراقيين الواقعين تحت سلطانه الجحيمي فحسب، إنه قبل ذلك وأكثر منه عارٌ ثقافيٌ وأخلاقيٌ يطال العرب والمسلمين، السُّنيين منهم بخاصة. ولا يزيد هذا العار إلا استعاراً أن داعش تنسب نفسها إلى دين المسلمين على نحو لا يبدو أنه يفتقر إلى وجاهة، وأن مثالها الإجرامي يُغري مسلمين كثيرين في مصر وليبيا ومالي، ويجتذب كثيرين منتشرين في أرجاء العالم كله.

لا يخفّفُ من ذلك ما يبدو من أن داعش يقترح مثالاً بطولياً ثائراً على العالم، يجتذب شباناً مسلمين غاضبين من بلدان كثيرة. لا يخفّفُ لأن النموذج بالغ القسوة، جافّ الروح، مفعمٌ بالكراهية، ظلامي بكل معنى الكلمة، معاد للجمال، يمكن أن يرفع من شأن قلة ضئيلة، لكنه نخبوي وعدواني جداً حيال من تسميهم لغة داعش «العامة». لا طاقة احتجاجية أو ثورية في النموذج، ولا شيء فيه يثير تقديرَ غير المغرض، وهناك بالمقابل عددٌ كبيرٌ من قصص موثوقة عن التعذيب والإذلال، وعن التمييز المنظم لمصلحة النخبة الداعشية. داعش حركة جانحة، تجتذب جانحين ومعادين للمجتمع، وتسخرهم في مشروع حرب وسيطرة يمتزج فيها الاستعمار الاستيطاني الإحلالي بالحكم التجسسي الشمولي، وبالتنظيم السري الإرهابي.

الإشارة إلى النسب الإسلامي لداعش لازمةٌ لأن الإسلام هو مناط كرامة المسلمين وشخصيتهم، بما هم كذلك. فإذا جرى الاستناد إليه بوجاهة لا تُنكَر لتسويغ داعش، وهو اسم نوع يشمل من حيث «المنهج» إخوة مثل جبهة النصرة وجيش الإسلام وغيرها، وفي سجل هذه التشكيلات جرائم كبيرة، فوق كونها فاشلة سياسياً إلى أقصى حد أياً يكن تعريف السياسة، أقول إذا استُنِدَ إلى الإسلام لتبرير هذه التشكيلات، عنى ذلك امتدادَ العار إلى مناط كرامة المسلمين بالذات، على نحو قد لا تكفي إلا ثورة في الدين لمحو العار. فإذا فكرنا في مثال تاريخي، بدا النموذج الاجتماعي السياسي الذي تفرضه هذه التشكيلات أقربَ إلى سلطة محاكم التفتيش بين القرنين الرابع عشر والسادس عشر من تاريخ المسيحية. لم تستعد المسيحية كرامتها إلا بعد طي هذه الصفحة المظلمة. ومثل ذلك التحدي الذي يواجه الإسلام اليوم. نحن ندخل زمن محاكم التفتيش الإسلامية.

بيدَ أن هذه الطبقة من العار، ما يمكن تسميتها الطبقة الأصولية، هي الثالثة، والأحدث، تتنضد فوق طبقتين أقدم وأعمق منه، الطبقة الإسرائيلية والطبقة الاستبدادية، عاش معهما جيلان ماضيان من العرب.

تعود الطبقة الأولى من العار إلى عام 1967 وقتَ هُزِمَت البلدان العربية المركزية في المشرق هزيمة مُذلة أمام إسرائيل. كانت بلداننا مُستقلة منذ نحو جيل وقتها، وكان يبدو أن لدينا «مشروعاً قومياً»، يضعنا السير فيه في مصاف الأقوياء المتقدمين في العالم، ويؤسس لشخصية عربية جديدة تنفتح على العالم وتستند إلى ميراثها، وتطرح على نفسها تحديات تاريخية كبيرة، وحدة العرب وتحرير فلسطين، وكذلك التغلب على عوائق الماضي والقوى الرجعية المستندة إليه.

