عروبتنا، وما كان علينا نسيانه

 

مقدمة

«يتوجب على كل مواطن فرنسي أن ينسى ليلة سان بارثلماوس، والمذبحة التي وقعت جنوباً في القرن الثالث عشر1».

إرنست رينان: ’ماهي الأمة؟‘.

بالنسبة لرينان تستند الأمة، بوصفها استفتاءً يومياً، إلى عنصرين: الرغبة بالعيش سوية حاضراً، وامتلاك ذاكرة مشتركة لأبناء الأمة فيما يخص الماضي تؤسس لهذه الرغبة بالعيش المشترك. هذه الذاكرة المشتركة هي خليطٌ مما عليهم تذكره، ولكن أيضاً مما عليهم نسيانه.

يشير رينان إلى أن كل أمة قد توحدت عبر ممارسة العنف، لكن هذه الأفعال العنيفة، والتي كانت سبباً في إيجاد الأمة، هي ما يتوجب لاحقاً نسيانه، مثل توحيد فرنسا عبر العنف في مواجهة هرطقة الكاثار جنوباً، وعبر الحروب الدينية ضد الهوغونوت. بالأحرى ما يجب نسيانه هو كون النزاع بين أفرقاء مختلفين، وإعادة تذكره بوصفه معاناةً وجهداً مشتركين بذلهما أبناء الأمة في سبيل توحيدها، كمعاناة مشتركة لأبناء الأمة.

ما يجب أن ينساه الفرنسي ليس الحدث المتمثل بالمذبحة، وهو ما سيدرسه ربما في المدرسة، بل هو نسيانه بوصفه نزاعاً بين جماعتين مختلفتين، كاثوليك وبروتستانت، كان يمكن لكل منهما أن تتطور لتصبح أمة، وربما كان هذا احتمالاً أكثر واقعية في حالة الكاثار. في المقابل عليه أن يتذكره بوصفه حدثاً أليماً عاشه أبناء الأمة الفرنسية، من كاثوليك وبروتستانت، سوية في سبيل توحيدها، حتى ولو كانت نتيجته الأخيرة الزوال شبه التام للبروتستانت الفرنسيين.

النسيان والتذكر يبدوان كتقنيات تهدف إلى تشكيل ذاكرة مشتركة تجاه الأحداث. ذاكرة تؤسس للشعور بالتضامن بين أبناء الأمة والرغبة بالعيش المشترك حاضراً. فلم يعد يعني الفرنسي أن يكون بورغوندياً أو قوطياً أو تايفالاياً حتى يكون فرنسياً. تعبر هذه الذاكرة المشتركة عن نفسها من خلال الرواية الوطنية للتاريخ، الرواية التي ستتولى الدولة رعايتها وتعميمها عبر المدراس والجامعات والمتاحف والنصب الوطنية والاحتفالات القومية.

طوشة عامودا

خلال المسيرة المفترضة لتحولنا إلى عرب سوريين، أي تحولنا من مسيحيين أو مسلمين أو علويين أو حلبيين أو دمشقيين أو أكراد أو طي أو جبور وهلم جرا إلى عرب سوريين، كان من اللازم نسيان كثيرٍ مما يحيل إلى تلك الهويات وإمكانية أن تكون بذاتها أساساً لأمم أخرى. المسيرة التي فشلت طبعاً لعدم نسياننا ما كان يجب علينا نسيانه.

نحن لم ننسَ، وعوضاً عن النسيان قمنا، وللدقة قامت الدولة باعتبارها الفاعل الأساسي في خلق هوية وطنية، بتجاهل كلي للأحداث عبر حذفها من التواريخ الرسمية، كما حصل مع مذبحة حلب 1850 التي حصلت مع «قومتها». لكن هذا الإقصاء من المجال العلني سمح لهذه التواريخ بالاستمرار في الروايات الخاصة بالجماعات المختلفة، لتكون أساساً لذاكرة جماعية خاصة بهذه الجماعات، بوصفها جماعات إثنية خاصة.

