عن فرص نجاح طائفة سنية سياسية في سوريا

 

مقدمة: الزمن العالمي "الغربي"

"Islamicus Hominos is inherently insecularable"!

"الإنسان المسلم غير قابل للعلمنة بشكل فطري"!

هذه جملة اقتبسها د. صادق جلال العظم عن فيلسوف أميركي معاصر في إحدى محاضراته على مدرجات كلية الآداب في جامعة دمشق في أسبوع الفلسفة السنوي منذ سنوات عديدة. استخدم هذا الفيلسوف الأميركي كلمة إنسان بالمعنى الأنثروبولوجي وكأن المسلم هو جوهر متفرد بشري! وشرح العظم كيف أن الغرب لطالما دعم وأبرز كل ما هو مظلم وبدائي من المفكرين الإسلاميين ثم وصم الإسلام كله بهؤلاء الأفراد ثم استنتج أن المسلمين غير قابلين للعلمنة بشكل متأصل فيهم! وهي لعبة إعلامية خبيثة لها أساس قوي مستمر في أفكار الاستشراق عن الشرق الإسلامي وخطر الإسلام على الغرب المسيحي والعلماني والليبرالي. هذه التصريحات المتكررة في الغرب تصدر دائماً عن مفكرين سيئي النية تجاه الإسلام، ولكن كم من المثقفين السنيين وغير السنيين (على وجه الخصوص) في سورية يؤمنون بهذه الفكرة سراً أو علانية؟

تسود في الغرب الآن أفكار مثل “صراع الحضارات” و”الحرب على الإرهاب” و”الهويات” بعد أن ذهب وولى زمن انقسام العالم كله إلى معسكرين رئيسيين بسبب أفكار من مثل رأسمالية وشيوعية (حين كان العالم يستوعب انقسام بعض الدول أيضاً مثل وجود ألمانيتين وكوريتين ويمنين على أساس فكري أيديولوجي وليس على أساس هوياتي بالمعنى القومي أو الديني). ويغلب في الغرب الآن الخوف من الإسلام والعداء له.

الزمن الإسلاموي والزمن الطائفي في خلفية الثورة السورية

اندلعت الثورة السورية في عصر العولمة كجزء من الربيع العربي ولعبت قطر (قناة الجزيرة والقرضاوي) دوراً كبيراً فيه. قطر فيها أقل من ربع مليون قطري لا يشكلون أي مشكلة لها بهذا العدد القليل، وعندها عقود بيع غاز لربع قرن قادم على الأقل إذن إمكانايتها المادية كبيرة ومضمونة، وعندها أكبر قاعدة أميركية فلن يتجرأ أحد على التحرش بها، ثم عندها قناة الجزيرة التي كانت أول “حزب” سياسي عربي معاصر لثورة الاتصالات الحديثة، ثم عندها الشيخ القرضاوي وهذا المزيج : قرضاوي + الجزيرة هو مزيح سحري الـتأثير على الأقل عند جمهور المتدينين السنة، وهكذا فالجزيرة تتوج الآن كقائدة للتغيير “الثوري” في المنطقة العربية مبدئياً إذا نظرنا إليها على الأقل كـOPINION FORMER. برزت الجزيرة بشكل خاص في زمن “الحرب على الإرهاب” التي قادتها أميركا بعد أحداث أيلول وظهرت بشكل “مستقل” لأنها كانت تمثل وقتها التيار الأميركي والأوربي الذي كان يدعو إلى الحوار مع التيارات الإسلامية المعتدلة وتمكينها في العالم العربي والإسلامي كأفضل طريق لمحاربة “الإرهاب”  بدلاً من الاكتفاء بطريق الحروب المكلفة التي تزيد التطرف تطرفاً (وبرز في هذا السياق النموذج التركي كنموذج رائد لهذا الاتجاه). وتعزز هذا الدور للجزيرة أثناء الربيع العربي كتطبيق عملي لذلك.

 كل الفضائيات الأخرى ذات التأثير كانت بمثابة “أحزاب” جديدة (هل تمثل قناة العربية بتمويلها السعودي والكويتي الليبرالية الجديدة؟) وكل واحدة منها لها تأثير على الجيل الشاب الجديد أقوى من كل الأحزاب التقليدية ذات الوسائل التقليدية والتي أصبحت الآن مثل دكاكين صغير أو بسطات متواضعة أمام هذه السلاسل العالمية من “الهايبر ماركت”.

جاءت موجة الثورات الشعبية ابتداءً بتونس وانتهاءً بما لا نعرف، واتضح أن هذه الفضائيات لعبت وتلعب دوراً كبيراً في تأييد ما يحدث من تغيير. لماذا ؟ لأنها تعبر عن أكثر الأمور راهنية في العالم المتقدم الآن، ولأن الفكر الأوربي والأميركي الذي أنتج المعجزات الجديدة مثل الجوال والشبكة العنكبوتية والفضائيات وغيرها والتي غيرت تاريخ البشر كلياً يعرف تماماً ماذا فعل هذا التطور العلمي المذهل وكيف غير حياة مجتمعاته نفسها وكان يترقب دائماً ويتابع أثر كل ذلك على البلدان الأخرى، ولا ننسى أن الغرب وأميركا بشكل خاص ضغط منذ غزو العراق على الأنظمة العربية كي تجري إصلاحات حتى لا يأتي مثل هذا اليوم الذي تجبر فيه على ما نصحهم  به في ظروف صعبة ولكن الإدارة الأميركية وقتها كانت مكروهة وكان مثالها العراقي كارثياً. لم تتردد إدارة أوباما الجديدة قط ولا لحظة عن تأييد كل الثورات من أولها، بل إن أوباما الذي وجه خطابه الأول للأمة الأميركية بعد انتخابه في اليوتيوب، كان يتابع كل ما يجري في المنطقة بنفس وتيرة ما يجري في أية ولاية أميركية ويعطي رأيه وينصح ثم يضغط علناً ثم يكاد يأمر.

