من «اليانس ورفع الإزار» في ريف درعا الغربي، إلى تركيا

 

«اليانس، هل تعرفين معنى هذه الكلمة؟ هل من الممكن أن تكون أعجمية؟ لماذا يريدون أن تتسربل المرأة بالسواد من أعلى رأسها وحتى أخمص قدميها؟ لماذا يجب أن يكون لون قفازاتها أسوداً، وجواربها سوداء، وحتى لون حذائها أسوداً. هل باقي الألوان محرمة في كتاب الله مثلاً!؟»، قالت صديقتي التي هربت هي وزوجها من قرية تسيل، بعد عشرة أيام مريرة من التواري والاختباء عن عناصر جيش خالد بن الوليد الذين احتلوا القرية.

كان جيش خالد بن الوليد الذي يفرض سيطرته على بعض قرى ريف درعا الغربي في منطقة حوض اليرموك، أبرزها الشجرة وعين ذكر، قد أعلن مبايعته لتنظيم الدولة في الإسلامية في أيار عام 2015. و«تسيل» أيضاً هي إحدى قرى ريف درعا الغربي في حوض اليرموك، خرجت عن سيطرة النظام العام 2013 لتصبح تحت سيطرة فصائل الجيش الحر، وتعرضت طويلاً للقصف بصواريخ سكود والبراميل المتفجرة من قبل النظام، حتى منتصف 2015 عندما توقف القصف.

استطاعَ جيش خالد بن الوليد اقتحام القرية والسيطرة عليها في ربيع 2016، إلا أن فصائل الجيش الحر تمكنت من استرجاعها من قبضته خلال عشرين يوماً. وفي منتصف ليلة 20/2/2017، وتزامناً مع المعارك التي كان يخوضها الجيش الحر في حي المنشية بدرعا ضد النظام، استطاع جيش خالد بن الوليد اقتحام تسيل مجدداً، والسيطرة عليها للمرة الثانية.

تقول صديقتي: «لن أنسى تلك الليلة ما حييت، أتذكرُ تماماً محاولة زوجي إزالة الهلع من صدري، وكيف أراد المحافظة على رباطة جأشه وهو يردد: ستكون مثل المرة الماضية، سيمكثون قليلاً ثم يرحلون. ولكن هذه المرة لم تكن كسابقتها أبداً، فقد كانوا أكبر عدداً وأكثر عتاداً، محملين بأوامر ممارسة العنف والبطش، وبفتاوي شرعية تحلل لهم انتهاك الأعراض والبيوت!

شملت لوائح التصفية والقتل والاعتقال أي فرد من الجيش الحر وكل من له صلة به، والعاملين والموظفين في المنظمات المدنية، والعاملين في المجالس المحلية. ولأن زوجي كان يعمل في إحدى المنظمات المدنية، توجب عليه الهرب والاختباء اتقاءً لشرهم.

اعتقلوا كل من شملته لوائحهم السوداء، جزّوا رؤوس كثيرٍ من عناصر الجيش الحر، ورجالات المجلس المحلي، وكل من خالف فتاويهم وتشريعاتهم، شنعوا بالجثث وكدسوها في السهول فوق بعضها بعضاً.

شيءٌ واحدٌ غريبٌ لفت انتباهي، وهو الحكاية الغريبة للعنصر الذي أوكلت إليه مهمة جزّ الرؤوس، كان واحداً من أبناء قرية تسيل، خرج من السجن بعد تسعة سنوات بموجب العفو الذي أصدره رئيس النظام عام 2011، علماً أنه كان محكوماً عليه بالسجن المؤبد. والغرابة ليست في خروجه من السجن، ولكن في أنه عاد إلى القرية بعد إطلاق سراحه مع زوجةٍ وابنةٍ له! ولا يعلم أحدٌ من القرية متى تزوج، ولا متى أنجب! وعندما دخل جيش خالد بن الوليد القرية تفاجأ الجميع بأنه كان أحد عناصرهم.

حمل جيش خالد بن الوليد الآليات والمعدات والأجهزة إلى مناطق نفوذه الأساسية، والأشياء التي لم يستطيعوا حملها دمروها أو أحرقوها! كما أنهم نهبوا المحلات التجارية والدكاكين، وأرسلوا الطحين والمواد الغذائية إلى مناطق سيطرتهم الأساسية أيضاً، الأمر الذي جعل سكان القرية يعانون الجوع وقلة الطعام.

