أزمة المدرسة, المساواة والثورة السورية

ارتبطت الثورات على مرّ العصور بالمطالبة برفع الظلم والمساواة. لذلك غالباً ما تقوم بها الطبقات المحرومة من حقوقها اجتماعياً أو الفقيرة اقتصادياً. لكن المعضلة التي كانت تحدث هو أن من يقومون بالثورات ضد الظلم والاضطهاد غالباً ما يصبحون هم أنفسهم ظالمين عندما يتربّعون على العرش. فتلك الثورات التي كانت تنطلق من مبادىء إنسانية وأخلاقية تعتمد في شرعيتها على القوة، لدرجة الظلم من جديد بعد الوصول للسلطة للحفاظ عليها، وهكذا بانتظار ثورة جديدة، لندخل في حلقة مفرغة ميزت التاريخ البشري.

نجاح الثورات الحديثة، وخاصة في أوربا الغربية وأمريكا في نهاية القرن الثامن عشر أو حديثاً في دول أوربا الشرقية وأمريكا اللاتينية، كان بتجسيد المبادئ التي خرجت لها الثورات، ألا وهي المساواة والكرامة، بانيةً شرعيتها على مبادئ المساواة في المواطنة بين الأفراد. لم يقتصر تجسيدها على الإقرار القانوني لها والاعتراف الدستوري بهذه المبادئ وإنما ارتكز بالأساس على التوجه إلى الطبقات الأكثر حرماناً اجتماعياً واقتصادياً لمساعدتها على التغلب على ظروف حياتها والآندماج ثقافياً واجتماعياً من خلال خلق ثقافة مشتركة عامة بين جميع المواطنين في المجتمع، بوصفه أنا عُليا لجميع الأفراد تحميها الدولة كمكوّن سياسي. هذا المكون لم يُلغِ استخدام القوة, وإنما يستمد شرعيته من احتكارها عندما يلجأ لها لحماية المجتمع من القوانين التي تعبّر عن الضمير الجماعي المتخذة والمقررة من خلال ممثلي الشعب على المستوى الوطني. لم يكن مساعدة تلك الفئات المحرومة بتوزيع الفائض من الآنتاج عليها من المنظور الماركسي وإنما بالتوجه إلى تلك الفئات بالمدرسة  لتعليمها من خلال إلزامية ومجانية التعليم لتساعدها على الارتقاء اجتماعياً من خلال الترقي الوظيفي الذي يتناسب مع المستوى التعليمي. لذلك أصبحت المدرسة المحرك للصعود اجتماعياً.

في الحقيقة, إن الذي يقودنا إلى الحديث عن هذا الموضوع هو مجمل التحليلات المقدمة لتفسير أسباب الثورة السورية التي كانت ترتكز بالأساس على تحليلات ماركسية عن طبقات اجتماعية محرومة في مقابل طبقات رأسمالية جشعة نهبت الثروات وأذلت الشعب من خلال سياسات حكومية فاشلة، مع ما يرافق ذلك من فساد إداري ومحسوبيات. ما كان يميز تلك التحليلات هو التركيز على العامل الداخلي للبلد. وهنا نسعى لتقديم وجهة نظر مختلفة نوعاً ما، مع التركيز طبعاً على تلك التحليلات التي قدمت جانباً مهماً لتفسير الثورة، لكن بالاعتماد ليس على تحليل اجتماعي–اقتصادي وإنما على تحليل اجتماعي–تربوي مع نظرة سياسية–اقتصادية. هذا التحليل الذي سنراه  يستند إلى متغيرات داخلية بالإضافة إلى التغيرات التي حدثت على بنية النظام السوري نتيجة ضغوط خارجية لا تحمل فقط معنى سياسي أو اقتصادي إنما تحمل معاني أخرى أيضاً.

إذا كان وصول حزب البعث «الاشتراكي» للسلطة –الذي اتجه إلى الطبقات المحرومة اجتماعياً واقتصادياً (البروليتاريا) كهدف لأي حزب اشتراكي– تميّز بسياسات مستندة فلسفياً على الفكر الماركسي من خلال توزيع الأراضي أو تبنّيه سياسة حماية العمال وصغار الكسبة من خلال ما أسماه «ثورة» الثامن من آذار، فإن التغيرات العالمية المتمثلة بالعولمة والمنظمات الدولية «المنتهكة للسيادة» –والمتدخلة بأمور المواطنين في الدول حتى ضد النظام الحاكم– وظهور حقوق الآنسان وخاصة حقوق الطفل والاتفاقيات ذات الصلة لعبت دوراً كبيراً في تغير بنية المجتمع السوري. المقصود هنا –لأن البعض سيقول بالتأكيد أين هي حقوق الآنسان في سورية– تلك السياسات الدولية التي أجبرت الحكومات على إلغاء الأمية وجعل التعليم هدفاً أساسياً لكل فرد, والذي قاد المدرسة لأن تلعب دوراً في الدول الديكتاتورية كما في البلدان الديمقراطية. أي إنها أصبحت محركاً للصعود الاجتماعي للفرد. لم يعد الفلاح أو ابنه ينظر إلى عدالة توزيع الآنتاج على سبيل المثال، وإنما أصبح يتطلع لأن يكون ولده أو هو طبيباً أو مهندساً, أي بمعنى آخر تغير الوضع الاجتماعي له... لكن السؤال الذي يطرح نفسه الآن: هل تمثلت المدرسة حقاً هذا الدور؟ وهل قامت به كما يجب في الحالة السورية؟

