أسس لمشروع وطني سوري

 

عند البحث عن آفاقٍ لحلولٍ محتملةٍ للمسألةِ السورية المركبة، يصادفُ المرءُ نداءاتٍ تؤكد على ضرورة العمل على مشروعٍ وطنيٍّ تحتاجه سوريا بشدة، من أجل الولوج في مستقبلٍ ممكن. قد يبدو هذا المطلب ترفاً ثقافوياً في ظلِّ المأساة اليومية التي يعيشها عمومُ السوريين في كل مكان، لكنه مطلبٌ مبرر، بل وملحّ، لأنه يمكن للهدم أن يكون بلا خطة، رغم أنه سيتحول إلى فوضى، لكن البناء لا يمكن أن يكون بلا مشروعٍ واضحِ الأهداف والمنهجية. السوريون بحاجة لتطوير مشروعهم، لأن المطلوب ليس أقل من بناء وطن، والبديل عن ذلك هو هدمٌ عبثيٌّ مستمر، أو بالأحرى هدمٌ مخططٌ له من قِبلِ الآخرين على حساب دمنا ومستقبلنا.

في سمات المشروع الوطني

أولاً، هناك كثيرٌ من النقد الموجه إلى المشاريع التي تحاول فرض نفسها في الميدان السوري بقوة السلاح. بعضُ هذا النقدِ جديٌّ، وكثيرهُ مبتذلٌ كابتذال المشاريع نفسها. من المهم دائماً فهم تلك المشاريع ونقدها، إلا أنه من الخطورة بمكان تعريف المشروع المأمول بوصفه مجرد نقيض لأحدها أو كلها، فهذا لن يؤدي إلا إلى الاستتباع من قبل مشاريع أخرى لمّا تُتكشف بعد، كما حصل منذ بداية الثورة السورية حتى الآن. فالمشاريع السياسية الكبرى لا تتحدد بدلالة ما تعتزم القيام بهدمه، على أهميته، بقدر ما تتحدد أيضاً بدلالة البدائل التي تقدمها لعموم الناس1.

ثانياً، لذلك فإن معظم المطالبات بمشروعٍ وطنيٍّ تذهب إلى تحديد الهدف ببناء دولة ديموقراطية تعددية، تكون المواطنة أساسها في بعض الأحيان، وفي أحيانٍ أخرى يضاف إليها صفة العلمانية كشرط لازم لتكريس الديموقراطية. لكن للأسف، لا يعدو هذا النمط من التفكير كونه رغبوياً يقفز إلى النتائج المرجوة مباشرة دون المرور بمقدماتها الموصِلةِ إليها. وأيضاً، فإن الديموقراطية والمواطنة، والعلمانية أحياناً، تبدو وكأنها مفاهيمٌ محددة ومجدية ومسلمٌ بها، تحتاج إلى خطة لجعلها متحققةً واقعياً. فالمشاريع السياسية لا تنبثق من رؤى رغبوية أو ادعاءات إيديولوجية، وإنما من الواقع الموضوعي لمجتمع معين2.

ملاحظات نقدية

المشكلة الأساسية في سوريا، فيما يخصّ تطويرَ مشروعٍ وطنيٍّ، ويبدو أنها أزمة سياسية عالمية، أن كل تيار يطرح مجموعة من الشعارات التي تُستخدَم كأداةِ تحشيدٍ سياسيّ. لكن هذه الأداة غير قادرة في الحالة السورية سوى على اجتذاب بعض المؤيدين لها، وأحياناً تجتذب المال و/أو الدعم السياسيين. لذلك فإنه من الضروري توجيه بعض الملاحظات النقدية لأهم هذه الشعارات: العلمانية والمواطنة والديموقراطية، قبل الشروع بمناقشة الأسس التي يمكن أن يُبنى عليها المشروع الوطني.