كُسرت شوكة هذا المشروع خلال أقل من أسبوع واحد في حزيران 1967. وشعر الأكثر حساسية وصدقاً من جيل تلك الفترة بعارٍ شديد، كاد يدفع ياسين الحافظ إلى الانتحار. الرجل عبّر عن شعوره بالعار بصورة أراد لها أن تصدم: إن الضفدع الإسرائيلي ينتهك الفيل العربي! والحال أن هذه الصورة لا تطابق الواقع. كان العرب أقل من فيل بكثير. كانوا دولاً «تتعمق التجزئة بينها» بوصف ذلك «قانون» السيطرة الإمبريالية على ما كان يرى إلياس مرقص وياسين الحافظ نفسه في حينه، وبينها خصومات وكراهيات معلومة، وبعضها تابعٌ أمنياً وسياسياً للمركز الأميركي، ومستوى التعليم متواضع في أغلبها، ونسبة الأمية مرتفعة، والهياكل الإنتاجية لكلها متخلفة وفقيرة التنوع. اجتماعياً واقتصادياً وتعليمياً وتكنولوجياً، كانت إسرائيل في وضع أفضل بكثير، فوق أنها كانت مكفولة الانتصار أميركياً، كما سيظهر بعد سنوات قليلة، 1973، حين كانت المبادرة القتالية عربيةً والأداء العسكري أفضل حالاً. إن لم تكن إسرائيل هي الفيل وبلداننا هي الضفدع، فقد كان العكس الذي قال به الحافظ مبالغاً فيه كثيراً. بيدَ أن الصورة تجسم حدة شعور الرجل بالخزي، والإيحاءات الجنسية لعبارة انتهاك الضفدعة للفيل تدل على ذلك بقوة. وقريب منها تعبير الخصاء الذي شاع في كتابة ياسين الحافظ وجورج طرابيشي وغيرهما في ذلك الوقت.

ومن باب التخفف من وصمة العار نزع المثقفون الشباب المعروفون وقتها إلى توكيد أن ما جرى في حزيران هو هزيمة مشينة وليس مجرد نكسة، وهذا من باب مواجهة الكرامة المهدورة بالصدق مع النفس على الأقل. صادق جلال العظم استخدم التعبير في عنوان كتابه «النقد الذاتي بعد الهزيمة»، وهو يضع كلمة هزيمة بوعيٍ مقابل كلمة نكسة المجاملة للذات، وقت كانت الذات تفقد كرامتها.

وياسين الحافظ نشر بعد سنوات كتاباً بعنوان «الهزيمة والإيديولوجية المهزومة»، تصدّرته سيرة وعيه التي تكلم فيها على تفاعله الدرامي مع هزيمة حزيران. وتلخص أغنية الشيخ إمام «أنا الأديب ولا تعرفنيش» شعور العار الذي تملّك يساراً وطنياً مصرياً: شيلو القطيع النكساوي (في صيغة أخرى: الرئيس النكساوي، عبد الناصر)/ اللي لا عايز ولا ناوي، يرحل ويكفانا بلاوي/ من تحت راسو، وذل وعار. هجائيات مظفر النواب تحمل شعوراً بالعار من الحكام العرب الذين صورهم قوادين، يُدخِلون «زناة الليل» إلى حجرة القدس، عروس العروبة.

وفي هؤلاء الحكام وأنظمتهم تمثلت طبقة العار الثانية. في أمثال حافظ الأسد في سورية، «ديوث الشام» بتعبير مظفر النواب في قصيدته عن «تل الزعتر»، وصدام حسين في العراق وأنور السادات في مصر، فضلاً عن حكام الخليج «المتكرّشين». كان مبعثُ العار في سورية وحشية النظام حيال الفلسطينيين، ثم السوريين واللبنانيين، ومن زاوية انتهاك هذه الوحشية للرابطة العربية أولاً.

