مروية الاضطهاد القبطية ولاهوتها

 

في حوار مع وكالة رويترز، صرّحَ الأنبا مكاريوس، أسقف أبرشية المنيا في جنوب مصر، في سياق تعليقه على إعلان حالة الطوارئ في مصر بعد تفجيرات أحد الشعانين الأخيرة: «نحن في موجة اضطهاد، لكن الكنيسة مرَّ عليها كثيرٌ جداً من عشرين قرناً... التاريخ مليان»، مضيفاً: «فيه موجة اضطهاد وبتوصل لأعلى نقطة زي الهرم وبتنزل تاني... طبعاً عالية جداً دلوقتي».

ما يطرحه مكاريوس في لقائه، الذي لم يتوانَ فيه عن تقريع النظام المصري ولومه، هو نموذجٌ خطابيٌ مكثفٌ لمروية الاضطهاد القبطية، فهو يحيل الهجمات الحالية إلى التاريخ، وإلى عشرين قرناً كاملةً هي عمر المسيحية في مصر. لكن تلك الإحالة التاريخية، لا تعني أن الاضطهاد هو حدثٌ تاريخيٌ (أي عارض)، بل على العكس تماماً، هو طبيعة الأمور نفسها. كذلك فإن تلك التاريخية لا تعني «زمانية» الاضطهاد، أي بوصفه حدثاً متعلقاً بالأرضي والعالمي. يعيدُ مكاريوس توجيهنا إلى «الكنيسة» التي مرَّ عليها كثيرٌ من الاضطهاد، الذي، بحسبه، ليس موجهاً للأقباط كأفراد أو كجماعة اجتماعية، بل بالأحرى إلى الكنيسة نفسها، أي الأقباط بوصفهم جماعة المؤمنين تحديداً، رافعاً الاضطهاد من الزماني إلى الروحي والمقدس.

يستعين مكاريوس بصورة كثيفة الدلالات عن الاضطهاد بوصفه تتابعاً من الموجات، التي تشهد مداً وجزراً، يمكن تمثيلها برسم بياني تحكمه معادلات رياضية ما، يصل بحسبها الاضطهاد إلى أعلى نقطة وسرعان ما يهبط مرة أخرى. تبدو استعارة مكاريوس للصور والمصطلحات ذات الطبيعة الرياضية والفيزيائية تأكيداً أولاً على أن الاضطهاد هو الحالة الدائمة للوجود القبطي، وما نشهده من تحولات لا يعني غياب الاضطهاد ولو للحظة واحدة، بل تغيراً في كثافته وحدّته، وثانياً على أن الاضطهاد حدثٌ طبيعي، بوصفه معطىً دائماً ومسبقاً، إلى حدّ أنه يمكن تصوره في إطار المعادلات الرياضية ورسوماتها البيانية.

تدفعنا تلك الصورة المزدوجة للاضطهاد بوصفه حدثاً روحياً متجاوزاً، وفي الوقت ذاته كمتتابعة طبيعة شديدة المادية، إلى التساؤل عن المروية المتداولة عن الاضطهاد القبطي، وأركانها، وأصولها التاريخية وتحولاتها، وتفسيراتها السياسية، وتبعاتها على سلوك الأقباط السياسي والاجتماعي وكنيستهم. ففيما تتوالى أطروحات نقد الأنظمة المصرية، عن استحقاقٍ بالطبع، بعد كل موجة من الهجمات الطائفية ضد الأقباط، وكذا توجيه اللوم إلى حركات الإسلام السياسي، لدورها في تعميق الطائفية، وكذلك تشريح الطبيعة التمييزية للمجتمع المصري، بالإضافة إلي نقد ذاتي من قبل الحركات السياسية العلمانية لقصورها في الدفاع عن قضايا الأقباط بالشكل الواجب، فإن قليلاً من الاهتمام يتم توجيهه إلى خطاب الأقباط ذاته، وتبعاته.

يأتي تحاشي تناول الخطاب القبطي لعدة أسباب يسهل تفهمها، فأولاً يبدو أن أي تناول من هذا القبيل ربما سيستدعي نقداً ولو مستتراً للخطاب القبطي، وهو أمر يبدو من الواجب تحاشيه من باب اللياقة، فلا يبدو الوقت دائماً مناسباً لتوجيه ولو بعض النقد للأقباط بعد كل مذبحة. أما الأمر الثاني، فإن تفكيك خطاب الاضطهاد بشكل أو بآخر له أن يخدم ولو بشكل غير مباشر، خطاباً شديد الطائفية، وواسع الحضور في المجتمع المصري، لا ينفك عن اتهام الأقباط باختلاق مروية الاضطهاد، وتوظيفها لقمع المسلمين أنفسهم، والذين هم المضطهدون الحقيقيون بحسب ذلك الخطاب. وأخيراً فإن محاولةً لتفهّم خطاب الاضطهاد القبطي ستستدعي تفتيشاً في مناهله اللاهوتية، وهو الأمر الأكثر إثارة للحرج لدى المتعاطفين مع القضايا القبطية من العلمانيين.

