حرية الرواية في زمن الحرب

ما الذي يفعله الكتّابُ زمنَ الحرب؟ يحاول ملف الجمهورية هذا، «عن الكتابة ومشاغلها»، الإجابة على جوانب مختلفة من هذا السؤال، إجابة تتعدد وتختلف بتعدد كتّاب الملف، وبتعدد الزوايا التي يتناولون الموضوع من خلالها، وبتعدد تجاربهم وخلفياتهم وآمالهم ومخاوفهم وهواجسهم.

الحقيقة الأولى التي تتجلى لي اليوم، بعد مرور أكثر من خمس سنوات على الحرب، هي أنها قد أرغمتني على الصمت. أرجّحُ الآن أنه لم يكن صمتاً وحسب، بل نوعاً من الذهول، والارتباك، والعجز، والإحباط، وانفجار الأسئلة المحيرة، والشعور بأننا بتنا نقف على مفترق خطير حاسم يصعب التعبير عنه روائياً.

وعلى الرغم من أن الثورة لم تباغتنا، إذ باتت متوقعة في تلك السنوات التي شهدت انفجار الثورات في تونس ومصر واليمن، فإن المعاني التي تركتها في نفوس الناس من حولي هي التي باغتتني تماماً. فردة فعل الناس تجاه هذا الحدث الجديد، قد شكَّلَت الصدمة الأولى التي عرقلت الكتابة الروائية: ثوريون محتجون كانوا يحدثونني عن الأمل، والانتظار، والأمنيات بالحدث المماثل، انقلبوا في ليلة واحدة، إلى الإعلان عن عداء حاقد مندد بالمظاهرات التي بدأت في درعا. لماذا؟ لا يمكن للمرء في مثل هذه الحالات أن يجد ما يكفي من اليقين والراحة كي يخوض نقاشاً فكرياً مع من كان يهتف قبل ليلة للثورة. ماذا يمكن أن تقول له؟ ثم يأتي فيما بعد السؤال الروائي الأهم: مَن مِن البشر القراء يمكن أن يعتبر روايتك، التي تدّعي فيها أن هذه الشخصية التي تقدمها يمكن أن تنتقل من نشيد الفرح بالثورة المصرية إلى لعنات الجحيم على الثورة السورية بهذه السرعة، مقنعة؟ هل ستكون مقنعة؟ ليلة واحدة فقط تفصل بين عالمين؟ بين يقينين. بين نمطين مختلفين للمواجهة. ثمة الآلاف من السوريين الذين تحطمت صداقاتهم خلال اليومين الأولين لبداية الثورة السورية.

مظاهرة واحدة في درعا كانت كافية للفصل، والقطيعة التامة المشبعة بروح العداء والكراهية بين صديقين أمضيا عمراً في نعيم الصداقة. هل هذا مقنع؟ ولكن إقناع الشخصية أحد شروط اكتمالها، وبقائها في ذاكرة القراءة. كيف تتم تحولات الشخصية؟ هل يجرؤ أي روائي على تقديم مثل هذا النمط العجيب المحيّر؟ لا يكفي القول الساذج المتعجل هنا أن ما كان يقوله فلانٌ من الناس، أو علّان، عن الاحتجاج والثورة والتمرد والرغبة في الخلاص والشوق إلى الحرية من قبل، كان كذباً وعهراً وخداعاً، لا، هذا ليس صحيحاً عن الذين أعرفهم. لقد أمضينا بضع سنوات في العمل المشترك، وفي الأمنيات، وفي انتظار هذا المجهول. وليس من المعقول لدى أي قارئٍ القبول بهذه التحولات السريعة المباغتة القاطعة. وقد كان المطلوب دائماً من الشخصية الروائية أن تكون مقنعة في تحولاتها الفكرية والسلوكية. إذ لا أحد يقبل أن ينتقل أي شخص، أو أي شخصية، من السخط على النظام السياسي إلى تأييده ومعاداة الثورة، بين يوم وليلة. في نص روائي. (لا ينتظر الواقع أي قارئ كي يقول: هذا مقنع، وهذا معقول، وهذا ممكن، وهذا لا يحدث أبداً. وسبق أن تحدثت إيزابيل ألليندي عن هذه المفارقة. أي مفارقة أن يكون الروائي أو الرواية بحاجة إلى إقناع القارئ، بينما لا يحفل الواقع بذلك البتة.)

