قرض صندوق النقد لمصر: عن الفقر والفقراء وجيوش العاطلين

 

تعيش مصر حالياً على وقع الآثار الاقتصادية الناتجة عن تطبيق البرنامج الاقتصادي المرتبط بالقرض الذي قدّمه صندوق النقد الدولي، وسأحاول في هذه المقالة تناول بعض الأمور اللافتة للنظر في مجموعة الوثائق الخاصة بذلك البرنامج، والتي أصدرها الصندوق مع بداية العام الحالي.

برنامج وطني

وصفت السيدة كريستين لاغارد، المديرة التنفيذية لصندوق النقد الدولي، البرنامج الاقتصادي الذي من المفترض أن تطبقه مصر خلال فترة التسهيل الائتماني، بأنه برنامج وطني1، وهو الوصف الذي يتنافى مع منطق المشروطية الذي تعمل به هذه المؤسسة المالية الدولية، إذ بدون تنفيذ الشروط التي يضعها الصندوق، ما كانت مصر لتحصل على القرض بالأساس، فكيف يمكن إذن وصف البرنامج بأنه برنامج تمت صياغته من قبل المصريين؟

لا أريد أن أتوقف كثيراً أمام منطق المشروطية الذي يحكم عالم المؤسسات المالية الدولية، ولكنه يأخذني إلى ما قاله داني رودريك2، عن إعطاء المساحة والحرية لبلدان الجنوب العالمي في تطوير استراتيجية التنمية الخاصة بها، ووضع الأولويات الخاصة التي تتوافق مع واقع كل بلد على حدة، إذ يقول إنه قد يكون من الرشادة والأكثر ملائمة حين تفاضل دولة بين استراتيجيتين للتنمية، أن تختار تلك التي أن تحسّن من أوضاع الفقراء، حتى إذا كان أثرها على الاقتصاد الكلي ليس مضموناً.

يتساءل رودريك: «حين نتحدث عن إصلاح تشريعي، هل تكون الأولوية لتشريعات التجارة والاستثمار الأجنبي، أم لأمور محلية الطابع ولكنها تؤثر على حياة ملايين المواطنين؟»، كما يتساءل أيضاً: «في حالة تطبيق استراتيجيةٍ لمكافحة الفساد، هل ما يعنينا هو الفساد الكبير الذي يشتكي منه المستثمرون ورجال الأعمال، أم الفساد الصغير كذاك الموجود في المؤسسات الشرطية أو القضائية، الذي يؤثر على الفقراء والمواطنين العاديين بدرجة كبيرة؟».

في الحالة المصرية، يمكن أن يكون السؤال مثلاً: هل مكافحة الفساد الذي تمارسه شرطة المرور أمام أعين ملايين المصريين كل يوم، من خلال تحصيل الرشاوى في الطريق العام من سائقي السرفيس عبر ابتزازهم، هو أولوية أم لا؟ هل سائقو السرفيس، وسيلة المواصلات العامة التي تنقل الآلاف من المصريين كل يوم، يستحقون أن تتشكل لجنة تنظر في الآلية أو القانون الذي ينظم عملية منحهم لرخص الأجرة، حتى يستطيعوا ممارسة عملهم دون دفع ما يشبه الإتاوات بشكل يومي، أم أن المستثمرين ورجال الأعمال هم من يستحقون أن تُخصَّصَ لهم اللجان وتُفرَدَ لهم جلسات نقاش في البرلمان حول القوانين التي تتعلق بالاستثمار والضرائب المفروضة عليهم، وأن يؤخذ برأيهم للوصول إلى أفضل ما يرضيهم. وهو الأمر الذي حدث على سبيل المثال مع ضريبة الأرباح الرأسمالية الناتجة عن التعاملات في البورصة، عندما عملت الحكومة على إرضاء هؤلاء المضاربين، بدايةً عن طريق إعفاء توزيعات الأسهم المجانية والوصول بمعدل الضريبة إلى 10% فقط، ثم في نهاية الأمر وقفُ العمل بالضريبة.