المشكلة الكبيرة في هذه السياقات التي حدثت فيها الثورة السورية كانت نمو الانقسام السني الشيعي إلى درجة غير مسبوقة في المنطقة بسبب الاستثمار السياسي الإيراني القومي “الفارسي” للمذهب الشيعي منذ انتهاء الثورة الإيرانية بانتصار سلطة الملالي وولاية الفقيه ومروراً بحرب الخليج الأولى ثم احتكار حزب الله للشيعة العرب ولسلاح المقاومة في لبنان وصعود الشيعة السياسية في العراق بعد الغزو الأميركي، والاستثمار السياسي السعودي الخليجي للسنة في العالم العربي في مقابل القطب الإيراني حتى كاد الصراع التاريخي العربي الإسرائيلي يصبح صراعاً عربياً إيرانياً حين أصبحت إيران عبر حزب الله والنظام السوري (وحماس أحياناً) فيما سمي حلف “الممانعة” الشهير هي التي تحدد شروط الحرب والسلام مع إسرائيل. وقد نمت الفضائيات العربية المختصة بالدعوة والتحريض السني والشيعي كالفطر، وكانت جاهزة للعمل في الربيع العربي ولا سيما فيما يخص الثورة في سورية وفي البحرين.

دور المسجد السني في الثورة السورية المدنية

أكثر ما لفت الانتباه في الثورة السورية هو إيقاع يوم الجمعة، وحرارة الشارع المسلم السني تجاه برودة الشوارع الأخرى. الاستنتاج الأولي لهذه الظاهرة هو أن الشارع المتحرك هو الأكثر شبهاً بالشارع المصري والتونسي من حيث التركيب الثقافي والديني، والفارق الواضح بين البلدان الثلاث هو تجانس السكان في مصر وتونس والتعدد الثقافي الديني في سورية. وإذا تعمقنا قليلاً بالموضوع أثار الانتباه أيضاً حيوية الفكر الديني الإسلامي السني في سورية والعالم وأثره اليومي المتراكم على الحامل الاجتماعي له، فقد كان من الملفت للانتباه دائماً وقبل الثورة في سورية مظاهر صلاة الجمعة والحشود البشرية الخارجة من المساجد ومظاهر الحجاب والسلوك الاجتماعي الديني في كل أنحاء سورية. والمتتبع للدعاة الإسلاميين يعرف حيوية الأجيال الجديدة منهم في كل الوطن العربي والإسلامي، وأثرهم في الشباب، وعلى سبيل المثال فإن البرمجة اللغوية العصبية (إحدى نتاجات السايكولوجي الشعبي أو البوب سايكولوجي) الحديثة وجدت عند بعض الدعاة مثل عمرو خالد وغيره تطبيقات مباشرة تدل على راهنية وتواصل مع الصرعات الجديدة (انظر أيضاً إلى بعض مظاهر الخطاب الجديد لمحمد حبش والنابلسي وظاهرة النساء القبيسيات في سورية مثلاً) بينما لا نجد مثل هذه المظاهر كلها عند الطوائف الإسلامية الأخرى بسبب انغلاقها على فكرها الباطني وعدم تبشيريتها بحكم عقائدها نفسها وخطابها الفلسفي الصوفي المغرق في التعقيد والمقتصر على الصفوة من المشايخ والمتعمقين في دينهم. الإسلام السني الظاهري شهد دائماً حراكاً ثقافياً حيوياً وتنوعاً في الأفكار، ويمكن هنا أن نقول بشيء من التبسيط أنه إذا جاءت أوقات في الوطن العربي حين كان المد القومي والمد الماركسي هو الطافي على السطح فإن السنوات الأخيرة أبرزت المد الإسلامي عموماً وصار هو آخر موضة، فمثلما كانت في الستينات والسبعينات موضة الشباب اليساريين العلمانيين بثيابهم الكاجوال وكتبهم الحمراء وارتيادهم للمقاهي والسينمات والمسارح والتظاهرات الثقافية المختلفة أتى وقت صارت الموضة فيه للشباب المسلم المتدين بسلوكه الاجتماعي في الشارع والمنتديات المختلفة وكتبه الخضراء وكتب التراث التي أصبحت الأكثر مبيعاً. وقد ساهم في ذلك عصر الفضائيات والجوالات والإنترنت، وصار للخيال الشعبي الإسلامي رموزه المختلفة من كل لون فعنده أسامة بن لادن كرمز مقابل لتشي غيفارا، وعنده مفكرين إسلاميين بكامل الطيف من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار ومن الجهاديين السلفيين الحاملين للسلاح بكل أشكال الكفاح المسلح التي عرفها التاريخ البشري من إرهاب فردي وإرهاب تنظيمات سرية متطرفة إلى حركة تحرير بشكل عصابات في أفغانستان إلى تنظيم دولي أممي مثل تنظيم القاعدة إلى محاولات إقامة إمارات إسلامية. ومن الجهة الأخرى شاهدنا تيارات فكرية إسلامية لا عنفية وشبابية متنوعة أيضاً. وإذا عدنا إلى موضوعنا كي نصل إلى محاولة الجواب على سؤال أساسي: لماذا كان الشارع المسلم السني هو الأكثر راهنية في سورية باستجابته للتغيرات في المنطقة والعالم؟ يمكن الاستنتاج أنه بغياب المجتمع المدني، ومع ضعف الأحزاب السياسية الرسمية والمعارضة في سورية، برز دور المسجد كأقوى دور في الشارع المسلم السني وساعد في ذلك أن ثقافة وتقاليد هذا المكون الاجتماعي الثقافي تستدعي دائماً حضور المساجد في أوقات الصلاة الخمس وصلاة الجمعة ورمضان والمناسبات الدينية السنوية المختلفة ودروس المساجد المختلفة الموجهة إلى الفئات العمرية من الأطفال وحتى الشباب مما جعل المسجد ظاهرة اجتماعية حيوية حاضرة في الحياة اليومية لهؤلاء الناس ولها دورها الاجتماعي والاقتصادي والثقافي والأخلاقي، وهي ظاهرة لا تنافسها أية ظاهرة أخرى مشابهة في الطوائف الإسلامية الأخرى (لا نتحدث عن الشيعة هنا بسبب عددهم القليل جداً في سورية).