على الرواية هنا أن تحاول الولوج إلى داخل النفس البشرية، كي تحاول استنباط الأسباب. وهي هنا تتفوق على الواقع كثيراً. فهي تسعى خلف المخاوف، والتكهنات التي تجعل المرء، أو المرأة، يخشيان الثورة، أو يعاديانها. لم يكن خوفاً في حقيقة الأمر، ما رأيته لدى بعض الأشخاص العاديين، بل نوعاً من الرعب الوجودي المهلك الذي أعمى بصيرة المئات بل الآلاف من الناس الذين على الرواية أن تحكي عنهم. ثمة من رأوا أموراً مختلفةً تماماً، هناك من يقول إنهم عميان البصيرة أيضاً.

نحن هنا أمام أزمة بناءٍ للشخصيات لم تكن تخطر على بال أي روائي من قبل. يمكن لأيٍ كان أن يزعم أننا لم نكن نعرف طينة الناس الذين نعيش بينهم. وقد لا يستطيع الروائي أن يعترض على التهمة الجاهزة، فالشخصيات في الواقع قد باغتته تماماً، سواء أولئك الذين خرجوا إلى الشوارع للتظاهر طلباً للحرية والكرامة، أو أولئك الذين رفضوا الخروج وآثروا الصمت، أو أولئك الذين اتخذوا مواقف معادية للثورة. وإذا ما عدنا إلى تاريخ الرواية السورية، والعربية أيضاً، فإن من المجازفة القول إن أي رواية، أو روائي عربي، قد تنبأ، أو تكهن، بميلاد هذه الثورات، أو تخيل مواقف الناس منها. ويمكن للنموذج السوري أن يكون أكثر الأمثلة غموضاً بما يخص الخيارات المباغتة.

وأزمة بناء الشخصيات المتغيرة تستلزم صبراً روائياً قد لا ينتظره الدعاة السياسيون الذين يريدون أدباً يخوض المعركة. لا يكفي في تقديري أن ترفع الشخصية أي شعار. وهذا سهل في الحقيقة، ومريح، ويمكن أن يستقطب القراء المتحمسين اليوم، غير أنه لا يقارب حقيقة ما يحدث. فالحقيقة الواقعية مدفونةٌ خلف ركام من التاريخ الشخصي والعام، ومغيبةٌ وراء كثيرٍ من الأعمال والأقوال السطحية التي لا تعبر البتة عن الجوهر. فما حدث منذ عام 2011 هو خليط عجائبي من الثورة، والكارثة الوطنية والإنسانية. وقد كان إضافة إلى ذلك مادة كاشفة، أو غربالاً، أو جهاز فحص شامل، وَضَعَ الجميع أمام التزاماتهم السياسية والأخلاقية والسلوكية بالمطلق. بحيث بات معظم السوريين، أو معظم الذين أعرفهم من السوريين، مرغمين على مجابهة الحقيقة الماثلة أمام حدقتي العينين. وهو ما جعل كثيرين منهم، من المعارضين والموالين، يرددون عبارات متماثلة من طراز: من ليس معنا فهو ضدنا. بل إن قوى مسلحة من بين الجهتين، مارست أعمالاً قتالية ضد أولئك الذين لم يحسموا أمر هذه الثنائية الغريبة. وهذا يضع الروائي نفسه أمام امتحان بناء الشخصية. وهذا الامتحان الفني والحياتي يتطلب جملة شروط، أبرزها توفر العدالة الأدبية والأخلاقية في الكتابة.

كيف يستطيع الروائي أن يضمن العدل في الرواية؟ كيف يقف بين المتقاتلين؟ فنحن هنا في سورية أمام مجموعات متقاتلة تنتمي إلى طينة واحدة، (وقد يجد الروائي بين الأفراد الذين يقاتلون ضد النظام، أو بين أولئك الذين يعارضونه سياسياً، مستويات من التناحر والعداء والرغبة في الإقصاء، بقدر ما يجده لدى معادلة: معارض/موالي) منهم كان حتى الأمس القريب يشتري البندورة أو الشاي أو المتة من دكان جاره، منهم من كان سيمضي سهرة لعب الورق برفقة الآخر. ثم حدث افتراقٌ رأسيٌ بين الاثنين. من منهما على حق؟ هل تسألُ الرواية هذا السؤال؟ هل هو من بين المشاغل التي تعنيها، أم أنه سؤالٌ مؤجلٌ متروكٌ لتفكير القارئ؟ لا تسأل الرواية أسئلة فكرية مباشرة. وربما قد يكون السؤال عن الحق متروكاً للقارئ، بل يجب أن يُترَكَ للقارئ كي لا يتهم الروائي أو الرواية بالتحيز والحزبية والتجني على خيارات الناس.