من حيث المبدأ المعلن, التعليم إلزامي ومجاني وموحّد على كافة التراب السوري، أي، بمعنى اجتماعي، هناك فرصة لكل طفل سوري لأن يتطور ويصبح ما يريد في المستقبل، بغض النظر عن انتمائه الاجتماعي. هذا ما يعبَّر عنه بالدول الديمقراطية بعدالة الفرص, أي أن الدولة تمنح فرص متساوية لجميع الأفراد لبلوغ أقصى ما يستطيعون بحسب قدراتهم, وقدراتهم فقط, من خلال تحييد عوامل الانتماء العائلي والاجتماعي والإثني للفرد 1. هل حقاً كان هذا الوضع في سورية؟ الواقع يقول أن هناك أزمة كبيرة في دور المدرسة.

بنية النظام السوري اجتماعياً

قبل الحديث عن الأزمة الحقيقية للمدرسة، نودّ التنبيه إلى أن الموضوع المطروح في هذه الورقة البحثية يتعلق بالمساواة. ولكن بما أننا نتحدث عن أزمة المدرسة وعن الثورة السورية فلا بد من الحديث عن هذه الأزمة ببُعد آخر بالإضافة للمساواة ألا وهو بُعد العقيدة التربوية أو الهدف التربوي للمدرسة السورية في ظل النظام الحاكم، هذه العقيدة التي نرى تجسيداتها في ظل الظروف التي تميز الثورة السورية والحالة الفريدة بين غيرها من ثورات الربيع العربي من اصطفاف الجيش مع النظام وممارسة القتل ضد أبناء الشعب السوري مقابل الأسد. لكن هذا الأمر يقودنا أيضاً إلى الحديث عن بنية النظام أو بنية المجتمع في ظل النظام. للحديث عنها نسمح لأنفسنا باستجلاب مقارنة بسيطة مع نظام الحكم في اليونان القديمة بين أثينا وأسبارطة. ففي حين كان النظام في أسبارطة عسكرياً شمولياً يعتمد على التربية العسكرية القاسية لخلق عسكر مدافعين عن المدينة فقد كان الترقي عسكرياً وبالتالي اجتماعياً في هذا النظام يعتمد على مقدار إظهار الولاء والقوة، بينما في أثينا كان هناك نظام جمهوري ديمقراطي (هنا تجدر الإشارة إلى أول استعمال لمصطلح الديمقراطية كان في أثينا) وكان هذا النظام يتميز بوجود طبقتين أساسيتين في المجتمع: «المواطنين» (النبلاء والكهنة والأعيان وقادة الجيش) والعبيد (جميع الفئات الأخرى في المجتمع). الترقي في هذا النظام يعتمد على التعليم.

أي نظام هو الاقرب للحالة السورية؟ هل هو أسبارطي ام أثيني؟

في الواقع, الإثنين معاً، وخاصة فيما يتعلق بالترقي الاجتماعي وبالتربية التي يقوم عليها النظام للجيل الجديد. فمن جهة هو عسكري، فالمدرسة السورية حتى عهد قريب هي أشبه بالثكنات العسكرية يتعلم بها الأفراد قيم الولاء «للوطن» ظاهرياً كما يعبّر عنه رسمياً وللقائد واقعياً من خلال مدح القائد والحزب، النظام المستمدّ من التجربة الكورية على حدّ تعبير أحد الاساتذة مفتخراً في فيلم «طوفان في بلاد البعث» للمخرج عمر أميرالاي.

لم تقتصر التربية العسكرية على المادة المدروسة فقط ابتداءً من الصف الخامس، وإنما بنية المدرسة والتوزيع الهيكلي للطلاب (عرّيف عام للمدرسة, عرّيف لكل صف, عرّيف انضباط... ولا يخلو الأمر من التعلم على التجسّس من قبل البعض في سبيل الحصول على الإغراءات), وما يرافق ذلك من لباس عسكري وصفّارة وترديد بأبدية وخلود القائد وبمُلهم الأجيال وبأنه الأب القائد الذي لا يجب له إلا الطاعة بحسب التربية الشرقية... يضاف إلى ذلك السجن في بعض الأحيان والانضباط وما إلى هنالك من أمور خبرها السوريون جميعاً... يضاف أيضاً دورات ومنظمات الإعداد العقائدية ابتداءً من طلائع البعث حتى الانخراط في الحزب. ما نريد أن نلفت له الانتباه هنا هي تلك التجربة المدرسية (بحسب جون ديوي) التي هي أساس التعليم وليس فقط المواد المدرسية التي ترتكز أيضاً على قدر كبير من هذا التمجيد والتماهي في اكتساب قيم الولاء والطاعة للرئيس القريب بالصيغة المؤسساتية (رئيس ومرؤوس, عرّيف وعرّيف عام) والأهم الولاء المطلق «لقائد الوطن». هذه التجربة بما تحمله من قيم ومساوئ تختزل الوطن في القائد وألا يرى الفرد الوطن إلا من خلال آل الأسد (سورية الأسد, الأسد أو لا أحد، أو لا سورية).