مسألة أخرى تلفت الانتباه هو تلقائية المظاهرات السورية الخارجة من المساجد (في بداية الثورة) في اعتبار نفسها متطابقة مع الشعب السوري دون أي تردد وبثقة عالية وباستقلالية عن مكونات الشعب السوري الأخرى، وكأنها لا تكترث بها ولا تنتظرها  بشغف (كما حدث فيما بعد)، بل إنها كانت تستدعيها دون تكلف بشعارات مثل “الشعب السوري واحد” دالة على إحساس قديم مستعاد لأكثرية تعتبر نفسها عموم الشعب السوري في مجتمع متعدد الطوائف… أكثرية لا توجد عندها عقد الأقليات التي تعرِّف نفسها بالاختلاف والتضاد مع غيرها، بل هي أكثرية تعرِّف نفسها بنفسها وتنظر إلى اختلافها مع الآخرين نظرة ثانوية.

وأخيراً هناك مسألة شائكة كتب عنها كثيرون وهي تدور في بعض جوانبها حول الحامل الاجتماعي الأقوى للعروبة في البلدان العربية. فلطالما ذكر الكثيرون أن العرب المسلمين السنة كانوا إجمالاً، وعبر التاريخ أكبر وأقوى حامل اجتماعي بسبب علاقة الإسلام السني بالعرب (وعلاقة القرآن الكريم باللغة العربية) في مفاصل كثيرة في التاريخ. وهناك مثقفون من الطوائف الإسلامية الباطنية يعتبرون أن هذه الطوائف بعينها هي مشروع ثقافي إسلامي عربي بديل قائم على فهم اللغة العربية بتعمق أكبر وعلى التفسيرات الباطنية الأخرى للقرآن الكريم وعلى سردية تاريخية مختلفة عن التاريخ الإسلامي “الرسمي”، بحيث يرسمون تاريخاً ممتداً من الماضي إلى المستقبل يربط العروبة بالإسلام بشكل آخر مختلف ومغاير “للمشروع الإسلامي السني”، ولكن هذه الأفكار بقيت نخبوية جداً، ومحصورة ببعض الحاملين للثقافة المتعالية، وليس لها أثر اجتماعي واضح ومباشر عند أفراد هذه الطوائف خاصة الشباب منهم. ولكن يمكن أن نستنتج على الأقل أن هناك شيء ما في اللاشعور الجمعي عند بعض شباب الطوائف الإسلامية الباطنية يوحي باختلافهم الجوهري عن شباب الطائفة الإسلامية السنية بسبب أفكار وعقائد وثقافة وسلوك اجتماعي مختلفة، يمكن أن تفسر عدم القدرة عند البعض منهم على التفاعل الاجتماعي والسياسي مع المتظاهرين والثوار، وأن تفسر فشل البعض الأخلاقي في التعاطف الإنساني مع المظلومين من أولئك، وأن تفسر على الأقل الموقف المتردد والمتشكك والمرتاب للبعض من هذه الثورة ووقوفهم موقفاً سلبياً متفرجاً وكأن ما يحدث يحدث في بلد آخر، وتصديقهم لكل روايات الإعلام السوري الرسمي ولكل الألاعيب الأمنية للنظام السوري، وحماسة البعض منهم في الاشتراك اللفظي والفعلي في هجاء وصدّ المتظاهرين والثوار.

بعض السمات السايكولوجية للشباب المسلم السني المدني في سورية

يلاحظ المتابع لسلوك الشباب المسلم السني في سورية الاتجاه نحو الدين كسلوك اجتماعي يترافق مع ممارسة الطقوس الدينية والالتزام بالواجبات الشرعية المتعلقة بالسلوك الاجتماعي مثل طريقة اللباس والتواصل الاجتماعي، ولكن ما يميز الجيل الجديد من هؤلاء التزامهم بممارسة الطقوس الدينية من صلاة وصوم وغيرها عن رغبة وليس عن فرض، فقد تجدهم في صلاة الفجر أحياناً في المسجد، بعد أن كانت صلاة الفجر تقتصر نوعاً ما على المسنين، وقد تجدهم أحياناً بعد صلاة المغرب يقرؤون القرآن في المسجد بشكل عفوي ودون تكلف. في حياتهم العادية قد يلعبون الورق مع أصدقائهم وتحين الصلاة فلا يهرعون إلى المسجد بل يكملون اللعب بهدوء ثم يذهبون إلى الصلاة بهدوء أيضاً في المسجد أو في البيت ولا فرق كبير عندهم. وقد تشاهدهم في المطاعم يتشاركون الطعام واللهو مع بعض الأصدقاء وقد يكون بجانبهم من يشرب الكحول، ولا يجدون غضاضة في ذلك طالما هم لا يشربونه وطالما يعرف الآخر رأيهم بهذا الموضوع. لا مشكلة عندهم إذا كانوا صائمين وبجانبهم شخص يأكل لأنه غير صائم ولو أنهم يفضلون احترام وضعهم كممتنعين عن الطعام والشراب في حضور من يأكل ويشرب من باب الذوق الاجتماعي لا أكثر. وقد تجد شاباً خرج للتو من المسجد ولا يتحرج من النظر إلى امرأة جميلة تعبر أمامه. وقد يلبسون الزينة (من الفضة) حسب الموضة الدارجة. ويذهبون في رحلات ونشاطات كثيرة مختلطة بين الذكور والإناث ويعرفون متع الحياة كلها بدون استهتار لقيمهم. هؤلاء لا يعنيهم الإسلام السياسي بشيء، ولا ينظرون بالإجلال للإخوان المسلمين أو حزب التحرير مثلاً فهم لا يعتبرونهم كمشايخ دين يجب احترامهم، بل ينظرون إليهم كحزب له مصالح ويريد السلطة أو اقتسامها ومستعد للمساومة عليها وممارسة السياسة بكل ألاعيبها مثل غيرهم من الأحزاب. هؤلاء لا تعنيهم الأيدلوجيات كثيراً ويجالسون من يعتنقون كل أنواع الأيدلوجيات سواء كانت ماركسية أو قومية أو دينية بنفس الأريحية والتوجس، فهم عمليون بتكوينهم دون نقص في الفضول لمعرفة الواقع والأفكار على اختلافها. هؤلاء في ظل انتخابات نزيهة في سورية وفي ظل حرية الأحزاب سينتخبون شخصاً من التكنوقراط من الجيل الحديث الذي يواكب العصر وعلومه إذا كان يصلي ويصوم وزوجته محجبة الخ، ولن ينتخبوا عضواً في حزب الإخوان المسلمين أو حزب التحرير يريد تطبيق الشريعة الإسلامية في المجتمع بشكل مفروض من فوق أو يدعو إلى الخلافة الإسلامية. هؤلاء ينظرون إلى تجربة ماليزيا باحترام أكثر مما ينظرون إلى تجربة السعودية أو الباكستان أو طالبان. هؤلاء ولدوا بعد زمن الثمانينات في سورية ولا يعنيهم كثيراً ما حدث وقتها. هؤلاء ينظرون بشغف إلى ما حدث في مصر وتونس واليمن وليبيا والبحرين وغيرها في الربيع العربي ويتطلعون إلى المستقبل ولا ينظرون للماضي القريب والبعيد والسحيق كما ينظر بعض مثقفينا العلمانيين الليبراليين. هؤلاء يفهمون الفرق بين الإلحاد والعلمانية، وعندهم رموز ثقافية ودينية من المتدينين العلمانيين الجدد. هؤلاء يفهمون الفرق بين الحرية التي يطالبون بها الآن بشكل راهن وبين الديمقراطية كمعركة مستحقة في المستقبل عندما تتغير سورية دولة ومجتمعاً.