ولهذا فإن فوضى الخيارات الحياتية اليومية لدى السوريين في هذه السنوات، تجعل الشخصيات أكثر تعقيداً. وتجبر الروائي على التفاوض بشأنهم مع تقنيات الرواية، ومع شبكة العلاقات الاجتماعية، ومع الحفر في الداخل النفسي، ومع البحث عن المسوغات وأشكال المواجهة مع المتغيرات. ويعرف السوريون أن الحيرة مثلاً كانت سيدة المواقف تجاه بعض الخيارات التي شاهدوها.

في الحياة اليومية (الواقع) قد تستطيع أن تحاور هذا الشخص أو تخاصمه. أما في الرواية فأنت مرغمٌ على تفهمه، ومعرفة حاجاته، وأسباب التبدل السريع في مواقفه، والبحث عن بناء متكامل للشخصية لا يحرمها من الرحمة والعدل والتفهم العميق لموقفها. لكنك قد تكرهه في أعماقك، وتحتقر خياراته في المعلن. أما الرواية فعليها أن تفسح حيزاً واسعاً من الكتابة كي تعبّر الشخصية فيها عن خياراتها التي كانت مضمرة، ثم أُعلِنَت الآن.

وما دمنا في صدد البحث عن الشخصية الروائية في زمن الحرب، فإن واحدة من المخاطر التي قد يتورط فيها الكاتب، هي أن يجعل الشخصيات تنطق باسمه، أو باسم هذا الاتجاه أو ذاك، وهي تلك التي تعرف في النقد الأدبي بـ «البوق». وهنا يجد مصاعب جديدة، تتطلب منه العمل على إخراج الشخصية من اليومي الذي يشهد الاصطفافات السياسية المختلفة، ووضعها في مواجهة أسئلة الحياة والموت. فالرواية ساحة ديموقراطية، كما يقول باختين، تجبر كل الخطابات على التحاور. وهو الأمر الذي يضع الروائي، وخاصة في بلادنا التي لم تعرف التحاور الديموقراطي، في الفكر والممارسة، في مأزق خطير، يمكن إيجازه كما يلي: هل بوسع الرواية القادمة لروائي معارض أن تقدم وجهة نظر شخصية من الموالين بطريقة ديموقراطية؟ هل يسمح له أن يقول رأيه دون أن يشوهه أو يتهمه أو يدينه؟ وهل يستطيع روائي من الموالين، تفهم وجهة نظر معارض من السلميين، أو من أنصار حمل السلاح؟ وإذا ترددت الرواية في هذا المنحى، أو أحجمت عن مقاربته، فما الثمن الذي ستدفعه حين تدخل في النوع الأدبي؟

الصعوبة الثانية تكمن في موقف الروائي نفسه. ويبدو لي هنا أن وضع الكاتب السوري، يتغير وفقاً لموقعه الجغرافي، وبعيداً عن أي قيمة سياسية أو فكرية أو أخلاقية، ودون أن نكون في وارد التصنيفات أو توزيع الميداليات أو التهم حول من ظل في سورية أو من خرج منها، فهذا يحتاج كما هو معلوم لإجراءات سبر تلحق بكل كاتب على حدة. إن ما يراه، ويعيشه، ويراقبه الكاتب في الداخل، هو آلاف المتغيرات التفصيلية، التي يصعب على من هو خارج البلاد تخيلها. هنا يواجه الكاتب الحرب، أو الخطف، أو انتشار الهوامش المسلحة في كل مكان، أو التهديد بالخطف أو القتل مواجهةً شخصية. ولم تنج المناطق التي لم يحدث فيها قتال عسكري من المذبحة السورية، فعدم وجود الحرب، لم يُعفِنا من ظلالها، وعدم وجود فصائل مسلحة تقاتل النظام، لم يبعد عنها ذيول الفلتان الأمني، والأخلاقي، والفكري، والسياسي. ولا تنسَ الغلاء والفقر وفقدان الضروريات التي تحوّلُ حياة الكاتب إلى انشغال دائم باليومي، وحذر قد يصل أحياناً إلى حدود الرعب، من أن يكون هو نفسه هدفاً للمختطفين الذين يطلبون فديات خيالية لقاء إعادة الحرية. وهذه الأمور وغيرها، مجتمعةً، تشكل فعلاً ضاغطاً على الكتابة، وعلى النهج الروائي أيضاً. إنها الروائي نفسه، وقد حُرِمَ من أبسط المطالب الإنسانية في الراحة اليومية.

وكيف يمكن الكتابة إذن وأنت في الخضم؟ داخل الموجة ذاتها؟ وإذا كان النقاد والروائيون يرددون أن من الصعب أن تكتب عن أي حدث بهذه الضخامة والزخم والقوة والمتغيرات السريعة، إلا بعد أن يهدأ الصخب وتسكت المدافع، فإن من يكتب اليوم سيكون أمام أحكام صعبة قد يكون أحد أثمانها ضعف الأداء الروائي فنياً، وغياب الرؤية الفكرية المتوازنة.