لكن مروية الاضطهاد القبطية تبدو جديرة بالبحث فيها اليوم أكثر من أي يوم مضى، خاصةً أن الوقت المناسب ربما لن يأتي أبداً، ففي ظل كثافة الهجمات التي تستهدف الأقباط، واستفحال دمويتها، من الواجب التساؤل عن تبعات الخطابات المهيمنة اليوم على الوعي القبطي، وكيفية عملها وتشكيلها للخطاب والسلوك السياسي لجموعهم وكنيستهم.

تقويم الشهداء والدولة الحديثة: مرويتان متنافستان

تتخذ الكنيسة القبطية من تولي الإمبراطور الروماني دقلديانوس عام 284 م بدايةً للتقويم القبطي، الذي عُرِفَ باسم تقويم الشهداء. تعود النقطة التأسيسية للوعي الكنسي القبطي بالتاريخ، إلى بداية حملة الاضطهاد الرومانية ضد المسيحيين التي قادها دقلديانوس بداية من عام 303م، والتي سقط على إثرها حسب التقديرات الحديثة من مئة ألف إلى ثمانمائة ألف من مسيحيي مصر، حتى دخول العرب. تهيمن مروية الاستشهاد والاضطهاد على المخيلة الجمعية القبطية لا بفعل تقويم الاستشهاد، بل وأيضاً «كتاب السنكسار»، الذي يستخدم يومياً في القراءات التعبدية في القداسات الكنسية. يحوي كتاب السنكسار أخبار وسير القديسين مرتبة حسب الشهور المصرية، وهي سير نادراً ما تخلو قراءاتها اليومية من قصص الاستشهاد والعذابات حتى الموت. والأمر اللافت للانتباه في قصص السنكسار أن معظم قراءاتها المتعلقة بالاضطهاد ترجع إلى العصري الروماني الوثني، وبشكل أقل البيزنطي الملكاني، فيما تبدو الإشارات للاضطهاد بعد دخول العرب شديدة الندرة إن وجدت.

تجادل المؤرخة الثقافية وعالمة المصريات، صافيناز نجيب، بأنه وبعد مذبحة القرن الثالث الميلادي، أسست الكنيسة للمجتمع القبطي محوراً لتاريخ مشترك من الاضطهاد، عبر سلسلة من الأحداث تعود إلى عصر الشهداء، وبذلك قامت الكنيسة بدور الحامي لتجانس ووحدة الهوية الجماعية ضد الاعتداءات الخارجية، متمترسة داخل حواجز للانعزال لمقاومة محاولات الأذى ضد الأقباط1.

تبدو جدلية نجيب منطقية وشديدة التجانس، لا فقط في تفسيرها لانعزالية الأقباط عن الشأن العام، وكذا دور الكنيسة، عبر مروية الاضطهاد، في تمثيلهم السياسي، بل وأيضاً في تناغمها مع الدور المثبت الذي يلعبه مفهوم «المظلومية» التاريخية في المرويات التأسيسية للهويات الجماعية، والذي لا يشمل فقط الأقليات، بل ويمتد حتى إلى جماعات الإسلام السياسي السنيّة التي ترتكن إلى أغلبية عددية، ويلعب فيها خطاب «اغتراب الإسلام» دوراً لا يقل جوهرية في تأسيس خطابها، جنباً إلى جنب مع الخطاب الشيعي السياسي، المتمحور حول كربلاء، وغيره.