كيف يفكر ويعمل الجيل الجديد من الشباب المسلم السني الناشط في الثورة السورية؟

الجيل الذي بلغ عمره بين 15 و25 سنة في منتصف التسعينات شبَّ على عالم الكومبيوتر.. لم يكن محتاجاً لقراءة الكتب الورقية ولم يكن يجد الوقت لذلك أصلاً، وكان يبحث عن الأجوبة في غوغل والويكيبيديا… الثورة الرقمية تجعلك تلهث للحاق بها فتصبح عالمك نفسه… وبسبب ضغط الحياة المعيشية في سورية دخل هذا الجيل ميدان العمل مبكراً على حساب دراسته الجامعية التي لم تشد انتباهه أصلاً بسبب الوضع المزري للتعليم الجامعي في سورية… اعتمد هذا الجيل على الدورات الخاصة التي لها علاقة باللغة الأجنبية والكومبيوتر وعمل في الشركات الخاصة الجديدة التي بنيت على مفاهيم حديثة في التنظيم من الجودة والتنافس والإعلام والإعلان والتسويق والزبائنية… عندما اندلعت الثورة في سورية لم يكن هذا الجيل مكبلاً بذكريات الثمانينات التي خلق وكبر بعدها، وكان تعامله مع النظام السوري كشيء جديد يكتشفه في كل مرة لأول مرة… يكره هذا الجيل الكلام في السياسة كما يكره الأيدلوجيات ويحب العمل الوطني بالمعني العريض… ليس عنده طموحات قيادية وهو تواق بعد سقوط النظام للعودة إلى حياته الخاصة واهتماماته الخاصة… إذا نظم عمله فينظمه على طريقة شبكات الكومبيوتر حيث لا وجود لقيادة ولا ضرورة لأن ترفع تقريراً من “تحت لفوق” ولا وجود لأوامر تنفذ دون اعتراض، كما لا يعرف كل واحد فيها ماذا حدث بعد الخطوة التي خطاها… اختراق هذه الشبكة أمنياً صعب فهو يتوقف عند نقطة معينة لا يتجاوزها… هذه هي ديمقراطيتهم. هم حساسون جداً للأنا المتضخمة عند أي طرف من كامل الطيف السياسي ابتداءً من العرعور وأمثاله وحتى المناع وأمثاله.. لا يجدون مشكلة في التعامل مع “مجتمع العمل” المنتفض على حد تعبير ياسين الحاج صالح… ليس لديهم احتقار مضمر للشعب بكافة طبقاته ومكوناته ولا يشعرون بأي استعلاء عليه… واقعيون وبراغماتيون بالفطرة… ديناميكيون وقابلون للتطوير الذاتي والانفتاح على أي شيء جديد… لا يحبون الشعارات والمحاضرات النظرية… يبنون مشاريعهم الثورية والوطنية مثلما يبنون أي “بيزنس” ويطمحون إلى “البيغ بيزنس” دائماً ولا يقنعون ببسطة أو دكان صغير… هذه المرحلة العمرية التي يبحث فيها الإنسان عن المُثُل ويبدأ بالتفكير المجرد ويريد أن يبني عقلياً لكي يقتنع فيربط القول بالفعل، ويبدأ فيها بانتقاد كل ما هو حوله من أهله وأساتذته… هذه المرحلة العمرية لا تقودهم كثيراً إلى التشتت الفكري والاضطراب العاطفي حتى يبلغوا سن النضج فهم يحسمون أمرهم مبكراً بانتمائهم الإنساني العريض والوطني العريض، ولا يغوصون كثيراً في التفكير في المسائل الفلسفية والوجودية فوقتهم وطريقة حياتهم لا يسمح لهم بذلك… هم منخرطون بالعيش الراهن على الإيقاع السريع للقرية الكونية المفتوحة أمامهم… هم ببساطة يريدون إسقاط النظام ويتركون كل ما بعد ذلك إلى حينه…

دور المرأة المسلمة السنية في الثورة السورية

يتم تناول موضوع حقوق المرأة بموازاة موضوع “حقوق الأقليات” في (الإعلام الغربي على الأقل) في سياق الثورات العربية والثورة التونسية والسورية بشكل خاص، ورغم أن المرأة التونسية صاحبة أفضل وضع قانوني على الأقل في المجتمعات العربية، وبما لا يقارن مع سورية، إلا انه يتم التشديد على وضع المرأة في سورية وكأنها حاصلة على امتيازات خطيرة يخشى عليها من التيار الإسلامي في الثورة السورية. والحقيقة أن المظاهر المختلفة (السطحية بمعظمها) لحياة المرأة في سورية والتي تخدع البعض ناجمة عن التعدد الثقافي (الديني والطائفي والقومي والمناطقي) في المجتمع السوري، وليس عن حقوق مكتسبة للنساء السوريات تم انتزاعها من الذكور السوريين عبر ثورة اجتماعية نسوية تشبه ما حدث في الدول الغربية.