من جهة أخرى, النظام إثني من ناحية البنية الطبقية للمجتمع السوري. هذه البنية لها انعكاساتها على المدرسة وآلياتها في الإعداد والحفاظ على هذا النظام, أي بالإنتاج الاجتماعي للمدرسة. خلق النظام السوري طبقتين على غرار النظام الإثني: «المواطنين» أو «طبقة ما فوق القانون» أو «السوريين البيض»، و«العبيد» أو «السوريين السود» حسب تعابير ياسين الحاج صالح 2. فيما يتعلق بالطبقة الأولى فإنها لا تخضع لقوانين المجتمع بل العكس أيضاً لها قوانينها الخاصة التي ترفعها عن المساءلة عن أي خطا ترتكبه بحق المجتمع. كل ما يميز هذه الطبقة هو الامتيازات والتجاوزات التي تحظى بها هي وأبناؤها، ولا غريب أن تنادي الثورة ضد هذه الفئة بالتحديد وتسعى للتخلص منها وتنادي بدولة القانون, الدولة التي تحترم جميع الأفراد على قدم المساواة. ثورة نادت بالكرامة لا ضد الجوع، كما رفعت الكثير من الشعارات وخاصة عندما حاول النظام إيهام الخارج بأنها ثورة جياع من خلال «إصلاحات رواتبية معاشية». هنا أيضاً تجدر الاشارة إلى الخطأ الكبير الذي يقع به الكثير من المحللين والاعلاميين الداعمين للنظام بالتهجم والتهكم بأنها ثورة فلاحين أبناء قرى أو ضواحي، ويعيبون عليها غياب مشاركة الرأسمالية أو البرجوازية السورية، متناسين بذلك ليس فقط الأسباب الموضوعية لقيام الثورات على مرّ التاريخ وإنما قيام ثورة على نظام «اشتراكي» يتبنى فلسفياً سياسة الدفاع عن الطبقات الفقيرة. مفارقة غريبة!!

فيما يتعلق بالحظوظ المدرسية لهذه الطبقة, هي عبارة عن امتيازات مكتسبة شرعية بحكم الانتماء وبحكم الانتماء فقط للطبقة. المقصودة هنا امتيازات التعيين والمنح الخاصة المكتسبة «وراثياً» بشكل علني (على سبيل المثال: منح الإيفاد الخاصة بأعضاء القيادة القطرية والقومية للحزب, التعيينات في السلك الدبلوماسي التي لا تخضع لأي مسابقة حتى من الناحية الشكلية في بعض الاحيان), يضاف إلى ذلك دخولها في اللعبة العامة لجميع الأفراد ظاهرياً مستفيدة من امتيازاتها واقعياً. المقصود باللعبة هنا عدالة المدرسة، أي الخضوع بشكل متساوي للعقبات المتساوية الشرعية التي تضعها الدولة لتمييز الأفراد حسب قدراتهم لاختيار الأكفأ والأقدر لتنفيذ مهمات الدولة. تلك العقبات هي الامتحانات المصيرية المتمثلة بالشهادتين الإعدادية والثانوية. لعبة, لأنها هي كذلك باختصار لأبناء هذه الطبقة، مع ما يرافق ذلك من غش امتحاني مفضوح أو حتى إدخال الدفاتر الامتحانية محلولة، كما يعرف السوريون.

هذا التمايز الطبقي (بيض–سود) الذي يميز بنية المجتمع والمفصول بعضه عن بعض بحاجز شفّاف أشبه بالسقف الزجاجي 3 الذي لا يمنع بعض الأفراد من اختراقه والحصول على اللون الابيض من خلال التماهي أخلاقياً وعقائدياً مع قيم تلك الطبقة، وبمقدار ما يقدمه الشخص من ولاء للقائد وما يتمثله من قيم المجتمع الابيض. طبعاً, عدد محدود جداً من بقية أفراد المجتمع يمكنه اختراق هذا الحاجز، ومن هنا أتى اسمه حاجزاً أو سقفاً.

