المجزرة

 

تبدأ القصة بالصور عادةً: جثامين لأطفال وبالغين بوجوه ساكنة، مصفرة، دون آثار دماء أو معها. يتجدد الإحساس بعد مشاهدتها بسطوة البديهيات: النظام «شر»، المعارضة «خير»، الصواب السياسي واضح. تستمر الحرب، التي تحمل المزيد من المجازر بفضل تجدد الإحساس بالكراهية والتعاطف. يتكرر هذا دوريّاً منذ نحو ستة أعوام، فالمجزرة هي الواقعة الأكثر تواتراً في الحدث السوري، ويمكن اعتبارها مع الصدمة التي تثيرها محرك الصراع بين النظام والمعارضة.

الطريق إلى التحرّر من الحلقة المفرغة التي تفرضها الحرب، بصفتها مجزرة مستمرة، يُلزم النظر إلى الواقع كتعبير عن هيستريا دموية يجسدها النظام، فهو نظام إبادة. وماذا عن المعارضة؟ دون تحميلها أية مسؤولية مباشرة عنها، تبدو المجزرة شرطاً لوجود للمعارضة، لا شرعية لها إلا بوقوعها.

يتعلق الأمر بمفهوم سائد في الثقافتين العالمة والشعبية للسياسة، كانتصار دائم، أبدي في الحقيقة، كونه إن لم يتحقق في الربح فإنه يجد بدائل في صور أخرى للموت، منها الصمود أو النضال أو الكفاح أو الجهاد. يبدو هذا واضحاً في لحظة الهزيمة حين تُختزل السياسة إلى عمل لا نهاية له من أعمال الموت، وتصير انتحاريةً بصورة تمهد لقبول ضمني بالمجزرة، إذ يتخذ رفضها المعلن شكل شعارات بعيدة عن الخبرة اليومية الإنسانية الحيّة، وتودي بحياة كثيرين «في سبيل ...». يستوعب المفهوم السائد للسياسة سياقاً مشرقياً، وربما عربياً. سورية، والسوريون، والمعارضة السورية، أحد تعبيراته، والفلسطينيون سبّاقون.

تستدرج المعارضةُ المجزرةُ عبر مشروعها السياسي الذي قام على أنقاض ثوّرة. فقد تمكنت، كمشروع ونخب، من «ضبط» الحدث التاريخي الذي بدأ في آذار 2011، وتسيسه على طريقتها. جعلته متمحوراً كلياً حول النظام السياسي والرجل عديم القيمة المدعو بشار الأسد. لم تكن المعارضة، تاريخاً وفكراً وشخصيات (أكثرها)، مؤهلة لتحويل الثوّرة إلى تحد ثقافي واجتماعي يُهيّئ لولادة حساسية جديدة تجاه مفاهيم السلطة والسياسة والحياة وغيرها، يتطلب الأمر تجاوزاً قيمياً وذهنياً للمفاهيم والقيم التي أرساها النظام. التماثل الجوهري معه لا يبقي للمعارضة شرعية وجود إلا بقدر «الألم والضرر» الذي يلحق بها وبـ «شعبها». والنظام بهذا المعنى خصمٌ وليس عدواً.

يمكن اعتبار ما سبق واحداً من أصول الركون إلى الموت، أو استئناسه، الذي أصاب السوريين المنحازين إلى أحد طرفي الحرب قبل غيرهم، إذ يرتسم في المشهد صورة لجلاد يقوم بدوره وضحية تقوم هي الأخرى بدورها وجمهور لا يكف عن الصدمة، ما يعني استقراراً لـ «النظام الاجتماعي» في لحظة الحرب يشبه، في الصورة النهائية، الاستقرار الذي ساد على مدى أربعة عقود، لكن مع الكثير من الموت اليومي، المادي والمعنوي والمجاني، منذ آب 2013 على الأقل.