إذن ينتهي هذا إلى أنه لا بدَّ أن نجعل بيئة ممارسة الأعمال سهلة وبسيطة وخالية من التعقيدات بالنسبة للمستثمرين، فنصدر لهم، وفقاً لبرنامج الصندوق، قانون تراخيص جديد يسهل من عملية الحصول على التراخيص اللازمة للمنشآت الصناعية، وكذلك قانون جديد للإفلاس. لا بدَّ من جعل الأمور سهلة ومبسطة بالنسبة لبضعة مئات أو في أحسن الأحوال بضعة آلاف من المستثمرين ورجال الأعمال، ولا بدَّ أن نعطيهم أراضٍ بالمجان وإعفاءات ضريبية لكي نساعدهم ونحفزهم على بداية نشاطهم، ولكن على ملايين المواطنين أن يتحملوا عبء مصاعب عملية التحول الاقتصادي تلك في الوقت نفسه، فهذا هو قدرهم المحتوم، لأنه وكما يعلم الجميع «إحنا فقرا أوي».

ثقة المستثمرين أم عموم المواطنين

هناك تركيز واضح في مجموعة الوثائق الخاصة بالبرنامج على مسألة استعادة ثقة المستثمرين بالاقتصاد المصري3، كأولوية وهدف أساسي للبرنامج. هل بالفعل استعادة ثقة المستثمرين، بالأخص الأجانب منهم، هو الأولوية؟ وماذا عن ثقة المواطنين العاديين وملايين الفقراء الذين يتأثرون بعواقب تطبيق ذلك البرنامج. المشكلة الأساسية للمؤسسات المالية الدولية والنظم والحكومات المتعاملة معها أنها تطبق فعلياً مقولة «وضع العربة أمام الحصان»، لأن ثقة المواطنين في حكوماتهم وفي طريقة إدارتها لاقتصادات تلك البلدان، هو الأمر الذي يؤدي تالياً لاستعادة ثقة المستثمرين في اقتصادات تلك الدول.

هنا سأنتقل إلى كلام جيلبرت ريست4 في الفصل الأخير من كتابه تاريخ التنمية: من الجذور الغربية لمعتقد عالمي5، عن العلاقة بين الفقر والثروة، حيث يستخدم مثلاً لطيفاً للغاية لوصف تلك العلاقة وهو: «حيث لا يكون هناك ثروة لا يكون هناك فقر». يقول ريست: «يكون هناك دائماً دعوات لمكافحة الفقر»، ولكنه يتساءل: «هل يمكن مكافحة الثروة أيضاً؟».

ما يحدث في عالمنا، وبالأخص في الحالة المصرية، أنه ليس فقط يتم التغاضي عن الثروات وكيفية تكوينها، بل إن الحكومة تساعد هؤلاء الذين يملكون الثروة لكي يصبحوا أكثر ثراء وأكثر قوة من خلال إعفاءات ضريبية، وتخفيض الحد الأقصى للضريبة على الدخل، وعدم تطبيق الحد الأقصى للأجور، ومنح أراضٍ بالمجان، وغيرها العديد من الأمثلة.

يشير ريست إلى أن: «شعار مكافحة الفقر، يُظهِر الفقر كمشكلة لها طرفٌ واحد فقط هو الفقراء، ويختفي الأغنياء من المشهد تماماً، وهو الأمر الذي يساعد على لوم الفقراء على فقرهم».

أليس هذا ما يفعله الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي ومعظم المسؤولين في الحكومة المصرية؟ ألا يلومون الفقراء على فقرهم؟ ويطلبون منهم أن يتحملوا نتيجة التقشف لأنه «هجبلكم منين» و«لو كان معايا كنت أديتكم»، في الوقت الذي يشاهد فيه المواطنون المواكب الصاخبة لهؤلاء المسؤولين وهي تسير في شوارع القاهرة. يلوم الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي المصريين على فقرهم، وكأنه ليس مشاركاً في إنتاج جزء من ذلك الفقر، بل ويساهم في إنتاج المزيد منه.

