العودة إلى السجن

 

في مبنى جديد لإحدى القنصليات الأوروبية في مدينة حلب، ورائحةُ دهان جدران المبنى تعلق في أنفي، اخترتُ كتاباً عن فن الإضاءة والتصوير من بين الكتب العربية في المكتبة. تطلبُ مني المسؤولة عن هذا المبنى مع ابتسامة لطيفة الدخول إلى غرفة الاجتماعات، فيها طاولة بيضاوية بنية اللون حولها كثيرٌ من الأجانب وقليلٌ من السوريين. أحدّثهم بطلاقة عجيبة، أنا الذي أصبح عمري ثماني سنوات حتى استطعتُ لفظ حرف الراء بشكل صحيح، كنتُ ألفظه «يااااء» كقولي «سيّايية» بدلاً من سيارة.

أتحدثُ بطلاقة عجيبة أمامهم عن تدخل حزب الله اللبناني في سورية، وعن قتل الثورة السورية بإغراقها بكل ما يعزز العداء الطائفي، وأنه كما قام الأسد بزرع جسمٍ يدعى حزب الله في لبنان لتخويف الشيعة هناك، فإنه أيضاً صنع تنظيم الدولة في سورية لتخويف أهل السنة، وكما أن كثيراً من الشيعة انتسبوا إلى حزب الله لحماية أنفسهم من عدو متوهم، أيضاً انتسب كثيرون من أهل السنة في سورية للتنظيم خوفاً منه، وخوفاً من عدو متوهم.

فرغتُ من الكلام الطلق أمام الجمع، لتقول لي صاحبة الابتسامة المحببة أنها تستطيع حمايتي للعودة إلى الأحياء المحررة من مدينة حلب، عن طريق معبر حي الشيخ مقصود. سألتها إن كان باستطاعتها مساعدتي للتجول في الأحياء الغربية من حلب التي يسيطر عليها النظام السوري، فأجابت مع الابتسامة نفسها: «بالطبع». طلبتُ من سائق الباص الذي ينقل الطلاب الذين يدرسون اللغة في هذا المبنى الجديد، أن يمر بطريقه من حي الجميلية في حلب، فهذا الحي أكلَ من خطواتي وأكلَت خطواتي منه. حلب بالنسبة لي تعني زحمة السير في حي الجميلية، هذا الحي الذي قاتلت مسؤول توزيع الجرائد كي استلم توزيع جريدة بلدنا فيه، لم يعطني هذا الحي إلا ابتسامات السكرتيرات في المكاتب التي كنت أوزع الجريدة فيها.

أثناء تنقلي في حي الجميلة لاحظتُ أن الوجوه شاحبة جداً ولا تُفسَّر، وهو الحي الذي كان مجمع الطامحين، لتواجد المعاهد الدراسية للمرحلة الثانوية. قلتُ في سرّي: لو أنهم خرجوا معنا في ثورتنا منذ البداية وكنا يداً واحدة، لما شحبت وجوههم، ولتخلصنا من الأسد وحكمه والأغلال الأمنية التي تكبل عقولنا.

استيقظتُ من المنام، وكان هذا يومي السابع والثمانين في سجن المحكمة الإسلامية التابعة لتنظيم الدولة في مدينة الباب شرق حلب، التي سيطر عليها التنظيم في الشهر الأول من عام 2014 بعد معارك مع الجيش الحر. كان قد اعتقلني عناصر التنظيم على حاجز قرية «تل جيجان» بريف حلب الشمالي، ووجدوا في حقيبتي كاميرا صغيرة. ساقني العناصر القائمون على الحاجز إلى سجنٍ في مسجد القرية، ومن ثم إلى سجن المحكمة الإسلامية في مدينة الباب، وضعوني في زنزانة صغيرة معدة أصلاً للسجن الانفرادي مع اثنين آخرين، كانت مساحتها متران بمتر.

طيلة شهر لم يتم التحدث معي إلا عن طريق الضرب والرفس، هذه كانت لغة المخاطبة بيني وبين عناصر التنظيم. قضيتُ شهر حزيران هناك، روضتُ نفسي على التأقلم، وكنتُ ما أن أعتاد على صديقٍ ما حتى ينقلوني إلى مهجع آخر. كم أزعجني هذا الأمر، وضعوني بالسجن الانفرادي لوحدي عدة أيام، حتى أنني طلبتُ من الله أن يتم تعذيب شخص ما وأسمع صوته، كي لا أشعر بالوحشة في هذا المكان!

