الخوف من القادم، عشائر دير الزور ما بعد داعش

 

بعد ما يقارب على ثلاثة أعوام من سيطرة تنظيم الدولة عليها، تغيبُ محافظة دير الزور شرق سورية تقريباً عن حسابات المجتمع الدولي والقوى المحلية والإقليمية المحاربة للإرهاب، فلا أهداف واضحة ولا خطط مرحلية، ولا حتى تصريحات إعلامية تتحدث عن عملية عسكرية قريبة تنهي سيطرة داعش عليها.

جميع المعطيات على الأرض تشير إلى أن المحافظة قد تكون آخر المناطق التي سيتم انتزاعها من قبضة التنظيم، ما ينذر بصراع مرير بين الأطراف المتنافسة على المحافظة، والمتمثلة في كل من: النظام، فصائل المعارضة، قوات سورية الديموقراطية. وتعد حالة الثأر العشائري أبرز ما يهدد المحافظة في حال خروج التنظيم منها، بسبب حالة الانقسام التي أصابت عشائرها ما بين مؤيدة لـداعش حظيت بامتيازات مادية ومعنوية، ومعارضة خسرت المئات من أبنائها على يده.

كذلك تمتد النزاعات العشائرية إلى تكوين فصائل الجيش الحر، التي تبدو في هذا الوقت أضعف من أن تتمكن من تحرير المحافظة، مما يزيد في ضعفها ضعفاً، ويمنعها من الحصول على مكان جوهري في التحرير أو ما بعد التحرير، بوجود جهات أكثر تنظيماً وأكثر تماسكاً، في مقدمتها قوات سورية الديموقراطية وقوات النظام، بالإضافة إلى داعش نفسها.

عصبيات تشتد، عشائر حائرة

يبدي أهالي محافظة دير الزور خشيتهم من مرحلة ما بعد التحرير، إذ تلوّح العشائر بالقوة لبعضها بعضاً، ما يجعل طيَّ صفحة داعش أمراً ليس سهلاً، لطغيان لغة الانتقام والثأر بين العشائر بسبب تورط أفراد من هذه العشيرة أو تلك مع تنظيم الدولة، الذي تحالفَ وتقربَ من بعض العشائر، وعادى واستهدفَ عشائر أخرى وخاصة تلك التي قاتلته، أو من شاءت الظروف الموضوعية آنذاك أن تكون في مواجهته.

جميع أبناء العشائر والفصائل العسكرية التي خرجت من محافظة دير الزور عقب سيطرة داعش أواخر الشهر السابع من عام 2014، والتي تقاتل من أجل تحرير مناطقها، تلوّح بالقصاص والموت لكل من انتمى إلى داعش أو ساعده وتعامل معه للسيطرة على مناطقهم، سواء من الأفراد أو العشائر التي ارتمت في حضنه على خلفية ظروف اقتصادية واجتماعية معينة، والتي يعتبرونها سبب جميع الويلات والنكبات التي أصابت المحافظة، ويقولون إنه ما كان التنظيم ليتمكن من دخولها لولا «خيانة» بعض الأفراد والمكونات العشائرية.

الموقفُ من تنظيم الدولة هو أهم أسباب الانقسام العشائري في دير الزور، فـمنذ عام 2014 انقسمت عشائر المحافظة فيما بينها بين مؤيد ومعارض للتنظيم، وزاد من حدّة الانقسام حمام الدم الذي سفك على تراب المحافظة من أبناء تلك العشائر، التي لم تسلم في فترة قتال داعش، ولا حتى بعد سيطرته، من الإعدامات والمضايقات، مثل ما حدث مع عشيرة الشعيطات، التي خسرت أكثر من ألف من أبنائها في مذبحة تعد الأبشع من قبل داعش منذ تواجده على الأراضي السورية.

يذهب بعض الناشطين من أبناء عشائر دير الزور إلى التهوين والتخفيف من التوقعات المأساوية للمستقبل، فالخلافات بين العشائر قبل المعارك مع داعش بنظرهم كانت في مجملها خلافات داخلية، وإن حدث صدام بين مكونات عشائرية كبرى فكان يتم تطويقه من قبل الوجهاء ويتم حله في أغلب الأحيان، لكن الأمر اختلف بعد ظهور داعش الذي زرع الخلافات بينها بعد احتضانه لمن والاه من تلك العشائر، وقتله وتشريده لمن خالفه، ما ينذر لاحقاً بحرب عشائرية قد تلي فترة خروج محافظة دير الزور من قبضة التنظيم. لذلك يعتقد هؤلاء أن زوال التنظيم من المشهد في دير الزور سوف يؤدي إلى تقريب حل الجزء الأعظم من هذه المشكلات.

وعن الحلول الممكنة لتلافي قضية الثأر في الأوساط العشائرية، قال عمر أبو ليلى الناطق باسم الجبهة الشرقية في الجيش السوري الحر أن «الحل يكمن في  إيجاد جسم عسكري منظم يعمل على تحرير المحافظة، ويؤمن بمبادئ الثورة وتغيب عنه النزعة العشائرية ولغة الانتقام، ويكون إلى جانبه جسم مدني وقضائي يضم وجهاء من عشائر المنطقة وشخصياتها الاعتبارية الأخرى، يتولى الإشراف على الجسم العسكري في التحقيق بانتهاكات التنظيم ومرتكبيها من أبناء العشائر والمحافظة بشكل عام، ثم يتم تحويل كل من تثبت إدانته إلى محاكم قضائية مختصة لينال جزاءه».