لكن بالتزامن مع التدخل السوري في لبنان، أخذت تنتشر في لغة النقد السياسي مدركات الدكتاتورية والاستبداد والمملوكية، أو الشخبوطية بلغة ياسين الحافظ. نزار قباني كتب عام 1980 هجائية «أنا يا صديقة متعب بعروبتي»، تتتقد الحكام على كونهم قصابين وفاسدين، وليس فقط على خيانتهم القومية. كان القاموس «قومياً» وقتها لا يزال، وكلمة الخيانة متواترة فيه. شعر نزار، بالمناسبة، كان جزءً من موجة تطهُّر انتشرت بعد هزيمة حزيران، ودرجت على وضع كلمة العرب في سياقات سلبية، رغم أن أصحابها كلهم عروبيون. يتكلم في القصيدة على «قبلات عربية»، لها «أنياب». مظفر يتكلم على «عرب اللعنة» و«عرب الردة» و«عرب الصمت». ولا تفهم هذه الظاهرة الغريبة في تصوري إلا على خلفية تجاذب مشاعر العار والتطهر: نتطهر عبر الاعتراف بعارنا وهجاء ذاتنا، ما يساعدنا على الاستمرار في الحياة بخجل أقل. كان نزار قباني ومظفر النواب ينالان التصفيق، ويُستجاب لأهاجيهم بالضحك والابتهاج حسب المقام. وكان الشاعران يفضلان الانتهاك الجنسي كنموذج للعار، على نحو يظهر عمقاً بطريريكياً لاحتجاجهما. العار هنا يتقابل مع الشرف، وليس مع الكرامة. لمُدرَك الشرف عمقٌ جمعي، أرستقراطي وبطريريكي، ومعادٍ للنساء، خلافاً للكرامة، المُدرَك الأكثر ديموقراطيةً وتعلقاً بالفرد، والذي ستعطيه الثورة السورية دلالة مضادة للذل الممارس على الأفراد والمجتمع من قبل سلطة عمومية عدوانية.

كان مبعثُ العار أيضاً عبادة الشخصية التي تضخمت طقوسها بسرعة في سورية، وتوافقت مع اتساع القمع في الداخل، والنهب والاعتداء المُذلّ من قبل أجهزة الأمن ومحظيي السلطة على الناس في الشوارع (وقائع كانت شائعة يومية في سورية بدءاً من النصف الثاني من السبعينات وما بعد، وبلغت أوْجاً رمزياً في واقعة نزع الحُجُب عن رؤوس النساء في شوارع دمشق في أواخر أيلول 1981). والأرجح أن خبرات مشابهة عيشت في العراق الذي طور نظامه في سبيعنات القرن العشرين في اتجاه دراكولي دموي، قبل أن ينخرط في مغامرات حربية مجنونة، ويجري تحطيم المجتمع العراقي تدريجياً. كانت لأقارب صدام وأبنائه سِيَرٌ تُناظِرُ سِيَرَ الأسديين في سورية.

في مصر أيضاً حملت هجائيات أحمد فؤاد نجم شعوراً بالعار من أنور السادات، «شحاتة المعسل». هجائيات ساخرة أخرى مثل «شرّفت يا نكسون بابا» و«فاليري جسكار دستان»، كانت تعرض حساسيةً يتلاقى فيها العار الإسرائيلي بالعار الاستبدادي، مع حضورٍ أكبر لـ«المسألة الاجتماعية» هنا. وهذا ظهر بحدة أكبر في «كسمّيات» نجيب سرور: «المِعرّصين» هم في آنٍ أصل النكسة و«مية نكسة»، ووضعاء رخيصون محتقرون. ويتمثل العار والشرف الوطني المفقود هنا أيضاً في الانتهاك الجنسي.