عرفَ التنظيم عن طريق جواسيسه أنني كنت قد رسمتُ السيدة العذراء على حائطٍ مدمرٍ في مدينة حلب، وهذا ما زاد الطين بلة. أعلمُ أنني ميت لا محالة، ولكن موتاً آخر أضافه رسم السيدة العذراء على موتي بتهمة العمل الإعلامي.

17269950_1025632050870971_1945371557_o-300x49.jpg

قصاصة من وثيقة عثر عليها مقاتلو الجيش الحر في الباب، وتتضمن التهم الموجهة للكاتب، والحكم الصادر بحقه بالقتل

روضتُ نفسي للموت، وبتُّ أضحكُ من كل تفصيل أمامي وأستمتعُ بكل شيء أراه، كل شيء في هذه الحياة بات له قيمة، والألوان التي كنا قلما نراها باتت أجمل ما في هذه الدنيا.

بعد رؤية ذاك المنام، بدا أن المسؤولة عن المبنى الجديد لإحدى القنصليات الأجنبية في حلب، همست في أذني بابتسامتها المحببة: ستبقى على قيد الحياة. تردّدت على لساني العبارة المعروفة من قصيدة محمود درويش: على هذه الأرض ما يستحق الحياة!

عاد المساجين إلى النوم بُعيد صلاة الفجر، تسلّلتُ فوق الجثث الحية النائمة إلى مكان نوم أمير المهجع، سرقتُ القلم الذي يكتب به قائمة توزيع الطعام وعدتُ إلى مكاني. كتبتُ العبارة فوق المكان المخصص لي: على هذه الأرض ما يستحق الحياة.

لم أستطع النوم، وتراءى لي المنام كمقطع فيديو في مخيلتي، أعيده ومن ثم أعيده ومن ثم أعيده، أوقفه عند ابتسامة المسؤولة ومن ثم أعيده مجدداً، أكبّرُ الصورة على وجهها ومن ثم أعيده أيضاً. تناسيتُ المنام كي لا أشعر بالملل منه، وكي أقتات على صورة الابتسامة في حالات الحزن واليأس.

استيقظتُ قبيل صلاة الظهر، فوق رأسي وقف السجناء بلحاهم وهم يتمتمون مقطع الشعر الذي كتبته: «عن أي حياة وأي أرض، ظل حياة في هذه الدنيا وهؤلاء موجودين!».

فسّرها بعضهم كالتالي: أن على هذه الأرض «لا شيء يستحق الحياة»، وليس أن هناك ما يستحق الحياة. ثم جاء المعتقلون التابعون لتنظيم الدولة، وفسّروها أن على هذه الأرض «أي أرض الخلافة» ما يستحق الحياة.

مرّت الأيام في السجن، وكل الذي أتمناه كان أن يعلم أهلي أين أنا، وأن يضعوا شاهدة على قبري، وألا يُعَلَّق مصيري فلا يعرف أحدٌ إن كنت على قيد الحياة أم لا. حكمني القاضي التونسي بالقتل بتهمة الردة، ومحاباة الدين النصراني بسبب رسم السيدة العذراء.

بعد خسارة قوات التنظيم في مدينة عين العرب/كوباني شرق حلب، صدرَ قرارٌ من القيادات العليا تطالب ولاة المحاكم والقضاة بتعجيل تنفيذ الأحكام وتخفيف بعضها، باعتبار أن الظلم في السجون قد يكون من بين أسباب خسارتهم في كوباني، كما توارد على مسامعنا.

تم إخلاء سبيل عدد من السجناء، وتم تنفيذ أحكام القتل بعددٍ آخر، وتم تخفيف الحكم على خمسة عشر سجيناً كانوا محكومين بالقتل، كنتُ من بينهم. تم تخفيف حكمي إلى السجن ثلاثة أشهر تحت الرقابة، لا يتم إخلاء سبيلي في نهايتها إلى بعد التأكد من صلاحي.

تم نقلنا إلى السجن الشرعي بعد تخفيف الأحكام، وهو مبنى مجاور لمبنى السجن الأمني الذي كنا فيه، وفي الأيام الأولى استعملونا كعمال نحمل التراب على ظهورنا ونملأ أكياساً فارغة به، ثم نضعها في صناديق السيارات ويقوم سجناء آخرون بمهمة تدشيم السواتر بها على خطوط الجبهات، أو تحصين المباني الخاصة.

