عن يسار «ممانع» خذل سوريا

 

في نقدي لموقف قطاعات واسعة من اليسار من اﻻنتفاضة السورية الكثير من الألم الناتج عن شعورٍ بخيبة الأمل من رفاقٍ أراهم الآن مصرّين على البقاء خارج التاريخ، متحسرين، حسب قولهم، على انتصار ثورةٍ مضادّة على ثورةٍ أدموها بتشكيكهم وتعاليهم وتنظيراتهم التعميميّة السطحيّة. لم يرَ هؤﻻء مستضعفين في سوريا يقفون معهم، بل أن نظراتهم الملتزمة التقطت، وبحساسيّة عالية الدقّة، بصماتٍ قطريّة وسعوديّة وامبرياليّة- صهيونيّة. بين الحين والآخر، إذا بقي هناك بعض الوقت بعد نكش كلّ ما يمكن نكشه من تغطية قناة الجزيرة هنا أو أقوال معارضٍ موتور هناك، يؤكد رفاقنا هؤلاء على تضامنهم مع حقّ كلّ الشعوب العربيّة في إسقاط أنظمتها. أي، بمعنى آخر، على الشعب السوري أن يُسقط كلّ الأنظمة العربيّة دون الاستثناء، ثم يحرّر فلسطين وعربستان وأوغادين، عندها، فقط عندها، ربما يُسمح له، بعد وجبة تشكيكات وامتحانات مواقف مطوّلة، أن يُسقط نظاماً ﻻ ينكرون أنه سيء، لكنهم يستدركون أن له وضعاً خاصّاً ناجمٌ عن كونه “داعماً للمقاومة”.

لطالما أكّد يسار “محور الممانعة” في لبنان (وهو الأكثر حضوراً إعلامياً، وبالتالي يشكّل خطابه نواة “اليسار الممانع” العربي) أن وقوفه مع حزب الله محصورٌ في خانة مقاومة العدو الصهيوني، وأنّ هذا الموقف ﻻ يعني، على الإطلاق، دعم أيّ مواقف أو توجهات أخرى يتخذها الحزب. لذلك، كانت مواقف حزب الله بما يخصّ بعض القوانين المحلّية اللبنانيّة، خاصة تلك المعنيّة بالجوانب اﻻجتماعيّة، فرصةً كي يثبت هذا القطاع من اليسار لنفسه أنه قادر على اﻻختلاف مع الحليف في الأمور التي ﻻ تتعلّق بالمجال الصرف لمقاومة العدو الصهيوني. لم تشكّل بدايات موسم اﻻنتفاضات العربيّة تحدياً لهذا الموقف، إذ لم يكن في دعم إسقاط الشعبين التونسي والمصري لنظامين “غير ممانعين” شطارة  بما أنه لم يخرج عن موقف حزب الله، بل وموقف النظام السوري نفسه. كما كان التضامن مع الشعبين الليبي والبحريني متجانساً مع عداء حزب الله لنظامي كلا البلدين. لم يأتِ اﻻمتحان حتى الخامس عشر من آذار، حين اندلعت اﻻنتفاضة ضد النظام “الممانع”، الحليف الوثيق لحزب الله.

