تحولات في مواقف القواعد الاجتماعية لنظام الأسد قبل ضربة الشعيرات وبعدها

 

في الأول من نيسان عام 2017، أصدرت السلطات السورية قراراً يلغي تأجيلات الخدمة العسكرية الممنوحة للمتقدمين لدبلوم التأهيل التربوي، ويحدّدُ موعداً لسحبهم إلى الخدمة مع وضع أسمائهم على قوائم الممنوعين من السفر. كان هذا عملاً غير مسبوقٍ في مجال التعامل مع القوانين الإدارية التنظيمية من قبل النظام السوري، الذي ما زال يحاول المحافظة على عمل مؤسساته.

هذا الفعل، الذي وصفه كثيرٌ من الموالين للنظام السوري أنفسهم بأنه «كمين» تم نصبه بإحكام، كان غير مسبوقٍ فعلاً، خاصة مع عدم تعويض المبالغ المدفوعة لقاء معاملة التأجيل، وهي للطالب الواحد 75000 ليرة سورية أي ما يعادل 150 دولار تقريباً، وهذا رقمٌ غير قليل نظراً للفروق الكبيرة بين الإنفاق والدخل، وصعوبة المعيشة. ويُقَّدرُ عدد الطلاب الملغاة أوراق تأجيلهم بحوالي 58000 طالب، هي إذاً صفقة رابحة من جميع وجوهها، فقد «تم تأمين الجنود مع رواتبهم» حسب وصف كثيرٍ من الأهالي.

خلّفَ هذا الإلغاء، والاجراءات المرافقة له، ضجةً وسخطاً عالياً، فغالبية الأهالي باتوا يرفضون سوق أولادهم للخدمة العسكرية، وذلك يعود لأسباب عدة؛ أعني أسباباً طرأت وأدت إلى تغيير آراء نسبة أكثر اتساعاً من أنصار النظام بهذا الخصوص في العامين الأخيرين. ومن هذه الأسباب كما يراها جمهور النظام، عدم جديته في حربه، فالمعركة لا تملك مواصفات الحرب كما يدّعي، الجيش فاسد والمجموعات الخارجة عنه أقوى وأكثر نفوذاً منه، وكذلك بسبب رمي الجنود إلى الموت دون الاكتراث لمصيرهم، وفساد الضباط وابتزازهم للجنود بشكل علني.

لكن الأهم هو عدم القدرة على تحمل دفع فواتير وأكلاف استمرار النظام وعصاباته، التي تحوّلَ حتى أصغرها من التشبيح والقتال والتعفيش إلى التجارة وحماية تعهدات التجار الموجودين في الساحل أو القادمين من المحافظات الأخرى، ومشاريع الضباط المشتركة مع التجار، والسطو على الأراضي الهامة، مع حصصٍ تدفع لآل الأسد وأقربائهم وفق المعلومة السائدة بين الناس.

هذه الأسباب بات يقولها الموالون لنظام الأسد علناً في أحاديثهم اليومية، لأنها أصبحت ثمناً جمعياً يتم دفعه، في وقتٍ تكذّبُ فيه النتائج على الأرض ما يدعيه النظام. وجمهور النظام هذا هو في الواقع أداة النظام ويده الضاربة، وهم الذين لديهم المعلومات الأدق عن الأخبار والأفعال والأهداف والنتائج، وباتوا يشاهدون بأم أعينهم كيف أن مكاسب الولاء الكامل للنظام باتت قليلةً جداً.

تزامنَ هذا القرار مع قرارٍ آخر يلزم الموظفين من مواليد 1967 حتى مواليد 1992 بالالتحاق باللواء الطوعي 145، الذي يتم تشكيله في الساحل، ومقرّه الرئيس في محافظة طرطوس موجود قرب بانياس. كذلك تم منع أذونات السفر لطلاب السنة الدراسية الجامعية الأخيرة، دون أن يصدر قرارٌ بهذا المنع، لكن الأذونات تُرفَضُ إدارياً من العاصمة، حتى بات الأمر شبه قانون معروف منذ السنة الدراسية الأخيرة.