العلمانية

كشف النقاش حول الإسلام في أوروبا3، وتالياً حول الهوية الأوروبية، خلال العقدين الأخيرين، عن خللٍ ما قد يكون موجوداً في العلمانية كمنظومة سياسية وقِيَميّة. وكشفت الثورة السورية وجود هذا الخلل، وربما كشفت عمقَه وجوهريّتَه. فلا يمكن إخفاء حقيقة أن نسبة كبيرة، وربما تكون أغلبية، من العلمانيين المشرقيين والأوروبيين مؤيدون لنظام دموي وعدَمي مثل نظام الأسد، فقط لأنه يُبدي سلوكاً يدّعي من خلاله أنه علماني، ولأنه يدّعي محاربة الإرهاب «الإسلامي».

ولا يمكن الادعاء بأن مواقف العلمانيين لا تمثل العلمانية، حيث أنه يستحيل فصل الممارسة عن المنظومة التي تصيّرَت تاريخياً، عندما يكون الممارسون كثيرين جداً. إن ادعاءً كهذا يشابه الادعاء بأن تنظيمي داعش والقاعدة لا يمثلان الإسلام -بوصفه منظومةً تصّيرَت تاريخياً من خلال جدل النص والواقع على مدى أربعة عشر قرناً- بينما الشامتون بمقتل رواد نادٍ ليلي بتفجيرٍ داعشيٍّ يُعدّون بالآلاف، والحزانى على مقتل أسامة بن لادن بالملايين.

تتجسد منظومات القيم والمفاهيم المرتبطة بها فعلياً في الواقع، بالرغم من أنها تتشكل نتيجةً لجدلِ الواقع والنظرية. لذلك فهي تختلط مع الممارسات الراسخة في المجتمع، وتصبح هذه الممارسات جزءً من المفاهيم بالرغم من أنها قد لا تُضيف لها أي معنىً، وقد تكون مناقضة لغاياتها في كثير من الأحيان. وعلى هذا النحو ترتبط العلمانية، ليس فقط في العقل العربي بل وفي العقل الأوروبي، بأسلوب الحياة الغربي نفسه الذي لا يتناقض في كثيرٍ من تفاصيله مع الدين المسيحي بوصفه الدين المهيمن تاريخياً في الغرب.

وأبعد من ذلك، يجادل راجيف باراغافا، بأن القناعة السائدة حول فضاءٍ عامٍ أوروبيٍّ علمانيٍّ مجرد أسطورة، حيث أن الانحياز الديني في الدول الأوروبية يتزايد بشكل ملحوظ4. وبالرغم من العلمنة العميقة، فإن وجود دين مهيمن سابقاً لا يخدم علاقات اتصال بين-دينية، أو في التخفيف من حدة التمييز الديني في العديد من الدول الأوروبية5.

رغم الحروب الدينية التي عاشتها أوروبا طويلاً، إلا أنها لم تعرف تنوعاً دينياً حاداً، فقد سيطرت عليها المسيحية بطوائفها المختلفة قروناً طويلة. وكان من الطبيعي أن يحكم العقل الأوروبي هذه الدرجة المخففة من التنوع6. بمعنى، أن العلمانية -وخاصة الصيغة المعتدلة منها- يمكن لها نظرياً أن تكون حلاً سياسياً لكل درجات التنوع الديني، من خلال فصل الدين عن الدولة، إلا أن الأوروبيين، في الممارسة، كان خيالهم محدوداً بتجربتهم كما كل شعوب العالم، فارتبطت الحلول العملية بمدى حدة التنوع التي خبروها، وارتبطت أيضاً بأسلوب الحياة الذي لا يتعارض في كثيرٍ من تفاصيله مع الدين المسيحي.

لا يشكل منع الرموز الدينية في غير دولة أوروبية مشكلة بالنسبة للمواطنين ذوي الأصول الدينية المسيحية، لكنه مشكلة بالنسبة للمسلمات على سبيل المثال. كما وتصبح البيرة وارتداء البكيني تعبيراً عن «الثقافة» العلمانية أكثر من كونهما خياراً شخصياً. وكلما كان الحضور العام لدين معين أقرب إلى أسلوب العادات الأوروبي في الفضاء العام كلما قلَّ التمييز ضده، والعكس بالعكس.

