عن معارك الساحل.. التحرير والاحتلال والرهانات الخاسرة

 

يبدو اتجاه الثوار المسلحين في الجيش الحر والكتائب الأخرى المتواجدة في شمال محافظة اللاذقية إلى فتح معركة واسعة على تخوم معاقل النظام، وعلى أطراف البيئة الأهلية الحاضنة له، أمراً منطقياً تماماً، ولا شك أنه يتفق مع سير أية عمليات حربية. ذلك أن فتح جبهة جديدة يخفّف الضغط عن قوات الثورة في مناطق أخرى، فكيف إذا كانت المعركة تهدّد ما يعتبره النظام معقِله وربما حصنه الأخير؟ على أن الأمر في ظرف الثورة السورية المعقد ليس بهذه البساطة. ربما يكون واضحاً وبسيطاً من وجهة النظر العسكرية، وأما عندما نتحدث عن الثورة ومآلاتها ومآلات الوطن السوري فإن الأمر يغدو مختلفاً.

لا يتعلق الأمر هنا بالساحل السوري ولا باللحظة الراهنة فحسب، بل إن الأمر يتطلب عودة إلى الوراء، إلى بدايات الثورة السورية. ولكي نكون واضحين فإن علينا أن ندع حقوق الإنسان والقيم الوطنية السورية جانباً، ونبحث في الوقائع والأهداف والإمكانات. قبيل اندلاع الثورة السورية، على شكل انتفاضة كرامة بدأت من سهل حوران وتصاعدت وتدحرجت حتى أصبحت ثورة شعبية عارمة، كان النظام السوري نظاماً سياسياً متماسكاً يهيمن على كل شيء في البلاد، وعلى الرغم من احتلال العنف مكاناً واسعاً في أدوات هيمنته، فإنه لم يكن يهيمن عليها بالعنف وحده، لقد كان يهيمن عليها في الاقتصاد والخطاب والثقافة. لقد كان النظام السوري نظام الطغمة بامتياز، الطغمة التي تهيمن على السلطة والثروة والمجتمع كله، ولم يكن للحديث عن مدى شرعية النظام وقتها أي معنى، فالنظام كان يكتسب شرعيته التاريخية من استسلام المجتمع لنمط الحكم والحياة الذي يفرضه. ثم كانت الثورة التي جاءت نتيجة تراكب عاملَين: الأول عجز النظام وبنيته المهترئة وخطابه الأحادي المتخلف عن تلبية حاجات السوريين المتغيرة؛ والثاني تصدّع جدار الهيمنة وانهياره، ومن ثم انطلاق الحشود إلى الشوارع بحيث لم يعد يمكن للنظام حكم البيئات الأهلية الثائرة إلا بالعنف العاري... لتنتهي بذلك كل صور هيمنة النظام على مناطق واسعة من البلاد، باستثناء الهيمنة الناجمة عن احتكار العنف وعن القوة النارية غير المتكافئة، ولينتهي بذلك نظام الأسد كنظام سياسي سوري أيضاً، ويتحول في واقع الحال إلى قوة احتلال. إن محاولة أية قوة عسكرية للسيطرة على مناطق معينة رغم أنف سكانها تجعل منها موضوعياً قوة احتلال، قوة احتلال ستستجلب مقاومة دون أدنى شك. ولقد استخدمت القوة العسكرية للنظام –التي كانت تأتي على هيئة جيش نظامي أو قوى أمنية أو مليشيات طائفية– كل أنواع العنف، واستباحت بلا هوادة كل منطقة أعلنت عصيانها، ولم تتصرف باعتبارها جيشاً وطنياً أو قوات أمن وطنية ولو للحظة واحدة، وإنما ارتكبت كل ما ترتكبه قوات أي احتلال من بطش ونهب وتدمير للبيوت ومذابح جماعية. هكذا كان حتمياً أن يرفع الثوار السلاح على نطاق واسع في مواجهة النظام، وهكذا دخلت سورية في طور الحرب الأهلية رويداً رويداً، حرب أهلية مركبة ومعقدة ذات منحى طائفي واضح لا تخطئه عين.

ولكن من قال إن مصطلح حرب أهلية ينفي عن الثورة وصفها بأنها ثورة؟ كل ما في الأمر أنه يغير وصفها في الظرف السوري الذي تنقسم فيه الناس هوياتياً لا سياسياً، هي لم تعد ثورة وطنية سورية، أقله ضمن المفهوم السائد للوطنية السورية، المفهوم الذي يتجاهل الشروخات الهوياتية والبنية ما قبل الوطنية للمجتمع السوري. لقد عصفت الثورة بالوطنية السورية كلها أصلاً، وأظهرت هشاشتها وتهافت خطابها، لم يكن النظام وخطابه وأدواته وحده العاجز عن تلبية حاجات السوريين، كذلك المعارضة، كذلك السردية الوطنية السورية برمتها.

