حوار مع سمير سعيفان

 

 كيف تفسر التدهور المتسارع في سعر صرف الليرة أمام الدولار والعملات الأجنيية في الفترة الأخيرة؟ وكيف تقيم الإجراءات الحكومية التي عكست الاتجاه وأعادت الدولار إلى نحو 185 ليرة اليوم (20 حزيران)، بعد أن وصل في الأيام القليلة السابقة إلى 225 ليرة؟ وعموما كيف ترى المعالجات الحكومية لتداعي الليرة السورية؟

الاتجاه العام للقيمة الشرائية لليرة السورية هو الهبوط، وإن كان بسرعات متفاوتة بين فترة وأخرى. وإجراءات الحكومة لم ولن تنفع في منعها من التراجع، ولكنها أبطأت من تسارع الانهيار، وخلال العامين المنصرمين وعندما يحدث التراجع يكون هناك عدم يقين، فيتوقف البيع، مما يؤدي لتراجع العرض، فيرتفع السعر بسرعة، ثم يعود ليهبط، ليستقر مؤقتاً عند مستوى أدنى من القمة التي بلغها، ولكنه أعلى من المستوى السابق. ونلاحظ أن سعر صرف اليوم 27 حزيران تجاوز 200 ليرة سورية للدولار الواحد.

ولكن يجب القول أن الليرة السورية لم تتدهور ضمن هذه الظروف كما كنا نتوقع كاقتصاديين. فالنظام أدرك أهمية سعر الصرف ووضعه كمؤشر لقدرته، فبذل جهوداً كبيرة لمنع تدهوره السريع، لذا بدأت الليرة تهبط تدريجياً ببطء نسبي. فقد استخدم النظام الاحتياطي الوطني والاحتياطيات السرية، وقدمت له أيران قروضاً تترتب ديناً على سورية المستقبل، وطلب النظام قروضاً من روسيا عام 2012، ولكن لم يعلن عما إذا كانت روسيا قد أقرضت النظام أية قروض، وأنا أرجح أن قروضها جاءت على شكل أسلحة منها. ويعتقد أن حكومة المالكي تقدم مساعدات بإيعاز من إيران. إضافة لهذا فقد قلّص النظام نفقات الموازنة العامة بشكل كبير، فألغى تقريباً كل إنفاق استثماري، وقلص تمويل المستوردات إلى حدود كبير، ويتجه للتقليص أكثر فأكثر، ولم يعد يدفع رواتب بضعة مئات الآلاف من الموظفين، وغيرها مما يخفف من الطلب على العملات الصعبة مباشرة أو بشكل غير مباشر. ويمكن أن نذكر أن قدوم مساعدات إغاثية عن طريق المعارضة للمناطق المنكوبة قد ساهم بتوفير عملات صعبة في السوق ووفرت سلعاً، وهذا يسهم في تخفيف حدة تدهور سعر صرف الليرة.

تراجع سعر الصرف سيستمر، ويتسارع ببطء أو بسرعة بحسب المساعدات التي تقدم له من قبل الجهات الدولية التي تدعمه، إيران والعراق وروسيا. أما كفاءة جهاز الحكومة بإدارة سعر الصرف فضعيفة، وهي السمة التقليدية للإدارة السورية.

من هم المتضررون من تدهور العملة المحلية؟ وهل من مستفيدين سوريين من ذلك؟ وما هي أهم الآثار الاجتماعية لتدهور قيمة الليرة؟

