سكان حلب الشرقية... النسيان بعد التهجير

 

وثّقت مئاتٌ من الصور ومقاطع الفيديو الكارثة الإنسانية التي عايشها السكان المنكوبون في حلب الشرقية؛ وانتشرت كالنار في الهشيم لدى أبرز الجهات الإعلامية المحلية، ومنها الى الإعلام الغربي والعالمي. ولعبَ الإعلام المعارض الدور الأبرز في نقل معاناة ومأساة أهالي حلب، كما تمت تغطية غالبية المظاهرات المناصرة للمدينة التي خرجت آنذاك في مدن تركية عدة وعدد من دول العالم، عن طريق تقنية البث المباشر، بالإضافة إلى الحملات الإلكترونية التي أُطلقت على وسائل التواصل الاجتماعي تنديداً بالجرائم المرتكبة من قبل النظام السوري وحلفائه روسيا وإيران بحق سكان حلب الشرقية.

إلا أنّ هذه النقلة الهامة في عمل الإعلام السوري المعارض، وتغطيته الإخبارية لمجريات التطورات الميدانية في عموم البلاد بعد 6 سنوات من انطلاق الحراك المناهض لنظام الحكم، أثارت تساؤلات عديدة ومشروعة حول آلية نقل الحدث بطريقة حرفية ونوعية، بغية تحريك الرأي العام المحلي بشكل خاص، والعالمي بوجهٍ عام، وملامسة الحقائق والوقائع على الأرض بصورة موضوعية ومهنية.

بداية ونهاية

بحسب اللجنة الدولية للصليب الأحمر الدولي، تم إجلاء نحو 35000 شخصاً من سكان حلب الشرقية آنذاك، وقالت إنجي صدقي، المتحدثة الرسمية للمنظمة الدولية في سوريا: «تم إجلاء المدنيين الذين رغبوا في المغادرة الى أماكن أكثر أمناً». وأضافت في تصريحها للجمهورية: «بالنسبة للسكان الذين رفضوا المغادرة، كان لديهم الخيار في البقاء. ويعتبر هذا الأمر من مبادئ القانون الدولي الإنساني، إذ يجب أن يتم الإجلاء وفقاً لرغبة المدنيين والجرحى أنفسهم».

مع بداية عمليات التهجير في منتصف شهر كانون الأول/ديسمبر من العام الماضي، كان النشطاء والإعلاميون السوريون داخل الجزء المحاصر من مدينة حلب يحاولون القيام بعملهم على أكمل وجه، إذ نشروا المئات من الصور ومقاطع الفيديو على صفحاتهم الشخصية في مواقع التواصل الاجتماعي، مطالبين بإيقاف القصف الذي يطال المدنيين، وصوروا عدداً من الفيديوهات باللغات العربية والإنكليزية مناشدين المجتمع الدولي والعالم أن يتحرك لإيقاف جنون القصف وإنقاذ ما تبقى من محاصرين.

تلك المشاهد تصدرت الصفحات الأولى لكبريات الصحف والوكالات الدولية وكانت حديث الوسائل الإعلامية، إذ عكست وجوه الأهالي المتعبة، وبيوتهم المهدمة، ونقلت ما حملوه معهم داخل حقائبهم المهترئة التي وُضِّبت على عجل، ولم تحتوِ إلا قليلاً من لوزامهم الشخصية وكثيراً من الحزن والإنكسار في آخر أيام تواجدهم في حلب.

حسن قطان، مصور إعلامي ينحدر من شرق مدينة حلب، رافق مأساة أهالي المنطقة وكان جزءً منها. يروي تلك اللحظات قائلاً: «لحظة مغادرتي لحلب كانت مريرة جداً، إذ أنني طوال سنين عمري الماضية لم أغادرها ابداً، تمنيت أن يكون ذلك كابوساً لا مأساة عشتُها».

حسن بالإضافة إلى مجموعة من المصورين، صوروا ووثقوا ونقلوا «مأساة العصر» على حدّ وصفه، وكان من بين أبرز الأعمال التي شارك في إنجازها فيلم «الخوذ البيضاء» الذي حصد جائزة الاوسكار عن فئة أفضل فيلم وثائقي قصير، وذلك في الدورة 89 من الجائزة في هوليود نهاية شهر شباط/فبراير الماضي.

قضية إنسانية؛ أم تغطية إخبارية!

عن مشاعره المختلطة بين لحظة مغادرة حلب، وفوز الفيلم، يضيف المصور قطان للجمهورية: «نعم لقد ربحنا الأوسكار؛ لكن خسرنا مدينتنا، ما جعلني أفقد لهفة الفرحة بالحصول على جائزة بحجم الأوسكار»، وتابع بحزن: «صراحةً لا تزال الغصة موجودة كلما تذكرتُ لحظات خروجي من حلب مجبراً ومكرهاً. أفشلُ كلما حاولتُ أن أفرح، وتتغلب عليّ مشاعر الحزن والقهر».