في المقابل كانت تجارب شعوب المجال العربي غير مشجعة مع العلمانية. فالتجربة البورقيبية في علمنة تونس قمعت الحضور العام لأشكال التدين الإسلامي، وعملت على نزع الدين من المجتمع بالقوة. وكذلك كان الأمر في التجربة الأتاتوركية في الجارة القريبة، تركيا. واليوم تتصدر تونس قائمة الدول المصدّرة لعناصر تنظيم داعش، بينما تشهد تركيا ردَّ فعلٍ عكسيٍ على العلمنة القسرية، ويزداد التأكيد على هوية إسلامية جاهزة للاستثمار من قبل ديكتاتوريات مستقبلية محتملة.

وفي الوقت الذي تتعرض فيه «الأقلية» المسلمة في أوروبا لعدة أشكال من التمييز الاجتماعي والقانوني، تارةً في سياق الإسلاموفوبيا وتصاعد أعداد اللاجئين، ألمانيا على سبيل المثال، وتارة في سياق التأكيد على علمانية أوروبا، فرنسا على سبيل المثال. وفي الوقت الذي يتعرض فيه سكان سوريا، وتحديداً من العرب السنة، لكل أشكال القتل الممنهج والتغيير الديموغرافي، لا يتوقف يساريون «علمانيون» عن التساؤل حول مصير «الأقلية» المسيحية في سوريا في حال توقف قتل «الأكثرية». هذا ناهيك عن دعم أوروبا شبه المطلق لإسرائيل، التي تعرّفُ نفسها كدولة دينية يهودية!

المواطنة

وبالتوازي مع تطور العلمانية والحريات والحقوق المدنية والثورة الصناعية في أوروبا، تطورت الفردانية والمساواة على أساس المواطنة أيضاً. وقد يصح القول أكثر، إن المواطنة تطورت في السياقات سالفة الذكر على أساس الفردانية. أي أن المساواة أمام القانون للمواطنين وحماية حقوقهم تستند على كونهم أفراداً في الدولة، بغض النظر عن أي اعتبار آخر.

تبدو هذه الصيغة وكأنها الكمال القانوني والسياسي الذي ينشده الإنسان، لكن ما تفعله المواطنة حقيقةً، أنها تنزع عن الإنسان بقوة المساواة أمام القانون (قسراً؟) كل صفة أخرى سوى كونه فرداً مواطناً. بمعنى آخر، إنها لا تقيم أي اعتبار لكون الإنسان يجد نفسه في العديد من دوائر الانتماء التي تتقاطع فيه، ولكونه كائناً مركباً هويّاتياً. والمواطنَة بهذا المعنى تقمع كلياً أو جزئياً، بالقوة الخشنة للقانون أو بالقوة الناعمة، أي هويةٍ محتملةٍ قد تتشكل على أساسها جماعة ما، ينسجم فيها الفرد مع ذاته. وذلك لصالح هوية ذات بعدٍ واحد، هي الهوية الوطنية، ولاحقاً أصبحت ذات بعدين، وطنية وأوروبية.

ويجادل راجيف باراغافا أيضاً، بأن الحرية الفردية والمساواة على أساس المواطنة لم تترسخ في أوروبا إلا بعد فرض التجانس الديني فيها، أي بعد عمليات طرد واسعة النطاق للجماعات التي يختلف إيمانها عن دين الحاكم7. وبذلك فإنه قد تم نفي أي إمكانية للتنوع الديني الحاد، ثم استُبعِدَ لاحقاً التنوع الديني الأقل حدّة من حقل السياسة والقانون.

وبذلك اعتقدت الدول الأوروبية أنها استطاعت تخطي تنوع الهويات داخل البلد الواحد، وشرعت بالعمل على تخطي الهويات الوطنية ذاتها نحو هوية أوروبية تجمع الأوروبيين في إطار المواطنة الأوروبية. وقد أحرزت تقدماً ملحوظاً في هذا الاتجاه.

