عن إشكاليات الكتابة باعتبارها خطاباً توعوياً

تفتح الجمهورية باب التفاعل والنقاش حول قضايا وأفكار أثارتها النصوص التي نُشِرَت ضمن ملف عن الكتابة ومشاغلها.

من الصعب أن تكون دقيقاً في إجابتك على سؤال يتعلّق بجدية الكتابة، من حيث معناها ومقتضاها وما تصبو إليه عملياً، خصوصاً إذا ما اتفقنا على كونها أسلوباً خطابياً يأخذ منحىً ممتعاً أو مقنعاً أو مبدعاً أو حتى الثلاثة معاً، حسب الرغبة والحاجة والقدرة.

في إشكاليات الكتابة كما في إشكاليات أي خِطاب آخر تماماً، ثمة ما يستدعينا بشكل جدّي، كقرّاء على الأقل، إلى أن نقف على مقاصد الكاتب دائماً، نبحث عما يريده، ونتبيّن أين أخطأ وأين أصاب، وننبش عما كان يستبعده فيما هو يتكلم، وذلك كنوع من المساءلة النقديّة نجد أنفسنا مطالَبين بها بدافع الخوف على أنفسنا. غريزة البقاء فينا وواجب الاستمرار، هو ما يحرّك فينا هذا القلق ويعززه يوماً بعد يوم.

منذ أن أخترعَ الإنسان الكتابة قبل سبعة آلاف عام تقريباً، كانت بالنسبة له ذاك المستودع الضخم الذي «حَفِظَ» فيه إنتاجه الفكري وميراثه الثقافي والعلمي من الاندثار. أرادَ «الخلود» على المستويين الفردي والجمعي، فكانت الكتابة بالنسبة له آلية دفاعية تَقِيه إلى حدٍّ ما خوفه المتعاظم من خوض تجربة الفناء المادي، حسبما يذكر دوغلاس ج. ديڤيس في كتابه الوجيز في تاريخ الموت.

مع عصري النهضة والتنوير أخذت الكتابة شكلاً خطابياً آخر مسؤولاً، فأكثر مسؤولية، إلّا أن مساعيها تلك قد تهاوت مع بداية القرن العشرين حتى منتصفه، حربان عالميتان على خطى أطروحات الـ Übermensch أو السوبرمان التي حكَّمَت القوة بعيداً عن أي اعتبارات أخرى، وقالت إنه لا سبيل للإنسان أن يكمل مسيرته الأرضية إلا عن طريق تطوره إلى نوع جديد، «الإنسان المتفوق» القادر وحده على المتابعة، أما الضعفاء فمن الطبيعي جداً أن يذهبوا إلى الجحيم.

تأثير نيتشه هذا بلغ في تلك الحقبة مبلغاً لم تصله أشد الأفكار الدينية تطرفاً؛ إليزابيث شقيقة الفيلسوف الألماني تقول: «ليس لديّ أدنى شكّ بأنّ الفوهرر هو السوبرمان الذي تنبّأ به زرادشت»؛ وعلى أي حال فإن هتلر وموسوليني مثالٌ عفا عليه الزمن، بشار الأسد واقع نعيشه اليوم، بحاجة إلى من يطرح الأسئلة: لماذا نكتب؟ ما هو دور المثقف؟ وعن أي نظرية تمخّضَ التاريخ العربي لـ يلدَ فأراً كالرئيس السوري ومنتجاته؟

لا يتجادل اثنان في أن فرنسا كانت قد تصدّرت المشهد الثقافي في خمسينيات القرن الماضي، مثلما كانت عليه بدايةَ عصرِ النهضة حينما كُتبت المقالة للمرة الأولى على يد ميشيل دي مونتين؛ كانت تلك المحطة (أعقاب الحرب العالمية الثانية) بالنسبة لأبناء عصور التنوير مرحلة إعادة بلورة للمفاهيم وسط كل ذاك التمويه الذي مارسته الحرب على ملامح الأزمنة والأمكنة والأشخاص. نصّبوا أنفسهم في موقف الدفاع عن قِيم بشرية محضة: الجمال، الأدب، الفن، الفلسفة والحرية والحب، واعتبروا ذلك دفاعاً عن ركائز بدونها تصبح الحياة خالية من أي معنى، ويصبح الإنسان فيها كائناً غير جدير بالاحترام، وهنا من المفيد تذكّر أن رواية الفراشة لـ هنري شاريير كان لها الدور البارز في إلغاء عقوبة الإعدام في فرنسا آنذاك.

مع بداية الألفية الثانية، إبان الاحتلال الأمريكي للعراق، كان الشرق الأوسط بما فيه من بقايا الضوابط الناظمة لإنتاجه الفكري ينكّب على وجهه، إلى أن سقط في حفرته التي أعدّها بداية العام 2013، حين ظهر تنظيم الدولة بصورته العملية مجسّداً مجموع الخيبات التي عايشَتها وتُعايشها هذي الأرض منذ قرون.