تقدمُ طوشة (أو طقة) عامودا2، آب 1937، مثالاً ممتازاً على الصعوبات التي تواجه أية سردية للذاكرة الوطنية السورية فيما يتعلق بالنسيان والتذكر، خاصة أنها، أو على الأقل في جزء منها، انتفاضةٌ ضد الفرنسيين. على مستوى الأحداث، فقد بدأت طوشة عامودا على إثر نزاع بين كرديٍ وسرياني، هاجم الأكراد بعدها الحي المسيحي في عامودا وقتلوا عدداً من المسيحيين، فيما تم تهريب الآخرين بواسطة أكراد آخرين متحالفين معهم ومع الفرنسيين. على إثرها قامت القوات الفرنسية بمساعدة حلفائها الأكراد بإخلاء عامودا المسيحية وقصف عامودا الكردية والتنكيل بأهلها، الذين هرب زعماؤهم إلى تركيا، وسمحت للأكراد المتحالفين معها باستباحة الأحياء الكردية في عامودا ونهبها. قُتل على إثر هذه الأحداث العديد من المسيحيين والأكراد، وهُجّرَ الآلاف منهم.

تبدو القصة يسيرة، ولكن كيف لنا أن نرويها، أي من حاربَ من ولماذا؟

يظهر السياق الذي حصلت فيه طوشة عامودا الصعوبة الكامنة في روايتها. سياق الأحداث هو تشكيل سوريا الحديثة وما رافقه من نزاع بين السلطات الفرنسية المستعمرة والحكومة الوطنية في دمشق، التي أرادات إثبات قدرتها على حكم جميع مناطق سوريا وجماعاتها، في مواجهة الدعاوى الفرنسية المستندة إلى حماية الأقليات والخطر الذي يهددها.

كانت سوريا ترزح تحت الاحتلال الفرنسي منذ 1920. كانت سوريا مقسمة وتخوض نزاعاً من أجل استقلالها وإعادة توحيدها باستعادة جبال العلويين والدروز، بعدما فقدت أجزاء أخرى كلواء اسكندرون ولبنان وفلسطين. اتبع الاستعمار الفرنسي ومنذ البداية سياسة تقوم على العداء والرفض للقومية العربية واعتبار سوريا خليطاً من أعراق واثنيات وأديان متباينة لا يجمعها مع بعضها بعضاً شيء. وعلى هذا الأساس تعامل الاستعمار الفرنسي مع الأقليات باعتبارها مهددة من قبل الجماعة العربية السنية التي كانت القومية العربية واجهتها الإيديولوجية، كما يرى.

عام 1936 نجحت الحكومة الوطنية في سوريا في التوصل إلى اتفاق مع السلطات الفرنسية، غير أن الحزب الاستعماري الفرنسي سعى لعرقلة الاتفاق عبر التأكيد على الخطر الذي تواجهه الأقليات ودفعها إلى التمرد ضد الحكومة الوطنية في دمشق.

كانت الجزيرة السورية في قلب هذا النزاع، وهي نفسها كانت نتاجاً لتقسيم مصطنع فرضته عليها السياسات الدولية، فالجزيرة العليا هي ما خضع للفرنسيين وقد فُصلت عن امتداداتها التركية والعراقية، ووجد سكانها وقبائلها (من عرب وأكراد ومسيحيين) أنفسهم مقسمين على أطراف الحدود. كما عرفت الجزيرة خلال العقود الماضية هجرات مختلفة للأكراد والآشوريين والسريان والأرمن والعرب تحت تأثير الأحداث التي غيرت وجه المنطقة، الحرب العالمية الأولى ومذابح المسيحيين وحرب الاستقلال التركية وتمردات العشائر الكردية في تركيا وبدء ترسيم الحدود ومحاولات بناء الدول، وهي عملية لم تكن منتهية حتى ذلك الوقت.

وجد المحليون أنفسهم في خضم السياسات الفرنسية المتعلقة بتنظيم الانتداب في سوريا وإدارته، وهي سياسة لم تكن واضحة تماماً. فقد امتلك الفرنسيون تصورات متباينة لما يجب أن يكون عليه الحال في سوريا، وقد تغيرت هذه التصورات بحسب الصراعات السياسية التي خاضتها فرنسا. وفيما يخصّ الجزيرة السورية، التي أخضعها الفرنسيون لنظام خاص فصلَها عن باقي سوريا، فقد رأى مثلاً رئيس الوزراء الفرنسي ألكسندر ميلران في وثيقة سرية بعثها إلى الجنرال غورو أن الجزيرة خليط من أعراق وديانات متنوعة ومنفصلة عن بقية السوريين. وقد شاطره هذا الرأي العديد من وجهاء الجزيرة من زعماء للعشائر الكردية والعربية والمسيحية في مذكرة قدموها إلى السلطات الفرنسية، عقب مفاوضات الجلاء التي عقدتها الأخيرة مع الحكومة الوطنية في دمشق. وهكذا فقد كان من الممكن أن تصبح الجزيرة نواة لدولة كردية وكلدو-آشورية مستقلة لتعذر ربطها مع الداخل السوري، أو ربما يتم ربطها بسوريا واستخدام أقلياتها، كما العلويين والدروز، في النزاع مع القوميين العرب المهيمنين في المدن السورية الكبرى. على أية حال اعتمدت فرنسا سياسة تشجيع الأقليات، مثل الأكراد والمسيحيين من سريان وكلدان وآشوريين في مواجهة القومية العربية التي حملت الحكومة الوطنية في دمشق رايتها. غير أن هذه الأقليات نفسها لم تكن آنذاك متشكلة في هويات قومية محددة المعالم وواضحة، فالأكراد أنفسهم لم يتصرفوا باعتبارهم جماعة سياسية موحدة، أمة، فقد كانوا منقسمين إلى عشائر متنازعة فيما بينهما، وأحيانا داخل العشيرة الواحدة حول الزعامة.