ومن غير الممكن، بل من غير الإنساني أن يبحث الروائي عن تفاصيل روايته، أو يجمع معطيات أعماله من بين الجثث، أو وراء أجساد القتلى.

ونحن الآن أمام معضلة جديدة تخص تاريخ الرواية ومصيرها: هل نكتب عما حدث؟ وما الفائدة إذا ما تحول الروائي إلى مؤرخ ناشئ يتتبع بنادق المقاتلين، أو يلحق بخطواتهم؟ أو يلاحق جمعات التظاهر، أو يسجل وقائعها؟ هذه صعوبة تهدد الكتابة الروائية عن الحدث الراهن. وقد تبدو ميادين القتال، أو محادثات السياسيين، التي ينشغل بها الناس اليوم، بلا أي قيمة أو معنى تجاه مصيرٍ فرديٍ لواحدٍ من السوريين، أو لعائلة من بينهم. فالمعنى الحقيقي لأي حدث ليس فيه، بل في آثاره العميقة على الحياة الإنسانية، وعلى الوجدان، وعلى الضمائر، وعلى القيم، وعلى علاقات الحب والصداقة والعيش اليومي للناس.

واللافتُ أن لا يكون بوسعِ الروائي السوري اليوم أن يعرف ما يحتاج لمعرفته عن السوريين، وإذا ما قلنا أن المحلّي يكفي للتعبير عن الوطني، فإن بعض التفاصيل السورية، تنفي هذا الأمر. فما حدث في حلب مثلاً، يحتاج إلى من كان يرى ما يحدث في حلب، وهو يختلف جذرياً عما يحدث في مدينة مثل السويداء، وبعيداً عن السياسة وخيارات الناس السياسية، فإن جميع المدن والبلدات والقرى السورية انخرطت في الأحداث الجارية بطرق ووسائل مختلفة. وهو أمر يكدس المهام الروائية.

وحتى الآن فإن الروائي لم يفكر في القضية المركزية في عمله: كيف يكتب الرواية؟ وهذا يعني البحث عن القيمة الفنية. ولا مناص هنا من مواجهة هذه الحقائق، وأول تلك الحقائق هو أن الروايات التي استطاعت أن تنجو من النسيان، أو الإهمال، إنما هي تلك التي اعتبرت الكتابة هدفاً سامياً يعلو ويزيد عن الحرب أو السلام. فهمُّ الروائي الأول هو أن يكتب جيداً، كما ألمحَ إلى ذلك معظم الكتاب. أي أن يكون البحث في هموم الكتابة الفنية له الأولوية على ما عداه من المسائل الأخرى المتعلقة بالمحتوى والمضمون. ومن المؤكد أن أي رسالة (وثمة كثيرٌ من الرسائل النبيلة التي سيكتبها الروائيون السوريون عن الثورة في بلدهم) لا قيمة لها، في الرواية، إذا لم تكن محمولة على بنية فنية تسعى إلى تجديد الكتابة الروائية نفسها. وهذا يعني أن على الروائي أن يبحث عن وسائل التلقي الفنية القادرة على جعل الرسالة في روايته، مرشحةً للحياة. وهنا يختلف الروائي عن التسجيلي أو المؤرخ. فعمله قائمٌ على الاختيار الفني والقطع واللصق من أحداث الواقع، بقدر ما هو قائم على ابتكارات المخيلة التي قد تروي ما لم يحدث على الأرض واقعياً.

ولهذا يوجه كتابٌ كثيرون هذا التحذير للروائي: لا تجعل من روايتك وقوداً لأي قضية. ليست الرواية حطباً يمكن استخدامه لإشعال أي مدفأة فكرية مهما كانت نبيلة. فالقضية ترتقي، وتصير أكثر نبلاً، وقوة، وحضوراً، حين تعبّرُ عنها رواية جميلة تراها من موقع الند. فالرواية لها من النبل أيضاً، ما لأي قضية من القضايا التي يسعى أي شعب لنيلها. ويمكن لمن لا يؤمن بقوة هذا الحضور، أن لا يقارب النوع الأدبي. وبهذا المعنى فإن رواية مثل الدون الهادئ، سوف تبقى حية أكثر من ثورة أكتوبر الروسية التي كتَبَت عنها. وهو أمر جدير بالتأمل، وخاصة حين نرى المآل الذي آلت إليه الثورة، والبقاء الذي كُتِبَ للرواية. خذ مثلا الحرب والسلم لتولستوي، وذهب مع الريح لمارغريت ميتشل، والحرية أو الموت لنيكوس كازانتزاكيس.