كنا نوصي بعضنا داخل السجن أنه ينبغي الهرب عند أول فرصة سانحة حتى لو كان الحكم صغيراً، لأنه لا أمان لهم. كانوا قد أعادوا أحد السجناء من الخمسة عشر سجيناً إلى التحقيق مرة أخرى، لم أستطع النوم، خفت أن أكون أنا بعده. عزمتُ على الهروب ولو كلفني ذلك حياتي، فالعودة إلى السجن الأمني هذه المرة ستكون أمرّ وأصعب من المرة الأولى.

اعتمدتُ على تقاطع معلومات كنت قد استقيتها من سجناء كانوا معنا، إذ يتم اعتقال عناصر التنظيم الذين لا يفتشون السيارات بإحكام، ففي حال تم إلقاء القبض على مطلوب على حاجز ما بعد أن يكون قد مرَّ على حاجزٍ قبله، يكون عناصر الحاجز السابق عرضةً للاعتقال بتهمة التآمر أو التقاعس. وبمقاطعة هذه المعلومة مع معلومة حصلت عليها من سجين تم اعتقاله لأنه دخل مناطق سيطرة التنظيم دون الانتباه للافتة مكتوب عليها يمنع دخول السيارات إلى أرض الخلافة بين صلاة المغرب والفجر، استنتجت أن الوقت الأنسب لمغادرة مناطق التنظيم هو مع مطلع الفجر، إذ يكون العناصر منشغلين بالتدقيق في طوابير السيارات الكثيفة التي تكون قد تجمعت على الحاجز منذ صلاة المغرب في اليوم السابق للدخول إلى مناطق التنظيم، سيكون عدد السيارات هائلاً حتماً، ما سيسهل مروري.

اقتنعتُ أنني إن لم أستطع النجاة بنفسي من هذا الحاجز الوحيد والحدودي الذي يفصلني عن مناطق سيطرة الجيش الحر، فعلي السلام، وربما سأكون الثاني الذي يتم استدعاؤه إلى السجن الأمني مجدداً. كانوا قد أعدموا كثيرين ممن تم العفو عنهم، بعد محاكمتهم مجدداً بحجة أن التحقيق لم يكن قد اكتملَ بعد عند صدور قرار العفو أو تخفيف الحكم. وهكذا قمتُ بعيد صلاة الفجر، ومن الساحة التي نملأ فيها أكياس الرمل، بالصعود على الدرج إلى الطابق الأول، ورميتُ نفسي على كومة تراب خلف المبنى، ثم استطعتُ النجاة من المربع الأمني في مدينة الباب، وتواريتُ في أزقة المدينة حتى ركبت سيارة أجرة. كان شعري الطويل المبعثر، والشعر المتناثر على خدي، كفيلاً بإقناع السائق أنني «أخ»، أي عنصرٌ من عناصر التنظيم، طلبتُ منه إيصالي إلى قرية سوسيان، وعلى الطريق طلبتُ منه إيصالي إلى مدينة أعزاز مقابل ضعف المبلغ المطلوب.

نجوتُ بنفسي من مناطقهم، الحاجزُ الأخير يطلبُ من السيارة التي تقلني التحرك بسرعة وإفساح المجال أمام طابور السيارات المنتظرة. كانت رؤية بسطات الدخان على مفارق الطرق كفيلةً ببث الطمأنينة في نفسي والشهيق بالحرية، أنا لأول مرة منذ اعتقالي خارج مناطق التنظيم.

نجوتُ بنفسي من مناطقهم، الحاجز الأخير يطلب من السيارة التي تقلني التحرك بسرعة وإفساح المجال أمام طابور السيارات المنتظرة، كانت رؤية بسطات الدخان على مفارق الطرق كفيلةً ببث الطمأنينة في نفسي والشهيق بالحرية، أنا لأول مرة منذ اعتقالي خارج مناطق التنظيم.

رجعتُ إلى حلب، إلى مكتبي الإعلامي الذي دمرته براميل النظام السوري. وهناك دخلتُ سجناً آخر مع نفسي، أنا القاضي والمحقق والسجان فيه. كل يوم أحلم أنهم يطاردونني، وعندما أرى بسطة دخان على قارعة الطريق أرتاح، بتُّ أخاف من دقة باب المنزل، ومن كل رجل ملتحٍ أو امرأة محجبة، ومن كل خطاب ديني.