في هذا السياق تبلور تياران أساسيان في منطقة الجزيرة: الأول هو «الانتدابي» الذي وقف إلى جانب الفرنسيين ودافع عن الخصوصية التي تميز الجزيرة عن باقي سوريا، مطالباً بضمانات تحميها وتحفظ جماعاتها. والثاني تيار «وطني» مساند لحكومة دمشق، ومتحالف معها في مواجهة الفرنسيين. طبعاً علينا ألا ننظر إلى كلمة «وطني» وكأنها تعني وطنياً ملتزماً بالوطنية السورية في مواجهة تيار متعامل مع الاستعمار، فالأمور كانت أعقد قليلاً وليست بهذا الوضوح، خاصة أن ما كان خلف هذا الانقسام هو النزاعات الداخلية الخاصة بهذه الجماعات.

الانقسام بين تيار وطني وآخر مؤيد للفرنسيين شطر كل الجماعات في الجزيرة، أي أنه لم يكن انقسام بين أكراد وعرب، مسلمين ومسيحيين. فالأكراد، مثلاً، انقسموا بين التيارين. حاجو آغا، زعيم عشائر هفيركان وعضو قيادة جمعية «خويبون» القومية الكردية والطامح للزعامة في الجزيرة بدعم من الفرنسيين، كان من قيادات التيار المؤيد للفرنسيين، وقد تحالفت معه عشائر الملية والمحلميون والآليان والمرسينية، والأخيرة من عشائر عامودا. في المقابل فإن عشائر عامودا الكردية، مثل عشيرة الدقوريين التي يتزعمها سعيد آغا الدقوري، انحازت إلى الحكومة الوطنية لعدائها لحاجو آغا وخشيتها من سيطرته.

كذلك كان حال العشائر العربية، فقد تزعم دهام الهادي شيخ شمر الخرصة التيار الوطني المؤيد للحكومة، وهو أيضاً الساعي إلى الزعامة ولكن هذه المرة بدعم من حكومة دمشق، بينما ساند ميزر عبد المحسن شيخ شمر الزور التيار المؤيد للفرنسيين والمنافس لدهام الهادي. أما طي فكانت منقسمة على نفسها وعلى الزعامة التي تنافس عليها كل من محمد عبد الرحمن المدعوم من قبل حاجو آغا، وابن عمه حسن السليمان المدعوم من دهام الهادي.

أما المسيحيون فقد تداخل هذا الانقسام مع انقسامهم إلى أرثوذكس وكاثوليك. فكان المطران يعقوب حبي، مطران السريان الكاثوليك مؤيداً للتيار الانتدابي. فيما كان المجلس الملي السرياني يخوض نزاعاً ضد محاولات الكثلكة، ومؤيداً للبطريرك أغناطيوس أفرام الأول، والأخير مساند للحكومة في دمشق.

لم ينكر أيٌ من الأكراد في طرفي النزاع كرديتهم، وكذلك الحال مع العشائر العربية أو المسيحيين. لكن كل فريق من الأكراد فهم كرديته والسلوك السياسي المترتب على كرديته، إن كان هناك سلوك سياسي مترتب على الهوية الكردية، بطريقة مختلفة عن الآخر. أي أن النزاع لم يكن على كونه كردياً أم لا، بل على معنى هذه الكردية.