وبالإضافة إلى التمايز الطبقي وفق هذا المعيار (بيض–سود) هناك تمايز طبقي ضمن بقية فئات الشعب (أغنياء–فقراء) من منظار ماركسي، بحسب الدخل وشروط الحياة والاكتفاء، وتلعب أيضاً المدرسة دوراً كبيراً في إنتاجه اجتماعياً مع ما يرافق ذلك من سياسات الدولة في هذا الإطار. لعلنا نستذكر هنا تعبير ياسين الحاج صالح عن البرجوازية الاجتماعية كطبقة اجتماعية في بنية النظام السوري. هنا نعود للتذكير بوظيفة المدرسة بكونها أداة للترقي الاجتماعي والصعود. لكن هل حقاً تلعب المدرسة ذلك الدور بموضوعية ضمن فئة «بقية الشعب» إذا استثنينا السوريين البيض (قادة المخابرات والجيش، ورجال الاعمال المرتبطين بالنظام أو الواجهة له...)؟ بمعنى آخر, هل توفر المدرسة فرصاً متساوية لكافة الأفراد للوصول إلى أعلى المراتب بحسب قدراتهم وبإلغاء بذلك عوامل الانتماء العائلي والامتيازات الطبقية؟

من حيث الظاهر, نعم، من خلال ما ذكرناه من مجانية التعليم والخضوع لنظام امتحاني موحّد (الخ)، لكن واقعياً, ساعدت عدة عوامل، بعضُها عائد لسياسة الدولة وبعضها الآخر يعود للانتماء الاقتصادي–الاجتماعي للفرد، تراكبت مع سياسة الدولة بشكل جعل من المدرسة عامل تباعد بين الطبقات بدل أن يكون عامل تقارب. عندما تتحدث الدول الديمقراطية عن عدالة المدرسة لا تقصد أبداً الحديث عن مساواة مطلقة بين جميع الأفراد كوضع اجتماعي، وإنما الحديث عن خلق ظروف متساوية لجميع الأفراد للوصول إلى وضعيات اجتماعية قد لا تكون متساوية. وبذلك تكون المدرسة أداة لعدم مساواة كوضع اجتماعي (فروق في الدخل بين الفئات الوظيفية, البرستيج الاجتماعي, الخ) ولكن أهم ما في هذا الأمر هي أنها لامساواة عادلة. هي أشبه بمسابقة الجري, فالجميع ينطلقون في نفس اللحظة ويجب عليهم قطع نفس المسافة ونفس الحواجز ليتوزعوا في النهاية حسب إنجازاتهم بين أول وثاني  الخ. فالمدرسة تخضع جميع الطلاب لشروط متساوية للوصول إلى لامساواة عادلة حسب قدرات الفرد. أي بمعنى آخر, تعطي المدرسة لابن الفلاح نفس الفرصة المتاحة لابن دكتور جامعة لأن يصبح دكتور جامعة على سبيل المثال.

هل هذا هو حال المدرسة السورية؟

في الواقع, حتى في أغلب البلدان الديمقراطية تبدو المدرسة عاجزة عن لعب هذا الدور 4 لكن هذا الأمر تراكم بشكل كبير في ظل الفساد المنتشر في سورية والمحسوبيات ليراكم من هذا الأمر بشكل علني احياناً من خلال امتيازات الحصول على نقاط إضافية لكل من يظهر رغبة الولاء للقائد، ابتداءً من العضوية العاملة في الشبيبة والحزب وما يرتبط بها من دورات مظلية, صاعقة (الخ) أو من خلال مفاضلات خاصة لكل من أبناء الشهداء أو اعضاء الهيئة التدريسية، في سعي واضح متجاوز للدور الأساسي للمدرسة لتكريس البنية الطبقية. فبدلاً أن يمنح أبناء الفقراء حظوظاً أكثر لأنهم بحاجة إلى الأكثر ولأنه قبل كل شيء حزب يمثل الفقراء، فإنه يعطي حتى في هذا الإطار الضيق امتيازات لمن يملكها بالأساس، ثم بشكل غير معلن, من جهة ثانية, من خلال شبكات الفساد.

للحديث عن آلية عمل المدرسة في تكريسها البنية الطبقية، نميّز عدة عوائق لأبناء المناطق الفقيرة والنائية، سواءً الريفية منها أو أبناء الضواحي المهمّشة. تجدر الإشارة هنا إلى أن هذه العوامل ليست من صنيعة الدولة بشكل مباشر.