كانت رؤية النساء المحجبات في المظاهرات في سورية ملفتة للانتباه دائماً، وكثيراً ما كانت تترافق مع رؤية نساء سافرات يمشين جنباً إلى جنب معهن، ومع الرجال أيضاً في اختلاط “فاضح” بين الجنسين. وكانت أخبار المعتقلات المحجبات وصورهن تملأ دائماً الفضاء الإعلامي بكافة أشكاله، ولم تقف حوادث التعنيف والتعذيب والإهانة والاغتصاب دون مشاركتهن الفاعلة في الثورة في مختلف جوانبها.

وقد شكلت هذه المشاركة تحدياً كبيراً للنساء السافرات من غير الناشطات في الثورة، وكذلك لبعض الناشطات في الحركات النسوية (من غير الناشطات في الثورة أيضاً) ممن تفيض عندهن الأفكار النمطية حول مظاهر تخلف المرأة المسلمة في مجتمعنا وربط ذلك بانتشار الحجاب كأقوى مؤشر عندهن لتراجع حرية المرأة المسلمة.

في الثمانينات سئل حامد حسن رئيس الاتحاد الوطني لطلبة سورية في مؤتمر طلابي في كلية الطب بجامعة دمشق عما قام به مظليو ومظليات رفعت الأسد في شوارع دمشق ذات يوم حين أجبروا النساء على خلع حجاب الرأس بالقوة، فرد مهاجماً الإسلام الرجعي والمتخلف، فقال له أحدهم: “ولكن الحجاب شيء شكلي”، فأجابه بشكل ديماغوجي: “الشكل لا ينفصل عن المضمون”!

لكل ظاهرة جوهر وشكل داخلي وشكل خارجي… الشكل الداخلي هو الذي لا ينفصل عن المضمون الجوهري، وفي هذا المثال الشكل الداخلي هو سلوك المرأة وسلوك الرجل في مجتمع إسلامي عياني مثل سورية والعلاقة بينهما في العائلة والعمل والمجتمع…الخ. الشكل الخارجي هنا هو لباس المرأة بقدر ما يُعبَّر به عن الشكل الداخلي، ويمكن فصل الشكل الخارجي عن المضمون لأنه ببساطة يمكن أن توجد نفس السلوكات ونفس العلاقات الاجتماعية بين الجنسين دون لبس حجاب مثلاً وعند أناس غير مسلمين… الخ.

وبديماغوجية أيضاً قال الديكتاتور مرة في إحدى خطبه في السبعينات مازحاً في إحدى مزحاته القليلة والسمجة “يمكن صار لازم بسورية الرجال يطالبوا بحقوقهم” في تفاهة متفاخرة لتقدم حقوق المرأة في سورية في ظل النظام “العلماني” اعتماداً على مؤشرات شكلية خارجية أيضاً.

هل النضج العقلي والنفسي والعاطفي والجنسي مرتبط حقاً بالحجاب؟ ألا توجد نساء سافرات لديهن حجب كثيرة على قلوبهن وعقولهن وأجسادهن وأنفسهن؟

النساء في سورية ينتمين لثقافات مختلفة ولا يدل لباسهن بالضرورة على مدى حصولهن على حقوقهن، فالمرأة العلوية مثلاً أكثر النساء حرية بالزواج من طائفة مختلفة لأنها لا تتعلم الديانة العلوية، ولذلك فهي لا تشكل “خسارة” للطائفة، والمرأة الدرزية لا يمكنها أصلاً التفكير بالزواج من خارج الطائفة، وهناك قضايا الزواج الشائكة بين أصحاب الديانتين المسيحية والإسلامية… الخ. أما عن المظاهر “الخارجية” لسلوك المرأة المسيحية مثلاً في شبهها بالمرأة الغربية فمعروف أن “تخلف” المسيحيين الشرقيين لا يقل في جوهره عما هو موجود عند المسلمين، واسألوا المسيحيين الغربيين عن رأيهم بالمسيحيين الشرقيين  المقيمين بين ظهرانيهم منذ عقود طويلة.

الفرق بين المجتمع المسلم السني ومجتمعات “الأقليات” الأخرى في سورية

يتميز المجتمع المسلم السني في سورية بتعدده الإثني من أصول عربية وتركية وشركسية وكردية وألبانية الخ… كما يتميز بممارسته كافة أنواع العمل المعروفة، وعلى رأسها المهن والتجارة والصناعة، إلى جانب الرعي والزراعة والصيد والأعمال الفكرية والمكتبية الخ، مع وجود كافة الطبقات فيه، وقد حافظ هذا المجتمع إجمالاً على نسبة خصوبة مرتفعة نسبياً (متوسط عدد أفراد العائلة)، مع ميل للسفر وتغيير الإقامة داخل سورية وخارجها. إنه مجتمع حيوي بكل معنى الكلمة، ولديه حساسية عالية تجاه تقلبات سوق العمل واتجاهاتها الدولية المستجدة دائماً. وأكثر ما يهمنا هنا هو التنوع الشديد في هذا المجتمع في العلاقة مع المؤسسة الدينية حيث يوجد طيف واسع من الأفكار والممارسات والتقاليد مما له علاقة بالمذاهب والطرق الصوفية وتقليد المشايخ والدعاة القدماء والجدد المختلفين والمتعددين بشكل كبير، إضافة إلى الممارسات الدينية الفردية، ولا ننسى طبعاً الأحزاب السياسية الإسلامية بكل تياراتها المعروفة.