في الظروف العادية يتأثر أصحاب الأجور والرواتب والمزارعين وأصحاب الدخل المحدود أكثر من غيرهم بهبوط سعر صرف العملة الوطنية، ولكن هبوطها يؤدي إلى تقليص تكاليف الإنتاج، مما يشجع تصدير السلع والخدمات، وقد ينشّط الاقتصاد أن تتوفر لدى الدولة رؤية وتخلق فرص عمل.  هذا في ظروف عادية. ولكن سورية ليست في أزمة اقتصادية عادية لنقيم آثارها على هذا النحو، فنحن في كارثة وطنية سببها الحل الأمني للنظام، والمسألة لا تتوقف عند أضرار الليرة، بل تتوسع لتشمل تهديم كل شيء، الحجر والبشر. ولكن هبوط سعر صرف الليرة في هذه الحالة يصيب الجميع، يصيب كل من معه عملة وطنية، وتستمر خسارته بالتزايد مع تزايد هبوط سعر صرفها، فمع تدهور سعر الصرف تصبح كمية المال في اليد تشتري سلعاً وخدمات أقلّ فأقلّ، وهذا يعني أنها تصيب الجميع. وهبوط سعر الصرف يصيب أيضاً المناطق التي لا تشهد أية معارك او قتال، فقد تآكلت مدخرات العائلات، وباعت النساء صيغتها، وقلصت العائلات من الإنفاق حتى على الطعام والطبابة. الطبقات الوسطى والغنية سارعت بتحويل ما لديها الى عملات صعبة هربتها الى خارج سورية لتتجنب الخسارة، ولكن الكثير منهم أصابته خسارات غير قليلة في أعماله. ولا يوجد رابح من هذه الحرب الطاحنة، وحتى لو ربح النظام، وهذا غير وارد، فسيكون ربحاً أسوأ من الخسارة، وكل هذا من أجل الكرسي، وأطماع إيران الإقليمية.

ما هي في تقديركم الآثار السياسية المحتملة لوضع الليرة المتراجع؟ وما هو الأثر المحتمل لتدهورها على الثورة والصراع مع النظام؟

عموماً، اي طرف في صراع يحتاج لتمويل كي يستمر فيه، والصراعات تكلف أعباء مالية كبيرة جداً، ويحتاج النظام للإنفاق على آلته العسكرية، وهو إنفاق كبير جداً مع شحّ الموارد، كما يحتاج للحفاظ على رضى الموالين ورضى المناطق التي يسيطر عليها على الأقل. وتدهور سعر الصرف وتدهور القدرة الشرائية للعملة الوطنية وارتفاع الأسعار الجنوني يجعل الجميع متذمرين، ويدفع حتى الموالين للترحيب برحيل النظام إذ يشعرون أنه فقد قدرته، وأن بقاءه سبب للتدهور، فيصبحون مستعدين لقبول فكرة رحيله ويتردّدون في دعمه، خاصة إذا ما تم تطمينهم أن البديل سيكون أفضل بالنسبة لهم ايضاً.

بالمقابل، يمسّ تدهور الأوضاع المعيشية جميع السوريين تقريباً بسبب تدهور القدرة الشرائية لليرة مع تراجع الدخول بسبب تراجع الأعمال وتزايد البطالة بشكل واسع، إضافة للأهوال التي يتركها هجوم النظام على المجتمع من جهة، وبروز عصابات سرقة ونهب واختطاف تحت اسم ثوار، وبروز أمراء الحرب ومجموعات أجنبية جهادية –بعضها مرتبط بالنظام– تريد فرط أنماط عيش غريبة عن السوريين، مستغلين تشرذم قوى الثورة وعدم وحدتها وعدم امتلاكها القدرة على ضبط سلوك كل هؤلاء... كل هذا يجعل الحياة اليومية للناس في جحيم يدفع فئات واسعة منهم للتوجه ضد طرفي الصراع، وهذا ما يحتاج الى معالجة قبل استفحاله.

هناك مظاهر دولرة متسعة للاقتصاد السوري وحتى المداولات التجارية اليومية، تذكّر بدولرة الاقتصاد اللبناني أثناء الحرب اللبنانية وبعدها. هل هذا اتجاه محتوم؟ هل من إجراءات يمكن القيام بها لعكس هذا المسار؟

نعم مظاهر الدولرة (اي استخدام بالدولار في التعاملات اليومية) اتسعت عن قبل، ولكن أعتقد أن اتساعها محدود مع ذلك، ولا يمكن المقارنة مع لبنان، فلبنان ثقافة مختلفة وانتشار واسع قديم للتعامل بالدولار.

