السابع من نيسان

 

من الطبيعي، في بلاد البعث، أن تُلصق تهمة الطّائفية على جبين كلّ معارضي النظام السوري من قبل وكلائه وزبائنه ووسائل إعلامه، في حين تقام احتفالات تنسيب أعضاء جدد لحزب لبناني طائفي (أو لتوأمه السوري؟) في مدينة سوريّة. الحزب هو حزب التوحيد، لصاحبه الوزير اللبناني السابق وئام وهّاب الذي، بين تصريحٍ وآخر باسم الطائفة الدرزية في لبنان وغير لبنان، يظهر على شاشات التلفزة السوريّة لاتهام المعارضين بالطائفية وغير الطائفيّة.

رأينا في صورة بطاقة الدعوة لاحتفالات حزب التوحيد في السويداء أن اسم الصالة التي احتفل بها الوئاميّون هو ”صالة السابع من نيسان”.

هكذا سابع من نيسان ﻻ يليق به إﻻ سابع من نيسان كهذا…

*****

مؤسسو حزب البعث السوريين الثلاث، ميشيل عفلق وصلاح البيطار وأكرم الحوراني، ماتوا أو قتلوا منفيين عن بلدهم في ظل حكم الحزب الذي أسسوه.

الحزب العملاق أم الحزب العاق؟

*****

يمثّل فكر وأسلوب ومنهج حزب البعث أسوأ أشكال الشموليّة واﻻستبداد السياسي، أكان عن طريق قتل التعدد بكل أشكاله عن طريق أساليب ”الهندسة اﻻجتماعيّة” الفاشيّة بامتياز، أو إيلاء ربط اﻻنتماء الوطني بالولاء العقائدي الأعمى أهميّة بالغة منذ سنوات الطفولة الأولى. حيث يتعلّم الأطفال ترديد شعارات الحزب القائد قبل تعلّمهم كيفيّة كتابة كلماتها حتى. لكن الشموليّة والاستبداد في سوريا ﻻ تختصر بحزب البعث فقط، أي أن النهج ”الإصلاحي” الباحث عن تقديم الحزب المترهّل ككبش فداء يتحمّل وزر كلّ موبقات العقود السابقة ليس إﻻ تزويراً للتاريخ وللواقع. فالحزب لم يحكم سوريا كحزب، إنما تحوّل في عهدٍ مبكرٍ من ”الحركة التصحيحية” إلى مجرّد مدير لموارد الوﻻء وقالب سياسي مفرّغ من السياسة أصلاً. وكانت له استخدامات بالغة السوء في التعاطي مع تركيبات أهليّة في المجتمعات المحلّية أكان بترسيخ وجودها أو بخلق صفات جديدة لها. ففي المنطقة الشرقيّة، على سبيل المثال، ساهمت ثنائية مجلس الشعب وفرع الحزب في ترسيخ البنية العشائريّة، أكان بتوزيعات النفوذ والسطوة المحليين أو في خلق تحالفات عشائرية لم تكن موجودة قبل توزيعات فرع الحزب ومقاعد مجلس الشعب وغيرها من المواقع التي تفتح أبواب الفساد والزبائنيّة داخل الجسم الإدارة المحليّة للدولة، ما دون شبكة العلاقات الأمنيّة- العسكريّة- اﻻقتصاديّة- السياسيّة التي تشكّل فعلياً نواة سلطة النظام السوري، وهي نواة تقع فوق الحزب وفوق الدولة حتّى.

سيكون حزب البعث مظلوماً فعلاً لو تُرك يرحل وحيداً..

*****

سبعة نيسان يا رفاق
ميلاد الحزب العملاق
يا طلائع بعثيّة
غنوا أحلى غنّية
للقائد أبو سليمان
وللحركة التصحيحية

(صفقة طلائعيّة)

كانت هذه هي الصيحة اﻻحتفاليّة بهذا اليوم العظيم لطلائع البعث، وهي المنظمّة التي ترعى نظافة عقول الأطفال بين 6- 12 عاماً وتعنى بتمسّكهم المبكر بمبادئ عبادة الفرد وتقديسه واختصار اﻻنتماء الوطني بالتذلل في عشقه. وبعدها يُساق الطالب إلى اتحاد شبيبة الثورة، الذي يحمي مراهقة الناشئة ويضمن كمية كافية من الكراهية لكل المغايرين والمختلفين. ثم بعدها يأتي اتحاد الطلبة في الجامعات، والذي يحرص على قتل معنى الحياة الجامعيّة الحرّة والمنفتحة وإغلاق الجامعات في وجه تيارات الفكر والرأي. ثم تنتهي بإحدى النقابات أو اﻻتحادات الحرفيّة..