لكن ومن ضمن العديد من الأصوات التي انتقدت تلك الجدلية المسلّمَ بها، فإن المؤرخة فيفيان ابراهيم، ترى أن إشكالية تلك الجدلية هي افتراضها أن الأقباط هم كتلةٌ واحدة، وعلاقتهم بالكنيسة والمجتمع والسلطة هي أمرٌ ثابتٌ تاريخياً، ومستمر دون انقطاعات. ففي كتابها الصادر بالإنجليزية أقباط مصر: تحديات التحديث والهوية، لا تكتفي ابراهيم بعرض الصراعات والاختلافات والتنوعات العميقة داخل المجتمع القبطي، وتعقد علاقات الشدّ والجذب بين أطرافه وبين الكنيسة والمجتمع والدولة، بل إنها أيضاً تكشف عن مرويتين تاريخيتين متعايشتين في الحيز ذاته: أولهما المروية القبطية التقليدية عن الاضطهاد، والثانية هي المروية الوطنية عن الأقباط بوصفهم أحد العناصر الوطنية لنسيج الأمة المصرية، والتي تحتفي بأدوار الأقباط في النضال الوطني، ومساهمتهم في نهضة الأمة. هكذا فإن أطروحة ابراهيم الأساسية كانت تسعى للفت الانتباه إلى الدور الذي لعبته فكرة الدولة الحديثة وتأسيسها في تحول مروية «الاضطهاد الأبدية» كما تسميها، وخلق مروية وطنية قادرة على منافستها، والتي تستدعي بالضرورة مطالبة بحقوق المواطنة الدستورية2.

تجد أطروحة إبراهيم ما يثبتها، ففي مقال سابق في المدن، الأقباط ليسوا ضحايا فقط، مررتُ بشكلٍ موجزٍ على لحظات المواجهة بين الأقباط والأنظمة المصرية، وصولاً إلى اشتباكات المتظاهرين الأقباط مع قوات الأمن بين عامي 2010 و2011، والتي كانت تمهيداً وإرهاصات أخيرة لاندلاع الثورة المصرية، وبدأ فيها تغلّبُ مروية المواطنة على مروية الاضطهاد، أو على الأقل احتواء المروية الأولى للثانية، فالاضطهاد الرسمي استدعى فعلاً سياسياً صدامياً من قبل الأقباط مؤسساً على المطالبة بحقوق قانونية ودستورية.

وفي الوقت نفسه، فإن تلك الصدامات لم تقتصر على عموم الأقباط، بل امتدت لطبقة الأكليروس، واستدعت انقساماً داخل الهيراركية الكنسية نفسها، ففي مقال آخر، رهبان مكاريوس يقاومون، تعرضتُ للصدام داخل الكنيسة، وبين بعض أفرادها والدولة، على خلفية أزمة دير الأنبا مكاريوس، عام 2015، والعودة به إلى سوابق تاريخية تثبت أنه لطالما كانت هناك جيوب مقاومةٍ وشدٍّ وجذبٍ داخل الكنيسة نفسها، مؤسسة على خطاب حقوقي وقانوني ينتسب إلى مروية المواطنة.

لاهوت البقاء ولاهوت المقاومة

تستلهم جموع الأقباط اليوم لاهوتاً للبقاء، ربما تنهل مصادره من النصوص المقدسة للعهد القديم، عن فترة السبي البابلي التي عاش فيها اليهود، شعب الرب بحسب النص المقدس، كأقلية بعد تهجيرهم قسراً من بابل. يقدم سفر أستير، الذي لم يذكر فيه اسم الرب ولو مرة واحدة على خلاف غيره من الأسفار المقدسة، نموذجاً استثنائياً في وضوحه للاهوت البقاء الذي يحتجب فيه الرب، ويُرى في الحاكم خلاصاً للأقلية الضعيفة من أهوال الاضطهاد والعسف. فعلى خلاف سفر الخروج، الذي يتدخل فيه الرب بشكل مباشر ضد الفرعون، بالضربات العشر وشق البحر، لنصرة شعبه المستعبد والمغترب، لا يتدخل الرب في سفر أستير بشكل علني لإنقاذ اليهود المسبيين في بابل من مؤامرة للقضاء عليهم حاكها «هامان الشرير»، بل يأتي الخلاص على يد الملك الفارسي «أحشويروش»، الذي يصلب هامان بعد أن تستعطفه إحدى زوجاته، اليتيمة اليهودية أستير، وتكشف له خيوط المؤامرة ضد بني جلدتها3.