تبلور التياران في قائمتين انتخابيتين لانتخابات البرلمان السوري، القائمة الانتدابية والقائمة الوطنية. وقد فازت الأولى، ولكن وبسبب دعاوى التزوير التي أطلقها دهام الهادي ضدها وكونها قائمة داعمة للفرنسية تباطأ مجلس النواب بالاعتراف بها. الأمر الذي دفع حاجو آغا إلى التهديد بالتمرد العام في حال عدم الاعتراف بها. وما دعمَ الدعوة إلى التمرد أيضاً سياسات المحافظ الذي عينته الحكومة الوطنية في دمشق للجزيرة، الأمير بهجت الشهابي. فقد أرادت الحكومة الوطنية، من جهتها، فرض سلطتها على الجزيرة، التي تمتعت بإدارة خاصة تحت الإدارة الفرنسية، فأرسلت الأمير بهجت الشهابي محافظاً للجزيرة. أراد الشهابي أن يقوم بمهمتين، الأولى هي مواجهة التيار المؤيد للفرنسيين وإضعاف وجهائه مثل المطران يعقوب حبي، الذي سبق أن تعهد في مؤتمر بطرد كل موظف تعينه الحكومة السورية من منطقة الجزيرة، والثانية هي تطهير الإدارة في منطقة الجزيرة من أنصار الفرنسيين وتعريبها. وكان من نتائج سياسة تطهير الإدارة هذه طرد السريان والأرمن منها، واستبدالهم بعناصر عربية حلبية، مثل استبدال قائم مقام القامشلي السرياني غانم غنيمة بظافر الرفاعي.

أصدر الشهابي قراراً باعتقال بحدي قريو رئيس بلدية الحسكة لتورطه بالدعوة للتمرد التي أطلقها حاجو آغا، ورداً على هذه التهديدات قام إلياس مرشو، والمدعوم من المطران حبي، بتشكيل ميلشيا مسلحة من السريان لحماية قريو. قامت هذه الميلشيا في 5 تموز 1937 بمهاجمة مخفر للدرك، وجرحت بعضهم، بينما هرب الباقون إلى السراي، لكن إطلاق النار توقف عبر هدنة فرضها الفرنسيون. لاحقاً اقتربت مجموعة من الدرك من منزل قريو، فهاجمتها الميلشيات السريانية فقتلت اثنين وأسرت ستة. فطالب الشهابي بمساعدة الفرنسيين لإطلاق سراح الدرك الأسرى واحتواء التمرد، غير أن الفرنسيين اكتفوا بإطلاق سراح الدرك الأسرى ولكنهم شجعوا على الاستمرار في التمرد.

7 تموز بدأ العصيان، فهاجمت الميلشيات بقيادة مرشو دار الحكومة وأسرت الدرك. أجبر مرشو كل دركي على تقبيل يد حاجو آغا قبل مغادرته الحسكة. الشيء نفسه حصل في القامشلي، وفي مديريات رأس العين وعين ديوار والديرونة لجأ الموظفون الحكوميون إلى العشائر العربية. بينما لم تقع أية أحداث مماثلة في الدرباسية وعامودا، حيث كانت العشائر الكردية مؤيدة للقائمة الوطنية ومعادية بشدة لحاجو آغا، وكذلك متحالفة مع دهام الهادي، والأخير كان يهاجم المسيحيين الكفرة حلفاء الفرنسيين. عندها لجأ الشهابي إلى دهام لسحق التمرد، ولكن قوات ميزر عبد المحسن شيخ شمر الزور انضمت إلى المتمردين وهزمت قوات دهام وانتقلت إلى الهجوم. استمر التمرد عشرة أيام، وقد رافقه نزاع مسلح داخل طي نفسها، إلى أن توقف بتدخل فرنسي فرض الهدنة على الجميع.

في عامودا كان المسيحيون مؤيدين للفرنسيين. حيث عُرف الحي المسيحي في عامودا بالحي العسكري، والسبب أن المسيحيين الذين قطنوا الحي كانوا مجندين في الكتائب الكلدو-آشورية وهي الكتائب التي شكلها الفرنسيون من السريان، واستُخدمت في قمع التمردات ضد الفرنسيين. كما أنها كانت جزءً أساسياً من مسعى الفرنسيين إلى تحويل المسيحيين السريان إلى جماعة قومية. مثلاً، وعد الفرنسيون أحد زعماء الآشوريين، الملك قمبر3، بحكم ذاتي في منطقة ماردين في مقابل تجنيد مقاتليه الذي لجأوا مسبقاً إلى جورجيا في هذه الكتائب، وكان مليكس صادق أحد قادة هذه الكتائب منحدر من أرومية في إيران. فالآشوريون انضموا إلى الفرنسيين وأصبحوا أداتهم في المنطقة بعد أن لجأوا إلى سوريا إثرَ قمع تمردهم في العراق، حيث كانوا قوة مقاتلة تابعة للبريطانيين وخاضوا تمرداً ضد الحكومة المركزية في بغداد.

