فيزا التبغ: عبور قلق من سوريا إلى تركيا

 

تراجعتُ عدة خطوات أمام بوابة الخروج الرئيسية في مطار أتاتورك باسطنبول، شَددتُ على مقبض حقيبة السفر الكبيرة التي خَرِبَت إحدى دواليبها، وقلّصتُ المسافة الفاصلة بين طبقتي الأسنان في فمي إلى ما دون الصفر.

«تباً تباً تباً»، أتمتمُ بسرعة عائداً باتجاه الصالة، بينما عينايَ تسفحان الدهشة كالماء على وجوه المسافرين. نظرةٌ سريعةٌ من بوابة الخروج إلى الشارع جعلتني أرتعدُ خوفاً، كل شيء مكتوبٌ بحروفٍ لاتينية، وطرقاتٌ من تلك التي تصيبكَ نظافتها بتلبكٍ بصري، مليئةٌ بأشخاص يستخدمون لغات كالأصوات التي تصدرها ماكينة خراطة أصابها عطبٌ ما أثناء العمل.

الأتراك، هؤلاء القوم ليسوا موجودين في مسلسلات التلفزيون فقط، إنهم هنا حقيقةً، وكأنهم فرّوا من الشاشة بين إعلانين طويلين، واستوطنوا أرضاً وأعمروها.

أفكر؛ كل ما لم تره عيني المجردة بأبعاده الثلاثة شكَّكَ عقلي بصحته، حتى ولو كان شيئاً بديهياً كوجود دولة وأمة بذاتها. لكن ألم يتجاهل عقلنا بداهات أكثر إلحاحاً في البرهنة على سلامة إنسانيتنا، ألم نُطفئ شاشة التلفاز مع كل خبرٍ متوحشٍ ظانين أننا بهذه الطريقة نكون قد أطفأنا المشكلة ذاتها؟!

اليوم فقط أعلمُ أن عطشَ إنسانٍ عانى من الحصار، لا ينتهي حتى بعد شربه للماء، قِس على ذلك الخوف، والتعذيب، والاضطهاد، وتصور كم ستنتفخ حوصلة الحقد بالقرب من قلبه. هناك شيءٌ يستمر بالحدوث بعد إطفائك للتلفاز، شيءٌ ما يستمر بالتورم والانتفاخ حتى يلامسك، تلك المشاهد هي أكثر من «جولة 3D ممتعة» تحصل عليها في سهرة المساء.

حبكات مركبة للموت

لم تكن تلك أولى المفاجئات التي تعرضتُ لها خارج سوريا، والتي بالرغم من سذاجتها فإنني لم أتمكن من الشعور إلا بالارتباك أمامها، ففي بيروت مثلاً فقدتُ إحدى أهم الهوايات التي كنتُ أمارسها خلال المشي في دمشق، وهي حساب احتمالات سقوط القذيفة، احتمالات الإصابة، والتفنن في تخيّل بعض الحبكات المركبة، كأن تقع القذيفة على سيارة معدة للتفجير مسبقاً.

 نعم، رغم وفرة الموت حولنا، كنا نجد وقتاً للتفكير في ميتات فظيعة أيضاً. ليس لدى الجميع الموهبة ذاتها في هذه الهواية، فمثلاً صديقتي التي أخبرتني بوسواسها هذا، ركَضَت عشرات المرات دون أدنى مبرر بالنسبة للناس من حولها. أنا لم أصل إلى هذه المرحلة، لم أركض، لكنني توقفت عن التفكير في المستقبل حين أكون في الشارع، أفكر به فقط حين أكون في المنزل، ذلك لأنني قد لا أعود من الشارع بكل بساطة.

كان المشي في بيروت مملاً ومربكاً خارج هذه الخوارزمية، بالرغم من أنه لا يخلو من المغامرة. أمشي على كورنيش الروشة مثلاً، مطمئناً لأول مرة لـ «سنيّتي»، فهنا، كما في كل مكان من الأرض يستطيع فيه بعض الموتورين تشكيل حاجز بأسلحة خفيفة ومتوسطة، لا يهم كيف ترى نفسك: ملحد، مؤمن، صوفي، مشكّل. هذا لا يهم، ما يهم هو كيف يراك حامل السلاح، كيف يراك السلاح نفسه!

أمشي مطمئناً في المنطقة التابعة لتيار المستقبل، على أقلّ تقدير هنا لن أموت لأن والدي سنّي، فجأة أجد نفسي في منطقة تابعة لحزب الله، فالمناطق شديدة التداخل مثلما هي شديدة العداء. يرتدي وجهي ملامح طفل مُعذَّب في أوّل الفطام، أحاولُ تذكر معلومة مفيدة، فألاحظُ أنني تعرفتُ على معظم آل البيت من أسماء الميليشيات، التي حاربت ميليشيات أخرى تحمل أسماء الصحابة.