وبعدها في تركيا كنتُ أهربُ من حي الفاتح في اسطنبول إلى ساحة تقسيم، أُطيل النظر بـ «المتبرجات» في شارع الاستقلال كي أشعر أنني بعيد عن شِباك عناصر التنظيم. فكرتُ بالهجرة إلى أوروبا التي لم أجد فيها حلاً مناسباً لي، فكلما ابتعدتُ عن الحدود السورية تحولت سورية لدي إلى مبنى حكومي سيّء البناء، كما في السجن الذي هو أصلاً مبنى حكومي.

«إن لم تواجه الخوف ستظل مسجوناً عندهم في مخيلتك يا خليفة»، هتفَ هاتف في أذني. عدتُ إلى سورية، إلى المناطق المحررة من مدينة حلب، حاولتُ تجنب الملتحين ووجدتُ ضالتي في علم النفس وكتبه. عدتُ لحمل الكاميرا وتصوير كل ما تراه عيني، السجن يضيف للمصور ملكةَ ملاحظة أي تفصيل وإن كان بسيطاً، فكل ما هو غير موجود داخل السجن يثير الدهشة ويجب تصويره.

استطعتُ مع مجاهدة نفسي التفريق بين سورية وبين مبنى يتخذ منه تنظيم إرهابي سجناً لترهيب معارضيه، وللطرافة فإنني أثناء سفري إلى تركيا من حلب، أعبرُ منطقةً يكون على يمينها أراضٍ تحت سيطرة داعش، وعلى يسارها أراضٍ تحت سيطرة وحدات الحماية الكردية، فكلما مالت السيارة إلى اليمين أتمسك بكرسي السيارة خوفاً من عناصر التنظيم.

كنتُ كلما أرى سجيناً سابقاً التقيته في السجن أتحاشى النظر إليه ولا أرد السلام، ظلَّ الأمر على هذه الحال حتى اندلعت المعارك بين الجيش الحر وتنظيم داعش بريف حلب الشمالي. ذهبتُ إلى هناك، شحنتُ بطارية الكاميرا وانطلقتُ لتصوير المعركة. بعد انتهاء اليوم الأول الذي قضيته في التجمع الخلفي للمقاتلين، أراقبُ لهب الرصاص عند مغيب الشمس، عاد مقاتلو الجيش الحر ومعهم جثة عنصرٍ من داعش، كانوا قد قتلوه.

انكسرَ حاجز الخوف منهم، ووقع دلو الخوف من التنظيم في بئرٍ لا نهاية له، تواصلتُ مع السجناء، قمنا بإنشاء مجموعات على تطبيق واتس أب للتواصل والاطمئنان على بعضنا، والتأكد من إخلاء سبيل أو مقتل فلان من السجناء. أرشفنا أسماء بعضهم، قام شدوان ويوسف بمهمة التواصل مع قيادات الجيش الحر لإتمام عمليات تبادل الأسرى.

هكذا بتُّ إن بعدت السيارة عن يمين الطريق أميل بنفسي إلى يمين الطريق، فقد عملت غرفة عمليات درع الفرات على تحرير أجزاء واسعة من ريفي حلب الشمالي والشرقي، وعادت للشمال السوري روح الثورة الأولى، لا علم يرفع إلا علم الاستقلال. خسر الجيش الحر الأحياء المحررة من مدينة حلب، لا بدَّ من التعويض، فكانت مدينة الباب التي تم اعتقالي فيها وجهة الجيش الحر. عدتُ مع كامرتي إلى سورية وعندي هدفان، الأول تعويض خسارة حلب وهو هدف عام، والآخر إيجاد ولو جثة سجين ممن كنّا مع بعضنا في السجن، ودفنها في مكان يليق به كشهيد، ففي عقيدة التنظيم جثث مقاتلي الجيش الحر لا تدفن في المقابر، بل ترمى في «مكبات الزبالة» والتهمة الموجهة دائماً هي الردة.

