صور من الحياة في وادي النصارى

 

يعيش مئات الشبّان في وادي النصارى كما لو أن الوادي هو عالمهم بأكمله، يتنقّلون بحريّة داخل قراهم وبين أغلب قرى وبلدات الوادي دون أن يلاحقهم أحد، لكنهم لا يغادرون المنطقة، يتجنّبون حواجز النظام وميليشياته لأنهم مطلوبون للخدمة الإلزامية أو الاحتياطية في جيش النظام السوري.

لكن هذه العزلة لا تبدو مقتصرةً على هؤلاء الشبان وحدهم، كثيرٌ من مظاهر الحياة في قرى وبلدات الوادي توحي أن سكانه معزولون عن البلاد والحرب الدائرة فيها.

الوادي

وادي النصارى هو تجمّع قرى أغلب سكانها مسيحيون، وقد يكون التجمع المسيحي الأكبر في سوريا. تتوزع هذه القرى على سفوح وأعالي جبال الساحل السوري الجنوبية الشرقية، وصولاً إلى سهل البقيعة المتصل بسهل عكار اللبناني. وفي الوادي حوالي 40 بلدة وقرية، أشهرها: الناصرة، الحواش، المزينة، مرمريتا، حب نمرة، المشتاية، كفرا.

التسمية الرسمية للمنطقة هي «وادي النضارة» منذ أيام الوحدة السورية المصرية، لكن الاسم الرسمي لم يلقَ رواجاً، وبقي الاسم الدارج والمتعارف عليه، والذي يصرّ أهل المنطقة على استخدامه، «وادي النصارى».

تتبع هذه البلدات والقرى إدارياً لمنطقة تلكلخ التابعة لمحافظة حمص، ويبدو العامل الديني والاجتماعي أساسياً في تحديد القرى التي تنتمي لوادي النصارى من وجهة نظر أهله وقاطنيه، ومن وجهة نظر سكان المناطق القريبة منه، فلا تُعدّ بلدة الحصن أو قرية الزارة، وفيهما غالبية سنية تركمانية، من الوادي، على الرغم من وجودهما الجغرافي في أراضي وادي النصارى. وهكذا فإن مصطلح وادي النصارى لا يشير في الاستخدام الشعبي الدارج إلى منطقة جغرافية، بل إلى القرى والبلدات المسيحية في تلك المنطقة الجغرافية.

طبيعة الوادي بالغة الجمال، وفيه عدة معالم سياحية هامة، أبرزها قلعة الحصن ودير مار جرجس الحميرا وتمثال السيدة العذراء الضخم المشيّد على قمة جبل السايح أعلى جبال وادي النصارى. تتداخل قراه مع قرى صافيتا ومشتى الحلو التابعة لمحافظة طرطوس غرباً وشمالاً، ومع قرى ضهر القصير في الشمال الشرقي. من الشرق سهل الحولة، وفي الجنوب والجنوب الشرقي قرى ريف تلكلخ وسهول البقيعة. وجميع هذه المناطق شديدة التنوع، يقطنها سكان من أبناء الطوائف المسيحية المختلفة وأبناء الطوائف العلوية والسنية والمرشدية.

لم يكن أيّ من أبناء الوادي قريباً من دائرة صنع القرار الحقيقية في سوريا، لا في قيادة الأجهزة الأمنية ولا في قيادة الجيش، وعلى الرغم من وجود كثير من الموظفين الحكوميين بين أبنائه، فإن قلة منهم تسلّموا مناصب عالية في إدارات الدولة. عُرِفَت عدة قرى فيه بنشاط تيارات يسارية معارضة للنظام في الثمانينات، ودخل بعض من أبنائها السجون لفترات طويلة، ومع ذلك لا يمكن القول إن الوادي كان في حالة عداء مع النظام السوري.

لم تكن أموال الفساد مصدر دخل أو ثروة مهمّ في وادي النصارى، ولا العمل الزراعي الذي بدأت تتراجع أهميته في السنوات العشرين الأخيرة، ولكن تشكل الهجرة الداخلية والخارجية ظاهرة قديمة ومتوارثة بين أبنائه، ويمكننا القول إن الوادي يعتمد بشكل أساسي على أموال المغتربين، وبعدها تأتي رواتب الموظفين الحكوميين، ومردود الزراعة المحدود، وبعض المشاريع التجارية والسياحية، والمرافق الصناعية والمعامل في بعض البلدات كالحواش والمزينة.

مع بداية الثورة السورية ربيع عام 2011 انضم عدد من أبناء الوادي للحراك الشعبي السلمي في مختلف المدن السورية، وساند بعضهم الحراك الثوري بعدة طرق وأساليب، كل ذلك خارج أراضي واديهم وقراهم التي لم تخرج فيها أي مظاهرة معارضة للنظام، ودخل عدد منهم إلى المعتقلات لفترات مختلفة.