لكن الهوية المقترحة، الكلدو-آشورية، لهذه الجماعة كانت مسألة خلافية بين المسيحيين أنفسهم، فالمطران اسطاثيوس قرياقوس أمين سر بطريركية السريان الأرثوذكس سخر منها باعتبار أن كل المتطوعين في هذه الكتائب من السريان، كما رفض البطريرك أغناطيوس أفرام التسمية البديلة المقترحة «الآثوري». تعود تسمية أشوري إلى النصف الثاني من القرن التاسع عشر بتأثير البعثات التبشيرية البريطانية والاهتمام البريطاني بالمسيحيين النساطرة4، وتم تبنيها لاحقاً من قبل المثقفين القوميين كاسمٍ للجماعة، أما تسمية الكلدان فقد استخدمت للمرة الأولى في القرن السادس عشر في قبرص، للدلالة على النساطرة الذين تحولوا إلى الكاثوليكية.

بعد طوشة عامودا حاولت كل جماعة من جهتها تأويل ما حصل بما يخدم مشروعها، فالانفصاليون قدموا ما حصل على أنه برهان على الحاجة إلى الانفصال والاستقلال عن سوريا، وأن لا ضمان للأقليات إلا عبر الحماية الفرنسية. في المقابل أكد الوطنيون الوحدويون على أن ما حصل كان نتيجة السياسة الفرنسية ودعمها للأقليات، وسعيها لإثارة الجماعات المختلفة على بعضها.

كيف يمكن رواية ما حصل في عامودا؟

هل النزاع الطائفي هو ما شوه مقاومتها للاحتلال؟ لم تخلُ أية انتفاضة سورية ضد الفرنسيين من إشكال طائفي، وهذا ما ينطبق ربما على كل انتفاضة حصلت في بلاد الشام منذ القرن التاسع عشر. مثلاً صالح العلي ونزاعه مع الإسماعيليين. وخلال الثورة السورية كان هناك خشية من حصول شيء شبيه بمذابح 1860، خاصة مع خروجها من حوران وامتدادها إلى دمشق وجبال لبنان، الأمر الذي دفع الأمير سعيد الجزائري إلى زيارة باب توما لتطمين المسيحيين وتأكيد حمايته لهم5. كما انقسمت القرى المسيحية حول دمشق وفي جبال لبنان حول الثورة، بين مؤيد لها أو مؤيد للفرنسيين، الذين سلحوا بدورهم العديد من القرى المسيحية لحماية نفسها وخاصة القرى المارونية والروم كاثوليكية في جبال لبنان6، وقد تواجه المسيحيون والمسلمون فعلياً كما حصل في قلعة جندل وحرق كوكبا.

واجهت الرواية القومية العربية، وهي المسيطرة في الدولة السورية منذ تكوينها والساعية إلى الهيمنة على تشكيل الذاكرة، مشكلة في رواية ما حصل في عامودا من داخل سرديتها القومية. فالذين انتفضوا في مواجهة الفرنسيين كانوا أكراداً، أي الذين لم تعترف بوجودهم، بينما كان المسيحيون الذين سعت جاهدة لدمجهم بالعروبة حلفاء الفرنسيين، وإن كانوا مسيحيين سرياناً يتحدثون لغةً غير العربية، ولكنهم بالنسبة لها كانوا عرباً، كما أنهم لم يشكلوا لاحقاً تحدياً متمثلاً بادعائهم أنهم أمة لها حق بدولة وأرض قومية خاصة كما الأكراد. بعض القوميين العرب سعوا لإعادة تصوير طوشة عامودا باعتبارها اعتداءً كردياً على المسيحيين، لإبراز دور العرب في الحماية، لكن ما تتناساه هذه المحاولة أن من حمى المسيحيين كانوا أيضاً أكراداً، وأن حليف من هاجم المسيحيين كان عربياً، أو إلقاء اللوم على الفرنسيين لتخريبهم التعايش السلمي بين المسلمين والمسيحيين7.