بيدّ أنّ فراس ديبة، وهو صحفي ينتمي إلى مدينة حلب، أكد للجمهورية أنّ هناك إهمالاً إعلامياً لمأساة ومعاناة أهالي حلب الذين هُجروا من مدينتهم أواخر العام الماضي، ويعزو السبب إلى: «أولويات وسائل الإعلام في تغطية القضايا الساخنة، وهي حالة عامة لا تخص أهالي حلب المهجرين فقط؛ بل تشمل أيضاً جميع المهجرين السوريين». وتابع يقول: «يتجه الإعلام عموماً إلى الأحداث الميدانية والسياسية على حساب القضايا الإنسانية، إلا في الحالات التي تكون فيها القضية الإنسانية جديدة وفي أيامها الأولى».

فيما قال حسن قطان إنّ ما حصل في حلب تكررت مشاهده في مدن سورية عديدة، مؤكداً أن: «ما رافقها من تغطية إعلامية وإنسانية هو عبارة عن تعاطف لمدة يومين أو ثلاثة لا أكثر، وكان تعاطفاً مرتبطاً بالزمن، لكن للأسف تم نسيان الأمر بعد ذلك، وما يهم الإعلام هو متابعة التطورات الآنية فقط مع تناسي ما مضى»، لافتاً: «نحن تحولنا الى مادة إعلامية تبث في نشرات الأخبار وتقارير الصحف».

وتابع قطان حديثه: «حاولتُ بشتى الطرق التقاط صور الدمار عن طريق التصوير بطائرة من نوع (درون)، والتي تكون مزودة بكاميرا عالية الدقة، لتسجل كل الخراب والدمار الذي طال المدينة وبيوت المدنيين»، مشيراً «على أمل أن يُحدِثَ ذلك تغييراً في المسار السياسي، أو يحرك الرأي العالمي، لكنه لم يُحدِث شيئاً، إنه أمرٌ مؤسف».

السوريون عبارة عن أرقام

بدوره، أكد فراس ديبة أن الإهمال الإعلامي تزايد حالياً، وأضاف: «للأسف أصبح السوريون أرقاماً تذكر في وسائل الإعلام، وفي الكثير من الحالات لم تعد حتى تلك الأرقام تذكر، وفي طريقة التعاطي هذه تضيع القضية السورية الكبرى، وهي القضية الإنسانية، على حساب الملفات السياسية والعسكرية والاقتصادية».

وفي نهاية حديثه ذكر ديبة أنّ النسبة الكبرى من المهجرين نزحوا إما إلى إدلب وريفها وريف حلب الغربي، أو إلى حلب الغربية، ولفتَ: «فمعظمهم عاجزون عن العودة إلى بيوتهم بسبب منع النظام لهم، واعتقاله العشرات بعد نزوحهم للمناطق الخاضعة لسيطرته».

ويذكر قطان وديبة، أن قضية تهجير سكان حلب الشرقية مشهدٌ قد تكرر في مدن وبلدات سورية أخرى. وما يزيد الأمر تعقيداً، أنّ القضية تحولت الى أرقام لا أكثر، تتناقلها المواقع والصحف لأيام معدودة وفي فترة زمنية محددة، بما في ذلك الصور ومقاطع الفيديو وتغيير الصور الشخصية على صفحات ومنصات التواصل الاجتماعي، والحملات الالكترونية والوسوم «الهاشتاغ» التي أطلقت للتضامن مع المهجرين، التي لم تدم سوى أيام معدودة فقط.

وليس من باب المصادفة أنّ يتزامن الحديث عن قضية سكان حلب الشرقية، مع تهجير جديد لسكان حي الوعر في مدينة حمص، وخروج الدفعة الثانية الى بلدة جرابلس الحدودية مع تركيا، ثم الثالثة إلى إدلب، مع الحديث عن احتمالية تهجير جديد لسكان بلدتي الزبداني ومضايا بريف دمشق، وقبلها داريا والتل وبابا عمرو ومدن وبلدات سورية عديدة.

ذاك النزوح  لم يكن يتوقعه قاطنو تلك المناطق المحاصرة، وتمنوا لو أنه مجرد كابوس شتوي مؤقت؛ لكنه غدى واقعاً مراً، وتحوّل البيت إلى خيمة نزوح تتسلل منها الرياح الباردة لتنخر عظامهم وتزيد من آلامهم، دون أن يكترث العالم والإعلام بجراحهم إلا لفترة وجيزة.

وعلى الرغم من النكبات والانتكاسات التي يعايشها السوريون يومياً في بلد مزقتها الحرب منذ ستّ سنواتٍ عجاف، طالت نيرانها غالبية مناطق المعارضة، وربما بسبب هذه النكبات، يبرز دور الإعلام المعارض في أخذ المبادرة للعمل على عدم نسيان آلام المهجرين وضحايا الحرب بعد أن تنتهي سخونة الحدث الميداني والسياسي، وذلك عبر التركيز على القصص الإنسانية، وعدم إهمال البعد الإنساني المستمر للحدث بعد تغطيته بشكل إخباري، واستخدام أدوات الإعلام الجديد لنقل ما يعانيه السوريون، لأن المعاناة مستمرّة طالما أن نيران الحرب مشتعلة.