طيلة سنتين كنتُ أتساءل أثناء الأيام الباردة، هل السجناء الذين تم قتلهم يشعرون بالبرد؟! لو أعرف قبورهم لأشعلت النار قربها علَّ حرارتها تكسر برودة جثامينهم، فقد تواعدنا في السجن أن لا ننسى بعضنا أبداً. ممازحاً كنتُ قد قلتُ لفيصل كسمو أثناء الاعتقال: سأكتب عنك إذا قتلوك، ردَّ وقتها: سأقول لولدي أنه في السجن كان معي إعلامي فاشل قتلوه وصلبوه وكتبوا على جثته: من سمع ليس كمن رأى.

طيلة سنتين كنتُ عندما أضحك تتراءى لي صورهم، لا أعلم ماذا أفعل تجاههم، أترحمُ عليهم، أضعُ المال في مكان ما صدقةً على أرواحهم. من مصاعب الاعتقال في الصغر أن مرحلة الاعتقال سترافق الإنسان طيلة عمره، وسيعتبر الاعتقال محور مقارنة مشاكل الحياة ومواقفها.

يحرر الجيش الحر المدعوم من قبل الجيش التركي قرىً من تنظيم داعش في النهار ليأخذها التنظيم في الليل، لا يفيد سلاح الطيران في المعركة كثيراً، فسلاح التنظيم الفعّال هو الألغام والتفنن بزراعتها. علينا أن نكون حذرين، فالنسبة الأكبر من عناصر الجيش الحر الذين قتلوا في المعارك ضد تنظيم داعش بسبب الألغام وليس الاشتباك المباشر. «لا تمشي بأرض زراعية، وحاول المشي فوق الزفت»، نصائحُ من قِبل عمار أبو اصطيف لي، وهو قيادي عسكري في الجيش الحر لم يبقَ من عناصره كتيبته إلا واحد، كلهم قتلوا على يد داعش.

تغير محور الاقتحام، أكثر من مرة، لا يهمني من أين الاقتحام ومن أي محور، يهمني الطريق الأقصر والأقرب للوصول إلى سجن المحكمة، أشاهد راية التنظيم عن بعد وأشاهد تحركات عناصرهم. أحسبُ عن طريق تطبيق خرائط غوغل البعد والمسافة المتبقية للوصول لمبنى إليه.

دخل الجيش الحر مدينة الباب من الجهة الغربية بعد عدة محاولات فاشلة الاقتحام من محاور أخرى، من الجهة الغربية الألغام أقل من الجهات الأخرى. الجهات الأخرى أراضٍ زراعية وزرع الألغام أسهل، أما الجهة الغربية للمدنية فهي تتميز بالعمران الإسمنتي.

تبعدُ المحكمة الآن نحو 500 متر عني، دخلتُ بكاميرتي مع مجموعة من الجيش الحر، كل ما أريده أن أكون أول الداخلين إلى المبنى عساي أجد ورقة مكتوب عليها اسم فيصل أو غيره، وأين تم دفنهم. ربما يحرقها عناصر الجيش الحر دون أن يعلموا أهميتها بالنسبة لي.

أثناء المشي بين «طلاقيّات» المنازل المفتوحة على بعضها بعضاً، أربعُ مفارق ومن ثم باب منزل، ومن هذا المنزل نصل الى مدرسة الصناعة، وبمجرد الوصول الى مدرسة الصناعة، نكون قد وصلنا شارع المحكمة. هكذا قال لي أحد المقاتلين، دخلت مجموعة من أربعة مقاتلين كي تمشط المنزل والشارع من الألغام أو احتمالية وجود عنصر من عناصر داعش يختبئ في غرف تلك المنازل.

انفجر لغمٌ بهم واستشهدوا جميعاً، حاولنا العودة كي لا يحدث التفافٌ علينا، كان قناصة التنظيم أسرع من قرارنا بالانسحاب، بدأوا باستهداف مفارق الطرق. طلب مني عنصرٌ من لواء سليمان شاه أن اركض خلفه، بدأ بإطلاق الرصاص كي نستطيع الانسحاب، طلبَ المؤازرة عن طريق القبضة «جهاز اللاسلكي»، ركضتُ محاولاً الدخول إلى باب منزل يصل بنا إلى نقطة تجمعٍ لعناصر الجيش الحر، ضربت رصاصة القناصة الحائط الحجري، فاخترقت شظايا الحائط جسدي، انبطحتُ وزحفتُ نحو الباب. وصل المقاتلان أبو الغضب وعدي إلينا، أطلقا الرصاص بطريقة هستيرية، كانت فوارغ الرصاص تتساقط فوقي. بعد ساعة من الاشتباك استطاع الجيش الحر سحب جثث مقاتلي المجموعة الأولى، كلهم قتلوا!