هل طوشة عامودا نزاع طائفي؟ نعم ولا، الأكراد قتلوا المسيحيين ولكن أيضاً أكراد آخرون قاموا بحماية المسيحيين، الذين خلدوا لهم هذا الجميل في أغنية تقول «عبدي خلو مع نواف……خلصولنا ستة آلاف». النزاع لم يكن حصراً مسألة طائفية، بل يجب فهمه في سياق السياسة الفرنسية الاستعمارية، وما رافقها من تحويل الجماعات إلى قوميات وهويات متصارعة، وتأليبها على بعضها بعضاً، واستخدامها في الصراع مع الحكومة الوطنية في دمشق وضد الأتراك وفي مواجهة الدولة العراقية. هكذا سعت السلطات الفرنسية إلى تحويل المسيحيين إلى جماعة قومية، برغم اختلافاتهم الداخلية وانقسامهم إلى كنائس متباينة كانت سابقاً قاعدة لهويات جماعية وتقاليد تاريخية مختلفة. كذلك سعت إلى وضع الهوية الكردية في مواجهة مع الهوية العربية، لتبدو وكأنها تحتاج إلى الحماية وضمان الاستقلال، وهي حماية سرعان ما ستتخلى فرنسا عنها مع تحول السياق السياسي.

غير أن السياسة الفرنسية لم تكن الفاعل الوحيد، فهناك الحكومة الوطنية في دمشق التي سعت عبر سياسات تدخلية إلى فرض سيطرتها على الجزيرة، وإبعاد جماعات مشكوك بولائها عن الإدارة وإضعاف نفوذها، ودعم وتقوية نخب أخرى حليفة لها في منطقة الجزيرة.

من الأمور الحاسمة في تطور النزاع كان مواقف النخب المحلية، القديمة والجديدة الممثلة بالطبقات الوسطى الحديثة، والاستراتيجيات التي اتبعتها من أجل دعم مصالحها وتقوية مركزها في السلطة في هذا السياق الاستعماري المتمثل بالنزاع بين السلطات الفرنسية والوطنية في دمشق. فقد حاولت هذه النخب الاستفادة من التحالف مع الفرنسيين أو السلطة الوطنية في دمشق من أجل حفظ مصالحها ومراكزها وتدعيمها، وهذا ما فرض عليها أن تتقدم إلى ساحة الفعل السياسي بوصفها ممثلة أو ناطقة باسم هويات سياسية وجماعات قومية. فالنخب المحلية لم تكن سلبية في علاقتها مع الاستعمار الفرنسي أو مع الحكومة الوطنية في دمشق.

استثمر مناصرو الانتداب في هوياتهم الإثنية، ونصّبوا أنفسهم ناطقين باسم هويات كردية أو مسيحية مهددة من قبل الهيمنة العربية، ولا يمكن حمايتها إلا عبر الاستقلال أو التمتع بقدر كبير منه تجاه الحكومة الوطنية في دمشق، وهذا بدوره لم يكن ممكناً إلا بفضل النفوذ الفرنسي. لكن هذا تطلّبَ أن يتم رسم حدود واضحة وصلبة لهذه الهويات، حدود تسمح بفصلها عن العرب بشكل واضح وتجعل من هذا التمايز وصيانته أساساً لمشروع سياسي. في المقابل سعت النخب المؤيدة للحكومة الوطنية في دمشق إلى الحصول على دعم الأخيرة من أجل تقوية مواقعها وسلطتها في الجزيرة، عبر التأكيد على ما هو مشترك، مثل العروبة والإسلام لدهام الهادي، أو الإسلام والعيش المشترك مع العرب لسعيد آغا الدقوري. فالاستعمار، كما يقول أسامة مقدسي، بدا كمسرحِ تفاعلٍ استغله المواطنون بشكل فاعل وواعٍ من أجل منفعتهم الخاصة8.

إن الحدود التي تفصل بين هذه الجماعات كانت دوماً ملتبسة وقابلة لتفسيرات متعددة، ولكن تثبيتها وتحويلها بالتالي إلى هويات سياسية ناجزة تحقق مع المشاريع القومية اللاحقة. لا يعني هذا أنه لم يكن هناك عرب وأكراد ومسيحيون، ولا يعني أيضاً أنه لم تكن هناك تراتبية اجتماعية على الأساس من هذا التمييز. الاختلاف يتمثل في السياق الحديث الذي تم فيه تسييس هذه الهويات، ورسم الحدود التي تفصلها عن بعضها بعضاً.