مجتمعات “الأقليات” المسلمة نمطية أكثر فهي بشكل عام مرتبطة بمكانها وبيئتها أكثر، ولا تمارس كل الأعمال، وفيها تزاوج داخلي أكبر وتجانس عرقي أكثر، وليس فيها تعدد أفكار فيما يخص ممارساتها الدينية وعلاقاتها مع المؤسسة الدينية التابعة لها، والأجيال الجديدة فيها تميل أكثر ولأسباب اقتصادية واجتماعية لتشكيل عائلات صغيرة وتتجه بأولادها بأكثر نحو العلم والوظائف في قطاع الدولة والقطاع الخاص.

السلفية والسلفية الجهادية في سورية

 قبل اندلاع الثورة في درعا بكثير كان الجو الاجتماعي في درعا يشبه بصورة متزايدة المجتمع السعودي في الكثير من المظاهر السلوكية للتدين الإسلامي المحافظ مع انتشار الأفكار السلفية (لننتبه هنا أيضاً للمحتوى السلبي النمطي لكلمة سلفية عند الأقليات في سورية إجمالاً والبعيد عن حقيقة السلفية بما لها وبما عليها)، ونعرف جميعاً انتشار الحجاب عند النساء المسلمات في سورية وانتشار ممارسة الطقوس الدينية الإسلامية والسلوك الاجتماعي المتدين بكل أشكاله، لكننا لم نر ولم نسمع عن وجود سلفية جهادية في سورية، فهذه لا تخبئ نفسها بل تفتخر وتعلن عن نفسها بكل الأشكال الممكنة لأنها تعتبر أن جهادها “مقدس”.

 التدين الإسلامي في سورية قديماً وحديثاً  يطغى عليه الاعتدال والصوفية (وإسلام البزنس على حد تعبير صادق العظم). الأفكار السلفية الجهادية في سورية كانت متمحورة حول فلسطين والعراق، وقد تراخى النظام السوري معها بشكل واضح إثر الغزو الأميركي للعراق وساهم في تشكيل تنظيمات لها في العراق ولبنان أيضاً، ولم نسمع من قبل عن تنظيمات سلفية جهادية في سورية نفسها تدعو إلى التكفير والهجرة وموجهة نحو الشعب السوري.

الأسئلة الطائفية في الثورة السورية

هل الذين ثاروا ضد النظام  من السنة ثاروا لأنهم سنة فقط؟ هل من قمع الذين ثاروا ضد النظام من العلويين قمعوا لأنهم علويون فقط؟ هل يمكن أن نتخيل رئيس دولة قادم في سورية ليس له طائفة أو قومية؟ هل سنبني مواقفنا تجاهه حسب طائفته أو قوميته مهما كانت؟ إذا كانت كل الأنظمة العربية الاستبدادية والفاسدة والتي ثارت عليها شعوبها أنظمة عائلية ذات نوايا توريثية واضحة فهل يمكن لنظام سوري عائلي آخر مهما كان أن لا تكون عائلته من طائفة أو إثنية معينة؟ عندما يدافع الثائر السني عن نفسه بالسلاح ضد النظام ويقتل علوياً (مهما كانت صفته) اعتدى عليه أو على أهله فهل هذا سلوك طائفي؟ وهل يمكن لأي حادث مماثل في أي مكان أو زمان في سورية ألا يجمع اثنين من طائفتين أو قوميتين مختلفتين؟ عندما ثار الدروز في السويداء عام 2000 ضد البدو والنظام، هل ثاروا فقط لأنهم دروز ضد السنة ؟ وأين ذهبت إذن أسباب الصراع بين الفلاح والبدوي على الأرض الزراعية وعلى المراعي؟ عندما قمع النظام انتفاضة الفلاحين الدروز وقتها ضد تعديات البدو الرعاة السنة وفساد رموز السلطة المتواطئة مع البدو المعتدين هل كان السبب أنهم دروز فقط؟ وإذا كان ممن قتل وجرح الدروز من قوات النظام القامعة علوياً فهل فعل ذلك فقط لأنه علوي ضد الدروز (ومع البدوي السني)؟ وكذلك في انتفاضة الأكراد في 2004 هل ثار الأكراد فقط لأنهم أكراد غير عرب؟ وإذا كان ممن قتل وجرح الأكراد من قوات النظام القامعة علوياً أو عربياً من القبائل في الجزيرة أو عربياً مما ليس له قبيلة في الجزيرة فهل فعلوا ذلك بحكم انتمائهم لطائفتهم أو قوميتهم؟ هل يمكن أن نتخيل في تاريخ سورية السابق وفي مستقبل سورية اللاحق سيناريوهات مختلفة عن ذلك في بلد غني بشكل كبير في تنوعه الديني والطائفي والإثني والمناطقي؟ هل سنظل نفسر الأمور هكذا في سورية ونتغافل عن كل المشكلات الاقتصادية والاجتماعية والنفسية؟ إن حجم المعطى الديني والطائفي والقومي محدد ولا يصح إعطاؤه حجماً أقل أو أكثر مما هو عليه. لا نعيش في دولة حقوق وقضاء عادل وشعبنا ليس شعب مواطنين بعد وأمامنا طريق طويل جداً حتى نحقق دولة المواطنة والحقوق. شعبنا ليس متجانساً مثل الشعب التونسي أو المصري. إن حدوث مئات وآلاف الحوادث “الطائفية” أو “العرقية” لن يقود بالضرورة لحرب طائفية أو أهلية، وهل يمكن لأي حادث في سورية حتى قبل الثورة أو بعدها ألا يبدو “طائفياً”؟ إن احتمال تورط اثنين في أي شجار وأن يكونا من طائفتين مختلفتين احتمال كبير جداً في سورية في أي مكان وزمان. الحروب الطائفية والأهلية لها توصيف واضح ومقدمات واضحة  وشروط واضحة وهي تستلزم على الأقل انهيار الدولة أو ضعفها الشديد وقيام تنظيمات سياسية مسلحة على أساس طائفي ووجود حامل اجتماعي واقتصادي مناطقي لهذه المنظمات مع دعم وتواطؤ إقليمي ودولي لكل هذه التنظيمات. وكل ذلك يمكن رؤيته وتوقعه قبل حدوثه بوقت كاف ولن يحدث فجأة بشكل انفجاري، فلماذا تهويل البعض من أفراد ووسائل إعلام وحكومات من الحرب الطائفية والأهلية وكأنها قادمة بلا ريب ولا مجال لاتقائها؟