عوائق المدارس في البيئات المحرومة

1) تجنّب المدرّسين للمدارس في البيئات المحرومة

يسعى المدرسون بوصفهم موظفين إلى الراحة في عملهم من جهة وإلى الشهرة من جهة أخرى. ربما ذلك متوفر في مدارس مراكز المدن، أما المدارس القابعة في الريف أو المناطق المهمشة فغالباً ما يتجنّبها المدرسون لعدة صعوبات، منها البُعد وصعوبة المواصلات ومنها نوعية الطلاب الموجودين والذين لا يحقّقون للمدرّس الشهرة التي يبحث عنها من خلال نجاح طلابه لكي ينعكس عليه فيما بعد في اختيار نوعية الطلاب. أي إن التدريس أصبح مثله مثل أي مهنة أخرى تسعى لإرضاء الزبون ولكن من جهة أخرى يسعى المدرس بوصفه يمتلك بضاعة (مفتاح النجاح حسب اعتقاد كثير من الأهالي) إلى نوع معين من الزبائن يحققون له شهرة معنوية وعائداً مادياً. لذلك، ولأسباب أخرى مرتبطة بشروط العمل في مثل هذه المدارس المرتبطة بأهالي الطلاب ومستواهم الثقافي، تصبح هذه المدارس غير مرغوبة من قبل كثير من المدرسين الساعين للرضا الوظيفي والنجاح المهني. هناك أيضاً عامل جذب في المدارس القابعة في مراكز المدن المتمثل في مستوى الطلاب أو المستوى الاقتصادي للطلاب الذي يجلب المدرسين الأكفاء لاختيارها والهروب من تلك القابعة على هوامش النجاح المهني والمادي... هناك منافسة بين المدرسين يقابلها منافسة بين الأهالي في اختيار صفّ معين أو مدرّس معين لأبنائهم، ليس فقط لأنه جيد وإنما أيضاً ليحصلوا عليه كمدرس خاص في البيت بعد أن أصبح التعليم مربحاً مادياً ومنافس من منظور اقتصادي. هنا تبرز بوضوح مشكلة الثقة بالمدرس والمدرسة من قبل الأهالي، وكذلك من قبل الطالب الذي أصبح يقضي يومه المدرسي كروتين رتيب بانتظار الدرس الخاص في البيت من قبل مدرّسه الواقف أمامه. ليس هذا موضوع المشكلة وإنما تلك التجربة القاسية للطالب الذي لا يمكنه دفع نفقات أستاذ خاص بحكم انتمائه الطبقي الاجتماعي والذي بدوره يقوده للنظر للمدرسة بكونها بيئة غريبة عن بيئته لا تمتّ لها بأي صلة، بل إنها بيئة معاناة أو بالأحرى بيئة ذلّ –لانتمائه فقط– يمضي يومه فيها بدون فائدة وتقضي له على مستقبله.

إذا كانت هذه المعاناة تحدث للطالب الموجود ضمن بيئة صفية مختلطة اجتماعياً بحكم وجوده الجغرافي –أي الانتماء للحي– فإن التجربة تكاد تكون أقسى بالنسبة لأولئك المهمّشين في الريف أو القابعين في مدارس أطراف المدن التي كما قلنا تكاد تكون محرومة من مدرّسين ماهرين نظراً لتجنّب المدرسين هذا النوع من المدارس. أضافت لها سياسة الدولة التعيينية المتمثلة بالانتقال حسب القدم حرماناً من هكذا خدمات وصعوبات أخرى. فالسياسة التعيينية للمدرسين تقوم على تعيين المتخرجين حديثاً، أي الذين يفتقدون للخبرة، في هذه المدارس، ثم الانتقال بعد فترة, أي بعد اكتساب خبرة، للمدارس الأكثر جذباً والتي غالباً ما تكون مدارس مراكز المدن، ليأتي مكانَه متخرّج حديث وهكذا. فما إن يحصل المدرّس على قليل من الخبرة حتى ينتقل ليترك هؤلاء التلاميذ المحتاجين أساساً للكثير إلى مدرّس جديد يتدرّب في هذه المدارس. وهكذا فإن المدارس في مراكز المدن والتي غالباً ما تضمّ أولاد الطبقة المتوسطة أو الدخل الجيّد تحصل على المدرّسين الجيدين الخبيرين، مقابل المدارس التي تحصل على القليل والقابعة في المناطق الأكثر فقراً... وهكذا فإن التلاميذ الذين يحتاجون الكثير يحصلون على الأقل.