عشرات المليارات من الجنيهات أنفقها النظام الحالي على ما يسمى بالمشروعات القومية الكبرى، التي لم تتم دراسة جدواها من الأساس، كما لم يراعى فيها حساب تكلفة الفرصة البديلة، إذ كان يمكن إنفاق تلك المليارات على قطاعات مثل التعليم والصحة، الأمر الذي كان من شأنه بالفعل تحسين حياة ملايين من البشر.

تلك المشروعات التي نفّذها ولا يزال ينفذها النظام الحالي، هي تجسيد لفكرة جَعلِ من يمتلكون الثروة يصبحون أكثر ثراءً، بحيث يصبح الفقراء مجرد وقود لازم لتنفيذ تلك المشروعات، سواء قناة السويس الجديدة أو العاصمة الإدارية الجديدة.

سيصبح الفقراء عمال بناء في تلك العاصمة الجديدةَ، ولكن غالباً لن يُسمح لهم بالسكن فيها أو الاستفادة من الخدمات التي ستوفرها.

برنامج السلطات أم برنامج الناس

في مجموعة الوثائق المشار إليها سابقاً، يوصف البرنامج الاقتصادي بأنه برنامج السلطات6، وفي رأيي أن ذلك الوصف هو وصف جيد للغاية، إذ بالفعل، ذلك البرنامج هو برنامج السلطات وليس الناس، السلطات التي اتخذت قرارات اقتصادية ساهمت في إدخال البلاد في مأزق اقتصادي، ثم ذهبت لتطلب المساعدة من الصندوق الذي اشترط تطبيق برنامج يساهم في تعميق الأزمة وجعل حياة الملايين أكثر سوءً، من خلال المساهمة في إنتاج مزيدٍ من الفقر، وفي الوقت نفسه كثيرٍ من الثروة والقوة لهؤلاء الذين يحوزون الثروة والقوة بالفعل.

لعل قرار زيادة سعر الفائدة هو خير دليل على ذلك الأمر، حيث تذهب الموارد العامة التي كان يمكن أن تستخدم في الإنفاق على تحسين الخدمات العامة، إلى جيوب هؤلاء الذين بإمكانهم شراء أذون وسندات الخزانة المصرية، الأغنياء.

النمو الاحتوائي وخلق فرص عمل

ذُكر تعبير «النمو الاحتوائي» ثلاثة عشرَ مرة في مجموعة الوثائق الخاصة ببرنامج الصندوق، ويُعدُّ تحقيق ما يسمى بالنمو الاحتوائي أحد الأهداف الرئيسية للبرنامج.

المشكلة هنا هي في كيف يتم استخدام الآلية، السوق، التي ساهمت في الإقصاء والإفقار، في تحقيق الاحتواء؟ الأمر مشابه لما يقوله ريست عن أن المنظمات الدولية ترفع شعاراً يسمى «جعل السوق يعمل بطريقة أفضل من أجل الفقراء»، ولكنه يقول «إن ذلك السوق هو الذي خلق ذلك الفقر بالأساس».

لم يعمل السوق من أجل الفقراء في مصر في ظروف كانت أفضل مما هي عليه الآن خلال السنوات الخمسة الأخيرة من حكم الرئيس الأسبق حسني مبارك، فلماذا سوف يعمل بطريقة أفضل الآن، وفي ظروف أسوأ؟

يأتي مرافقاً لهدف النمو الاحتوائي الهدف الآخر الخاص بخلق فرص العمل، ولكن أي فرص عمل تلك؟ فرص العمل غير المستدامة الناتجة عن مشاريع مثل العاصمة الإدارية الجديدة؟ أم محطات الكهرباء الجديدة واكتشافات الغاز الجديدة وقناة السويس الجديدة، وهي المشروعات التي ذكرتها وثائق البرنامج باعتبار أنها ستعطي دفعة للنمو على المدى المتوسط.