زادَ كل ذلك من السخط العام عند جمهور النظام، وعند ساكني «سوريا المفيدة» عموماً وفق المصطلح الشائع، فالعبثُ بمصير أولادهم لا يعدُّ أمراً بسيطاً، ويتجلى هذا السخط بفرار عدد كبير من عناصر الجيش وعودتهم إلى منازلهم. ومع عدم قدرة النظام على الاحتكاك معهم بشكل مباشر، لم يكن أمامه إلا محاصرتهم بالقوانين الملزمة التي تحدّ من قدرتهم على الحركة والعمل والسفر، إما من أجل تغذية الجبهات بالمقاتلين، أو من أجل فتح نوافذ فساد جديد وابتزاز عبر تحويل كل فاصلةٍ من حياة هؤلاء الناس إلى نوعٍ من الدفاع عن النفس. لقد أصبح الأهالي يعرفون كل «زواريب» السفر ومقتضياته، وذلك للعمل على نجاة أولادهم من الموت المجاني الذي يدعوهم إليه النظام، أو «الدولة» كما يحلو لهم تسميتها.

من نحن، من هم؟

بعد نحو أسبوعٍ على صدور قرار إلغاء تأجيلات الملتحقين بدبلوم التأهيل التربوي، استقبلَ الموالون للنظام خبر قصف مطار الشعيرات بصواريخ توماهوك الأميركية بردود أفعال يمكن وصفها بالتلقائية، أظهرت كشفهم التام لكذب النظام وإذعانه لخدمة حلفائه وضعفه وفساده.

شتمَ كثيرون رئيسهم «بشار حافظ الأسد» بوصفه رئيساً ضعيفاً مُذلاً، لا يعرف «إلا الكلام وإمضاء وقته في توقيع المراسيم التي تخنقهم وتقيد أولادهم وتوقع بهم لسحبهم إلى القتال في معركة عبثية، لتلميع صورة روسيا التي أخذت ما تريد من قواعد وموانئ»، والحرب في الحقيقة «ما هي إلا لحماية نظام الأسد ولصوصه». مع سخرية كبيرة من كليشة الاحتفاظ بحق الرد، التي عبّر عنها كثيرون بالقول إن «الرد لا يجب أن يكون على السوريين، بل على الأعداء الخارجيين».

هذه العبارات التي رددها كثيرون في أحاديثهم الخاصة، وبشكلٍ شبه علني أحياناً، بعد القصف الأميركي مباشرةً، تشيرُ إلى خطابٍ عامٍ لمجتمعٍ يعبر عن شعوره المتزايد بالانفصال عن النظام من حيث الأهداف، بل قد توحي أنه أصبح شبه عدو، يريدون تهريب أولادهم وأنفسهم من احتكاره لحياتهم.

كان رد الفعل الأول لكثيرٍ من مُعارضي النظام على قصف مطار الشعيرات مملوءً بالشماتة، وعلى إثرها دخل جمهور النظام في حالة من الشعور بالمظلومية، مظلومية الضحايا الذين ليس هناك من سيدافع عنهم، بدل الاستماتة بالدفاع عن النظام كحاضن أساسي وحصن، كما يمكن أن يكون رد الفعل المتوقع بالنسبة لمن يراقب من الخارج.

هذه كانت ردود فعلٍ أولية شائعة في الساعات الأولى التالية للقصف، أي قبل أن تتدخل وسائل إعلام النظام وحلفائه في تكذيب الاتهامات وتقليل أثر الضربة، وتلميع صورة روسيا في أن قواعدها في المطار لم تُضرَب، وفي أنها أوعزت للنظام بإفراغ المطار قبل الضربة.