2) سعي العائلات لتجنّب نوع معين من المدارس

في الواقع, عدالة الفرص التي توفرها المدرسة تجعل منها بيئة منافسة شديدة بين الطلاب للوصول إلى أفضل المراتب. هذه المنافسة هي أيضاً بنفس الدرجة من القوة بين العائلات لاختيار أفضل المدارس لأولادهم. إن سعي الاهالي لنوع معين من المدرّسين أو المدارس التي تتميز بشهرة معينة من خلال مستويات النجاح جعل المدرسة كسوق للبضاعة، تحتدم به المنافسة لاقتناء أفضل السلع للأولاد للدخول إلى أفضل الكليات وبالتالي إلى مستقبل مهني واجتماعي أكثر تطوراً. لذلك غالباً ما يتجنب الأهالي تلك المدارس القابعة في الريف أو أطراف المدن ذات السمعة السيئة، ويسعون للانتقال إلى المدارس الجيدة والتي تقدم تعليماً جيداً. في الواقع، من يستطيع تأمين ذلك النوع من المدارس هم أبناء الطبقات الميسورة، وذلك من خلال التنقل ووضع الأبناء في مدارس مراكز المدن. زاد من تلك الصعوبة سياسة الدولة بالبقاء والقبول حسب الخريطة المدرسية، أي على سبيل المثال: لا يسمح للطالب بالانتقال من مدرسته إلا للمدرسة الأقرب لسكنه، وبذلك جعل إمكانية الانتقال إلى المدارس الأفضل محصورة بالميسورين. بالنتيجة يزداد عدد الطلاب ذوي المستوى التحصيلي المنخفض والذين هم غالباً أولاد طبقات فقيرة، في مدارس تعاني بالأساس من مشاكل تجنّب المدرسين لها وانخفاض المستوى التعليمي بها. ولهذا الأمر مدلوله على صعيد التجربة المدرسية، مما يرافقه من شعور بالذل لدى بعض الأفراد الذين يمتلكون قدرات ومهارات مدرسية جيدة ولكن تعوقهم ظروف الأهل الاجتماعية والاقتصادية لتحقيق متطلباتهم وطموحاتهم. ومما يزيد من هذه المشكلة سياسة المديرين الذين يوزعون الطلاب في شُعَب حسب تقديراتهم التحصيلية. هنا, تجدر الإشارة إلى أن المستوى التحصيلي للمجموعة, للصف أو للمدرسة, ينعكس على كل فرد بالمجموعة 5. لكم أن تتخيلوا إذاً مراكمة الآثار الكارثية لسياسة الدولة أو لبعض المديرين.

 بعض الأهالي لا يستسلم لتوزع الخارطة التعليمية ويضع أولاده في مدارس خاصة  لتجنب وضع الأولاد ضمن تلك المدارس المهمشة. ولكنهم أيضاً العائلات القادرة على دفع هذه النفقات التي تنجح بالهروب من تلك المدراس، مخلفةً وراءها الطلاب الأكثر فقراً ليتجمعوا وليعانوا مع تلك التجربة القاسية المتمثلة بالفشل الدراسي بسبب ظروفهم المادية.

ونتيجة لهذه الإستراتيجيات يتجمع الطلاب حسب الانتماءات الاجتماعية–الاقتصادية للأهل: الأكثر ثراءً مع بعض في مدارس توفّر تعليماً عالياً مع مدرّسين ماهرين، مقابل تلاميذ أكثر تهميشاً مع مستوى تعليمي منخفض جداً حتى بنوعيّة المدرسين.

بشار الأسد والإصلاحات

تميزت سياسة بشار الأسد «التحديثية والتطويرية» بعد الانتقال إلى «اقتصاد السوق الاجتماعي»، مستجلبةً –على حد زعم عبد الله الدردري– التجربة الألمانية بالتضخم الاقتصادي من خلال سياسة تحرير اقتصادية لم ترافقها سياسة إصلاحية، فساعد ذلك على التضخم الهائل، ورافق ذلك سياسة رفع الرواتب في القطاع العام للحاق بالتضخم مما زاد من الفوارق الطبقية حسب المؤهلات العلمية، أو بشكل آخر بين موظفي القطاع العام وموظفي القطاع الخاص، أو مع اصحاب المهن الحرة من صغار الكسبة والفلاحيين... هذه السياسات خلقت بجدّ ما يسمى بالبرجوازية السورية الاجتماعية المكتفية معاشياً ولو بالحد الادنى من الخدمات. بمقابل هذه الفئة, هناك طبقة مهمشين لا يستطيعون تلبية حاجاتهم الأساسية، مع ما يرافق ذلك من حرمان من الحقوق الاجتماعية الأساسية التي كان يجب على النظام تلبيتها لهم –بوصفه نظام حزب البروليتاريين– من تأمين صحي وبطالة وتعليم لائق، لا تعزيز الفوارق بين الطبقات...

المهم في هذه الإصلاحات هي انعكاساتها على النظام التربوي الذي جعل للشهادة قيمة كبيرة, جعلت بدورها المنافسة شديدة للدخول للكليات المضمونةِ المستقبل أو التوظيف، وهذا بدوره جعل المدرسة ميدان معركة بين الطلاب وبين الأهالي. بالإضافة إلى ذلك, راكمت «السياسة الإصلاحية» للنظام في المجال التعليمي بحد ذاته في كلا القطاعين ما قبل الجامعي والجامعي من مضاعفة التأثير على الفئات الأكثر فقراً، ولعل أكثر هذه «الإصلاحات» في التعليم ما قبل الجامعي تأثيراً على الطبقات الفقيرة هو الخريطة المدرسية، أما في التعليم العالي فإن أهم هذه الإصلاحات هو إلغاء سياسة القبول الجامعي التي كانت متبعة في عهد حافظ الأسد ولو بشكل غير معلن والتي تنصّ على استيعاب جميع الطلاب الناجحين في الشهادة الثانوية. ترافقت تلك السياسة مع خلق التعليم المفتوح. فهل كان الهدف غير المعلن هو دفع الناس للانخراط في «التعليم المفتوح»، المدفوع مادياً؟ ولصالح مَن؟