عاملان ميزا هذا السياق الجديد: الأول هو اعتماد مركزية وحصرية الانتماء لهذه الجماعات كأساس لممارسة السياسة (الانتماء القومي) وتحويله إلى ثقافة قومية ورعايته، الأمر الذي افترضته لاحقاً الدولة القومية الحديثة كأساس لشرعيتها. لهذا اعتبر مقدسي أن الطائفية لا معنى لها إلا في إطار أو نموذج مفاهيمي قومي9، حيث ارتبطت الطائفية بظهور لغة المساواة الدينية في سياق الإصلاح العثماني. أما النظام السابق فقد استند إلى منظومات متنوعة من الحدود التي أسست لتراتبيات وتمايزات مختلفة، منظومة حدود تفترض شبكة متنوعة ومتداخلة من الانتماءات، من دينية وعشائرية ولغوية وطبقية.

قامت الحدود القديمة أولاً على أساس التمييز بين المسلمين والآخرين من مسيحيين ويهود، وهكذا كان الكردي المسلم أقرب للعربي المسلم من المسيحي. حيث أن الانتماء العشائري أو الإثني كان مبهماً، فعلى سبيل المثال اندمج الترك والأكراد في القرن الخامس عشر في اتحاد قبلي باسم «بوز اولوس»، كما أشارت الوثائق العثمانية إلى قبائل «تركمانية كردية»، فالتمييز اللغوي لعب دوراً أقل أهمية من التميز الديني. يُضاف إليه نوع آخر من الحدود، وهو الحد بين الرُحّل والمستقرين، وما يفترضه من علاقات قوة ومنافسة سياسية تمييز بين الجماعتين، وهكذا إن كان المسيحيون منظمين في اتحاد قبلي وأظهروا قوةً وبأساً، فإن الأكراد عاملوهم معاملة الند وارتبطوا معهم بتحالفات قبلية مشتركة، جعلت من المسيحيين أعضاءً تامين في العشيرة الكردية، وبالتالي أكراداً مسيحيين10.

شخصية حاجو آغا، كممثل للنخبة التقليدية في مرحلة التحول، تقدمُ مثالاً نموذجياً لالتباسات الحدود هذه. فحاجو، الكردي وزعيم عشيرته وعضو قيادة جمعية قومية كردية «خويبون»، اعتبر نفسه بالمصاهرات والتحالفات المعتبرة في النظام العشائري «طياوياً»، ولهذا لم يجد حرجاً في مبايعة عمر عبد الرحمن زعيماً لطي في وجه منافسه المدعوم من قبل المحافظ ودهام الهادي، الذي اعتبر نفسه أيضاً طياوياً، في مؤتمر عقده في قرية طوبز العائدة لحليفه عبدي آغا، زعيم عشيرة المرسينين. كذلك فإن حاجو آغا، وعلى عكس العديد من زعماء العشائر الكردية، دافع عن السريان خلال المذبحة التي تعرضوا لها في أواخر أيام الدولة العثمانية، باعتبارهم أكراداً مسيحيين من أبناء عشيرته، حيث شكل السريان قرابة ثلث تعداد عشائر الهويركية.

الثاني هو ظهور السياسة الجماهيرية، أي ظهور مجال عام يسعى عدد متزايد من البشر إلى دخلوه للتعبير عن آرائهم وتصوراتهم بصدد حياتهم وأهدافهم وما يسعون إلى تحقيقه. وبغرض إحداث التأثير المناسب على القرار السياسي في المجال العام كان هناك حاجة إلى تعبئة وحشد الناس من أجل الضغط، وهذه التعبئة والحشد لم يكونا ممكنين دون هوية سياسية تتم التعبئة والحشد على أساسها، وهو ما أصبح ممكناً عبر التحولات الاجتماعية ونشوء طبقات اجتماعية حديثة ذات تعليم حديث وموحد وقياسي، ومرتبطة بالإدارة بشكل متزايد. في المقابل فإن النظام القديم لم يعرف هذا الشكل من السياسة، فكان هناك تمييز صارم بين ممثلي الدولة العثمانية من جهة، من العائلة العثمانية وعسكريها وبيروقراطييها ورجال الدين الرسميين، والرعايا. والأخيرون يضمون الأغوات والوجهاء وسادة العشائر، الذين كانت مهمتهم تمثيل جماعتهم أمام الدولة وضمان ولائها وجمع الضرائب لها، والأخيرة لم تكن لتتدخل في إدارة الشؤون الداخلية لهذه الجماعات.