مستعمرات التوحش

صدفَ أنني سمعتُ صوت طائرة هليكوبتر لأول مرة في بيروت بعد شهرين من وصولي إليها، بينما كنتُ جالساً على شرفة أحد الأصدقاء في طريق الجديدة: «يفضح عرضك... شو عم تعملي هون؟!»، تلك كانت أول ردة فعل لي بعد سماع الصوت، لا أستطيعُ تخيّلَ وظيفةٍ أخرى للطائرة، حتى الورقية منها، خارج حدود القصف.

ذلك علماً بأنني عشت السنوات الأربعة من الثورة السورية في مدينة لم تشهد قصفاً جوياً سوى مرة واحدة، كان ذلك بعد رفض الأهالي إخلاء حي التربة في جرمانا لاستخدامه كمنطقة عسكرية، فقصفته طائرات النظام «خطأً» كما أوضحت الجهات المعنية لاحقاً، وكان ذلك اليوم تحديداً هو اليوم الأول الذي استيقظُ به وأنا أركضُ متلعثماً: «بستكل بسمل بسمل...»، كانت تلك محاولاتي الأولى أيضاً لقول «بسم الله» بعد دوي الانفجار.

باستثناء ذلك اقتصرَت علاقتي بالقصف الجوي على مشاهدة الغارات على غوطة دمشق. أوّل طلعة جوية بالهليكوبتر على بلدة المليحة شاهدتُها من مدينة جرمانا المجاورة لها تماماً، يومها خرج الجيران مسرعين إلى الشوارع وأسطح البنايات لرؤية ما يحدث.

جارتنا العروس قالت بعيون حالمة: «ياي شو حلوة!».

«بدك تشوفيها بالليل... بتطالع أضوية حمرا بتجنن!»، أجابَ زوجُها الغارقُ في العسل.

هذا التوحش الهادئ، المنتشر في العشوائيات الموبوءة بالجهل، على هيئة جيران وعائلات، ونساء حوامل تنبضنَ بقلبين. التوحش الذي يمتد كمستعمرات من الطحالب ليلتف حول قلبك، ورئتيك، وكرامتك، ويفتِّتَ آخرَ المقاتلين المخلصين في وحدة التسامح داخل ضميرك، كبربريٍ تنكّر بأزياء المدينة، وجلسَ قبالتك يطحن عظاماً بشرية بأسنانه، بهدوء وانسجام.

نظرتُ إلى طائرة الهليكوبتر في سماء بيروت، وشعرتُ بالامتنان لأنها تمرّ من فوق رؤوس الناس التي «تكرهنا»، وتتركهم آمنين.

حواجز الدخان

في مطار بيروت استقبلني موظفو الختم بسؤال سريع: «سوري؟!». احتفظوا بجواز سفري، وألقوا بي في السوق الحرة، مع قائمة طويلة من أسماء ماركات الدخان: «اشتري هدول وارجاع حتى نمشيك»، قال العسكري الذي قادني إلى مدخل السوق شارحاً لي ما عليَّ فعله.

اشتريتها بأموالهم على اسمي بوصفي مسافراً، وحصلتُ على جائزتي؛ ختم المغادرة. لاحقاً علمتُ أن المسافرين وحدهم من يحق لهم الشراء من السوق الحرة، العساكر والموظفون لا. الاستعانة بمسافر من جنسية أخرى فد تُسبّبُ لهم مشاكلاً، لأن التصرف غير قانوني وابتزازي، السوريون يفعلونها، يشترون أرواحهم وخلاصهم بالدخان.

التبغ في هذه البلاد أشبه بفيزا الشنغن، إذ إنني تجاوزت بالفعل حواجز النظام السوري على طريق دمشق بيروت بعلب الدخان فقط، ودون أن يطلب عسكريٌ واحدٌ أوراقنا، باستثناء حاجز الفرقة الرابعة للأمانة، الذي أخذ كروز دخان كاملاً وليس علبةً واحدة.

قبل وصولي إلى موظفي الختم في مطار رفيق الحريري، كانت الشركة الملكية الأردنية للطيران قد رفضت صعودي إلى الطائرة، كوني لم أحجز تذكرة إياب على خطوطها، بالرغم من عدم وجود قرار صريح يلزم السوريين دوناً عمّن سواهم بفعل ذلك أثناء استخدامهم للمطارات «الدولية»، وهم يفرّون بأرواحهم من جحيم دولة الأسد.

رغبة ملحّة تملكتني في سؤال موظف الشركة: «شو دخانك حبيب؟!».

هكذا دفعتُ مدخراتي المستقبلة، التي يمكن أن تكفيني مدة شهر كامل في تركيا، ثمناً لتذكرة عودة إلى الماضي لن أستخدمها.

