ليلة القبض على الشرعية الإخوانية

مع الانقلاب الأبيض الثاني للجيش المصري، المتناغم مع حشود شعبية غير مسبوقة في الشارع على الرئيس المنتخب هذه المرة محمد مرسي، يبدو أن ثنائية الشعب-الجيش حدّدت للمرة الثانية ما الذي لا تريده. ولكن يبقى السؤال هنا، ما الذي تريده؟

في الانقلاب الأول على حسني مبارك، التقت مصالح الجيش مع الرفض الشعبي لمشروع التوريث الرئاسي لنجل الرئيس رجل الأعمال جمال مبارك ومجموعته من رجال الأعمال المتكتلين في لجنة السياسات في الحزب الوطني. فمشروع التوريث كان تهديداً لدور الجيش في المجال العام والمستند على شرعيتين تأسيستين: الأولى هي ثورة 23 يوليو التي قام بها الضباط الأحرار وأنهت الحكم الملكي وأنشأت النظام الجمهوري، والثانية هي حرب 6 أكتوبر وعبور قناة السويس. أما بالنسبة للشعب المصري فكان مشروع التوريث امتداداً لمرحلة الفساد المباركية وبوجهها الأبشع المتمثل في تكتل مافيات نهب المال العام، مترافقةً مع الجمود السياسي وتهميش دور مصر الإقليمي والدولي. كان الإخوان المسلمون جزءاً من هذا التحالف العريض الذي استفاد من ثورة 25 يناير لإسقاط العدو المشترك متمثلاً بنظام مبارك، فرغم تلكّؤ الإخوان في المبادرة للنزول للشارع، استدركوا ذلك بسرعة، وكان لقدراتهم التنظيمية دور هام في حماية ميدان التحرير من بلطجية الحزب الوطني. في المرحلة الانتقالية التي تلت مبارك، ظهر الإخوان كالرقم الصعب الذي يستحيل تجاوزه في الاستحقاقات المتتابعة لإعادة تنظيم الدولة، فهم الجماعة السياسية الأكثر تنظيماً والأنضج في وجود مشروع محدد لاستلام السلطة من العسكر. ترجموا هذا في نجاحين انتخابين، أحدهما ساحق في الإنتخابات البرلمانية والآخر ملتبس وضعيف في الانتخابات الرئاسية، ويضاف لذلك نجاح في استفتاء على دستور إشكالي شكّل نذيراً لمشروع إخواني خاص يبتعد عن أجندة التيار المدني في الثورة.

اتكل الإخوان أساساً على النجاح الرئاسي لمرشحهم الاحتياطي محمد مرسي العياط –وبنسبة ضئيلة هي 51.7% من الأصوات– لإطلاق مشروعهم المستقبلي لحكم مصر عبر ما سمّي «مشروع النهضة» وعبر تعهد الرئيس المنتخب بتغييرات ملموسة على الصُعُد المعيشية والخدماتية في الأيام المئة الأولى لحكمه.

ولكن لم تسر الأمور مع الإخوان كما يشتهون، فالتعثر في كافة المجالات كان ملموساً، ولم يشعر الشارع بأي تغيير بل ساد انطباع بأن الثورة بدلّت طاقم حكم بآخر من نفس الذهنية، وساهمت في الإحباط العام شخصية مرسي التي تفتقر للكاريزماتية. لم ينتبه الإخوان إلى حقيقة الفوز الرئاسي الملتبس الذي ساهم به توّحد الشارع الثائر في مواجهة ماسمّي بمرشح الفلول أحمد شفيق في الجولة الثانية وبنسبة صغيرة ، فاعتبروا نجاح مرسي بمثابة تفويض شرعي غير قابل للخلع، ولم يقبلوا بالمشاركة في الحكم وتورطوا في قرارات غير شعبية واستفزازية للرأي العام مثل تعيين متّهم في أحداث إرهابية في الأقصر محافظاً لها، يضاف لذلك عجز عن حلّ مشكلات تهدد مستقبل مصر كالسدّ الذي تبنيه إثيوبيا على النيل ويشكل خطراً على الأمن المائي لمصر، وكان التحدّي الأبرز لهم هو مواجهة ما يُعرف في مصر بالدولة العميقة، فلم يستطيعوا محاربة هذه الدولة أو اكتسابها ففشلوا في محاكمات رموز الحكم السابق وفي السيطرة على مؤسسات الأمن المتشعبة وفي تغيير النائب العام ، فحاولوا بدلاً عن ذلك اللجوء لخطوات عرض عضلات شرعية عبر عزل قيادة المؤسسة العسكرية وأخونة قطاع الإعلام الحكومي.

ساهم كل ماسبق في حدوث استقطاب حاد في الشارع بين الإخوان وخصومهم، عزّزته هزالة القوى السياسية المناوئة لهم مما حوّل المواجهة من سياسية إلى لعبة شارع مقابل شارع، وكان للإعلام الخاص دور كبير في التحريض على الحكم الجديد مع التركيز على اقتناص هفوات مرسي وتحويله إلى مادة للسخرية.