النسيان والتذكر

إن عدم رواية ما حصل في عامودا يعود، في جزء منه، إلى عدم إمكانية إدراجها في السردية القومية العربية التي هيمنت على الهوية الوطنية في سوريا منذ الاستقلال. غير أن السبب الأساسي في الفشل في إدراج طوشة عامودا في السردية الوطنية السورية لا يعود إلى الالتباسات العديدة التي تحيط بها، إنما إلى فشل مشروع الوطنية السورية بوصفه مشروعاً سياسياً. لهذا فإن الكشف عن هذه الالتباسات لا يسعى إلى تقديم نقد للرواية الوطنية، لأنه وببساطة لا توجد مثل هذه الرواية الوطنية التي تؤسس لتاريخٍ وذاكرةٍ مشتركين بين السوريين.

بالمقابل انزاحت عامودا، كغيرها من أحداث أخرى مرت في تاريخنا، إلى المجال الخاص بالجماعات الإثنية المتنوعة في سوريا، باعتبارها جزءً من سردية الهوية الخاصة بهذه الجماعات، التي تستخدمها لرسم حدودها التي تفصلها عن الآخرين. في عامودا لم يكن هناك سوريون، لأنه ليس هناك الآن سوريون يتذكرون ما حصل في عامودا باعتباره حادثاً أليماً، وإن كان ضرورياً، بين الأخوة. ما حصل في عامودا هو صراع بين جماعات متباينة عاشت إلى جوار بعضها بعضاً في الجزيرة، وما تزال تعيش كجماعات إلى جوار بعضها بعضاً، ولكنها لم تعش سوية كجماعة واحدة ذات ذاكرة مشتركة ورغبة حاضرة في العيش المشترك. على العكس من «الفرنسية» التي لم يعد يعنيها من أين ينحدر الفرنسي ليكون فرنسياً، فإننا بقينا جماعات، أكراداً أو عرباً أو مسيحيين أو علويين وهلم جرا، تحيا بجوار بعضها بعضاً دون أن تصبح «سوريّةً».

لم نعد لذكر طوشة عامودا، كما غيرها، في المجال العام، لنتذكرها في سرديات الجماعات الخاصة. طوشة عامودا هي دليلٌ على أننا لسنا أمةً بعد، لأننا لا نتذكر، ولا ننسى ما علينا نسيانه، بشكلٍ مشترك.

  • 1. خلال الحملة الصليبية التي شُنت على الكاثار.
  • 2. فيما يخص السرد التاريخي للأحداث، اعتمدتُ وبشكل أساسي على العمل الموسوعي لمحمد جمال باروت: التكون التاريخي الحديث للجزيرة السورية، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2013. يضاف إليه عدد من الأعمال مثل سياسة الاستعمار الفرنسي تجاه الكورد في سوريا خلال فترة الانتداب 1920 – 1946، لمحمد إسماعيل حصاف، 2015. انتفاضة عامودا 1937، فارس عثمان.
  • 3. الملك هو لقب يَطلق على زعماء العشائر الآشورية.
  • 4. The Church of the East. Wilhelm Baum and Dietmar W.Winkler. RoutledgeCurzon. 2003. P4, and P 128
  • 5. The Great Syrian Revolution and the Rise of Arab Nationalism. Michael Provence. University of Texas press, 2005. P105
  • 6. المصدر السابق، ص 122- 124.
  • 7. على سبيل المثال، هذه المقابلة على موقع سرياني مع أحد الذين عاصروا، في يفاعتهم، أحداث عامودا. المقابلة نموذج لكيفية استدعاء أحداث مثل طقة عامودا إلى المجال العام، بحيث تقدم طوشة عامودا بوصفها نتيجة لمؤامرةٍ وتلاعبٍ استعماريين بين أبناء الوطن الواحد من مسلمين ومسيحيين، الذين اعتادوا على العيش سوية بكل وئام. مثل هذه السردية سيسمعها المرء بعد كل حدث طائفي، من أحداث 1860 إلى حرب لبنان، وحتى وصولاً إلى الصدامات الطائفية في مصر.
  • 8. ثقافة الطائفية، أسامة مقدسي، ترجمة ثائر ديب، دار الآداب 2000، ص 26.
  • 9. المصدر السابق، ص 33.
  • 10. الثقافة الكردية والإثنية الكردية، مارتن فان برونسين، المجتمع العراقي: حفريات سوسيولوجية في الإثنيات والطوائف والطبقات، لمجموعة من المؤلفين، معهد الدراسات الاستراتيجية، 2006. ص 248-250.