في خارجية التدخل وخارجية الرفض

لا يأمل المرء كثيراً، في سياق التعاطي الغربي والدولي مع الثورة السورية وفي سياق الكاريزما الأوبامية المترددة، من حصول انقلاب قيمي أو تقويمي أو استراتيجي تجاه الأزمة الإنسانية الكبرى والمستمرة في سوريا. فالضربة الموعودة للنظام تنذر بعقاب أخوي على قسوة الكيماوي أكثر من كونها إيقاف مجرم دموي لم يتوقف ساعة عن القتل ونشر ثقافة القتل منذ ثلاثين شهراً  إلى اليوم.

خارجية الضربة لا تكمن في العدوان الكلاسيكي الخارجي على دولة ذات سيادة، فالدولة المذكورة هي خارجية أصلاً ومتخارجة تجاه داخلها البشري العام، ونصف سكانها خارج منازلهم أو حدودها اليوم، ولم يعد فيها ما هو داخلي سوى تجمعات بشرية مكشوفة نحو خارجيات متعددة صارت داخلاً، ولا يحميها قانون أو حكومة أو جيش نظامي، ولا جيش حرّ بالطبع. هذه «الدولة» باتت مستباحة طبقاً لكل الروايات حولها، إن كان من قبل الجماعات الإرهابية المنظمة والمدعومة من روسيا وإيران ولبنان والعراق، أو من قبل الجماعات الإرهابية شبه المنظمة والمدعومة من السعودية وقطر وتركيا والقاعدة طبقاً للرواية المضادة.

إذاً، نحن لدينا دولة ليست ذات سيادة على أراضيها، محكومة بنظام غير شرعي بالنسبة لأكثر من نصف سكانها على الأقل، وفيها تدخلات دولية وإقليمية وقُطرية وفردية من كل بقاع الأرض، وهي تدخلات سيادية وعسكرية وعدوانية وليست تداخلات ثقافية أو سياحية على كل حال. ولذلك تصبح خارجية الضربة المتوقعة شكلية وبلا مضمون متميز، أي أنها تنطلق من خارج وتصبّ في خارج آخر. يُمطر هذا الأخير مدنيي الداخل بجميع أنواع الأسلحة دون محرًّمات ويشرِّد مدنيين داخليين آخرين في جميع بقاع الأرض، ولا يمكن مشابهة التدخل هنا بما حصل في العراق أو في ليبيا مثلاً، حيث أن زمن الضربة المتأخر جداً وطبيعتها المحدودة –كما يكرر أوباما وغيره دون توقف– تجعلها عنصر خارجي بين عشرات العناصر الخارجية الأخرى، ولا تشبه حتى التدخل «الاحتلالي» لحزب الله وإيران ضمن السياق الإستراتيجي للهيمنة الإقليمية للأخيرة، أو السياق الاستراتيجي الروسي لاستعادة النفوذ وكسر الإرادة والمركزية الغربية في توجيه العالم. فالاستراتيجية الأمريكية واضحة بعدم الدخول في احتلال جديد في الشرق الأوسط بعد الفشل العراقي والأفغاني، وسياق الضربة يأتي كرد على تجاوز الأسد للخط الأحمر الأوباموي ليس إلا، مع أن خطوط القانون الدولي الذي يسمح بحماية المدنيين تم تجاوزها في سوريا منذ زمن طويل دون أن تفعل أمريكا أو «المجتمع الدولي» شيئاً يذكر.

ترتفع أصوات نخبوية كثيرة في سوريا وخارج سوريا لرفض التدخل الغربي، ويمكن بالمعنى المجرد تفهم الجانب «الأخلاقي» و«الوطني» لهذا الرفض، لكن هاته الجوانب تسقط مباشرة، بل تنقلب رأساً على عقب، عندما نعرف عدة أمور. أولها: أن هذه الأصوات ذاتها لم يسمعها أحد، كتابةً أو شفاهةً أو ضمن أي وسيلة تعبير أخرى، أثناء التدخل الاحتلالي للروس والإيرانيين وحزب الله، بل إن تلك الأصوات انغمست في تبرير تلك التدخلات بشتى الوسائل الأيديولوجية والعقلانية والعاطفية وغيرها؛ وثانيها: أن سياق الرفض يأتي ضمن اعتبار، غير معلن غالباً، وهو خارجية «أهل البلد» ممن يُقصفون بالكيماوي والأسلحة غير التقليدية كافة، أي «تخريجهم» من الوطنية السورية وتحميلهم مسؤولية ما يجري بشكل مباشر كثيراً وغير مباشر قليلاً، فهم من رفع السلاح بوجه الدولة وهم من يجلبون التدخل، أما النظام «الوطني» فهو يدافع عن نفسه ضد هؤلاء الخارجين عن عبوديته والخارجيين، وكل ذلك في سياق قلب قيمي وأخلاقي أقل ما يقال فيه هو الانحطاط وروح العبودية والمازوخية والاستعباد.

السمة الأخرى لخارجية الرفض عند تلك النخبة على تلوناتها هي اشتراكها مع الغرب، الذي يفترض أنه العدو في هذه الحالة، في احتقار المقصوفين بالكيماوي والقابعين تحت القصف منذ بداية الثورة وتخفيض إنسانيتهم بطريقة لا إنسانية بأقل تعبير، فهم إسلاميون وإسلامويون قروسطيون و«رعويون» على حد تعبير أحد عتاة هذا المنهج، مقابل أناقة وحضارة هذه الفئات ومن خلفها النظام، «العلماني» بالطبع. وفي أحسن حالات التعاطف مع الأطفال النائمين إلى الأبد من رائحة الكيماوي، يخرج «معارض» عتيق وبكامل قواه العقلية ليبرر ويقول أن النصرة هي من قامت بالفعل، في حين يردد ببغاوات آخرون أن المسلحين قصفوا أطفالهم ليجلبوا التدخل.

ليس الغرب و«أمريكا تحديداً» رعاة تحرير، ولا يختلفون إنسانياً في النظرة لشعوب المنطقة عن الروس والإيرانيين ربما، ويعرف الجميع بنوع من البداهة السياسية أن المصالح الدولية هي حاملة المواقف بين الدول، وليس الأخلاق. ولكن، إن استثنينا الأخلاق لرافضي الضربة الغربية من الأشخاص كما نفعل مع الدول، يبقى السؤال: هل تقوم المصلحة الوطنية السورية على السكوت عن تدخل قوى خارجية ورفض أخرى؟ وهل تقوم المصلحة الوطنية السورية على السكوت عن قصف النظام الذي لا يتوقف تجاه المدنيين، وتشريد ملايين السوريين خارج بلادهم أو منازلهم؟ إذا كان عنف النظام جلب داعش والنصرة كعنصر مهدد للمجتمع السوري، فإن سكوت وعدم تدخل هؤلاء الذين يصرخون ضد التدخل اليوم هو أيضاً من فسح المجال الواسع أمام تفرد وتزايد السلاح أولاً ثم المتطرفين ثانياً في جسم الثورة.

ليوقف أحد ما هذا النظام عن القتل لدقيقة واحدة، ونتمنى أن يكون من رافضي التدخل الغربي، وبعدها «سنوزع البقلاوة» لمن نختلف معهم اليوم في رؤية الوطن والوطنية، ثم ندعوهم لكي نتشارك معاً أيضاً في طرد التطرف من جسم سوريا المريض.