تبدو هذه المهمة عظيمة مقابل هزالة فاعلية هؤلاء الناشطين أو الفاعلين سياسياً واجتماعياً في هذا الموضوع تحديداً، إذ فشلت مساعي عدد منهم بشكل سريع في هذا المضمار، أمام حالة التشرذم التي تعيشها القوى الثورية في المحافظة.

حالة الخوف الناجمة عن خطاب الثأر بين العشائر، والإيذان بحرب انتقام طاحنة ستلي عملية التحرير، تستمر في ظل غياب أي خطط مرحلية من المجتمعات المحلية للمحافظة أو الأوساط العشائرية، وحتى المجتمع الدولي، لإيجاد حلول لتلك المعضلة أو الوصول إلى صيغة توافقية تساهم في التخفيف من تلك الحالة بعد التحرير، وتحدد ما إذا كان سيتم اعتماد أسس قانونية وتشكيل محاكم عادلة ذات طابع مدني  للفصل في تلك القضايا، أم أنها ستترك العشائر لتحلها وفق قوانينها العشائرية، التي توارثتها جيلاً بعد جيل منذ نشأتها، والتي لطالما تمكنت من حل كثير من مشاكلها الداخلية والخارجية عبرها، بعيداً عن مؤسسات النظام الأمنية والقضائية.

صراع ثلاثي على دير الزور

سيطر تنظيم الدولة على محافظة دير الزور أواخر الشهر السابع من عام 2014 بعد قتال استمر لأشهر مع الفصائل المعارضة له، وتقدر المساحة المسيطر عليها من قبل التنظيم بنحو 90% من أجمالي مساحة المحافظة، وهي الريف بشكل كامل وأغلب أحياء المدينة، فيما يسيطر النظام على ثلاثة أحياء هي الجورة والقصور وهرابش، ومطار دير الزور العسكري، التي تشكل نحو 10% من المساحة العامة للمحافظة.

خلال ثلاثة أعوام اقتصر القتال على المحافظة بين طرفين فقط، هما النظام والتنظيم، ولم تتغير الخارطة العسكرية طيلة تلك المدى سوى مرتين، الأولى تمثلت بسيطرة التنظيم على مستودعات عياش للذخيرة وحي البغيلية غرب المدينة العام 2015، والثانية عام 2016 في الجهة الجنوبية من المدينة، عندما فصل داعش مناطق سيطرة النظام إلى قسم شرقي يضم المطار العسكري وحي هرابش، وقسم غربي يضم حيي الجورة والقصور والمربع الأمني واللواء 137 وتجمع الكليات.

هكذا تمكن النظام حتى اللحظة من الحفاظ على تواجده بالرغم من قطع طرق إمداده منذ مطلع عام 2013 على يد فصائل الجيش الحر وقتها، ومحاولات تنظيم الدولة المستمرة لفرض سيطرته على كامل لمحافظة.

لكن الأمر تغير خلال العام الماضي، خاصة بعد تشكيل التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب وما تلاه من تدخل روسي عسكري إلى جانب قوات النظام، والتدخل التركي شمال وشرق حلب وانحسار تنظيم داعش، الذي يمر بأسواء حالاته منذ سنوات، إذ بدأت تظهر مطامع الأطراف المتنازعة للسيطرة على المحافظة.

قوات النظام تعتمد منذ مدة على خطة عسكرية تمتد لعدة مراحل، نجحت في تحقيق أولى مراحلها وهي الحفاظ على مواقع سيطرتها عن طريق تعزيز قواتها باستقطاب ميليشيات أجنبية إلى المحافظة، مثل حزب الله اللبناني وميليشيات مقتدى الصدر العراقية، تلاها تشكيل ميليشيا الحشد الشعبي من أبناء دير الزور المتواجدين في مناطق سيطرته، بهدف إيجاد قوى رديفة لجيش النظام تملك مقرات في دمشق وتدمر للعمل على السيطرة على طريق دمشق_ دير الزور وفك الحصار عن مناطق النظام بإسناد جوي من الطيران الروسي، وهذه هي المرحلة الثانية التي سمهد في حال نجاحها لتدخل الحشد الشعبي العراقي، الذي أكد قادته «أن الهدف القادم بعد الموصل هو دير الزور بالشراكة مع قوات النظام لطرد داعش منها».

خطط النظام في التمدد، يقابلها خططٌ مشابهةٌ لقوات سورية الديموقراطية المدعومة من قوات التحالف الدولي، التي يشكل حزب الاتحاد الديموقراطي الكردي أكبر مكوناتها، حيت تمكنت هذه القوات من السيطرة على ريف الحسكة الجنوبي وأجزاء واسعة من ريف الرقة بعد طرد داعش منه، وهي الآن تسيطر على منطقة أبو خشب وقرى الجزرات شمال وغرب المحافظة.