يتعجب ريست من كمية الاشتراطات والتوصيات والتحذيرات التي تتبعها حالياً المنظمات المالية الدولية، وهو الأمر الذي يجعلها تدخل في كل مناحي الحياة الاجتماعية في عالمنا اليوم، بما فيها على سبيل المثال حقوق المرأة ومشاركتها في سوق العمل، وما يقوله ريست هو أنه لا يمكن لوم تلك المنظمات على محاولتها تلك، لأنها تحاول تجنب الاتهام بتبسيط الأمور، ولكنه يتساءل: «أين كانت كل تلك التحذيرات والتوصيات في زمن الإصلاحات الهيكلية؟»، المبنية على قائمة قصيرة من الإصلاحات يمكن أن يقال إن «فيها الشفا».

في مجموعة وثائق القرض يتم الإشارة إلى أنه لكي تتم زيادة نسبة مشاركة المرأة في سوق العمل، سيتم زيادة دور الحضانة العامة وكذلك زيادة الأمان في المواصلات العامة، وكأن مشكلة مشاركة المرأة في سوق العمل ستحل بزيادة دور الحضانة وتحسين الأمن في المواصلات العامة. يحاول الصندوق الظهور بمظهر المهتم بكل التفاصيل، ولكنه يقع في فخ التبسيط الذي يحاول هو وغيره من المؤسسات الدولية تجنبه كما يقول ريست.

هي إذن دائرة مفرغة من إنتاج الفقر وفي الوقت نفسه إنتاج الثروة، ولكن معركتنا الحقيقية ليست مع الفقر الذي لن يتوقف عن الظهور، لأنه وكما يقول ريست، لكي توجد ثروة لا بدَّ أن يوجد فقر، ولكي يوجد فقراء لا بدَّ أن يكون هناك أغنياء. المعركة الحقيقية هي مع هؤلاء الذين يطلبون من الناس التقشف، ولكنهم لا يتقشفون، تماماً كما في أحد مشاهد فيلم الناصر صلاح الدين، عندما وجّه ملك أورشليم اللوم للقائد رينو دي شاتيون، الذي أدى دوره الفنان أحمد لوكسر، لأنه كان يشرب وحده ولا يهتم لعطش الآخرين عندما حاصرته قوات صلاح الدين وانعدمت مصادر المياه لقواته، فكان ردُّ رينو أن «جنوده أقوى من العطش»، بينما هو من واجبه أن «يشرب حتى يقود الجنود إلى النصر».

أظن أن حديث رينو هذا مشابه لما قيل عن التخوف من هروب الكفاءات من الجهاز المصرفي المصري، ومن القطاع العام ككل، إذا تم تطبيق الحد الأقصى للأجور، تلك الكفاءات المصرفية التي لعبت دوراً لا بأس به في تعزيز الوضع الاقتصادي السيء الذي تعيشه البلاد حالياً. لا نعلم ماذا كان يمكن أن يحدث لو لم تتواجد هذه الكفاءات، من كان يمكنه أن يقود المعركة مع صندوق النقد؟!!

معركتنا الحقيقة كما يقول ريست أيضاً، هي مع النظرية الاقتصادية التي تقف خلف السياسات التي يتم إملاؤها علينا من قبل القابعين في مقرّ الصندوق في واشنطن، علينا أن ننفُذَ إلى الأساس الذي تستند إليه تلك السياسات، لأن معركتنا هي مع الهيمنة اللامتناهية لاقتصاد السوق.

  • 1. Homegrown program
  • 2. See: Rodrik,D.(2001). The Global governance of trade as if development really matters. UNDP. P.14
  • 3. restore investor confidence
  • 4. Gilbert Rist
  • 5. See: Rist, G. (2008). The history of development: From western origins to global faith (3rd ed.). New York;London;: Zed
  • 6. authorities' program