تلاشت الثورة، ذاكرةً و«مشروعاً» وحساسية، حين جيّرت المعارضةُ المجزرة الكبرى و«صدمته» لصالح مشروعها الذي ينتصر بهزيمته، فقد اختزلت استخدام النظام للكيماوي، وهو «حادث ثقافي» و«سؤال سوريّة»، إلى واقعة سياسيّة/عسكرية ردت عليها ببيانات احتجاجية ضد (ضمير العالم)، في حين كانت اللحظة مناسبة للإحساس بالمسؤولية والتعاطف مع الذات وإعلان الهزيمة. فالثورات تُهزم أو تفشل. غير أن هذا لا يحدث في عالم «السياسية» التي لا تعرف الهزيمة، ولا المسؤولية.

جرى الالتفاف على ذلك باستدعاء العدّة القديمة.

في صيف العام 2014، رفعَ شارعٌ معارضٌ لافتةً تشيد بـ «صمود» محاصَرين تناولوا لحم كلاب. مثّلت هذه اللحظة انتصاراً تاماً لـ «فكرة» المعارضة عن «التغيير» والسياسة والحياة، وتبديداً كاملاً لإنسانية سنتين من عمل الثوّرة التحرري: استعادة الشعور باستحقاق حياة حرّة وكريمة. جرى استبدال هذا بشيء يعود للماضي الذي صنعه وعاشه واختبره جيل الهزائم الذي يقف اليوم على حافة قبره. وبعد الكيماوي و«الصمود»، بدأت الثورة المهزومة بالتهام أبنائها بهمّة المعارضة المنتصرة (في الشهر الأخير من 2013 اختطَفَ معارضون رزان زيتونة ورفاقها)، وصار ممكناً حينها الحديث عن أساس نظري واحد يعمل طرفا الحرب انطلاقاً منه: لا حدود للاستثمار السياسي وغير السياسي في الخراب العام.

بحكم الخبرة والممارسة المديدة، كان النظام قد صاغ الأساس النظري في شعار يناسب الشوارع والجدران والأحياء والشبيحة، بينما لم تستطع المعارضة، لأسباب كثيرة، من بينها انعدام الشخصية، فعل ذلك، في وقت استمر خلاله ممثلوها السياسيون في الذهاب إلى جنيف وموسكو والأستانة، وأي مدينة أخرى متاحة، محمولين على الأثر الإنساني الذي تخلّفه المجزرة وصدمة المجزرة. وفي السنوات القليلة الأخيرة، أصبح للمعارضة «أبو مازنها»، الذي نجح في إعطاء انطباع بأن السوريين بدأوا من حيث انتهى الفلسطينيون، حيث مكابدةُ الفشل أسلوبُ حياة، بعدما انتهت الثورة، على مستوى الحلم، إلى مستوى أحلام «هيئة التنسيق».

ما الذي يبقى للثوّرة بعد الهزيمة وتبدد الشعور العام بالحرية والكرامة، وتفويت فرصة ولادة إنسان جديد (غاية الثورة كي تستحق اسمها)، حين تكون السياسة هي «النصر أو الموت»؟ المعارضة... والنظام. التحضير لمجزرة جديدة، استدراجها، والاستعداد لصدمة أخرى يجري استثمارها اللامجدي في العواصم والمنظمات.

أسلوب قديم، يصلح لفهم الواقع، في أقصى حدود الموضوعية، كحاجة إلى الموت والخراب باعتبارها الجانب السلبي من عملية تغيير لا أفق لوجهها الإيجابي طالما أنه لا حديث عن ثوّرة ثقافية، بينما الأحاديث كثيرة عن الدول والجيوستراتيجا، ومعارك جوبر ووادي اليرموك، وضمير العالم، ومسائل أخرى جدية تحاول أن تُضفي معنىً على ما يجري دون ضمانة أن تكون مقنعة لأصحابها، ومع شك معقول في أن تكون تعبيراً عن العجز عن استيعاب الواقع، حيث لا شيء سوى مجزرة وصدمة، وأخرى فصدمة، وهكذا.

لا يجوز الحديث عن حساسية متبلدة في شأن ذلك. يمكن الحديث عن الحاجة الإنسانية إلى حماية القناعة والاحتماء بها لتلافي السؤال، وهي مهمة تتكفل بها المجزرة التي تجدد الهمة للحرب والموت، بينما يتكفل «الشهيد» بتعجيل نسيان الموتى بعد الرحيل الأخير، قبل نشر الصور.