«التحقت بهم لأتمكن من ممارسة العمل الميداني»

«كانت الثورة سلميّة» أضاف نقطتين «..»، ثمّ تابع، «كنا نشتغل بالإعلام»، وسكن برهة قبل أن يضيف، «بعدها تعسكرت الثورة». بالكاد كان صوته مسموعاً، لكنني كنت  أستطيع الوصول إليه والشعور بأنّ ما يقوله لم يكن مجرد سرد، إلّا أنهُ لم يحمل طعم الأسى المعتاد أو البكاء على الماضي؛ كان َفيه بعض الثقة بأنّ الثورة هي نفسها، تعسكرت أم لم تتعسكر. كانت أماً وكان هو الإبن المطيع الذي سيحبها كيفما كانت. «استمرّ نشاطنا سلميّاً، لكننا بدأنا بالتنسيق مع الجانب المسلّح»، قال قبل أن يعيد ترتيب أفكاره ويبدأ من جديد: «أنا الابن الوحيد في عائلتي، لم أخدم أو أتدرب في الجيش يوماً (..) وفي يومٍ من الأيام كنـت وصديقي نقطع الطريق بين الأحاديث عندما طلبَ منّي المرور معه لمقابلة شخصٍ في المنطقة. قابلته واكتشفت أنه ينتمى لجبهة النصرة. أخبرنا عن معسكر تدريب سيجري في ريف حلب بعد أسبوع. جرّني الفضول، وبدا الموضوع وكأنه فرصة للتعرّف عن قرب على ذلك الرّعب الذي يخاف منه الجميع».

«ذهبت إلى المعسكر، وبقيت هناك لمدة 15 يوماً. الغريب أنه، رغم أنني شخص علماني ﻻ يحبّ الإسلاميين، إلا أنهم تركوا أثراً إيجابياً في نفسي. تدريبهم قد يرقى إلى مرتبة أفضل تدريب عسكري في سوريا؛ تدريب قوي وعقائدي، ومدروس بصورة متكاملة». ثم أكمل الشرح بتفصيلٍ أكبر: «يحببون المنضمّين إليهم بالإسلام، ويحثونهم على فكرة الجهاد، كما أنهم يقومون بحماية المناطق التي يسيطرون عليها من السرقة أو اﻻنتهاكات التي يتعرّض لها المدنيّون في بعض المناطق التابعة لفئات عسكريّة أخرى، كذلك يتكفّلون بعائلات المجاهدين الذين ينضمّون إليهم، ويستمرون بالتكفّل بعائلات شهدائهم (..) لكنني ذهبت فقط للتدرّب والمعرفة. بعدها تركت»، أنهى شرحه مؤكداً أنه لم يصل لمرتبة المجاهد.

وما هي شروط الانضمام للجبهة؟ سألته بعد أن بدا لي، من حديثه، أن الانخراط شديد السهولة والمرونة، على عكس ما يتناقله الإعلام عن الجبهة. «معارف»، قال دون تردد. «عن طريق المعارف والأقرباء والأشخاص المنضمّين، حتى يضمنوا أن الشخص موثوق»، أضاف مفسراً. وحين سألته عن السبب الذي دفعه لعدم الاستمرار معهم والاكتفاء بالتدرّب فقط، أجاب: «أنا تدرّبت عندهم كي أتعلّم منهم، وليس كي أكون مثلهم». سكت قليلاً ثم أضاف: «هم أناس ذوو عقيدةٍ يؤمنون بها، ويواجهون الصعوبات في سبيلها». سكت ثانيةً، ثم استكمل: «رغم أن العقيدة الإسلاميّة البحتة تتعارض مع أفكاري. لقد ذهبت للتدريب هناك وفهمت مَن هم وماذا يريدون من سوريا، وهكذا انكسر حاجز الخوف منهم بداخلي».

«وماذا يريدون من سوريا؟» سألته، قبل أن ينقطع اﻻتصال..

بعد قليل عاد معتذراً: «الشبكة ضعيفة»، وأكمل الإجابة على سؤالٍ سابق حول قدرته على الانسحاب، وإن كان قد ترتّب جراء ذلك أي إجراءات خاصة بحقه: «كان وضعي خاصاً بعض الشيء، فقط كنتُ من المعروفين بأنني أعمل في مجال الإغاثة والمظاهرات السلميّة بالدرجة الأولى، كما أنني كنتُ قد أخبرت الشخص الذي أدخلني، قبل البدء بالتدريب، أنني أرغب بالتدرّب فقط، فكان من السهل عليّ أن أترك بعد 15 يوماً دون أن يترتّب عليّ شيء، أمّا من ينضمّ بصورة دائمة فقد يكون أصعب عليه أن يترك».

لم أحتج لأن أكرر السؤال الذي تلاه، فقد تابع: «يريدون من سوريا؟» سكت قليلاً فيما بدا أنها محاولة لترتيب ما يريد صياغته، وأضاف: «يريدون أن يزرعوا بؤراً لهم ضمن مشروع كبير، أبعد من يوم ويومين». لم أفهم، أخبرته، فأجاب: «يعني زرع فكر جهادي سياسي يستمدّ قوته من العقيدة نفسها.. جهاد ضد أيّ شخص أو شيء يختارونه حسب الأجندة المطروحة وقتها. يريدون تجهيز الحاضنة الشعبيّة. الحاضنة هي أهم شيء».

انقطع الاتصال ثانيةً قبل أن أتمكن من طرح المزيد من الأسئلة، وفي هذه المرّة لم يعد أبو مشعل، وهو اﻻسم المستعار لناشط من شباب الحراك المدني في ريف حلب. في اليوم التالي لحديثنا وصلتني منه رسالة نصّية قصيرة يبدو أنها بقيت عالقة بعد أن قُطع اﻻتصال: «أنا ذهبت إلى المعسكر كي أصبح قادراً على حماية نفسي. أردتُ أن أكوّن علاقات معهم كي ﻻ أتعرّض للأذى من طرفهم في يوم من الأيام، وهكذا أستطيع ممارسة نشاطي المدني بأمان».