لكن موجة اللاجئين في ثمانينات القرن الماضي عززت النقاش حول مسألة الهوية الأوروبية في مقابل هويات الوافدين الجدد. كما أن الأزمة المالية في 2008 عززت النقاش نفسه في بعدٍ آخر، وهو الهوية الوطنية في مقابل الهوية الأوروبية. وأخيراً كانت الثورة السورية وما تلاها من مأساة إنسانية، فتفجرت الأسئلة الأخلاقية والسياسية والفكرية، ونقلت النقاشات حول الهوية والمواطنَة الأوروبية إلى مستويات غير مسبوقة، وكان لها أثرٌ هام في أزماتٍ سياسيةٍ في غير دولة أوروبية.

يمكن المجادلة بحذر وبقدر من الثقة، أن أوروبا تشهد رد فعل عكسي على قمع الهويات غير الفردية. بمعنى أن التغيرات والأزمات سالفة الذكر ساهمت بإعادة بعضٍ من حياةٍ لهويّات غير فردية، كان قد ساد اعتقادٌ أنها لم تعد موجودة، أو أن تأثيرها أصبح شبه معدوم على أقل تقدير. تالياً، أعادت قطاعات واسعة في المجتمعات الأوروبية اكتشاف هويتها المسيحية و/أو هويتها الوطنية. وهذا بالضبط ما تستثمر فيه الأحزاب اليمينية المتطرفة، بالقدر نفسه الذي يستثمر فيه الإسلاميون هذا النكوص الأوروبي. يبدو أن الصيغة الحالية للمواطنَة المؤسَّسَة على الفردانية المطلقة وجدت نفسها في مأزق، فهي تطورت في بيئة متجانسة دينياً إلى حدٍّ ما، واعتمدت في ترسيخ نفسها على هذا التجانس النسبي. ومن ناحية أخرى هي تدعو إلى عدم الاعتراف بأي اختلاف يحمل صيغة جماعية هوياتية، بل وتكبحَه، أي أنها تنكر على الهويات الجماعية أي وجود قانوني. فيبدو الأمر وكأن بعض الجماعات/الأديان الأخرى -التي تنظر إلى علاقة الفرد بالجماعة بشكل مختلف- لا يمكن لها أن تتعايش مع فكرة المواطنة.

الديموقراطية

هُزِمَ اليمين المتطرف في هولندا وفرنسا، ويبدو أن السيناريو سيتكرر في سبتمبر في ديموقراطية راسخة أخرى، ألمانيا. لكن الوجه الآخر من نتائج الانتخابات يكشف عن تقدم ثابت لهذا اليمين خلال السنوات القليلة الماضية، ولا يبدو أنه سيتراجع في المدى المنظور. القاسم المشترك بين هذه الانتخابات أن الأوروبيين لا يختارون الأفضل بين المرشحين، بل الأقل سوءً، والأكثر استقراراً، في مشهد لا يكشف عن أي آفاق محتملة للخروج من الأزمة السياسية، بل يؤجلها إلى حين. وذلك في مقابل متطرفين يريدون أخذ بلدانهم إلى المجهول.

أما الأمريكيون فقد اختاروا أن يقطعوا مع النخب السياسية التقليدية المتمثلة بهيلاري كلينتون، والخوض في مغامرة جديدة. وقد تصطدم هذه الآمال بطبيعة الحال بالنخب السياسية التقليدية ذاتها، التي تسيطر على مراكز اتخاذ القرار في الولايات المتحدة. ومع ذلك فإن انتخاب دونالد ترامب رئيساً، زاد المخاوف من اتجاه الولايات المتحدة نحو الاستبداد8. وإلى الشرق من أوروبا، يستخدم أردوغان في دولة حديثة العهد مع الديموقراطية نسبياً صندوق الانتخابات للالتفاف على الديموقراطية.

ويلخص ياسين الحاج صالح أزمة الديموقراطية في العالم اليوم، بامتناع تولد طاقة تحرُّرية كامنة على الأرضية الديموقراطية الليبرالية، التي تطورت خلال العقود الثلاثة الماضية باتجاه حكم (قراطية) أكثر وشعب (ديموس) أقل، حيث يلعب خبراءٌ ونخبٌ ميسورةٌ الدور الحاسم فيها9، في استبعاد متزايد لكتلٍ سكانيةٍ واسعة من عملية اتخاذ القرار وتقرير المصير. هذا المجتمع السياسي أطلق عليه آلان توران اسم «المجتمع المبرمج» في كتابه المجتمع ما بعد الصناعي، حيث تكاد ترتد الديموقراطية إلى التمثيل (وهو سابق للديموقراطية ولا يقتضيها)، وإلى انتخابات دورية تضمن تداولاً سلمياً للسلطة محصوراً في دوائر ضيقة10.