يتصل شعور العار في طبقته الثانية بمدركات الاستبداد والدكتاتورية والقمع والمخابرات، التي شغلت في عقدي القرن العشرين الأخيرين موقع مدركات الاستعمار والإمبريالية والرجعية والصهيونية التي كانت مهيمنة في تداول مثقفي المشرق العروبيين واليساريين حتى منتصف سبعينات القرن العشرين. وتصلح أدبيات الديموقراطية التي هيمنت في العقدين ذاتيهما من القرن السابق مؤشرات على المناخ الفكري الجديد. بعض الكتابات عن الديموقراطية كان فيها غضبٌ وانفعالٌ حادّان، بما يحيل إلى جرح الكرامة المهدورة، ومنها مثلاً كتاب برهان غليون الأول «بيان من أجل الديموقراطية» الذي يربط بين الديموقراطية والقومية العربية على أرضية ماركسية وعالم ثالثية، ومنها كتابات لاحقة له في عقد الثمانينات («المحنة العربية» مثلاً).

كانت قد أخذت تصعد منذ سبعينات القرن العشرين عقيدة الأصالة، وهي تُضمِرُ في تقديري تطلباً للكرامة، ونقلاً للسيادة المنتهكة من مجال السياسة إلى مجال الثقافة، ومن مجال التاريخ المتغير إلى مجال الهوية الثابتة، على نحو يجعل السيادة الثقافية في صيغة الأصالة أساساً للسيادة السياسية، ويجعل من دعاة الأصالة الإسلاميين حماة الهوية وأمناء السيادة والاستقلال الحقيقي الوحيدين.

مُدرَك الهوية يحمل تطلعاً مماثلاً لأن نكون نحن لا غيرنا، ويُبطِّنه شعورٌ بأننا لسنا نحن، وأننا تابعون وغير أحرار لأننا لسنا نحن، وسنكون أحراراً مستقلين إن كنا نحن. ونحن معرّفون بـ«الإسلام»، أي بهوية معطاة سلفاً. هذا كان ينزلق بتصورِ الهوية بثباتٍ نحو الكبرياء لا نحو الكرامة، نحو الاختلاف عن غيرٍ جمعي، الغرب بخاصة، لا نحو حرية الإفراد والمجموعات. الأصالةُ ليست الابتكار بل التبعية لأصلٍ مُعطى سابقاً، والهويةُ هي التماهي بمثال سابق بدوره. يُضمِر التطلعان استبعاداً للمبتكَر والمغاير، بذريعة أنه الغير.

خرج الإسلاميون من رحم العار، من طبقتين من العار: عارٌ «قومي» على يد إسرائيل وحماتها الأقوياء، تتابعت حلقاته في وقائع متواترة في فلسطين والخليج، وصولاً إلى احتلال العراق، وعارٌ محلي على يد أمثال نظام حافظ الأسد، تجسد في مذابح معلومة وفي سجون التعذيب (سورية، العراق، ليبيا، تونس، الجزائر...، وبخصوص الشيعة: العراق)، وكذلك في «الفساد» والتعامل مع البلدان المحكومة كمزارع عائلية خاصة.

في «الإسلام» طاقةٌ على الاعتراض على العار القومي، لكنها تحيل بصورة ثابتة إلى «عزة الإسلام»، التي تُضمِرُ مخيلة الفتح الامبراطوري الإسلامية. وفيه طاقة احتجاج على «الظلم» المحلي، لكنها تحيل بصورة ثابتة أيضاً إلى تصور للعدالة يوافق في أحسن حال نموذج «المستبد العادل»، أي في واقع الأمر حكمٌ نخبويٌ مزدرٍ للعامة، يستعين فيه حاكم إسلامي فرد بـ«أهل حل وعقد»، و«شوكة»، «من العلماء والوجهاء، والقادة وأهل الرأي والمشورة، القادِرين على عَقْد الأمور وحَلِّها، الذين يكون الناسُ – من أهل الدِّين والدنيا – تبعًا لهم»، ويدير غير المسلمين المعترف بهم أحوالهم وفق نظام أهل الذمة.