يقول المحلل العسكري والاستراتيجي عبد الناصر العايد: «إن قوات سورية الديموقراطية حاولت التوغل سابقاً داخل المحافظة، لكن الأمر قوبل برفض أمريكي لعدة أسباب منها عدم وجود حاضنة شعبية لتلك القوات، ورفض عشائر وأبناء دير الزور لها لأسباب قومية وأخرى تتعلق بقضية تعاملها مع قوات الأسد والعدوان الروسي، فيما يشكل غياب المحافظة عن حسابات التحالف الدولي سبباً إضافياً لتعليق عمل تلك القوات داخل أراضي المحافظة التي اقتصر تقدمها على بعض النقاط شمال المحافظة لقطع الطريق بين الرقة ودير الزور في الفترة الحالية فقط ».

أما الطرف الثالث للصراع، الذي يتمثل في الفصائل العسكرية من أبناء دير الزور، وهي: أحرار الشرقية، أسود الشرقية، مغاوير الثورة/جيش سوريا الجديد سابقاً، هيئة تحرير الشام/قاطع الشرقية، أحرار الشام/قاطع الشرقية، فهي تعدُّ الطرف الأضعف في المعادلة لعدم وجود دعم جدي لها لتحرير مناطقها، مشابهٍ للدعم الذي حظيت به قوات سورية الديموقراطية، كما تعتبر حالة التشرذم والفرقة سبباً مهماً، إذ لا تنسيق بين تلك الفصائل سواء على المستوى العسكري أو المطلبي. وعلى سبيل المثال، فإن قاطع الشرقية في هيئة تحرير الشام، الذي يعد من أقوى تجمعات أبناء دير الزور، لا يعتبرُ تحرير المحافظة من التنظيم أولوية له. ذلك بالإضافة إلى أسباب أخرى منها الخلافات الفكرية والفصل الجغرافي بين الفصائل، فقسمٌ منها يتواجد في حلب وإدلب وحماة، وآخر في القلمون الشرقي والبادية والتنف، ما يمنع التواصل الجغرافي بينها بشكل تام أحياناً، ويعيق أي جهود للتنسيق.

لكن الأيام الأخيرة شهدت حالة تنسيقٍ أعلى بين بعض هذه الفصائل، بين جيش أسود الشرقية وقوات مغاوير الثورة في الجنوب السوري والبادية السورية، حيث تمكنت تلك الفصائل من التقدم وطرد داعش من مساحات واسعة في الحماد السوري والقلمون الشرقي، كان آخرها سيطرة جيش أسود الشرقية على منطقة العليانية جنوب تدمر، وتقول المعلومات والتحليلات إن التحركات الأخيرة تأتي تحضيراً لمعركة محافظة دير الزور بدعم أردني، لإنهاء وجود التنظيم في البادية ومحافظة دير الزور بشكل نهائي.

حسين العبد الله عضو المجالس المحلية في ريف دير الزور يرى «أن الفصائل العسكرية من أبناء دير الزور، هي الأكثر قبولاً على المستوى الشعبي الديري من بين الأطراف المتنازعة على دير الزور، فجميع عناصرها هم من أبناء المحافظة وستحظى بالدعم من عشائرها في حال تقدمها».

وأضاف العبد الله: «يستحيل قبول تلك العشائر للنظام وقوات سوريا الديموقراطية، وسيدفع تقدم أي منهما تلك العشائر للقتال إلى جانب داعش، وهي وإن كانت تعادي التنظيم، إلا أنها تعتبره الأقل أجراماً بين تلك الأطراف، التي يحمل دخولها مخاوف من مجازر جماعية يرتكبها النظام حالها حال مناطق أخرى استعادها النظام، أو تهجير ممنهج من قبل قوات سورية الديموقراطية، كما حدث للمكون العربي جنوب محافظة الحسكة وشمال الرقة».

لا تزال هذه الفصائل غير قادرة على إنتاج رؤية لتوحيد جهودها، مما يهدد بجرّ المحافظة إلى صراعات بين هذه الفصائل المحسوبة على عشائر بعينها تحوِّلُ حلم العودة إلى دير الزور إلى مأساة. لذلك، لا يخفي عددٌ من ناشطي دير الزور في مجالسهم الرغبة بأن يتم تدارك الخلافات بين الفصائل وتخفيف حدتها إلى أدنى المستويات الممكنة للإسراع في تحرير المحافظة. ولذلك أيضاً، وقف معظمهم حائراً أمام تقدم جيش سوريا الجديد المدعوم من التحالف الدولي باتجاه مدينة البوكمال، وذلك عندما تمكن يوم الأربعاء 29 حزيران 2016 من التقدم من منطقة التنف عبر البادية السورية، والسيطرة على مطار الحمدان جنوب غرب البوكمال وبعض النقاط الأخرى جنوب المدينة، لكنه انسحب منها بعد ساعات، وكان هذا الفصيل قد تحرك بشكل منفرد، ودون تنسيق مع الفصائل المحلية الأخرى.