هذا النقد بعجالة لا يعني أن أوروبا لم تحقق شيئاً، فلا شك أنها خاضت صراعات مديدة ومريرة في سبيل حرية الإنسان (الأوروبي على الأقل) وحقوقه، وبَنَت منظومات فكرية وسياسية: العلمانية والمواطنة والديموقراطية من أجل ذلك. ولا شك أن منظومة الحقوق التي يتمتع بها الفرد في أوروبا هي الأكثر تطوراً بين كل دول العالم، فبالرغم من كثيرٍ من الملاحظات حولها والنقد الذي تستحقه، إلا أن الأكثر تهميشاً في أوروبا يمتلكون حقوقاً أوسع مما يمتلكه أقرانهم الأقل تهميشاً في دولً أخرى. لكن النقد موجه فعلياً إلى منهجيات التفكير خارج الزمان والمكان، التي تتبنى الحلول من موقع المهزوم، ولا تقوم بما يكفي من العمل للإحاطة بالظروف التاريخية التي أنتجت هذه المنظومات في زمانها ومكانها11. والأخطر من ذلك أن استخدام هذه المنظومات كشعارات وتبنيها كإيديولوجيا بوصفها سمة للدولة و/أو المجتمع، يمكن أن تتحول إلى ممارسة إقصائية استبدادية مهما بدت خيراً عاماً.

كيف ومن أين نبدأ؟

هناك طريقان لتوطين المنظومات سالفة الذكر في مجتمعاتنا، إما قسرياً أو طوعياً من خلال نقاش عام يشارك فيه الجميع دون استثناء. أما الأولى فقد جُرّبت في تونس وتركيا، ولم تُنتِجا ما يمكن التعويل عليه في المستقبل. ناهيك عن أن القسر هو بذاته انتهاك لإرادة الناس، لا يختلف عن أي ممارسة ديكتاتورية تحت أي مسمى أيديولوجي آخر، إن كان شيوعياً أو إسلامياً.

من مشكلات طرح فكرة العلمانية والمواطنة أن نقاشها ما زال، ويبدو أنه سيبقى، حبيساً داخل دوائر بعض النخب السياسية والفكرية السورية. لأنه لا يبدو في الأفق أي مؤشرات لانتقال النقاش حولهما إلى الشارع، أي إلى الإنسان السوري العادي. وهذا يعيدنا إلى طرح التساؤل حول مشروعية هذه النخب، وفيما إذا كانت ممثِّلةً حقاً لرغبات وحاجات المجتمع السوري12.

لذلك لا أعتقد أننا معنيّون بنقد العلمانية والمواطنَة بهدف تطويرهما وتبنيها، النقد من أجل الفهم مهم بطبيعة الحال. لكننا معنيون بالضبط بالتشكيك بكل ما نعرف وبتطوير منظومة سياسية وقِيَميّة وحقوقية جديدة. لأن مفاهيماً مثل المواطنة والعلمانية يبدو أنها وصلت مداها. ويبدو أنه من الضروري، بعد المراجعة بالمشاركة مع قوى التغيير في العالم، تجاوزها إلى منظومات ومفاهيم أرقى يمكن أن تشكل حلولاً مجدية.