الإسلاميون المتنوعون، السياسيون منهم والجهاديون، يمزجون بين المتخيلين الإمبراطوري والاستبدادي. في التطبيق العملي، وبما أن فتح العالم ممتنع علينا، وبما أنه يستعدي علينا العالم القادر على فتحنا أكثر بألف مرة من قدرتنا على فتحه، وبما أننا ننغلق دون السياسة ونذيبها في كل وقت في الدين و/أو الحرب، يؤول متخيل الفتح الإمبراطوري إلى تغذية ممارسات إرهابية عشوائية ومؤذية في العالم، وإلى التوسع في الداخل على حساب أجساد النساء المحجوبة وأجساد الرجال المنذورة للحرب، وإنشاء نظام تجسس شامل، يحصي على الناس أنفاسهم.

مبعثُ العار هنا هو غربة المشروع وصفته اللاسياسية الجذرية، واللااجتماعية الجذرية في واقع الأمر، وتالياً احتياجه إلى عنف مهول كي يتحقق. فبما أن المشروع كامل وناجز وقديم ومعروف قبل أي مجتمع وبصرف النظر عن تكوينه وتاريخه، فلا يبقى غير فرضه بالقوة، واجتثاث كل ما ومن يتعارض معه. يحفز من الاجتثاث الشعور بالغضب وسردية المظلومية، وبالتالي الحقّانية، المتصاعدة القوة في أوساط الإسلاميين منذ نحو جيل. لن تكون أي درجة من التوحش ممتنعة، وللجماعة في هذا الشأن تنظير وتخطيط وفكر. ومن هنا انزلاق المشروع الإسلامي المحتوم خارج الاستبداد، وسقوطه في الطغيان المجنون. فهو مشروع مستورد بكل معنى الكلمة، ليس من زمنٍ آفلٍ فقط، وإنما كذلك من المهد السعودي للوهابية (وإن بعد التقائها بالقطبية المصرية في أفغانستان).

جذر العار الأصولي هو مواجهة عارين استعماريٌ واستبداديٌ بمشروع إمبراطوري (أي استعماري)، واستبدادي. لا يوفر الفكر السياسي الإسلامي، في وضعه المعاصر، اعتراضاً متسقاً على الإمبريالية وعلى الاستبداد لأنه تبطنه هو ذاته تطلعات إمبراطورية واستبدادية، تجسدت على نحو بالغ الوحشية في داعش. وهو ما لا يتوفر نقدٌ جذري له على أرضية إسلامية بعد. ولا على أرضية غير إسلامية تحررية، منحازة لـ«العامة».

على أن ما يحول دون مقاومات جذرية للعار الأصولي إلى اليوم لا يرتد فقط إلى تقصير فكري أو افتقار إلى الشجاعة الفكرية (لا شكّ فيهما)، بل إلى طبقتي العار الاستبدادي والإسرائيلي (أو الإسرائيلي الاستعماري) أساساً، وهما اليوم مُتبنْيِنتان في نظم طغيان محلية، كدولة الأسديين، ونظامٍ شرق أوسطي. وكلاهما يمارس عنفاً بلا حدود ويتمتع بحصانة دولية. لكن مشروع الإسلاميين قاد إلى إضافة طبقة ثالثة من العار: تجارب من القسوة السادية ومن الطفيلية الاقتصادية، والعدوان على الأبرياء وطمر النساء وانتهاك الطفولة.

تشترك نظم العار الثلاثة في إشادة هياكل سلطة وإيديولوجية تمييزية، ترفض المساواة، وتبيد من يقاومها. إسرائيل والدولة الأسدية وداعش هي أمثولات للتمييز العنصري والإبادة، وليست مجرد قوى استبدادية أو غير عادلة.