هكذا كان الرهان الخاسر لدى النظام وأنصاره ونخبه، هكذا كان حلمهم البائس في إعادة الهيمنة على كل البلاد انطلاقاً من محاولة فرض الإرادة بالقوة العسكرية الغاشمة، لم تكن محاولتهم السيطرة مرة أخرى على دوما مثلاً سوى محاولة احتلال عسكري بائسة لمدينةٍ سكانها برمّتهم يرفضون نظام الأسد ويعتبرونه عدواً، ولهذا كان مصيرها الفشل. لقد تمكن الجيش والمليشيات المرافقة له من الدخول والسيطرة على قلب المدينة، لكنه لم يلبث أن طُرد منها. هذه ليست أرضه ببساطة. هكذا يكون دخول الجيش الحر إلى دوما تحريراً ودخول الجيش النظامي إليها احتلالاً، وهكذا تبدو الصورة مرشحة للانعكاس في الساحل السوري.

لقد آن أوان الاعتراف بأننا لسنا في حضرة ثورة يقوم بها «شعب سوري واحد» في مواجهة «نظام سوري» فاشي، نحن أمام ثورة شعبية «للبيئات الأهلية السنية» في سورية ضد نظام طغمة طائفي نواته الصلبة «اعتبار العلويين أنه نظامهم». هكذا هي المسألة. ولأنها هكذا، يستقر في لاوعي السوريين الثائرين على النظام أن ثمة حرباً يشنها «علويون» انطلاقاً من أرضهم باتجاه أرض غيرهم، ولهذا يبدو منطقياً التفكير في نقل المعارك إلى أرض الخصم. على أن المقتل يكمن هنا في اعتبار هذه المعارك تحريراً، لأن هذا يشي برفض النخبة السورية الثائرة للخروج من صندوق السردية الوطنية السورية التقليدي، ويشي بقصورها عن إدراك عمق الصراع الذي يدور على الأرض السورية. ذلك أن السكان «العلويين» يرون في قوات الثورة عدواً، ربما عدواً وجودياً، وهذا ما يجعل سيطرة الجيش الحر على الساحل وهماً بعيد المنال. الجيش السوري الحر، الذي يعني ببساطة «السنة المسلحين» بالنسبة للأغلبية الساحقة من العلويين، لا يمكن أن يعني بالنسبة لهم جيش تحرير، هو بالنسبة لهم ودون شكّ جيش احتلال واجب المقاومة، وهو واقعياً سيتحول إلى قوات تتقدم في بيئة معادية، أي قوات سهلة الاستهداف. ولعل ما يدور اليوم في الشمال السوري يأتي تأكيداً واضحاً على هذا القول، إذ لم يكن تقدم قوات الثورة باتجاه المناطق الكردية تحريراً، ولم تكن سيطرة الجيش السوري الحر على «سري كانييه» شبيهة بسيطرته على مدينة الرقة مثلاً، ولقد كان الحراك الثوري الكردي أصلاً متمايزاً في الخلفيات والأهداف، ذلك لأن الهوية القومية الكردية والمظالم التاريخية للأكراد فعلت فعلها في كل مرحلة من مراحل الثورة.

لم يقدم النظام السوري مشروعاً سياسياً وخطاباً يواجه الحاجات المتجددة للمجتمع السوري عموماً، وللثوار وحاضنتهم على وجه الخصوص، وإنما لجأ إلى منطق «القوة العارية» التي لم تنجز شيئاً سوى التدمير على مرّ التاريخ، وهو لم يكن قادراً أصلاً على تقديم مشروع وخطاب كهذا بحكم بنيته المهترئة وخطابه المستند إلى سرديات تجاوزها واقع الحياة. وكذلك سيكون الرهان خاسراً أيضاً لدى الثوار ونخبهم إذا ما اعتقدوا أن «القوة العارية» يمكن أن تجلب لهم سورية موحدة في المستقبل. يجب أن يكون واضحاً أنه ما لم تترافق القوة مع مشروع سياسي وخطاب عقلاني جديد يعيد صياغة الهوية الوطنية السورية فإن معركة «تحرير» الساحل لن يُكتب لها النجاح بحال من الأحوال، ولن ينتهي المآل بالثورة السورية إلى سورية موحدة مطلقاً، ولعل الأداء العام للمعارضة لا يبشر بأن بُنيتها يمكن أن تنتج في المدى المنظور خطاباً ومشروعاً كهذا، هذه البنية المستندة أصلاً إلى بنية المجتمع السوري الهشّة، وإلى خطاب الوطنية السورية المهترئ الذي يصر على عدم رؤية بنية الشعب السوري على حقيقتها.

لا يتعلق الأمر هنا بإعلان موقفٍ ما من عمليات الثوار في الساحل السوري، فهي عمليات قد تكون مفيدةً لجهة تخفيف الضغط العسكري عن الثوار في جبهات القتال الأخرى، كما أنها يمكن أن تكون أيضاً ذريعةً لمذابح جديدة يتعرض لها «السنة» في الساحل على يد مليشيات النظام الطائفية، وهي في كلتا الحالتين عمليات مفهومة ومتوقعة في سياق الصراع السوري الدامي... وإنما يتعلق الأمر بضرورة بالبحث عن فهم صحيح ومختلف للصراع الدائر، ومن ثم البناء على هذا الفهم لاجتراح حل يُنهي المأساة السورية المستمرة ويؤسّس لمعرفة جديدة تفتح الطريق لتحقيق ما انتفض الثوار لأجله أصلاً، وأعني كرامة الفرد السوري وحريته وحقوقه.