أما الطروحات والنقاشات الديموقراطية، فيبدو أنّ معظمها لا يخرج عن نطاق الاستنساخ الشكلاني والتقليد المشوه للمظاهر13. فتُختصَر الديموقراطية في النقاشات والهيئات المعارضِة بصندوق الاقتراع. وقد لا يرفض الديموقراطية، صراحةً أو ضمناً، سوى الفاشيين والمتطرفين والمستبدين، لكن في الوقت نفسه، ليس مفيداً أن نعتمد على الاتفاق العام، إن وجِد، ونعتبر أن المسألة محلولة. بل يجب أن نعود إلى طرح الأسئلة الأساسية من قبيل: لماذا نريد الديموقراطية؟ أو بالأحرى، يجب علينا تناسي كلمة الديموقراطية بدايةً، وطرح السؤال الأساسي: ماذا نريد وكيف نصل إليه معاً؟ بذلك نستطيع تطوير نقاش لا يستبعد المسألة الاجتماعية والقضايا الإثنية والدينية، وكذلك القضية النسوية، ومشكلات التنظيم الإداري السياسي14.

من أجل التحرر من سطوة المفاهيم والإيديولوجيا والتجارب خارج الزمان والمكان، ومن أجل التفكير والعمل بذهنية منفتحة للتأسيس لمشروع وطني- قد يكون مفيداً للعالم أيضاً- يجب علينا العودة خطوةً إلى الخلف، وتحديداً إلى الصرخات الأولى للثورة السورية: «الشعب السوري ما بينذل» و«الله سوريا حرية وبس» و«الشعب يريد...». ثم البناء عليها مع الإبقاء على الباب موارباً لتلك التجارب. لأن تلك الصرخات، صرخاتٌ جمعية صادقة تعبر عن جوهر المشكلة، ولأنها أتت نتيجة هذا الاستعصاء السياسي والاجتماعي والاقتصادي، وهي التي كان لها انعكاسها على المستوى العالمي.

يمكن تعريف الثورة بأنها صراع حول موضوعة السلطة، وبشكل أكثر دقة، صراعٌ حول توزيع السلطة ومصادر القوة. وفي الحالة السورية، وكل ثورات ما سمي بالربيع العربي، انطلقت الثورة بوصفها صراعاً بين جزء من السكان وأوليغاركيّة حاكمة تستأثر بالسلطة لنفسها، وتتحكم بكل مصادر القوة في البلد، بحيث يفقد عموم السكان القدرة على التحكم بمصائِرِهم.

يفترض مفهوم إعادة التوزيع أن الصراع يدور حول إعادة تشكيل السلطة، بحيث تستوعب نخباً جديدة كانت مستبعدة سابقاً. لكن المسألة الأساسية لن تُحلَّ حينها، وسيُعاد إنتاج الأوليغاركية الحاكمة مرة أخرى، ولكن بقوى مختلفة. وهذا ما وصلت إليه الثورات في المجال العربي، بطبيعة الحال. لكن شعبية هذه الثورات تنفي هذا المعنى الضيق لإعادة التوزيع، وتؤكد على إعادة تعريف قواعد توزيع السلطة ومصادر القوة.

بناءً على ذلك يمكن استخلاص أن: الشعب يريد إعادة تعريف قواعد توزيع السلطة ومصادر القوة على أساس الحرية والكرامة، وإرادة الشعب هي المحصلة التوافقية لإرادات أفراده وجماعاته، وعلى هذا يمكن أن نؤسس.

أسسٌ لمشروعٍ وطني

١. الحق في المشاركة الفاعلة

قدرة الإنسان على تقرير حياته ومستقبله، والمشاركة باتخاذ القرار في مختلف المجالات وعلى المستويين المحلي والوطني، هو الترجمة الفعلية لإرادة الشعب. لذلك فإن تحقيق إرادة الشعب تتطلب، كشرط لازم، المشاركة الفاعلة من كل أعضائه بالصيغة التي يراها كل فرد مناسبة له، على ألا تحدّ من إمكانية المشاركة الفاعلة لبقية الأفراد. ويجب ضمان هذا الحق لكل فرد، بل يجب القيام بكل ما يلزم من أجل تحفيز الأفراد والجماعات داخل سوريا وفي دول اللجوء على هذه المشاركة.