لا يخفى على أحد أن ظهور الجماعات الإسلامية بأفرعها العديدة، إلى جانب الأحزاب القومية أو تلك المتنطّعة لفئات دون أخرى، المنفلتة من تحت عباءة الديكتاتور العسكري، كلها وَضعت الآداب والفنون موضعاً حرجاً عليها معه أن تتدارك عجزها و«سيزيفيتها» إن صح التعبير، ففي الوقت الذي كانت فيه معظم وسائل إعلامنا العربي، التي وَجدت في الثورات ضالتها، تعمل على توزيع صكوك الخلاص من هذا العالم الموحش إلى عالم أبدي فيه من النساء والبنين الكثير، وتستثمر بشكل ديني وقح حاجَة وجود معنىً للحياة، فتتغنّى بتشومسكي ونظريات نهاية العالم تارةً وبالنصوص الدينية تارةً أخرى، كانت معظم كتاباتنا من جانبها تمارس العادة السرية بفرط النرجسية، تتحدث بملل عن روائح تركها الكاتب بين الأزقة في بلاده التي غادرها، ونساء شقراوات في بلاد اللجوء لم يُعرنه أي اهتمام، أو عن صديقه الكاتب الذي أصدر ديواناً من الشعر يتحدث فيه عن هروبه من الحرب، أو تقدّم المادة الكلاسيكية الخبرية بحجّة «تسليط الضوء على…» خاليةً من أي مسؤولية أو مضمون وقائي أو علاجي في بعض أشكالها وأحوالها.

إن الكتابة هي قضية كيف نرى العالم ونتلقاه في اعتقادي، وهي منظومة توعويّة تهدف إلى بناء مجتمع مثالي ناضج قادر على الاستمرار، وهي رؤية لإقناع متلقّيها بأن الحياة جديرة أن تُعاش، وهي إن لم تكن طرحاً يطمح ويهدف ويحذّر وينوّه ويختصر تجارب الشعوب ويقدّرها ويقدّم ما يراه منها مناسباً، فهي بالتالي ثرثرة متنكّرة تدعو إلى غزو العقل وإلهائه لا أكثر، «إن إبقاء الأدب حياً في مجتمع يعاني من الاضطهاد، يعني الحفاظ على المسعى الإنساني حياً» يقول سارتر.

والآن… في هذا الوقت تحديداً يبدو السؤال أكثر إلحاحاً، لماذا يكتب الكاتب، ولمن يكتب؟ للمتعة، للترويح عن النفس، لجمع المال، للشهرة، لمظهر من مظاهر المجد… يكتب لأنه يكتب، أو لأنه يعتقد، أو يظن، أو يرى، أو يتألم، أو يبيع آلامه، أم تُراه يكتب لأنه يجيد ذلك فقط؟! إن كان الإنسان -بكل ما يقدّمه- هو مستقبل الإنسان حسب تعريف فرانسيس بونغ، فما هو المستقبل بالنسبة لنا على ضوء ما نقدّمه الآن؟ وإن كان الإنسان حين يقول «أنا» يَعني ذاكرته حسب إمبيرتو إيكو، فما الذي نتذكره نحن غير الرؤية الدينية للحياة وتجاربها الفاشلة على أرضنا؟ أو نقيضها الديكتاتوري العسكري الأكثر فشلاً؟ أو العبث الذي يمارسه الأدب دون القدرة على تغيير أي شيء، اللهم إلا الاختزال… الشِّعر نفسه بات بلا قدرة أو حتى إيقاع موسيقي، «هذا ما يطلبه الجمهور» يقول الكاتب والناشر.

إن الواقع العربي يعاني في صميمه مشكلة سيكولوجية كرّسها التاريخ البائد والمعاصر، مشكلة مرتبطة جدياً برغبة سقوط العالم واقتراب نهايته، مرتبطة بالعدم، بالعبث، بانتظار غودو، بالكوارث، بالنيزك، بالعدل السماوي، بالخلاص الأبدي الذي يقي الإنسان مرارة الاختيار وتحمُّل النتائج، بالغيرة على التاريخ نفسه… مرتبطة بحاجة الفرد إلى من يأخذ بيده لتحقيق ذاته، وبطريقة إقناعه أن للحياة معنىً في نفسها أو في ما يتخطّاها.

لكن، لماذا لم تستطع الكتابة حتى الآن معالجة هذا الإشكال؟ لماذا هي في الحرب نفسها في السِلم، تُعنى بقضايا فرقة موسيقية ناشئة مثلاً أكثر من الوجود كإشكالية، أو أكثر من هذا التطرف الديني الذي ينمو في عقول شبان لم يتجاوزا السابعة عشرة، على الكاتب أم الناشر أم «المستهلِك»؟

ليست ميزةً أنْ يَحمل الكاتب قضية يعالجها أو يدفع باتجاهها، إنما يجب أن يكون ذلك عنصراً أساسياً من عناصر شخصيته. الجميع يكتب للمتعة، نعم، لكن ثمة من يرى أن جدوى الفعل يكمن في محاولاته تفسير وتغيير العالم من حولنا، ثمة من يرى أن الكاتب إنما يكتب لأنه لا يريد أن يعيش وسط الغرباء، ولا يريد أن يبرر ما يخالج أنفس الأقرباء والأصدقاء وصناع السينما والمشاهير بالمطلق، وثمة كذلك من يَذكر ممازحاً عن حجا أنه سُئِلَ يوماً: إنك تعظ هذه القرية منذ عشرة أعوام ولم تغيّر فيها أحداً، ليجيب: إني لا أعِظهُم كي أغيّرهم، بل حتى لا يغيّروني هم.