وبعد أن أحكموا سيطرتهم على القرية، بدأوا يتحفوننا بفتاويهم الشرعية العجيبة. مثلاً تُعاقَب المرأة بغرامة مالية قدرها 3000 ليرة سورية عندما لا ترتدي لباسهم الشرعي المُسمّى باليانس! وفي حال تكرارها المخالفة يجلدون زوجها أو ولي أمرها، واللباس الشرعي يطبق على النساء ابتداءً من عمر عشر سنوات! أما الأصعب من كل هذا وذاك، فهو أنهم مزقوا العديد من البطاقات الجامعية لكثيرٍ من الطلاب الجامعيين».

تنهدت ورفعت بصرها نحو السماء، وتمتمت: «أحمد الله أنني نجوت بجلدي منهم، فلو علموا أنني طالبة جامعية ومنعوني من المغادرة، لكنتُ الآن أسيرة يانسٍ أسودٍ مقيت».

كنتُ قد تعرفتُ عليها عن طريق زوجها الذي التقيتُه صيف 2015 قبل أن يتزوجا، كان شاباً ذكياً صاحب روح مرحة ودعابة لطيفة، وبالرغم من أن ضريبة التحاقه بالمظاهرات التي كان يشعلها مع أقرانه في قريته، كانت عدم متابعته لدراسته الجامعية، إلا أنه لم يعتبرها ضريبةً كبيرةً مقارنةً بآخرين دفعوا أرواحهم. وهو لطالما رفض عروض السفر الكثيرة التي تلقاها.

فرَّ صديقي من قريته التي يحب، بعد أن مارس لعبة الغميضة مع عناصر جيش خالد بن الوليد. يقول: «مسحتُ جميع الأرقام والملفات من كمبيوتري، التي من الممكن أن تكون مستمسكاً عليَّ في حال وقعت بين أيديهم»، قال شارحاً، ثم تابع: «اختبأتُ كالفئران في زوايا منزلي الميتة لمدة يومين، ولكنني في اليوم الثالث لدخولهم، اضطررتُ لتركه حين جاء أحد أصدقائي وطلب مني مغادرته حالاً، لأنه سيتعرض لمداهمة جيش خالد بن الوليد. افترقتُ عن زوجتي، هي في مكان وأنا في مكان آخر أكثر أماناً ومن المستبعد مداهمته. كان منزلاً طرفياً يقطنه رجل وزوجته المسنان. مكثتُ عندهم خمسة أيام، وفي اليوم السادس زارني الصديق نفسه يزفُّ لي بشارةً مفادها أنه قادرٌ على مساعدتي على مغادرة القرية هذه الليلة، بمساعدة أحد عناصر جيش خالد بن الوليد!

هذا العنصر سيكون مناوباً على الحاجز المؤدي إلى خارج القرية، وتربطه بصديقي علاقة جيرة طيبة منذ ما قبل التحاقه بجيش خالد بن الوليد. لم أؤجل الأمر أبداً، بعثتُ رسالةً لزوجتي أخبرها فيها عن مغادرتي للقرية تلك الليلة، وأطلعتُها على المكان الذي سأذهب إليه في حال استطعتُ المغادرة، واتفقتُ معها على أن تلتحق بي فيما بعد.

تلثمتُ مغطياً رأسي ووجهي، صعدتُ إلى سيارة صديقي التي قدتُها بناءً على طلبه، وانطلقنا ببطءٍ في طرق ترابية ملتوية دون أن نشعل أضواء السيارة. كانت القرية خالية من الناس والأنفاس بسبب حظر التجوال الذي يفرضه جيش خالد بن الوليد بعد غروب الشمس، وحتى عناصره كانوا يختبئون ليلاً خوفاً من الاغتيالات.

كنت أشعرُ أن عدد نبضات قلبي يتجاوز الألف كلما اقتربنا أكثر من مكان الحاجز، وعندما وصلنا توقفت، وتقدمَ نحونا شخصٌ لم يعرني أي انتباه، حتى بدا وكأنه لا يراني أصلاً، وأنا بدوري ولشدة خوفي لم أرفع نظري عن مقود السيارة لأراه! خاطب صديقي قائلاً: على الموعد تماماً. ترجّلَ صديقي من السيارة وابتعدَ العنصر، ثم أطلقَ أمره لي بأن أعبر الحاجز.

انطلقتُ بسرعة الريح في عتمة الليل، وعلى الرغم من أنني قطعتُ هذا الطريق الواصل بين نوى وقريتي آلاف المرات، لكني أحسستُ أنني أقطعه لأول مرة في حياتي! وصلتُ إلى مدينة نوى والتجأتُ إلى أحد معارفي الذي أصابتُه صدمة الفرح حين رآني أمام بيته، وفي اليوم التالي عند الظهيرة تقريباً، تمكنت زوجتي من الخروج من تسيل بعد أن أخبرت عناصر الحاجز أن وضعها الصحي حرجٌ جداً، ولا بدَّ لها من الذهاب إلى الطبيب المتواجد في مدينة نوى».