التنظيمات العسكرية في الثورة السورية

جرى في بعض هذه التنظيمات أحياناً تعبئة دينية على أساس سني، وكان ذلك واضحاً في إعلام هذه التنظيمات المرئي والمسموع والمكتوب بقدر ما كان هذا الإعلام يعكس واقع هذه التنظيمات. وقد لعب المال السياسي أحياناً دوراً في فرض توجه حزبي إسلامي معين إخواني أو سلفي، كما لعب المال السياسي في بعض تسميات هذه التنظيمات التي تدل على مصدر التمويل أو على الرغبة في استجرار الدعم المالي أو العسكري من مصادر سياسية معينة. وبقيت تنظيمات أخرى معتمدة على التمويل الذاتي الأهلي وظلت ذات طابع إسلامي شعبي، إلى جانب بعض التنظيمات السلفية الجهادية التي ترفع أحياناً أعلام القاعدة وتضم بعض المقاتلين المتطوعين من بلدان عربية وإسلامية أخرى. لا يمكن معرفة الحجم النسبي لكل هذه التنظيمات بشكل دقيق ولكن الاستنتاج العام حتى الآن هو أن الاعتماد المالي الأكبر ما زال على الدعم الذاتي والأهلي سواء من داخل سورية أو من المغتربين السوريين أو من تنظيمات سياسية سورية خارج سورية، ويليه في الأهمية أكثر الدول العربية دعماً للثورة السورية أي السعودية وقطر. يغري العمل العسكري (مقابل العمل المدني) في الثورة السورية في ظروفها الاستثنائية بالتعبئة الإسلامية الجهادية، كما أن طبيعة المقاتلين السوريين هي من طبيعة الشعب السوري نفسه باتجاهاته الإسلامية المختلفة (إن وجدت)، وقد لعب التحريض الطائفي السني الشيعي والسني العلوي دوراً أكبر هنا بسبب طبيعة حرب النظام السوري وحلفائه نفسها ضد المجتمع السوري والبروباغاندا الإعلامية للنظام السوري ضد “الإرهابيين”، وبسبب طبيعة استقطاب الدول العربية الداعمة للثورة السورية ضد إيران وحلفائها التي تأخذ شكلاً مذهبياً.

التمثيل الطائفي في هيئات الثورة المختلفة

تثار مسألة التمثيل كثيراً في الهيئات المختلفة للثورة داخل وخارج سورية في هيئة التنسيق أو المجلس الوطني كما في المنظمات المدنية والهيئات والائتلافات و”الجاليات السورية” المختلفة. الدول الغربية تنظر إلى قضايا الأقليات بنفس النظرة الاستشراقية المعروفة وكأن سورية مؤلفة من هويات متعددة دينية وإثنية ناجزة ونهائية (لنتذكر رويترز عندما وصفت انشقاق عبد الرزاق طلاس بأنه ينتمي إلى “قبيلة عربية سنية في الرستن”، ولا أدري كيف ستصف مناف طلاس أيضاً)، ولا مانع لديها من تمثيل أهلي (غير مدني) لهذه الهويات بل قد تفضل ذلك أحياناً.

يمكن النظر على سبيل المثال إلى نشاط الجاليات السورية في بلدان الاغتراب كمؤشر لسورية القادمة… فقبل الثورة كان هناك نشاطات أهلية بشكل جمعيات أهلية خيرية لبعض التجمعات المناطقية، ونوع من تنظيم للجاليات بأشكال مختلفة. وبعد الثورة انفتح السوريون لأول مرة على بعضهم البعض في بلدان الاغتراب، فنشأت وتنشأ تنسيقيات ومنظمات وهيئات وجمعيات ومشاريع جاليات على أساس دعم الثورة في الداخل والإعداد لما بعد سقوط النظام في سورية جديدة متخيلة. واتسق حجم المشاركة في هذا الحراك في الخارج مع تطوره في الداخل حيث رافق مدناً ثائرة بعينها واصطبغ بغالبية مسلمة سنية أيضاً مع مشاركات مختلفة من المناطق والفئات المجتمعية الأخرى المختلفة التركيب الديني والإثني.

إذا كان من الطبيعي أن تنشأ تنسيقيات مناطقية في سورية دون أن يعني ذلك تمثيلاً طائفياً أو قومياً، فإن نشوء تنسيقيات في الخارج لها نفس التكوين الديني والطائفي أمر ملتبس أحياناً، خصوصاً حين تتطور هذه التنسيقيات إلى منظمات مدنية أو هيئات سياسية مختلفة أو “جاليات سورية” (وهذه إمكانيات متوفرة في الخارج بسهولة قياساً للداخل)، وتبقى على نفس التكوين الأحادي وتوجه خطابها باسم منطقة معينة لها مدلول ديني أو طائفي أو قومي، فكيف هو الأمر إذا دخلت هذه التنظيمات الجديدة في ائتلافات مثل المجلس الوطني، لتبدو ممثلة عن طوائف أو قوميات بعينها؟

ولنتخيل في المستقبل القريب جدلاً نشوء (على أرضية دعم الثورة) جاليات أو هيئات مسلمة سنية وأخرى مسيحية وأخرى كردية وأخرى درزية..الخ، ألن نصل بعد سقوط النظام إلى حالة مجتمعات أهلية (لها بنيتها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية) على الطريقة اللبنانية؟

إن حجة التمثيل المناطقي مردودة فإذا كان لا بد من تمثيل الحسكة مثلاً فلماذا لا يكون تمثيلاً كرديا عربياً مشتركاً؟ وكذلك لماذا لا يجري تمثيل السويداء ودرعا معاً (جبل وسهل حوران)؟

الانتباه لمعايير تكوين المنظمات المدنية والجمعيات والهيئات والجاليات مهم في هذا السياق، والإصرار مهم أيضاً على أن تكون هذه التنظيمات المختلفة مختلطة دينياً وقومياً وعدم الوقوع في فخ التمثيل الطائفي والإثني.