لتكتمل أيضاً سلسلة «طرد» الطلاب الفقراء من الدخول للجامعة باستحداث «التعليم الموازي»، المدفوع أيضاً، والذي ناقض جانباً جوهرياً للتعليم الجامعي السوري العامّ الذي يتغنّى به النظام, ألا وهو مجانية التعليم. جميع هذه «الإصلاحات» تصبّ كما يبدو في صالح الطبقات الأكثر يُسراً معيشياً، على حساب الطبقات الفقيرة التي تفقد مزيداً من الأمل للوصول إلى وضع اجتماعي افضل. وتراكمت هذه المعاناة أيضاً بالنسبة لهذه الطبقات من خلال الخطوة اللاحقة لاستحداث التعليم الموازي المتعلقة بسحب مقاعد خاصة للشبيبة, التي تتمثل بالانخراط الفاعل في منظّمات الإعداد العقائدي لاستطالات الحزب في قطاع التعليم, وإعطائها للتعليم الموازي، في ابتعاد واضح حتى في سياسة الحزب عن القاعدة الشعبية له والتي كان يرى فيها بعض الفقراء فرصة للحصول على بعض الامتيازات المتمثلة ببعض العلامات وبجهدهم لا بانتمائهم والتي كانت بالأساس أيضاً سياسة تمييزية بين من يناصر فكر الحزب وغيرهم.

إحساس التمييز وعدم العدالة

تلعب المدرسة دوراً كبيراً في الارتقاء الاجتماعي للفرد من خلال إمكاناته، ولا يمكن لأي سياسة أن توقف هذا التقدم في المسيرة التربوية بشكل علني. ولكن هناك خط موازي آخر يسير بجانب هذا المسار هو الخط المرتبط بشكل أساسي بارتباطات قربى أو مصالح مع السوريين البيض. للحديث بشكل أوضح, يستطيع طالب أن يستفيد من علاقته مع شخص أبيض للتقدم بمسيرته التعليمية، حتى ولو كانت إمكاناته لا تسمح له بذلك، وذلك من خلال ما يُعرف بالتجاوزات التي تحدث خلال الامتحانات المصيرية المحدّدة لمصير الطالب مهنياً وبالتالي اجتماعياً، أو من خلال التوظيف نتيجة هذا الارتباط. هذا الأمر ليس متاحاً لجميع السوريين.

من الناحية النظرية, تبدو المدرسة محايدة عن تأثير الامتيازات العائلية، وتقع المشكلة على عاتق الاستراتيجيات الصعبة الحل المتعلقة بطبيعتها التنافسية حتى في أكثر البلدان الديمقراطية تقدماً. لكن الواقع إن كانت هناك تجربة قاسية مرتبطة بالانتماء للطبقات الفقيرة فإن هناك عاملاً مشتركاً يكاد يكون جامعاً لكل فئات المجتمع السوري –ما عدا السوريين البيض– هو الفساد الإداري والمحسوبية اللذان يزيدان من معاناة الجميع ولكن بشكل أكبر الطبقات المحرومة، الموزّعة كما قلنا في المناطق الهامشية في الريف وعلى أطراف المدن. إن معاناة الطلاب المرتبطة بالمدرسة تزداد من خلال رؤية الإخوة الأكبر أو شباب الحيّ العاطلين عن العمل أو الذين يمارسون أعمالاً لا تتناسب مع مؤهّلاتهم العلمية. لذلك فإن هؤلاء الطلاب الذين يعيشون واقعهم المدرسي بحزن بسبب ظروفهم الاقتصادية والاجتماعية التي تمنعهم من الالتحاق بمدارس أفضل يزيد إحساسهم بقسوة معاناتهم. لذلك فإن هؤلاء الطلاب يفقدون الإحساس بأهمية المدرسة وبالمدرسين، والأهم من ذلك كله أنهم يفقدون الإحساس بإمكانية الحصول على مستقبل لائق وحياة كريمة, الأمر الذي يجعل المدرسة عاملاً للتفرقة الاجتماعية ولتقوية نزعة الكره للطبقات المسيطرة على موارد الدولة. لذلك فإن هذه التجارب السلبية، المتمثلة في التجميع ضمن مدارس أو حتى ضمن صفوف ضمن المدرسة الواحدة، بما تتميز به من الاهتمام القليل والمدرسين قليلي الخبرة، وبما يرافق ذلك من إحساسهم بانعدام أي فرصة للحصول على عمل بالدولة بسبب اشتراك الشخص بعلاقة قربى بآخرين منتمين إلى حزب سياسي معارض للنظام، كل ذلك يجعل من المدرسة, بما ترمز إليه من سلطة الدولة, أكثر إذلالاً بدلاً من أن تكون عاملاً للرقيّ الاجتماعي. «يكون هناك ذلّ في كل مرة يكون فيها سلوك أو موقف يعطي لفرد ما, رجل أو امرأة, سبباً مقنعاً للتفكير بأنه أصابه بالاحترام لكرامته ولشخصه» 6.الذلّ المتمثل بـ«نقص الاحترام» لشخصهم ولكرامتهم والذي يتراكب مع نقص الاحترام في حقوقهم الاجتماعية المتمثلة بالتعليم والعمل، هذا بالإضافة لضياع حقوقهم السياسية، يدفع الأفراد للشعور بالحنق الذي ينتظر الانفجار بأي لحظة. هذه الكبت تمثل بأول صرخة للثورة السورية: «الشعب السوري ما بينذلّ»، وليكتمل بعدها مع هتاف الحرية والكرامة. «إن تجربة الازدراء والاحتقار هي أصل الوعي الكافي الذي منه تولد حركات المقاومة الاجتماعية والانتفاضات الجماعية» 7. إن ملاحظاتنا للواقع الاجتماعي السوري قبل الثورة تؤكد مقولة «العواطف السلبية المصاحبة لتجارب الاحتقار والازدراء يمكن أن تشكل بالواقع الدافع العاطفي الذي بداخله يتجذر الكفاح من اجل الاعتراف» 8، الاعتراف بالانتماء للوطن, متمثلةَ بصرخة الكورد لأخذ الجنسية, والاعتراف بالحرية والكرامة لهم ولعموم السوريين, أي الاعتراف بإنسانيتهم وبكرامتهم قبل كل شيء. «أنا إنسان ماني حيوان! وهالعالم كلها متلي» كانت صرخة مواطن سوري تحتاج إلى مجلدات لشرحها، لمن يعيب على الثورة السورية غياب المفكرين.