لكن القرى السنية الموجودة في جغرافيا وادي النصارى، كالحصن والزارة، شهدت مظاهرات منذ 2011، تلاها خروج لتلك القرى والبلدات عن سيطرة النظام السوري لمدة عامين تقريباً، ثم معارك استمرت عدة أشهر، انتهت في ربيع عام 2014 لصالح قوات النظام السوري، وأسفرت عن تهجير جميع سكان هذه القرى والبلدات.

بعد سيطرة قوات النظام السوري على منطقتي الحصن والزارة عادت الحياة إلى طبيعتها نوعاً ما في قرى وبلدات وادي النصارى، بعد أن كانت الطرقات المؤدية إلى مدينتي حمص وطرطوس خطرة بسبب أعمال القنص والاشتباكات، وبعد أن وقعت عدة حوادث من بينها هجوم في 16 آب 2013 على طريق المشتاية/الناصرة، أسفر عن مقتل أكثر من 11 شخصاً بينهم ستة مدنيين معظمهم من مرمريتا، والباقون من مسلحي الدفاع الوطني، ونُسِبَ الهجوم إلى جماعة جند الشام السلفية، فيما نفت فصائل الجيش الحر في المنطقة أي علاقة لها به.

شارك بضعة عشرات من أبناء وادي النصارى في المعارك إلى جانب قوات النظام السوري ضمن صفوف قوات الدفاع الوطني، والميليشيا التي أسسها الحزب السوري القومي الاجتماعي، وقُتل عدد منهم في هذه المعارك التي كانت شديدة العنف، استخدم فيها النظام المدرعات والطائرات المروحية والحربية والمدفعية الثقيلة، ما تسبب بدمار واسع في المنازل والبنية التحتية والقلعة الأثرية نفسها. كانت مرابض المدفعية متمركزةً على قمم جبل السايح، ومن تلك القمم يمكن مشاهدة أدق التفاصيل في شوارع وبيوت بلدة الحصن، حتى دون استخدام مناظير.

نزوح ومساعدات

منذ ذلك الوقت لم تعد هناك آثار مباشرة ملحوظة للحرب، باستثناء الغلاء المتصاعد وأعداد الشباب الذين غادروا الوادي هرباً من الالتحاق بخدمة العلم، أو الآخرين المتخلفين عن الالتحاق بالخدمة، الذين لا يغادرون المنطقة لكنهم يواصلون حياة شبه طبيعية بين قراها. ذلك بالإضافة إلى بعض عمليات الخطف وطلب الفدية، أو أخذ السيارات العامة عنوةً من قبل الأجهزة الأمنية لاستخدامها في أعمال نقلٍ لصالح العمليات الحربية، وهو ما يسمى «التعبئة»، وإعادتها لأصحابها بعد عدّة أشهر.

بدأت وفود النازحين من أهالي مدينة حمص تأتي مع بدء المعارك فيها أواخر 2011، وتزايدت الأعداد منذ شباط 2012، ليبدأ ارتفاع إيجارات البيوت وأسعار العقارات بوتيرة عالية جداً، إضافة إلى زيادة أسعار المواد الغذائية والخضروات والحاجيات اليومية.

في البداية كانت مساعدات الهلال الأحمر السوري تُعطى للمهجرين والنازحين فقط، ثم بدأ توزيع المساعدات والمعونات يشمل فقراء القرى المستضيفة للنازحين. ولم تقتصر المساعدات على ما يقدمه الهلال الأحمر، بل سرعان ما أصبحت المساعدة الأساسية تُقدَّم من الكنائس الأرثوذكسية والكاثوليكية.

77221318-e1502796321544.jpg

تمثال السيدة العذراء على قمة جبل السايح
تمثال السيدة العذراء على قمة جبل السايح

منذ توقفت معارك مدينة حمص، لم يعد ثمة أزمة نزوح ملحوظة في وادي النصارى، باستثناء ما حصل مؤقتاً عند اندلاع المعارك في محيط محردة بريف حماة، حيث نزحت أعداد كبيرة من سكانها إلى الوادي، وما لبث أن عاد معظمهم إلى محردة. مع ذلك يستمر تقديم كافة أشكال المساعدات، وتحصل معظم العائلات في الوادي على شكل من أشكال المساعدة لمواجهة غلاء الأسعار، ولعل هذا هو السبب الرئيسي في غياب مظاهر الفقر والحاجة، وقدرة أبناء القرى على مواصلة حياة شبه طبيعية.

في أيامنا هذه تقدم الكنائس معونات غذائية ودوائية بشكل دائم، وحسماً قد يصل إلى نسبة 80% من سعر أي عمل جراحي لأبناء رعيتها والرعايا من الطوائف الأخرى. أدوية مجانية للمحتاجين وأصحاب الأمراض المزمنة، ومعونات للطلاب الجامعيين تصل قيمتها إلى 20 ألف ليرة سورية شهرياً للطالب الواحد.