وهكذا تلاقت المصالح المختلفة لكل ماهو غير إخواني في الحشد باتجاه إسقاط ما أصبح يعرف بـ«حكم المرشد»، ورغم الحشد المليوني المهيب في الشارع المستجيب لحملة «تمرّد» بدا واضحاً أن السيناريو نفسه الذي أُسقط به مبارك هو الوحيد القادر على ترجمة ماظهر كإرادة شعبية بإسقاط مرسي، أي انقلاب عسكري جديد، ولكن المفارقة هذه المرة أنه ضد رئيس منتخب فعلاً ويحظى بتأييد له وزنه! ففي خلال سنة فقط تبدل ضلع من مثلث التحالف بين تيارات المجتمع المدني مع الحالة الإسلامية مع الجيش لإسقاط حكم مبارك إلى حلول فلول النظام السابق بديلاً عن الحالة الإسلامية التي أصبح رأسها هو المطلوب.

ورغم كل مايمكن أن يُقال عن مداخلات إقليمية ودولية متعلقة بالتنافس السعودي القطري والعلاقة الخاصة للجيش المصري بالولايات المتحدة الأميركية، يبقى الواقع أن الملايين التي عبّأت الساحات والشوارع هي صاحبة الكلمة في الحدث الذي قام به الجيش.

وهنا نعود للسؤال، ما الذي تريده مصر؟ وإلى أين تتجه الأمور؟

المفارقة أن مفتاح الإجابات عن هذه الأسئلة هو عند الطرف المنقلَب عليه أي الإخوان وطريقة مواجهتهم للانقلاب المدعوم شعبياً. فمع الأنباء التي تتوارد من مصر عن حملة اعتقالات للقيادات الإخوانية وإغلاق محطات التلفزة المحسوبة عليهم، تزداد مخاطر حصول حالات رد فعل عنفية تستند هذه المرة إلى حالة مظلومية تتجاوز مظلومية القمع التاريخية إلى المؤامرة على الشرعية والتشبّث بالعودة لهذه الشرعية ولو عبر العنف والاقتتال الأهلي.

قد يساعد على تعزيز هذه الفرضية انقطاع التواصل بين القيادة الإخوانية المعزولة بالانقلاب الجديد وبين شارعها، مما يعني استغلال هذا الشارع المصدوم من قبل حالات إسلامية موازية للإخوان وأكثر تطرفاً، وهم موجودون بطبيعة الحال في المجتمع المصري. ستقود هذه الاحتمالية إلى مآل شبيه بالتجربة الجزائرية، وتكمن خطورتها ليس فقط في تعميم حالة الكراهية والعنف وإنما أيضاً في تعطيل آلية الانتقال الديموقراطي للسلطة عبر انتخابات جديدة وتسليم الحكم لقوى سياسية منتخبة. المسؤولية عن تجاوز هذا المصير تقع على عاتق السلطة الانقلابية أولاً والتي تستطيع تنفيس الاحتقان عبر وقف ما يبدو وكأنه حركة استئصالية للحالة الإخوانية برمتها، وثانياً تقع على عاتق قيادات الصف الثاني إخوانياً والإعلام المساند لهم خارج الحدود المصرية عبر محاولة السيطرة على شارعهم ومنع انجرافه للعنف.

الفرضية الثانية لتمرير المرحلة تقوم على قرار الإخوان بالمواجهة الناعمة مع تبعات الحدث بدلاً من المواجهة الخشنة، أي القبول بالأمر الواقع والاستعداد لخوض الاستحقاقات الانتخابية المقبلة مع الاستفادة من صورة الضحية لغسل صورة الفشل في الحكم. وتعتمد هذه الفرضية أيضاً على سماح السلطة الانقلابية للإخوان بالمشاركة في هذه الاستحقاقات بعيداً عن شهوة الانتقام وعزل الجماعة عن العمل السياسي.

مصر إذاً أمام سيناريوهين، أحدهما يقود للهاوية والآخر يقود إلى عودة الحياة السياسية الطبيعية. وهنا على التيار المدني أن يدفع بثقله نحو السيناريو الثاني الذي يبدو وكأن به الإجابة لما تريده مصر: حيث سيقود هذا السيناريو لتعزيز الثقة بالمؤسسة العسكرية عبر تراكم منجزاتها بحماية الدولة وملاقاة الإرادة الشعبية، مما يجعلها في حالة شرعية تأسيسية ثالثة لدورها الوطني؛ كما سيعوّض الإخوان عن خسارتهم للحكم بحقيقة كونهم اللاعب الأقوى سياسياً في مصر في تكرار لحالة حزب الوفد في العهد الملكي، حيث كان الوفد الحزب الأقوى دوماً في الشارع والبرلمان وكانت الإرادة الملكية بعزله تتطلب تجميع لكل الأحزاب الأخرى لمعادلة ثقله؛ وسيربح التيار المدني حقه في المشاركة بالحكم بعيداً عن التهميش الذي قام به الإخوان له .

فهل تكون ليلة القبض على الشرعية الإخوانية خاتمة الانقلابات المصرية وبداية لمسار سياسي جديد؟ التطورات متلاحقة بسرعة، ولكن يبقى موقع مصر وثقلها الإستراتيجي حافزاً للجميع للتهدئة والتطلّع للجمهورية المصرية الثالثة في غضون أقل من سنتين.