عدتُ إلى المنزل وأنا أشعر بالخيبة من كل شيء: «الحمد الله الإصابة خارجية، ولا يوجد أي خطر»، هكذا قال لي المسعف. لم يبقَ إلى مبنى المحكمة إلا عدة شوارع: «لاحق تتشطح»، قال عدي مع ضحكة مستذكراً أن الإعلامي الحربي عليه أن يكون ذو جلد مصفح.

رجلٌ مسنٌّ من مدينة الباب يقاتل داعش بيد واحدة فقط، وآخر يقاتل بعين واحدة، كان التنظيم قد فقأ عينه الأخرى، ومقاتلٌ من محافظة دير الزور يقاتل مع أنه مصابٌ بخلع ولادي. تراءت لي صور هؤلاء الثلاثة، نهضتُ وطلبتُ من عدي شحن الكاميرا للعودة إلى التصوير، أخشى أن يتم تحرير المبنى ولا أكون أول الداخلين إليه.

المعارك على أشدها حول دوار الجحجاح داخل أحياء المدينة، استهدفَ التنظيم خزان الوقود في عربة BMB، اشتعلت وغطى السماء دخان أسود. صوت الرصاص يعلو المكان، يقترب مني المقاتل أبو حميد، يقول لي: «أنت شو عّم تعمل هون، المحكمة تحررت».

ركبنا السيارة نحو مبنى المحكمة، الرصاص يخترق الهواء حولنا. وصلنا إلى مباني الشرطة، مبنى المحكمة أمام عيني ولكن الطريق مرصود، لا أعلم بأي كاميرا أبدأ التصوير، كاميرا الفيديو أم كاميرا الموبايل، لم أستطع التصوير أبداً.

أسألُ عناصر الجيش الحر المجتمعين في مباني الشرطة: أين مبنى المحكمة؟ يردّ أبو رسول النجار: «مسح نضاراتك إعلاني». أبو رسول النجار كان قد «تصاوب» برصاص التنظيم قبل عدة أيام في يده، لكنه أتى وهو يرتدي بيجما النوم، كي يتبارك بتحرير مبنى السجن.

«أنت كنت مسجون؟؟؟» يقول أحدهم لآخر، يرد عليه: «ضليت سنة ونص»، يقول ثالث: «الله لا يوفقهم سجنوني سنة ما شفت ضو الشمس!».

تنظيم داعش خلق جيشاً جرّاراً ضده تَكَوّن من وجع الاعتقال، لم أكن الوحيد الذي ينتظر الدخول إلى المبنى، قرابة الخمسين سجيناً سابقاً يحملون السلاح ويضربون المبنى، لا يضربونه كهدف عسكري، بل يستهدفون برصاصهم الحقد والغل، الظلم ووجع السنين. تركتُ الكاميرا تأخذ الصور المتتالية دون رفع إصبعي عن زر التصوير.

ماذا لو أنه توجد كاميرا طيارة تصور زمنيين مختلفين في اللحظة نفسها؟ ماذا لو تم وضعها في منتصف الشارع بيننا وبين مبنى المحكمة؟ تصور الكاميرا القسم الشمالي والزمان عام 2014، وتصور القسم الجنوبي والزمان عام 2017. قسمٌ يظهر كيف كنّا مُذلِّينَ نطرق الباب بقوة نريد ولو رغيف خبز إضافيٍ كي نشبع، نطلب ملعقة ملح لسجين مسن مريض، أو أبر أنسولين لرجل مسن مريض بالسكري، وقسمٌ يظهر خمسين سجيناً بسلاحهم يطلقون الرصاص الذي يخترق جدار مبنى السجن. في القسم الشمالي من لقطة الكاميرا أتمنى أن يعرف أهلي أين مكاني، وأن يعرفوا مكان قبري بعد قتلي، وفي القسم الجنوبي مسلحاً بكاميرتي التقط الصور بطريقة هستيرية.

«وتلك الأيام نداولها بين الناس»، أتمتمُ بيني وبين نفسي.