بدا متعباً جداً ذلك الصباح، وهو يقصّ عليَّ تجربة خروجه من القرية، وفجأةً ارتفعت نبرة صوته: «هل هذا ما جنيناه من التحاقنا بما أسميناه ثورة!؟ تنظيمٌ يحرّم مادة الكمياء لأن فيها تشبهٌ بالخالق! تنظيمٌ يعدّ نفسه وكيل الله على الأرض!».

بدا مغتاظاً جداً وهو يتكلم، يفتح يديه ويضمهما: «من هؤلاء؟ لماذا جاؤوا؟ من يمولهم؟ لماذا اختاروا قرى حوض اليرموك، هل لأنها تتمتع بتربة خصبة وماء وفير؟ هل لموقعها المتاخم لإسرائيل والأردن علاقةٌ بالأمر؟ هل هم وسيلةٌ ظاهرة لغاية مخفية؟ من أنتجهم؟ هل أنتجهم تخلّفنا وجهلنا لعقود؟ أم هل هم نتاجٌ خارجيٌ يهدف لمزيد من التخلف والتقهقر والتراجع للوراء؟ هل يريد من حاربَ ثورتنا أن يقول لنا هذا هو البديل!؟».

ظل يطرح الأسئلة دون أن ينتظر أي إجابات، ثم قال: «أتعلمين أمراً... سوف أعود إلى تسيل، وماذا سيكلفني الأمر سوى إطالة شعري وذقني ورفع الإزار ودورة استتابة».

أما دورة الاستتابة، فهي دورة يعلّم فيها جيش خالد بن الوليد التائبين الكيفية الصحيحة من منظورهم لفرائض الإسلام، بالإضافة لأحاديث عن أهمية وضرورة الجهاد، كما يعرضون عليهم مقاطع لمعارك خاضها تنظيم الدولة. والمستتابون هم كل من يقطن داخل مناطق سيطرتهم وخالف تعاليمهم، وكل موظفي المنظمات الإنسانية، بالإضافة لموظفي النظام، خاصة المدرسين الذين يعلّمون الطلاب مواد الفسق والكفر على حد زعمهم، كالكمياء واللغات الأجنبية والفلسفة. وبعد انتهاء الدورة يخرج المستتابون أنقياء طاهرين مغفورة ذنوبهم، تفتح لهم الجنة ذراعيها!

قهقه صديقي طويلاً وعالياً وهو يحدثني عن دورة الاستتابة: «أكثر ما كان يدعو للسخرية هو رفع الإزار، فعلى الرجل أن يرفع بنطاله فوق كاحله، ودائماً ما تجدين عناصر الحسبة، وهم المسؤولون عن منع مخالفة الناس لقوانينهم، تجدينهم دائمي التجوال في القرية، يبحثون عن شاب هنا أو هناك ليزعقوا في وجهه: ارفع إزارك، إذا كان بنطاله يغطي كاحله».

لم يرجع صديقي إلى قريته طبعاً، ولكنه أطلق قراراً صادماً عندما قال لي: «سأسافر مع زوجتي إلى تركيا، أخافُ أن ينفذ ما تبقى من صبري فأفقدَ نفسي، سأجمعُ ما ادخرتُه من عملي مع ما سأستدنيه من أقربائي من أجل طرقات التهريب».

عندما قلتُ له إن القرية قد تتحرر قريباً، قال إنه سيكون هناك مزيدٌ من الدماء والدمار إذا ما تدخلت طائرات التحالف على سبيل المثال: «أريدُ حياةً تشبه الحياة، حياة لا تحلّق في سمائها طائرات مختلفة الجنسية، ولا يستبيح أرضها عربٌ وعجم، وسكانها ليسوا نازحين أو مهجرين أو مشاريع معتقلين وشهداء وقتلى».

غادر صديقي وزوجته مع مجموعة من الشباب الراحلين أيضاً، غادروا بعيداً قاطعين حواجز للنظام، وأخرى للجيش الحر، وحواجز لتنظيم الدولة، وحواجز لفصائل وكتائب يعلمونها وأخرى لا يعلمونها. ناموا في العراء وفي الخيم، ابتلعتهم الصحراء ورمالها ساعات طويلة، وابتعلت طرقاتُ التهريب ما يقارب الألفي دولار عن كل شخصٍ للوصول إلى تركيا.

فتحتُ الواتس أب، فوجدتُ أنه قد أرسل لي صورته في تركيا، وهو يرتدي قميصاً أزرق وبنطال جينز قصير لا يغطي كاحله. كتبتُ له ممازحةً: «أراك ترفع إزارك!»، فأرسلَ لي صورة وجهٍ ضاحك، وكتب: «نعم... أرفعه راغباً لا مرغماً، وبدون دورة استتابة».