فوجئ اليسار الممانع باندلاع انتفاضةٍ لم يكن يتوقعها، ووجد نفسه مجبراً على اتخاذ موقفٍ إزاء نظامٍ ﻻ يمكن الدفاع عنه باستخدام لغة اليسار الأخلاقيّة، كما ﻻ يمكن اتخاذ موقف جذري ضدّه ﻷنه حليف حزب الله الوحيد بين البلدان العربيّة. أمام هذه المعضلة قرر السواد الأعظم من اليسار الممانع (والاستثناءات موجودة، لحسن الحظ) اتخاذ موقفٍ “وسطي” سياسيّاً، مراوغ أخلاقياً، ومدمن على استخدام المفارقات لغوياً. ﻻ يُنكر أحقّية الشعب السوري بالانتفاض ضد نظامٍ استبدادي يعتمد الإفقار الاقتصادي والسياسي والثقافي والأخلاقي أسلوباً للحكم، لكنه أيضاً يؤكد وجود مؤامرةٍ ضدّ النظام لدوره في “دعم المقاومة”. دعم لفظي وشعاراتي عابر لحقوق وحريات وكرامة الشعب السوري مقابل أطنان من التشكيكات والطعونات والمطالبات غير المنطقيّة بمواقف لم يُطالب بها شعبٌ من قبل. كلّ صوتٍ معارض هو موضع تشكيك وتمحيص، وبالنهاية يُرفض. ﻻ خيارات سياسيّة واضحة تُحدد، لا اقتراحات، لا سيناريوهات، ﻻ مواقف، بل فقط استراحة تامّة في موضع المتفرّج السلبي النقاق، المواضب على التشكّي والتشكيك. كما يطعّم اللاموقف هذا بآراء وهجومات ثقافويّة استشراقيّة على أيّ مظهر إسلامي لطالما وقفوا ضدها بشراسة (وبحقّ) حين استُخدمت غربياً وصهيونياً ضد حماس وحزب الله. ﻻ استخدام لأدوات الدراسة المتوفرة لدى اليسار لتحليل أسباب تقدّم الإسلام السياسي في البلاد العربيّة، وﻻ نقد ذاتي بخصوص إخلاء الساحة الشعبيّة للإسلام السياسي بالكامل والاكتفاء بالبرج العاجي المتعالي على “الجماهير”. يكتفون باتهام قطر بإدارة مؤامرة لتسليم كلّ البلاد العربيّة لحكم الإخوان المسلمين، الذين، على ما يبدو، قد أصبحوا الآن بما فيهم حركة حماس أذناباً للإمبرياليّة والصهيونيّة.

تسألهم عن رأيهم  بممارسات النظام السوري قبل وأثناء اﻻنتفاضة فيجيبونك عن إهمال العالم لانتفاضة البحرين وتآمر الجميع عليها وسط الصمت الإعلامي المطبق. صمتٌ يُكثرون من التذكير به عند ظهور أي تغطية إعلامية لما يجري في سوريا بشكل يوحي وكأنهم يتهمون أولئك الذين يقبعون تحت الرصاص والقذائف في حمص وإدلب وحماه وريف دمشق ودرعا ودير الزور بالتسبب في التعتيم على قمع الشعب البحريني. تطالبهم بموقف من قصف أحياء حمص وقرى ادلب فيردّون، متخذين موقف دفاعٍ محموم، بالحديث عن نهر البارد وكأن أهل بابا عمرو أو تفتناز هم من قصف المخيّم الفلسطيني. توافقهم على أن صوﻻت وجولات أحمد الجلبي في الحديث باسم انتفاضة البحرين ﻻ تعيب حراك الشعب البحريني من أجل الحرّية والعدالة والمساواة في بلادهم، لكنك تكتشف أن الشعب السوري ﻻ يستحق منهم، على ما يبدو، هذا القدر من التفهّم وسعة الصدر: أن يتحدّث سمير جعجع عن دعمه للانتفاضة السورية هو سبب أكثر من كافٍ للاحجام عن دعمها. ﻻ نستطيع أن نكون مع سمير جعجع في صف واحد. تستطيعون إذاً أن تكونوا في صف واحد مع أحمد الجلبي؟ صمت.