أعتقد أن الدولرة ما زالت غير واسعة في سورية. وغالبية الناس يصل لأيديهم العملة السورية فقط، بينما هم بعيدون عن الدولار، رغم أن كثيرين سعوا إليه لحماية مدخراتهم. عادة يمكن للمدن وللطبقات الوسطى أن تتعامل بالدولار للدفع والقبض وإبرام الاتفاقات والبيع الآجل بسبب خشيتهم من الليرة السورية التي تتدهور قيمتها، ولكن السوري المزارع الذي يبيع للدولة أو في السوق، وصاحب الورشة التي تنتج أية منتجات ويبيعها في السوق، ومن يقبض راتب من الدولة أو القطاع الخاص، جميع هؤلاء يقبضون بالليرة السورية، وهم 99% ممن بقوا مقيمين في سورية.

 كم تقدر الأكلاف المادية للثورة\الحرب السورية حتى اليوم؟ وأكلاف إعادة الإعمار؟

من الصعب تقدير أكلاف إعادة البناء، خاصة وأن التدمير لم يتوقف بعد.. ومعرفة  الخسائر تحتاج لجرد للواقع بعد توقف الصراع. ولكن يمكن أن نقدم بعض المعطيات لتقديم فكرة.

فأكبر الخسائر تأتي بسبب القصف على المدن والبلدات والقرى، ويُقدّر عدد المساكن المهدّمة والمتضررة بأكثر من نصف مليون مسكن من أصل 4 مليون مسكن هي عدد مساكن السوريين. وتقدر تكاليف إعادة بنائها بنحو 60 مليار دولار. يضاف لها نحو ثلث عدد المدارس والمستوصفات، هُدم أو تضرر. ويضاف لها سرقات أثاث البيوت وسرقة السيارات أو تدميرها بسبب القصف.

البند الثاني الكبير هو خسارة قطاع النفط الذي كان ينتج نحو 380 ألف برميل في اليوم تقدر قيمتها –بسعر يقرب من 100 دولار للبرميل– بنحو 38 مليون دولار يومياً، أي نحو 12 مليار دولار سنوياً، فقد توقفت معظم حقول النفط عن الإنتاج وتراجع الإنتاج إلى أقل من 70 ألف برميل يومياً، ما لم يتوقف الإنتاج بالكامل قريباً. ولن يكون من السهل إعادة الحقول لنفس مستوى الإنتاج في حال عاد الاستقرار.

الخسارة الكبيرة الأخرى سرقة آلات وسيارات ومعدات شركات القطاع العام، وحتى منشآت القطاع الخاص، ونهب مستودعات الأقطان والحبوب والمشتقات النفطية في المناطق التي تسيطر عليها المعارضة، وخاصة في حلب (حيث هي المدينة الصناعية الأولى في سورية) وتهريب الآلات الى تركيا، ويقدر أن نحو 1000 منشأة صناعية قد تم نهبها.

يضاف لكل هذا تدهور الاقتصاد السوري، فقد كان الناتج المحلي الإجمالي عام 2010 نحو 60 مليار دولار، أما اليوم فأعتقد أنه لا يزيد عن العشرين مليار عام 2013، بعد توقف النفط ومعظم الصناعة ومعظم السياحة ومعظم النقل والجزء الأكبر من البناء والتشييد وجزء كبير من الزراعة وتراجع خدمات الدولة حتى النصف.

نضيف لهذه التكاليف نفقات إرجاع نحو 3 مليون مهجر داخل سورية، ونحو مليون خارجها إلى المخيمات، يضاف لهم مليون آخر غادر إلى الخليج وأوروبا وأمريكا اللاتينية. يضاف لهم أكثر من 200 ألف معاق. أما سرقة المواقع الأثرية والمتاحف، مثل سرقة متحف الرقة من قبل جبهة النصرة وقصف سوق حلب التاريخي من قبل النظام، فلا تقدر بثمن.

إن الخسائر أكبر من أن تقدر، وستكون إعادة الإعمار أمراً شاقاً وطويل الأمد، وسيزداد صعوبة ويمتد أمده مع استمرار الصراع وارتفاع ارقام الخسائر.