مملكة التناقضات

غادرتُ بيروت إلى الأردن، حيث محطة ترانزيت لمدة 24 ساعة فقط، قبل وصولي إلى الوجهة الأخيرة، اسطنبول. في مطار الملكة علياء الدولي في عمّان، سألني موظف الختم: «أبو شو ينادولك؟!».

«ما بستخدم هي الأسماء»، أجبتُ أنا.

بعد نحو ساعتين سمحوا لي بالتوجه إلى الفندق، لستُ إرهابياً، فأنا لم أكن «أبو» شيء، مجرد سوري عادي، لا مفخخات، لا نوايا خبيثة، رحبوا بي بعد هذا الخطأ: «إذا ما دخّلتك تركيا ليش ترجع علينا، منرحّلك على سوريا».

«بترحّلني على بيروت من مطرح ما جيت»، قلتُ أنا.

«على بيروت، بعدين عسوريا»، أجابَ العسكري في إصرار عجيب على إيضاح الرغبة بالأذية. ما كل هذا الاحتياط! أنا لم أقرع بابكم حتى، أنتم كلفتم أنفسكم عناء الخروج إلى الشارع لطردي.

خلال الطريق إلى الفندق سألني عدة أشخاص عن جنسيتي، ثم أكالوا لي عبارات الترحيب مع أفخر الديباجات، كان هذا مفاجئاً أيضاً، كلما رحّبَ بي أردنيٌ وددتُ إخباره أنهم حجزوا جوازات سفر جميع السوريين في المطار، هو إجراءٌ احترازي فقط، منعاً لأي شبهة لجوء، لكن أهلاً وسهلاً.

كي تكتمل حلقة التناقضات هذه، بين عبارات الترحيب وإجراءات الطرد الاحترازية، يكفي أن نتذكر أن المملكة الأردنية نفسها أسَّسها عابرون من هذه الأرض أيضاً، ولأجل الصدفة كان عبوراً باتجاه سوريا تحديداً، انتقاماً من الأمير فيصل الذي استولى على حصة أخيه عبد الله في العراق، مخلاً بتوزيع الإرث العائلي للهاشميين إبان الثورة العربية على حكم العثمانيين، ذلك قبل أن يجد العرب أنفسَهم تركةً يتحارب عليها الورثة الهاشميون. جميعُ دعوات التحرر وما شابهها لاحقاً (مثل الهلال الخصيب، وسوريا الكبرى)، كانت أقرب ما تكون إلى تصفية حسابات عائلية بين أبناء الشريف حسين.

البُكم

الثانية عشر ليلاً، على متن الطائرة المتجهة من عمّان إلى اسطنبول، قابلتُ أصغر حكيمٍ في العالم، كان طفلاً يجلس خلفي، ادّعى متيقناً أن هذه الطائرة ستسقط، وحين سألوه عن السبب أجاب: «إذا ما رح توقع ليش حاطين مظلات نجاة تحت المقاعد؟!»، منطقٌ لا غبار عليه.

الضابط التركي الذي ختم لي جواز السفر بهذه السرعة جعلني أشعرُ أنه يسخرُ مني، لم يطلب سيجارةً واحدةً حتى! تجاوزتُ كبينات الختم، بحثتُ عن مسافرين عرب، وطلبتُ مقارنة جواز سفري بجوازاتهم لأتأكدَ أنني لست ضحية سخرية. ختمٌ أحمرٌ فقط جعلني طليقاً في أراضي الأتراك فعلاً. لم تكن الفيزا قد فُرِضَت على السوريين بعد حينها.

من الساعة الثالثة فجراً تقريباً وحتى السادسة صباحاً تجولتُ في المطار، كبيرٌ جداً، مليءٌ بالغرباء، صالةٌ بكراسي مصفوفة ينام عليها المنتظرون، آخرون يبدون عالقين يستجدون اتصالاً هاتفياً، مضيفاتٌ حسناواتٌ يعبرن بعجلة، عائلاتٌ تأكل السندويش وتنظر إلى اللوائح الإلكترونية، آسيويون يتعلمون اللغة العربية ويجربون مهاراتهم بإخباري عن الوقت. «الساعة الخامسة، هذا ما عدا عشرون دقيقة أخرى»، قال الشاب الآسيوي خاتماً جملته بابتسامة عريضة، وهو يكادُ يقفزُ من الفرح.

أمام بوابة الخروج الرئيسية في مطار أتاتورك، شيءٌ ثقيلٌ يضغط على رأسي، شيءٌ مربك، أرضٌ تمتد أمامك، أرضٌ تجهل لغتها، أرضٌ لا تركض وراءك ومن كل جانب لتقتلك. أضغطُ على فكي حتى يصمّني الطنين، يا كلَّ هذه الحرية البكماء... ما أثقلك!