المشهد السوري شديد التعقيد. هناك مطامع إقليميّة ودوليّة واضحة، هناك سعي حثيث لدى مختلف المحاور لاستغلال فرصة تأزم الأوضاع في سوريا للتمدد بالنفوذ، هناك معارضة سوريّة بائسة ومفتتة وعاجزة، حتى الآن، عن القيام بدور قيادي وتمثيلي لائق ومتناسب مع حجم التضحيات التي قدّمها الشعب السوري في انتفاضته، وهناك حاجة ماسّة في كلّ ما سبق لإعمال الفكر السياسي النقدي وتحسّس المواضع ودراسة المشاهد. لكنّ الموقف الأخلاقي السابق والمؤسس لأي عمل سياسي هو أمر مطلوب لدى أيّ يساريّ. فوق كلّ حسابات السياسة والمصالح هناك شعبٌ تحت ساطور أحد أكثر الأنظمة وحشيّة وقمعيّة في العالم. هل من موقف وعمل أخلاقي يساري تجاه ذلك؟ أم فقط هناك حديثُ مقاهٍ عن قناة الجزيرة وأمير قطر وأمراء آل سعود؟ نعلم أن المجتمع الدولي منافق، كما نعلم أن القوى الإقليمية عديمة الأخلاق، لكن ما معنى استخدام ممارسات وأساليب اﻻنتهازيين والمنافقين كحجّة للاموقف؟ أليس هذا بمثابة المطالبة بحقّ اتخاذ موقف اﻻنتهازيّة والنفاق أسوةً بالغير؟ بماذا تتمايزون عنهم يا “رفاق”؟

الجيوستراتيجيا، على ما يبدو، تجعل من طغيان بعض المستبدين مكروهاً ومحارباً وطغيان بعضهم الآخر مشروعاً أو مبرراً أو مسكوتاً عنه… تجعل الكرامة والحرية مستحقّة للبعض ومرفوضة للبعض الآخر، تجعل المبادئ ثابتةٌ في مكانٍ ومتعرّجة متراقصة في مكانٍ آخر. الجيوستراتيجيا، على ما يبدو، هي امتحان الشعارات والقبضات المرفوعة. ليس فقط لليسار العربي، بل لأغلب خيارات “إعادة إحياء اليسار على أسس أكثر إنسانيّة” في العالم بشكل عام، وفي أميركا اللاتينية بشكل خاص. في كلّ النصوص المنشورة عن سوريا لدى إعلام “اليسار الممانع” العالمي الكثير من التحليل والتدقيق والتمحيص في كل ثنايا الوضع السوري، في كل عقدٍ لكل شركة تسليحٍ أو نفط ولكل تحالف أو تفاهم في العلاقات الدوليّة، لكن عليك، عزيزي القارئ، أن تطيل البحث قبل أن تجد إشارة عابرة وصغيرة، لفظيّة بحته، لمعاناة الشعب السوري. قد يقرّ بعض الكتّاب، وكأنهم يعترفون بخطيّة مشاكسة صغيرة، أن النظام السوري “سيء”، لكنهم ﻻ يمنحون أي إشارة لتفهّمهم لحقّ الشعب السوري في رفع هذا السوء عن عنقه، بل أن النتيجة التي سيخرج منها القارئ، بعد دراسة هذه “التحليلات التقدميّة”، هي أن النظام، على رداءته، أفضل من الشعب نفسه..

ملاّ دعم لثورات الشعوب!

لقد دخلت اﻻنتفاضة السوريّة مرحلة اللاعودة منذ زمنٍ طويل، والمنخرطون فيها مصرّون على الذهاب بها حتى النهاية، إن كان ضدّ النظام المستبد الفاشيّ أو ضد أيّ قوى محلّية أو إقليميّة دوليّة تريد حرماننا من حقّنا في بناء دولة الكرامة والمساواة والحرّية. الصعوبات كثيرة والطريق طويل. قد ننجح، قد نفشل. في الحالتين سأفتقد رفاقاً كنت أعتقد، قبل عامٍ من اليوم، أنهم سيطبّقون شعاراتهم، شعاراتنا، وسيقدّمون الإيمان بحقوق وحرّيات وكرامات الشعوب فوق أيّ حسابٍ آخر، وسيكونون بجانبنا ومعنا. أخطأت.