كان العار القومي عربياً شاملاً، أما العار الاستبدادي فهو وطني محلي أكثر، وإن تكن تجربة الاستبداد جامعة ومتزامنة في العالم العربي. أما العار الأصولي فهو يطال قطاعات من مجتمعاتنا، المسلمين أكثر من غيرهم بطبيعة الحال، والسنيين أكثر من غيرهم من المسلمين، وهو عابرٌ للبلدان في الوقت نفسه بانتشار تنظيمات السلفية. العار القومي قوّضَ الفكرة العربية والطبقة العربية من الوعي الذاتي في نفوس السوريين، على نحو ظهر بجلاء في سنوات الثورة. ليس هناك تماه عربي نشط اليوم في «الجمهورية العربية السورية»، أي توظيفات فكرية ووجدانية ومادية في هوية عربية. وقوّضَ العارُ الاستبدادي الطبقة السورية على نحو يحد من التوظيف في هوية سورية ممكنة، وهو مبعثُ الخوف على فُرَصِ سورية في البقاء. ويبدو العار الأصولي في سبيله إلى تقويض الطبقة الإسلامية، وأي فُرِصٍ لتولد ذاتية إسلامية معاصرة. ليس الإسلاميون هم الحل لمشكلة الهوية، دع عنك مشكلات السياسة والسيادة، إنهم على ما تظهر التجربة السورية قوة انحلال وتمزق، حتى ضمن الجمهور المسلم السني الذي وقع تحت حكمهم.

لا نعيش حدة العار بالدرجة نفسها. العار الإسرائيلي طبقةٌ أعمق تمدد الإذلال الاستعماري وتبقيه حياً، تتنضد فوقها فيما يخص سورية الطبقة الأسدية التي تستعيد اسوأ خصائص الحكم السلطاني وبعدوانية أكبر، وفوقهما الطبقة الداعشية أو السلفية عموماً بمزيجها الاستعماري الاستبدادي الخاص. الطبقة الأعمق محسوسة أقل، يقلل من الإحساس بها أيضاً ما يبدو من تجاوز مواجهتها لقدراتنا ليوم، كيفما عرّفنا أنفسنا. هذا يولد انحلالاً للذاتية التي يمثل الصراع مع إسرائيل الصراع المُعرِّف لها. وفرصنا في الذاتية الحرة ممتنعة، بالمثل، في ظل وجود طُغَمٍ حاكمة مثل الدولة الأسدية، تثابر على إبادة محكوميها وإذلالهم بحصانة تامة منذ عقود. انحلال الذاتية السورية والكيان السوري نفسه أفقٌ مرجحٌ جداً حين تضمن نجاة الأسدية مرتين، بينما تتمكن هي من قتل عشرات الألوف أول مرة وإذلال السكان كلهم، وقتل مئات الألوف في المرة الثانية وإذلال السكان كلهم أيضاً. فرصنا في استعادة شيء من كرامتنا الثقافية مرهونة، بعد ذلك، بإلحاق هزيمة فكرية وأخلاقية بكائنات متوحشة مثل داعش والقاعدة والسلفية المسلحة بعمومها، وليس بمجرد التخلص منها سياسياً. الذاتية المتحررة منوطة بجهودنا الفكرية والعملية من أجل القطيعة مع المتخيل والذاكرة الإمبراطورية الاستبدادية.

مقاومة الانحلال توجب العمل على تغيير الواقع. ليس هذا ميسوراً بحال، فأعداؤنا كثيرون وأقوياء، غير أنه لا شي يمنع أن نعي أوضاعنا، ونعمل على تنظيم قوانا، وحماية حلمنا.

التحدي هائل، لكن المواجهة مفروضة. ما ندافع عنه ليس أقل من وجودنا.