طريق إلى روما على جثث أبناء الرقة

 

روما ليست بعيدة عن الرقة التي تعيش تحت حكم الخلافة المزعومة، أينما ولّيتَ وجهكَ في شوارعها تجدُ أيادي المصلوبين تدلُّ على الطريق، هناك حيث تسمعُ الأصوات التي تصدحُ بــ «فتح روما» ممتزجةً بصرخات المَصلوبين. طريق روما عُبِّدَ بأجساد أهل الرقة.

لم يكن محمد عدنان كادري أول المَصلوبين ولا آخرهم، لم يبلغْ العشرين من عمره، شاركَ في الحِراك الثوري في الرقة قبل وبعد تحريرها من نظام الأسد، وكان له حضورٌ لا يخبو. رفضَ الخروج من المدينة بعد احتلالها من تنظيم داعش قائلاً: «البقاء في الرقة قوة لنا، وأنا أقوى منهم».

17270313_1387801281294205_781492133_n.jpg

الشهيد محمد كادري أثناء عمله في حملة لقاح ضد اللشمانيا في الرقة قبل سيطرة داعش على المدينة

 

حاول التنظيم إقناعه بالعودة للعمل في المشفى الوطني، كما كان في السابق متطوعاً لدى المشفى خلال فترة تحرير المدينة من نظام الأسد وحتى احتلالها مُجدداً من قبل التنظيم. حاولوا إغراءه بمرتب شهري قدره 150 دولاراً لكنه رفض العمل تحت ظلهم الأسود، وفضّل الجلوس أكثر من خمسة عشر ساعة أمام مكنات الخياطة الرجالية في محل يملكه والده، محاولاً رفع أعباء العمل عن أبيه، فاقتصرت حياته بين بيته والعمل، يقطع المسافة بينهما على دراجة والده النارية.

بتاريخ 17\3\2016 خرج الأب بُغية تأمين مستلزمات البيت، تاركاً خلفه محمد منهمكاً بالعمل في المحل، حين استفرد به عناصر التنظيم وقاموا بتعصيب عينيه واعتقاله. بحثوا في المحل عن هاتفه حتى أخبرهم أنّه في المحل المجاور لصيانة الأجهزة، اقتيد إلى هناك وأُخِذَ الهاتف رغم عطله، ثم أكملوا طريقهم إلى منزل محمد ليصادروا كل ممتلكاته، لابتوب وكمبيوتر مكتبي لإخوته الصغار ومبلغ مالي لوالده. حاولت الأمُّ منعهم أو معرفة تهمة ولدها، لكنهم اكتفوا بالصمت، ثم زجرها أحد العناصر واتهم محمد بالِرّدّة والتعامل مع «الصليبين» حسب زعمهم، ليختفي محمد وينقطع أثرهُ مدة خمسة أشهر.

أُنهِكَ الأبُ وهو يبحث عن أثر لولده بلا طائل أمام مقرات التنظيم، ووصلَت عِدّة رسائل لأهله من أناس قد خرجوا من سجون التنظيم، وكانوا برفقة محمد، مفادها: «أنا بخير... لا تقلقوا عليّ»، دون أن يصرّح عن مكان سجنه أو عن مصيره!  طيلة فترة اعتقاله، استخدم التنظيم حساب محمد على فيسبوك لنشر أخبار عن انتصارات تنظيم داعش على «الانفصاليين» في ريف الرقة الشمالي.

أخيراً ظهر محمد مصلوباً في أحد شوارع المدينة في واحدة من أبشع صور الإجرام، تم غرز سكينة اخترقت قلبه قبل دقائق من الرصاصة الحاقدة التي اخترقت رأسه. تركوهُ لعذابات السكين وحِدّتها، ولمعانها الذي عكس أشعة الشمس إلى عيون الحشود ووجوههم العابسة. بقي مصلوباً ثلاثة أيام حتى يكون عبرةً للناس، بينما كانت صيحات عناصر التنظيم المعهودة المتوعدة بفتح روما وسبي نسائها وقتل رجالها تعلو أمام جثة محمد المصلوبة. من يقاوم الخنجر المغروز في قلب محمد؟ ويُسكت صيحات روما التي تبعد آلاف الكيلومترات عن قلب محمد الذي يقطر دماً؟

لم تُسلَّم جثة محمد لذويه، فالمرتدون لا يُدفَنون في مقابر المسلمين حسب مزاعم التنظيم، واكتفى الوالدان باحتضان قدمي ولدهما المصلوب خلسةً عن أعين عناصر داعش.