إن الأشخاص المعروفين في المجلس الوطني مثلاً بانتماءاتهم الدنيية والقومية المختلفة لا يمثلون طوائفهم وقومياتهم بقدر ما يمثلون أحزابهم وتياراتهم وبرامجهم السياسية، وهذا ما يجب أن يكون عليه الأمر في أية ائتلافات وهيئات مدنية وسياسية أخرى ممكنة.

فرص نجاح تشكل طائفة سنية سياسية في سورية

نجح النظام السوري في تشكيل طائفة علوية سياسية (غير معلنة!)، استقطبت حولها الأقليات الأخرى (بشكل غير معلن!) في شكل نظام يدعي العلمانية من باب وحيد هو معاداة التيارات الإسلامية “السنية” (لا يعلن أنها سنية!) الرجعية والتكفيرية والمتخلفة إلى آخر الصفات التي يبرع إعلام النظام في استدعائها بشكل مباشر وغير مباشر، مستفيداً من كل ما يحدث حوله وفي العالم البعيد. وقد تحالف النظام “الممانع” مع النظام الإيراني وحزب الله اللذين يعلنان جهاراً انتماءهما وتحزبهما الشيعي بنسخة نظام الملالي وولاية الفقيه في استقطاب محلي وإقليمي ضد بلدان الخليح العربي (بصورة رئيسية) التي تعلن جهاراً أيضاً انتماءها وتحزبها السني بنسخه المختلفة من وهابية وسلفية وإخوان مسلمين الخ..

في هذا السياق وسياقات أخرى اندلعت الثورة السورية، وقد برز فيها بشكل كبير كما برز في الربيع العربي كله دور الإعلام الخطير في عصر العولمة (ثورات منقولة على الهواء مباشرة بالزمن الحقيقي لأول مرة في تاريخ المنطقة على الأقل)، ولا يخفى على أحد دور الإعلام في خلق جمهور نفسي “عابر” ومتغير دائماً من خلال ما يعرف بالتأثير في سايكولوجية الجماهير التي أشبعت درساً خلال أكثر من قرن من الزمان. وقد تناوب في الحرب الإعلامية مع وضد الثورة السورية التحريض السياسي للنظام السوري ضد التيارات الإسلامية “السنية” بشكل عام وتحريض بعض إعلام الثورة من أجل الجهاد الإسلامي، وكذلك التجييش الطائفي المستمر للنظام ضد كل رموز الإسلام السني في سورية مقابل التحريض من أجل “الدم السني الواحد” وضد “العلويين النصيريين المجوس القرامطة الشيعة الأنجاس الخ”.

ومن الملاحظ سهولة انتشار هكذا دعوة وهكذا تحريض وهكذا تشهير وهكذا تعبئة في ظل القمع المنهجي الشديد للنظام ضد المجتمع السوري الثائر وفي سياق حرب المقاتلين المسلحين ضد قواته الغاشمة، خصوصاً في المناطق ذات التماس السني العلوي باحتقانها الطائفي الشديد في حمص وحماه والساحل السوري.

ولكن هل يكفي كل ذلك لنشوء طائفة سنية سياسية؟ الطوائف الإسلامية غير السنية بتموضعها الأقلوي في المجتمع السوري الكبير قديمة ومكرسة منذ زمن طويل وهي تعرّف نفسها بتضادها مع الأكثرية السنية وخوفها منها ومن السهولة بمكان لأي نظام أن يستثمر فيها سياسياً، أما جمهور السنة في سورية فليس عنده عقد الأقليات، وقد اعتادوا النظر لأنفسهم كعموم جمهور سورية، وليس كطائفة فقط.

الأمر يحتاج قبل سقوط النظام إلى تنظيم عسكري كبير يستقل في منطقة كبيرة نسبياً ويعلن تبنيه لأيديولوجيا إسلامية سنية، كما يحتاج إلى مال سياسي وفير لتمويل نشاطه العسكري والسياسي ورموز سياسية سنية فردية أو عائلات سياسية سنية يمكن أن تستقطب الجمهور من حولها، وإلى اقتصاد محلي يمكّن من استمرار هذه الحالة وإعادة إنتاجها، وأخيراً إلى تحالفات مناطقية وإقليمية وعالمية داعمة له. وهذا كله لا يمكن أن يحدث إلا في سياق حرب طائفية أو سياق تقسيم سورية لدويلات وهو أمر لم نبلغه بعد في سورية، وليس من الضروري أو من المحتم أن نبلغه.

أما بعد سقوط النظام، فالأمر ببساطة يتبع كيفية وتوقيت سقوطه، فإذا لم تحدث حرب طائفية ولم تنقسم سورية إلى دويلات محتربة، ونجحنا في الانتقال إلى دولة مدنية ديمقراطية، فإن فرص تشكل طائفة سنية سياسية ضعيفة لكل الأسباب الواردة أعلاه، خصوصاً مع سقوط الطائفة العلوية السياسية وانتفاء الحاجة لحمل السلاح خارج الدولة وزوال إمكانية استثمار النظام الجديد في الطوائف السورية المختلفة وفي الاستقطاب السني الشيعي في المنطقة. الرهان كله على جمهور السنة نفسه في سورية، فهم الخصم والحكم هنا.