شاب من محافظة دير الزور بدأ بتمشيط محيط المبنى برشاش عيار 23، استمر الرصاص حتى الساعة الثالثة عصراً. دخلنا مبنى السجن، دون تفتيشنا ولا «تطميش» عيوننا من قبل السجانين. غرفة «أبو العباس أمانات»، غرفة أبو الحفص، ليتهم هنا الآن. تذكرتُ أول جملة قالها أبو العباس لي: «كل الرؤوس اللي نقطعها ونعلقها على الدوارات، مشان نخوف الناس منا، وأنت شايل كامرتك وجاي علينا».

وقفتُ على عتبة الدرج الذي ضربني عنده جليبيب، ابن المحقق أبو القعقاع، على مؤخرتي أمام والدتي وأمرني أن أنزل بسرعة فموعد الزيارة قد انتهى. ذهبَ عقلي من شدة الفرح، ولم أعلم ماذا أصور وماذا أفعل، تعثرتُ بمكاني ولا أعلم أين اتجه، إلى المنفردات أم إلى المهاجع. أما أبو رسول النجار فقد قال: «بدّي روح شوف سيفي اللي رسمتو من سنتين».

كأني ولدتُ من جديد.

تحررت مدينة الباب بشكل كامل في اليوم التالي، تعانقنا، ضحكنا، ضربنا بعضنا بعلب العصير الموزعة مع وجبات الطعام. دبكةٌ طويلةٌ لعناصر الجيش الحر بالقرب من دوار الراعي في مدينة الباب، على وقع أغاني تمجد قائداً عسكرياً في الجيش الحر يدعى حسن جزرة، كان تنظيم داعش قد أعدمه بتهمة الفساد بالأرض في مدينة الأتارب غربي حلب عام 2013.

طيلة أيام الأسبوع الأول من تحرير مدينة الباب، كنتُ أذهبُ إلى مبنى السجن برفقة عناصر من الجيش الحر، بإرادتنا هذه المرّة، أبحثُ عن ورقة ترسم لي خارطة الطريق للبحث عن جثة فيصل كسمو أو أي سجين آخر. لم أجد إلا ذكرياتهم على جدران السجن، «اغتنمتُ» من غرفة التحقيق الحبر الذي يبصم به المساجين على أقوالهم، وبعدها يرتاحون من التعذيب، ذهبتُ إلى ذكرى كتبها أحمد الناقو الملقب بالسكين، كان قد كتب على الحائط: «118 يوم وما في حبر للبصم». قلتُ له: «ابصم بالعشرة يا سكين». نظرت إلى ذكرى «غاندي بزاعة» الذي مات بسبب ضيق التنفس في السجن الانفرادي، والتهمة أنه قال لابنه الذي يقاتل في صفوف التنظيم: «رح أغضب عليك إن تزوجت داعشية».

تذكرتُ ضجة المهجع والكلام الكثير، والصراع بين المساجين على المساحة المخصصة للنوم، أصواتهم وصورهم تخرج من ذكرياتهم، مع كل ذكرى حدثٌ كنّا نُضحِكُ أنفسنا به. وقفتُ على طابور الوضوء الطويل، حجزتُ دوراً لفيصل الذي كان يستيقظ قبلنا على صلاة الفجر، ويحجز أربعة أدوار مقابل رغيف خبز. وقفتُ على طابور الوضوء: «الدور كلو ع حسابك فيصل... وربطة خبز كمان».

عشرة بالمئة فقط من الأسماء المكتوبة على قيد الحياة، وما تبقى مجهولو المصير، لا أحد يعرف أين هم. أتذرعُ بالتصوير وأذهبُ كي أخبر من تبقى من الأسماء المكتوبة على الجدران أننا حررنا السجن، وأتخيلُ وليد الشيخ الذي قال ذات مرة داخل السجن أننا «سنكون في نوم العميق ونسمعُ أصوات الرصاص، وإذ بالجيش الحر يحررنا ونخرج على قيد الحياة من السجن»، عاد الجيش الحر مُحرِّراً السجن، ولكن وليد مجهول المصير، لا أحد يعرف عنه شيئاً.

ركعتُ على ركبتي أمام ذاكرتي القديمة المرتبطة بالحلم، ابتسمتُ كابتسامة المسؤولة عن مبنى إحدى القنصليات، لامسَت أطرافُ أصابعي بيت الشعر لمحمود درويش: «على هذه الارض ما يستحق الحياة»، رددتُ بخشوع: فعلاً على هذه الارض ما يستحق الحياة.