الخاتمة

إن كانت المدرسة تعبر عن آلية الدولة وأداتها في إدماج الأفراد من خلال إعطائهم فرصاً متساوية للوصول إلى أعلى المراتب التي تسمح لهم قدراتهم بها، فإن النظام السوري استخدم المدرسة كأداة لغرس «الثقافة العقائدية» للأب الخالد من خلال تمجيده واختزال الوطن بشخصه والاستعداد لمحو الوطن مقابل شخص الرئيس، مستفيداً من التجربة الكورية الشمالية. هذا من جهة. ومن جهة أخرى, فإن النظام أعطى بعض السوريين الذين يمثلون العمود الفقري للنظام (السوريين البيض) امتيازات لم تُعطَ لغيرهم، سواءً من ناحية التوظيف والترقي الوظيفي أو من خلال استغلال مناصبهم للوصول إلى مستويات تعليمية عالية وبالتالي مناصب وظائفية ووضع اجتماعي عالي لم تكن لتسمح لهم قدراتهم لوحدها ببلوغها. مقابل ذلك, تبقى المدرسة على المستوى الرسمي وبالنسبة لبقية أفراد الشعب (السوريين السود) الفرصة الوحيدة للترقي اجتماعياً، رغم محدودية الفرص التي بقيت وراء طبقة السوريين البيض، وذلك بالاعتماد على قدراتهم فقط للدخول إلى كليات تمنح فيما بعد مستوى اجتماعياً لائقاً، الأمر الذي يجعل منها منافسة شديدة بين الطلاب وبين الأهالي، تُراكم آليات الفساد وضعف الطبقة الفقيرة مادياً عن تلبية متطلباتها من معاناة هذه الأخيرة لتشعر بالظلم وبإحساس عدم المساواة، الذي يولّد الشعور بالسخط الذي ينتظر الانفجار الذي شاهدناه بالثورة السورية وقامت به الطبقات الأكثر تهميشاً في الأرياف وأطراف المدن.

  • 1. F. DUBET, les places et les chances, repenser la justice sociale, le Seuil, 2010.
  • 2. http://alorwa.org/content.php?id=2472
  • 3. السقف الزجاجي مصطلح يستخدم للاشارة لعدم السماح لفئة معينة من الأشخاص باختراق مستويات عليا معينة.
  • 4. G. Felouzis, J. Perroton, Grandir entre pairs à l’école, Actes de la recherche en sciences sociales, 2009/5 – n 180. P 92-100 : M. Crahay, l’école peut-elle être juste et efficace ? De l’égalité des chances à l’égalité des acquis, édition de Boeck Université, 2000. 1édition, Bruxelles.
  • 5. G. Felouzis, J. Perroton, Grandir entre pairs à l’école, Actes de la recherche en sciences sociales, 2009/5 – n 180. P 92-100.
  • 6. MARTUCELLI D., 1999, Sociologies de la modernité, Paris, Gallimard (coll. Folio, essais). P22.
  • 7. Axel. HONNETH, 2002, La lutte pour la reconnaissance, Paris, Cerf. P 171.
  • 8. Axel. HONNETH, 2002, La lutte pour la reconnaissance, Paris, Cerf. P 166.