كما تعتمد مروية الاضطهاد على لحظة التأسيس التاريخية لعصر الشهداء الروماني لـتأطير سرديتها، فإنها تستعين أيضاً بشكل انتقائي بنصوص من الكتاب المقدس لتدعيم منطقها وتجذيره لاهوتياً. ترجع معظم تلك النصوص إلى عصر السبي البابلي، حيث يتماثل وضع اليهود كأقلية مضطهدة ومنفية مع وضع الأقباط المغتربين في وطنهم بين أغلبية من المسلمين، كما تتصوره مخيلة الاضطهاد. وبالإضافة لسفر أستير المذكور أعلاه، فإن سفر دانيال يمثّل مصدراً مناسباً آخراً لتدعيم مروية الاضطهاد ولاهوت بقائها. دانيال والفتية الثلاثة الذين رفضوا جميعاً الانصياع لأوامر السلطة، وتمسكوا بإيمانهم، واجهوا غضبها في النهاية، فيُلقى دانيال في جب الأسود الجائعة، بينما ينتهي الفتية الثلاثة في آتون للنار. لكن التدخل الإلهي المعجزي ينتهي بإنقاذ دانيال والفتية أيضاً، وتكريم السلطة -مُمثلةً في الملك- لهم جميعاً، بضمهم إلى الحاشية الملكية. يعتمد لاهوت البقاء على أربعة محاور رئيسية، أولها أن الاضطهاد أو التجربة هو أمرٌ حتمي، وثانياً أن العلاقة مع السلطة لا تتطلب صداماً بالضرورة، إلا في حالة الدفاع عن الإيمان، وثالثاً أن النجاة ممكنة فقط عبر معجزة إلهية لا غير، وأخيراً أن علاقة السلطة المتعاطفة مع الأقلية المضطهدة، أو العائدة عن ظلمها بفعل المعجزة الإلهية، ليست شراً في ذاتها، ويجوز التعايش معها، وقبول تكريمها والعمل في خدمتها.

يبدو التسامح مع السلطة، مصدر الاضطهاد، مبرراً لا بفعل عودتها عن ظلمها، بل بحسب مبدأ لاهوتي آخر: «قُلُوبُ المُلُوكِ فِي يَدِ اللهِ مِثلُ جَداوِلِ المِياهِ، يُدِيرُها حَيثُما يُرِيدُ»، بحسب سفر الأمثال، وبينما يحضّ الرسول بولس، تلميذه تيطس على «طاعة الرياسات والسلاطين»، فإنه يذكرنا في رسالة رومية بأنه «ليس سلطان إلا من الله، والسلاطين الكائنة (أي الموجودة حالياً) هي مرتبة من الله»، وبالمعنى نفسه يقول الرسول بطرس في رسالته الأولي: «فاخضعوا لكل ترتيب (سلطان) بشري من أجل الرب». هكذا فإن الخضوع للسلطة الزمنية، حتى الظالمة، طالما لم تتعارض متطلباتها مع الإيمان، ليس فرضاً ألهياً يجب تتميمه فقط، بل إن مبرره هو أن سلوك السلطة في السرّاء والضرّاء، ما هو إلا انعكاسٌ لإرادةٍ وتخطيطٍ إلهيين.

لكن لاهوت البقاء هذا، مع هيمنته على الخطاب الكنسي، لا يقف وحده، فلاهوت للمقاومة يجد مكاناً له في هوامش المجتمع القبطي، وتعلو نبرته في مراحل بعينها. ففي مقال المسيح شاباً مصرياً ثائراً، عرضتُ بشكل موجز واحداً من خطابات اللاهوت التحرري في مصر، والتي وجدت طريقها إلى الحيز العام في الأيام الأولى للثورة المصرية:

منحَ انخراط الكنيسة الإنجيلية، شبة الرسمي، في الثورة، زخماً إضافياً لحراكها، مسبغاً على الثورة صفة الوحدة والتنوع الوطني. وفي الوقت نفسه، كان تأثير ذلك الاشتباك في لاهوت الكنيسة الإنجيلية استثنائياً وعميقاً. ففي الأيام الأولى لاعتصام التحرير، ألقى أحد قساوسة كنيسة «الدوبارة» الإنجيلية، إيهاب الخراط، كلمة على منصة ميدان التحرير، كان ختامها: «من ألفين سنة، كان فيه شاب زيّكم ثار على فساد ورياء وظلم عصره، ومات شهيداً زي شهداء الثورة، الشاب ده كان المسيح عيسى ابن مريم». وبينما انطلقت حشود التحرير على إثر تلك الكلمات التي ألقاها الخراط، بحماسة نارية، في الهتاف: «الله أكبر... الله أكبر»، كانت خاتمة الكلمة القصيرة، على بساطتها، تأسيساً لخطاب بروتستانتي فريد واستثنائي في مصر.
تأكيد الخراط على أن المسيح كان ثائراً سياسياً ومُصلحاً اجتماعياً، لا مخلّصاً إلهياً، وأن صَلبه كان استشهاداً في سبيل قضية إنسانية، لا فداءً للعالم من الخطيئة الأصلية، تبنى مفهوم «المسيح التاريخي» الذي تطور في أوروبا في القرن الثامن عشر، على حساب مفهوم «المسيح اللاهوتي». كانت أنسنةُ الخراط للمسيح وضم شهداء الثورة إلى زمرته في أخويةٍ نضاليةٍ ضد الفساد والظلم، امتداداً لخطاب «اللاهوت التحريري»، الذي طوّرته الكنيسة الكاثوليكية في أميركا اللاتينية منذ الخمسينات، كلاهوت منحاز للفقراء ومعاناتهم، مدفوعاً لتأطير ممارسة معاشة ونضال عملي ضد السلطات القمعية والأنظمة الاجتماعية الظالمة، كركن أساسي من التجربة الإيمانية ومسؤولية المؤمن تجاه العالم.