يتابع الموالون قنوات الإعلام اللبنانية التي تقف مع النظام، ويصدقونها أكثر من إعلام النظام الرسمي، وذلك يعني أنهم بحاجة إلى متحدثين خارجيين يشعرونهم أن قضيتهم أكبر من حدود صراعٍ على السلطة، ما يخفف من شعورهم بالخسارة والبشاعة. إنها «جرعة مخدر» على وصف رجل عجوزٍ كان يتحدث معبراً عن سعادته بتأثير قناة الميادين عليه، وقدرتها على إعطاء ما يحدث صفة القضية المحقة والعادلة، إذ «ليس هناك أفضل من هكذا مساعدة» حسب تعبيره في جلسة كبيرة حضرها أشخاصٌ متنوعون، لم يعترض أحدٌ منهم على هذا الوصف، بل إنهم زادوا عليه.

تتشابه المواقف الحالية الحادة من قبل الإدارة الأمريكية والقوى الكبرى تجاه النظام بعد مجزرة الكيماوي في خان شيخون، مع التصعيد الذي حدث بعد مجزرة الكيماوي في غوطة دمشق الشرقية صيف 2013، الذي وصل وقتها إلى مرحلة تحديد موعد للضربة، لكن تم إلغاؤها باتفاقٍ معروفٍ قضى بتسليم النظام مخزونه الكيماوي. لكن قراءة ردود أفعال بيئة النظام الاجتماعية تشير إلى أن الفارق بين المرحلتين يكمن في أن جمهور النظام في أواخر 2013 كان أكثر تماهياً مع نظامه جسداً وهدفاً، أما الآن، مع قلة المكاسب والاستهتار العالي بأرواحهم ومعيشتهم وكيانهم، ومعاملتهم بأساليب تشبه في بعض مناحيها أساليب تعامله مع معارضيه حسب قول كثيرين منهم، فقد بات هذا التماهي في حدوده الدنيا.

كثيرون من الشباب الذين يحاولون الفرار من الخدمة، والمصابين بكذب النظام وسعيه الفج لسوقهم إلى معركة لا جمل لهم فيها ولا قبر، فرحوا للوهلة الأولى بقصف مطار الشعيرات، وهذا ما يشير بوضوح إلى أن النظام لم يعد لديه وحدة حال مع جمهوره كما كان عليه الحال في مراحل سابقة.

***

النتائج أعلاه مبنية على تقاطع مشاهدات وأحاديث متفرقة سبقت الضربة الأمريكية وتلتها، وهي تروي خط نزول النظام إلى الحضيض على كل الأصعدة، لكن هذا ليس إنذاراً بقرب سقوطه على كل حال، فهو يحكم«الجميع» بأدوات العنف، على أن الفارق بين «الجميع» الذي عارض وانتفض، و«الجميع» الذي وقف مع النظام وضرب بيده، حتى صار يده نفسها، يكمن في «التورط التام في لعبة صناعة الأعداء» كما اختصر الأمر ضابط متقاعد كبير في السن الأمر، وهو يقول إن التورط في «تقسيم الحرب إلى حروب»، وصل إلى حدٍّ «لم يعد ينفع فيه قول الحق، لأن الدم وعبث الأجهزة الأمنية أحرق كل الممكنات»، وكذلك لأن جمهور النظام ينفصل عنه لتراجع المكاسب وتزايد الخسائر والأثمان؛ أي أنه لم يخرج عن ردائه في نهاية المطاف.

 كان انفصال النظام عن جمهور أنصاره، وما زال، متمثلاً في مواقف فردية منطلقة من عدم القدرة على دفع ثمن الحرب، أو من قلة المكاسب، لكن الفارق الآن أن هذه المواقف الفردية تزايدت وتزايد إعلانها عن نفسها، بسبب تراكمات الموت المجاني والخسارة المستمرة، حتى كادت تصبح جماعية بانفصال أهداف الناس عن أهداف سلطتهم، وانكسار النظام عندهم بوصفه «مقدساً» لا ينبغي مسّه.