يمكن أن تبدو المهمة الكبرى الملقاة على عاتق الروائي في زمن الحرب هي كيف يستطيع تخليص الرواية من الاقتتال على اليومي، أو العابر، أو المؤقت، أو الهامشي، وهي أشياء يراها تحدث بالفعل، إلى الوجودي المتعلق بمصير الإنسان. فكل حرب، وأي حرب، يجب أن تزال عنها الأهداف المباشرة لمشعليها، الذين قد يحركهم الجشع، أو المال، أو حب المناصب، أو السلطة، أو أي دافع صغير لا يتردد أصحاب الضمائر الخبيثة في إخفائه. كي يرى بوضوح أثرها على المصير البشري. أشعرُ هنا بأنني راغب في تبني ما قاله جان ماري لوكليزيو: الحرب ليست تلك التي يعيشها الجنود، بل تلك التي يعيشها المدنيون.

وسوف يغضب الكاتب لأنه يكتشف عجزه عن القيام بأي شيء مما يعرف كيف يقوم به، تصير الكتابة نفسها مصدراً للكآبة والإحباط والخيبة، حين يدرك أن القادرين في المجتمع والسلطة، وهم ممن يسخرون من الكتب، أضحوا أقوى منه بكثير. ففي كل مكان تقريباً، من الشارع إلى مراكز التجارة ومحطات توزيع الوقود، يسيطر جيل من الشبان الذين تركوا الدراسة والمدرسة منذ سنوات. كأنما كانت السلطة في تجاهلها لمسألة التعليم تعد هذا الجيش الاحتياطي الذي يسخر من الكتابة، ويحتقر الكاتب، ويفسخ كل العقود مع القيم والأخلاق والمبادئ. وفي كثيرٍ من الأحيان ينتابُ المرءَ الشعور، وهو أمام هذا الواقع، بأنه أمام فنتازيا تخرج من مكانٍ ما خيالي، يصعب التعبير عنه.

ولكن هل هذا هو التحدي الحقيقي أمام الكاتب؟ لا أنفي أن التحديات الخارجية تشكل إعاقات. أما حرية التعبير، وثمة كثيرٌ مما تضافر اليوم فيه كل الجهات السورية للمشاركة في تحطيم هذه الحرية، غير أن حرية الكتابة، أي العمل داخل مكتب مغلق على رواية تنتظر النشر السريع، لا يزال ممكناً ومتاحاً، كونه لا يحتاج إلى أي موافقة الآن. ولكن التحدي الحقيقي أمام الروائي هو أن يحسم موقفه من المسألة التي تضع العلاقة في صورة العطف: الرواية والحرب، أو الرواية والثورة. فيقرر: هل سيشارك عبر الرواية في الحرب؟ أم سيقرر كيف يكتب الرواية في زمنها؟ هل تعتبر الرواية إحدى أدوات الثورة، أم أن علينا أن نبحث كيف نحقق ثورة في الإنتاج الروائي؟ وفي الغالب فإن الأسئلة التي تلاحق الرواية في زمن الحرب، قد تضمر رغبة في إحراج الرواية، والاستفسار عن دورها، بينما يكون على الرواية أن تكون حرة في إدانة الحرب، وفضح بشاعتها اللامحدودة، في كتابة لا تلتزم بشيء سوى شروطها.

ويمكن إيجاز الكلام فيما يلي: كل ما يتعلق بالموضوعات والمضامين يتعرض لإشكالات جمة، أغلبها خارجي، يبدأ من الإحساس بالخطر من احتجاج أو غضب الخارج المتمثل بالسلطة، أو المجتمع، أو الأحزاب والقوى المسلحة، أو يتعلق بالتحقق من الصدق، إذ لا تزال كل الأحداث والمعاني تتداخل وتختلط. ولكن كل هذه المتعلقات لا قيمة لها البتة إذا لم توفَّق الرواية في الإمساك بمعيارها الوحيد وهو القيمة الجمالية، أو الفنية، من جهة. وإذا لم تتعرف إلى الشكل المناسب للتعبير عن هذه اللحظات، السنوات التي نعيشها.

ولهذا فإن السؤال الوجودي المتعلق بالعمل الروائي سوف يكون مرتبطاً بالجواب الأخير: إذا كنتُ قد كتبتُ عما حدث، أو لماذا حدثَ ما حدث، فكيف كتبتُ ذلك؟ أو كيف سأكتبُ ذلك؟