٢. الاعتراف بالواقع الاجتماعي السوري

يجب الوقوف بصدق أمام الذات، والاعتراف بالانقسامات العميقة بين سكان سوريا. الشعب السوري ليس واحداً، بل هو جماعات دينية وعرقية وقبلية ومناطقية، ولكل جماعة ذاكرة جمعية ورواية تاريخية ومظالم منفصلة عن الجماعات الأخرى حتى المجاورة لها. يعود ذلك في أساسه إلى تاريخ تشكل الحدود السياسية لسوريا، وإلى سياسات الدولة السورية منذ الاستقلال باعتبارها الفاعل الرئيسي في خلق هوية وطنية من خلال تجاهلٍ كليٍّ للأحداث عبر حذفها من التواريخ الرسمية15. لسنا شعباً واحداً بعد، لكن الأرجح أن مصيرنا واحدٌ، أو متقاربٌ على أقل تقدير، وأن لا خيار لدينا إلا العيش معاً. ويبدو أن رغبةً بالعيش المشترك كانت جلية في بدايات الثورة من خلال شعار «واحد واحد واحد... الشعب السوري واحد». لذلك ما من مهرب من البحث عن المصلحة المشتركة وتوفيق الإرادات لتحقيقها.

٣.  حرية الاختيار في درجة الفردانية

إن كان الأمر كذلك، فلا معنى للمناداة بالمواطنَة بالمعنى الأوروبي المؤسَّس على الفردانية، بل وكما ورد آنفاً، حتى في أوروبا فإن المواطنَة في مأزق. إنما كل المعنى يتجسد بالمناداة بالمساواة الحقيقية أمام القانون بين جميع المواطنين، والمتمثلة بالقدرة المتساوية لجميع الأفراد على اختيار درجة الفردانية التي يريدون أن يُعاملهم القانون على أساسها. ومن يريد تسميتها مواطنة، فإنها درجة أعلى من المواطنة تناسب طبيعة الإنسان المركبة هويّاتياً.

٤. الاعتراف بالمظالم دون تبرير استخدام المظلومية

من أجل تجاوز شرور الانقسام الاجتماعي، وبناء مستقبل آمن لكل المواطنين، ومن أجل بناء ذاكرة مشتركة نؤسس عليها شعباً، علينا أولاً الاعتراف تبادلياً -دون نفاق- بالمظالم التي تعرضت لها الجماعات التي تعيش في سوريا، بل والتي تعيش إلى الجوار من سوريا أيضاً. هذا الاعتراف يخفف من الاحتقان، بدل أن تتحول المظالم إلى سرديات مظلومية تبرر الاقتلاع المتبادل للآخر.

٥. بناء التضامن

من أجل أن نكون شعباً، ومن أجل ضمان حق المشاركة الفعالة لجميع المواطنين بوصفهم أفراداً منتمين لجماعات، لا بد من تعزيز والتأكيد على التضامن بين الأفراد والجماعات. التضامن ذو وجهين: غيريّ وأنانيّ. يتضامن أفراد جماعة بشرية مع بعضهم، فيما عدا الكوارث الطبيعية، عندما تتكون لديهم قناعةٌ أن هناك حقاً قد اُنتُهِك و/أو أن مصيرهم واحد. يحتاج الوجه الغيري للتضامن إلى بناء منظومة من الحقوق تعترف بها الجماعة. وتشعر (بمعنى الوعي) أن انتهاك أحد هذه الحقوق لأحد أفرادها هو انتهاك لحقها الجمعي. أما الوجه الأناني للتضامن فهو وسيلةٌ غير مباشرة للدفاع عن النفس. فعندما يعي أفراد الجماعة وحدة مصيرهم، فيتجهون إلى الدفاع عن بعضهم، في حالة الانتهاك، درءً لمصيرٍ غير مرغوب به، أو يشعرون بالخوف على أقل تقدير إن لم يكونوا قادرين على ممارسة الدفاع الفعال16.

التحدي ليس سهلاً، بل هو في أعلى درجات الصعوبة، وبالنظر إلى المآسي الحالية وإلى التعقيدات السورية والدولية تبدو المهمة مستحيلة. لكن ما كان مستحيلاً في بلدان أخرى قبل مئتي عام أصبح مُعاشاً اليوم وبديهياً. وبكل الأحوال: هل لدينا خيارٌ آخر؟