دورة حياة مواطن سوري صالح..

*****

ذات مساء، وفي حديث عبر الانترنت مع صديق سابق، سألته عن أحوال البلد(الرّقة)، فأجابني بتطوّر هائل يكمن في تبديل سيارات أعضاء قيادة فرع الحزب إلى طراز تويوتا كامري. ظننته يمزح وأعجبت بمقاربته الكوميديّة السوداء، لكن تبيّن أنّه كان جاداً في حديثة…

صديقي السابق هذا ﻻ يغيب اليوم عن أيّ مناسبة لتأييد ”مسيرة الاصلاح”… التويوتا كامري ﻻ تكفي!

*****

في طقسٍ عبقري، عمل ناشطون على مزاحمة النظام السوري في أيامه. هكذا، أضحى الثامن من آذار عيداً للمرأة السوريّة بدل أن يكون ذكرى ”ثورة” حزب البعث. واليوم، بدل أن يكون ميلاد الحزب، سيكون يوماً مخصصاً لتذكّر المعتقلين السوريين في سجون النظام، السابقون منهم واللاحقون.

تاريخ سوريا المعاصر هو تاريخ الحيف الذي لحق بالشعب السوري على يد الطغيان واﻻستبداد، وللاعتقال مساحة واسعة في الذاكرة السوداء لهذه العقود. تاريخٌ مركّب من عشرات الألاف من قصص زنازين وأقبية، غرف تحقيق وتعذيب، أبواب سجونٍ لا تفتح لزيارة الأمهات والأبناء إﻻ بعد ألف ذلّ وذل.

يجب أن يبقى السابع من نيسان يوماً للمعتقل السوري إلى أن يتوفى، بعد عمرٍ طويل، آخر ابنٍ لآخر معتقل سياسي سوري. هذه ذاكرتنا التاريخيّة…

*****

كنهجه في تحويل كلّ ما يلامس إلى ابتذال ورطانة بلا معنى، وصل تأثير البعث إلى أجمل وأعرق الفنون العربيّة: فنّ الخط. فعلى مدى العقود السابقة تحوّل الخطاطون إلى مكررين لعباراتٍ حزبيّة وإيديولوجيّة وأقوال على مساحاتٍ من القماش قد تكفي، إن جُمعت، لستر عار الكذب والنفاق الممزوج بألوان الطلاء. كان للخطاطين موسمين: التشرينين (التحرير والتصحيح) وآذار ونيسان، حيث تنتشر اللافتات على الأرصفة أمام محلاتهم لكي يجف طلاؤها قبل تعليقها على جدار مؤسسة رسميّة أو مدرسة، أو حملها معلقة بين وتدين خشبيين في مسيراتٍ ”عفويّة جداً”.

لكن، واللعنة للتطوّر، جاءت آﻻت الطباعة الحديثة القادرة على طباعة ﻻفتات وصور عملاقة (وبتكلفة أعلى، وبالتالي عمولة أكبر للمحاسبين ومشغّليهم وزبائنهم) وراح رزق الخطاطين. ﻻ نعرف من استورد هذه الآﻻت إلى سوريا للمرّة الأولى، وإن كان لزاماً أن نتوقع أن يكون عضواً في مجلس الشعب عن قائمة الجبهة الوطنيّة التقدميّة ومن فئة ”العمّال والفلاحين”.

مأساة الخطاطين تستحق من رفيق شامي جزءاً ثانياً من رائعته ”سرّ الخطاط”، وربما ساعد وقف طباعة منشورات الحزب القائد في توفير حيّز في المطابع كي تُطبع رواياته (وغيره من الممنوعين داخل سوريا)، وينتهي بذلك عار أن يُعرف كاتبٌ سوري في أرجاء المعمورة وﻻ كتب له في بلده.

*****

في ظلّ الظلمة والحزن والقلق والموت، ثمة خاطرة تدفع للأمل: هذا آخر سابعٍ من نيسان ستعيشه سوريا. العام المقبل، كما ننتظر ونستحق، سيكون هناك سابع من نيسان جديد، آخر، أكثر تعددية، أكثر حرّية، أكثر سوريّة…