عن مظاهر الترف والرخاء

في الكنيسة وحولها زينةٌ مترفة، تنسيقٌ مثاليٌ بين ألوان الورود والشموع وألوان فستان الإشبينة وربطة عنق العريس. فساتين وبدلات الحضور مبهرة، والإكسسوارات والديكورات الثمينة تزيد المشهد بريقاً. كل شيء يشير إلى ترف وبذخ مثير للدهشة، وكأنه عرس لأحد أبناء عائلة ثرية، أو عائلة تتمتع بالسلطة والنفوذ، مع أنه يخص عائلة عادية جداً، بعض أبنائها مغتربون خارج البلاد للعمل.

هذا عرس في إحدى قرى وادي النصارى صيف 2017، كان حضوره حدثاً بالغ الغرابة بالنسبة لي. لم يكن يبدو على الضيوف أي مظهر من مظاهر الفقر أو القلق ولا حتى الحرب، الموديلات والأقمشة تكاد تكون من أهم الماركات العالمية، ومعها تفاصيل أخرى بالغة الغرابة، مثل فريق التصوير المحترف مع معداته الحديثة جداً، الذي يقوم بتصوير جميع تفاصيل الإكليل في الكنيسة ثم الحفل التالي له. ما أدهشني حقاً هو أن معدات التصوير والإضاءة والديكورات كانت كافية لتصوير فيلم سينمائي.

في الوقت الذي يتحدث فيه الناس عن غلاء الأسعار، ويتلقون مساعدات ضخمة من المؤسسات الكنسية للعيش، يمكننا ملاحظة مظاهر بذخٍ كهذا العرس، والنهضة العمرانية التي تزايدت جداً في السنوات الثلاثة الماضية، فقد بُنيت أحياء إضافية في كل قرية، وأغلب شققها قد بيعت أو أجرت. كذلك تم افتتاح عدة مولات ومراكز تجارية مؤخراً، والمقاهي ممتلئة بالزوار بشكل شبه يومي صيفاً وشتاءً.

يبدو الأمر مفارقة صعبة التفسير والفهم!

ما قد تخفيه مظاهر الترف والرخاء

بدا لي وادي النصارى في تلك الزيارة وكأنه معزولٌ عن ما يدور على الأراضي السورية، والسؤال الذي دار في رأسي آنذاك: من أين تأتي كل هذه الأموال؟ هل هذه المظاهر تدلّ على حال الناس وأسلوب معيشتهم المعتاد وعدم تأثرهم بالحرب، أم أنها دليل على آثار أخرى للحرب، غير تلك التي نشهدها في أماكن أخرى من سوريا؟

بالتواصل مع عدد من الأصدقاء والعائلات في الوادي، تبين أن مصدر الدخل الأساسي هو الأموال القادمة من أبناء الوادي المغتربين، إذ يكاد لا يخلو بيت أو عائلة إلا ما ندر من مغترب واحد أو أكثر في الخارج، وهؤلاء يرسلون الأموال دورياً لعائلاتهم بعملات أجنبية، تصنع أسعار تصريفها فارقاً كبيراً في حياة الناس.

ومع ذلك يبقى الأمر غريباً بعض الشيء، ففي أوقات الحروب يُفترض أن تسعى العائلات لتوفير وتجميع المدخرات المادية وعدم صرفها بهذه الطريقة على أمورٍ قد تبدو غير أساسية، وخاصة أن البلاد مفتوحة على مزيدٍ من الحروب، ومزيدٍ من تدهور الأوضاع الاقتصادية وغلاء الأسعار، والمجهول.

في بيوت وادي النصارى يمكنك سماع قلق الناس وصعوبات حياتهم اليومية حول تأمين الحاجات الأساسية وفواتير البيت وغيرها، ويمكنك مشاهدة أعداد كبيرة من الشباب الذين يمضون يومهم دون السعي لتأسيس حياة مستقرة، سواء من الشباب المجبرين على البقاء في الوادي نتيجة ظروفهم الأمنية، أو الذين اختاروا البقاء لأسباب مختلفة. لا أحد يفكر في استثمار الأموال التي تأتي من الخارج لتأسيس مستقبل أفضل، أو إيجاد حلول لمئات الشبان العاطلين عن العمل أو غير القادرين على السفر.

تقول صديقتي من إحدى قرى وادي النصارى إن ستة بيوت في حيّها الصغير قد فرغت من سكانها تماماً، بعد أن هاجرت عائلات بأكملها إلى أستراليا في الأشهر الأخيرة. وتقول أيضاً: «الناس هنا لا يثقون بالمستقبل، ولذلك ينفقون كل ما يملكون في الوقت الحاضر، وكأنهم يعيشون ويمضون الوقت بانتظار شيء ما، لعله الهجرة، أو أمرٌ آخر لا يعرفه أحدٌ منهم على وجه التحديد».