لكن وبالرغم من أن المقال السابق يركز على خطاب الكنيسة الإنجيلية اللاهوتي في بدايات ثورة يناير، فإن لاهوت المقاومة كان ولا زال موجوداً في الخطاب الكنسي بتنوع طوائفه، وبأشكال متنوعة، رغم خفوته. وفي مرحلة لاحقة، يمكن تبين اللاهوت ذي الطبيعة المقاومة في خطاب الحركات الشبابية القبطية الاحتجاجية التي تأسست بعد الثورة، والتي كان منتسبوها من عامة وأكليروس الكنيسة القبطية الأرثوذوكسية، بالإضافة للأيقنة الميسيانية لصورة مينا دانيا وشخصه من قبل عموم المنخرطين في المسار الثوري من مسلمين وأقباط جنباً إلى جنب. وإذا كان القس إيهاب الخراط هو الصوت الأعلى في طرح لاهوت تحريري في خضم السنوات الأولى للثورة، فإن مينا دانيال، كان أيقونة هذه اللاهوت وتجسيده العياني.

خاتمة: معجزة الرب في مصر

يتداول الأقباط فيما بينهم، وأحياناً أخرى مع مواطنيهم من المسلمين، مقولةً فحواها أن معجزة الرب في مصر، هي أنه ما زال هناك أقباطٌ فيها، أي أنه حفظهم من الفناء. تلخص تلك المقولة مروية الاضطهاد، لا في أنه أمرٌ حتميٌ فقط، بل في أن الوجود القبطي إجمالاً محض معجزة إلهية. تعيدنا تلك المقولة إلى تصريحات الأنبا مكاريوس التي بدأنا بها المقالة، فحسب مروية الاضطهاد، إن المعاناة حكمٌ إلهي لا مناص منه، «ففي العالم سيكون لكم ضيق»، والبقاء لا يعود لشيء سوى للمعجزات الإلهية، التي تردُّ السلطة في النهاية عن وصول غيها إلى مداه الأقصى.

لا ينتظر الأقباط من الدولة مواطنةً بحسب تلك المروية، ولا من أبناء وطنهم إنصافاً، ولا تعاطفاً. وليس هناك مقاومة ممكنة سوى بالرُكَب الساجدة، والأصوام، وجهاد الصلوات، حتى يستجيب الرب بمعجزاته المتجددة مع كل موجة عاتية من موجات الاضطهاد. يؤطر ذلك الخطاب أساساً لانعزال الأقباط، وتسليم للكنيسة بتمثيلهم سياسياً، وكذلك بنبذٍ غير واعٍ لمفهوم المواطنة إجمالاً، فهي غير ممكنة في عالم حُكِمَ على أبناء الله فيه بالألم والاضطهاد بالضرورة، والأسوأ أنها تنفي عن مخيلة الأقباط أي دور لمواطنيهم، أو للمجتمع في دعمهم أو حتى التعاطف معهم، فعلاقة الاضطهاد وموجاتها، وإن تورط فيها المجتمع، إلا أن محدداتها هي مثلث الله، الكنيسة، السلطة.

لكن وفي الوقت ذاته، إن مرويات بديلة ولاهوتات منافسة، كانت ولا زالت قائمة في المجتمع القبطي ووعيه ومخيلته، لا تستسلم بالضرورة لمظلومية الاضطهاد، بل تجد فيه منطلقاً لطموحٍ إلى دولةٍ للمواطنة، والمساواة، والتعايش على أسس دستورية وقانونية، مؤسسه على روايات وطنية ولاهوتية وتاريخية عدة.

حتى اليوم، لا تزال تلك المرويات أسيرة الهوامش، وتفجّر لحظات ثورية بعينها، دون أن تجد سبيلاً للحلول محلّ مروية الاضطهاد أو حتى منافستها، لأسباب عدة يبدو أن واحداً منها على الأقل هو خشيتنا من نقد مروية الاضطهاد وتحاشي مواجهتها.