هذا ما استطعتُ الوصول اليه عن تفاصيل موت محمد من مصادر متنوعة ومتقاطعة، قبل أن ألتقي أحد الأصدقاء الذين كانوا برفقة محمد في أحد سجون التنظيم، ليروي لي قصة الهروب من السجن برفقة محمد:

لم أكنْ أعلم أنّها الليلة الأخيرة لي في سجن داعش قبل أن يستهدفه طيران التحالف في ساعات الصباح الاولى، لم أنمْ يومها، كنا ثلاثين شخصاً في غرفة ليست كبيرة، لكنها كافية لنا. تنوّعت تهم الموجودين وأعمارهم، ومحمد كان أصغرنا والأقرب إليّ منذ أن أحضروه إلى غرفتنا، لم يرتكب ذنباً يستحق الموت عليه ولم يعترف حتى بالتهم المنسوبة إليه. أتذكر ردة فعل محمد حين عرف أنّه سُيقتل بحجة «تعامله مع التحالف الصليبي»، هذا ما قاله السجّان له قبل أن يغلقُ الباب علينا ودون أن يذكر موعد التنفيذ! حاولنا مواساته ورفع عزيمته، حتى قاطعنا بالحديث وطلب من الحاضرين: «من يستطيع الخروج منكم، أوصيكم أن توصلوا رسالتي لأهلي: عليّ دين كثير، خلي أهلي يوفون الناس». أخذَ عهداً منّا جميعاً على إيصال الرسالة، وأكثر ما كان يتمناه في حديثه قبل أن يخلد للنوم أن يرى والدته قبل أن ينفذ به حكم الإعدام.

قبل أنْ يحصلَ الانفجار، كان الهدوء يعمُّ المكان، وبنات أفكاري تتصارعُ حول الرابط الذي يجمعُ محمد بفتح روما والطريق إليها: «شدخل أهل الرقة بروما؟!». فجأةً اهتزت الارض من تحتنا لتقطع سلسلة الأفكار تلك، خُلِعَت الأبواب والشبابيك وكأنّه يوم القيامة أو يوم الخلاص، لا أعرف، لكنّي أمسكتُ بيد محمد المرعوب من هول صوت الانفجار، ركضنا نحن ومن في الغرفة إلى الخارج، كان الظلام شديداً والتنفّسُ صعباً بسبب الغبار. لم نهتم للمصابين ولم نعرف السجّان المصاب من السجين، ربّما هي الأنانية والرغبة بالخلاص ما جعلنا لا نميّز بينهم.

كُنّا نجهلُ المكان الذي كنا فيه حتى خرجنا إلى الشارع، وكانت حديقة البجعة أول ما رأته عيني، حينها أيقنتُ أنّ «الملعب الاسود» كان مكان اعتقالنا. هربَ الجميع في جهات متعدّدة، وأنا ومحمد ركضنا باتجاه واحد، كُنّا حفاةً، ولم أتوّقع أنني أستطيع الجري بهذه السرعة، «أعتقدُ بأنّني حطمتُ الأرقام القياسية آنذاك». كانت الأرض خشنةً وقدمي التي تهبطُ بكلّ ثقلي تدفعني إلى الخلاص، سبقتُ محمد بعِدّة خطوات حتى فرّقتنا سيارات التنظيم المُنتشرِة في المكان.

استطعتُ الاختباء على سطح أحد الأبنية العالية التي يتوسطها خزان مازوت، كنتُ أراقبُ من هناك تحركاتهم وأبحثُ عن محمد، حتى شاهدتهمُ يقتادونه من أحد الحدائق التي تقع بالقرب من مكاني. بقيتُ يومين كاملين في المكان ذاته، ولم أكترث للعطش والجوع، فقط كنتُ أخشى الوحوش المنتشرة التي تبحث عنا. صعدوا للسطح، بقيتُ داخل خزان المازوت لساعات طويلة، لم يكن ممتلأً لكن رائحة المازوت كادت تخنقني، كنتُ أسمعُ أصواتهم وحركات أقدامهم تقترب وتبتعد عن مكاني حتى بدأت تختفي رويداً رويداً، تردّدتُ كثيراً بالخروج من مكاني حتى صباح اليوم الثالث، نزلتُ درج البناء بحذر، سرقتُ حذاءً كان أمام أحد البيوت، وحاولتُ السير بشكل طبيعي، أوقفتُ تكسي للأجرة، لم أكن أملك المال ولم أكن أنوي الذهاب إلى منزل أهلي خوفاً من مراقبة عناصر التنظيم للمنزل. تحركت التكسي وصوت السائق يكرّر أين الوجهة؟ حتى طلبتُ أن يوصلني إلى مكانٍ يقطنهُ أحد أقاربي الذين أثق بهم، وكان ذلك. بقيتُ أسبوعين أحاول الخروج من المدينة، واليوم أنا في تركيا بعد مشقات وعذاب الطريق.

علمتُ بمقتل محمد وصلبه لثلاثة أيام، وقمتُ بإيصال الأمانة «الوصية» إلى أهله عن طريق أناس في الرقة، وما زلتُ أجهل دوافع عناصر تنظيم داعش المجرم لترديد شعارات «فتح روما» فوق جثث أبناء بلدي.