مسح تحليلي مجمل لعام من الثورة السورية

 

«الأسد أو لا أحد» ضد «الشعب يريد إسقاط النظام!»

تفجرت الثورة السورية بدءا من منتصف آذار 2011 في سياق معروف: «الربيع العربي».

ثورة ناجحة في تونس قادت إلى التخلص من زين العابدين بن علي خلال أقل من شهر، ثم ثورة في مصر أسقطت مبارك وأسرته خلال 18 يوما. وكلتا الثورتين شعبية وسلمية، سقط في كل منهما مئات قليلة من الشهداء على يد قوى النظامين الأمنية، وانحاز الجيش في نهاية كل منهما ضد الحاكمين، واضطر أولهما إلى الهرب، والثاني إلى «التخلي» عن الحكم. بعد حين تفجرت ثورات في ليبيا والبحرين واليمن، وظهرت احتجاجات شعبية في الجزائر والأردن والمغرب، وحتى السعودية.

هذا السياق المخصوص معطي أول وأساسي، يؤشر على وجود مجال عربي متفاعل ومتبادل التأثير، وأهم من ذلك في هذا السياق على أن محركات الثورة واحدة، وهي التطلع إلى أوضاع سياسية واجتماعية أكثر عدالة وحرية. وهذا حكم فوري بالتهافت السياسي والأخلاقي للمواقف المتعاطفة مع الثورات العربية والمعادية للثورة السورية أو المتشككة بها.

في نهاية الشهر الأول من2011، قال الرئيس السوري بشار الأسد في مقابلة مع «وول ستريت جورنال» الأميركية إن سورية مختلفة عن مصر وتونس، وإنها لن تشهد احتاجا على نظامه لقربه من عقائد الشعب 1. لكن في الوقت نفسه، ومنذ سقوط بن علي وقبل بدء الثورة المصرية، كانت أجهزة أمن النظام في استنفار كامل، وانتشار عناصرها محسوس جدا في شوارع دمشق. والدلالة المباشرة لذلك أن حال النظام تعرف كم أن سورية لا تختلف عن مصر وتونس، وإن أنكر مقاله الصريح تقارب الحال هذا. ولقد كان ظاهرا أن الإعلام السوري مرتبك في التعامل مع الثورات، ولم يخفف من ارتباكه محاولته نسبة الثورات إلى الاعتراض على نظم تابعة للغرب. بدا هو قبل الجميع غير مقتنع بذلك.

سينظر هذا المسح التحليلي المجمل في جوانب من مسار الثورة السورية خلال عام من موقع منخرط فيها وملتزم بها، لكنه سيحاول التحلي بقدر من البرودة التحليلية اللازمة لرؤية أوضح لمسارها وعملياتها. الأمر عسير، لكنه جدير بالمحاولة. ويعمل المسح على ترسّم التطور الاجتماعي السياسي النفسي للثورة السورية قبل اكتمال عامها الأول. نريد إظهار الخطوط العريضة للمسار الذي أفضى إلى مزيد من التجذر والتصلب، وإلى ظهور المقاومة المسلحة وتصاعدها، وكذلك الصعود المتزايد بدوره لوعي ذاتي إسلامي في أوساط أوسع من الثائرين. وعلى أعتاب عام من انطلاقها، يبدو أن هذا المسار يضع البلد في مهب تجاذبات إقليمية ودولية، قلما يشغل الشعب السوري، حريته ورفاهه، موقعا مهما في حساباتها.

ويتعين أن يبقى في الذهن أن الفاعل الأساسي طوال هذا العام المنقضي هو النظام، وأن سياسته حيال الثورة انضبطت فعلا بشعار خطه شبيحته مرارا على الجدران في حماه ودرعا وحمص، يقول: «الأسد أو لا أحد»!، أو «الأسد أو نحرق البلد»! وأيا يكن تقييمنا للحال السوري اليوم، فإنه نتاج عام من سياسة ترهن سلامة البلد ببقاء النظام، وتطبق ذلك بكل حرص.

«الشعب السوري ما بينذل»!

لم يكن مفاجئا أن تعامل النظام بمزيج من الوحشية والعنجيهة مع أطفال من درعا كتبوا شعارات معادية للنظام، بخاصة الشعار المشترك للثورات العربية: الشعب يريد إسقاط النظام! عُذب أولاد في الخامسة عشرة وقلعت أظافرهم، ثم أهين آباؤهم حين طلبوا من مسؤول أمني في المحافظة، عاطف نجيب، إخلاء سبيل أبنائهم. ليس هذا التعامل غريبا على النظام، لكن من المحتمل جدا أنه تصرف على هذا النحو المتطرف مع أطفال من باب إظهار «العين الحمرا» للسوريين الذين كانوا منشدي الأنظار إلى تونس ومصر وليبيا والبحرين واليمن منذ مطلع العام، والمتحمسين لثوراتها. ولعله أريد لهذا العقاب المتطرف أن يكون ضربة استباقية مبكرة، تحبط تفكير عموم السوريين بمحاكاة إخوانهم في تلك البلدان. عاطف نجيب ابن عمة للرئيس السوري، ولا يبعد أنه على اطلاع خاص على تفكير النواة السياسية الأمنية للنظام، حين أوقع على الأطفال ذلك العقاب البهيمي.

على أن هذه الواقعة التي لعبت دور الصاعق في تفجر الثورة السورية ليست منقطعة عن وقائع أخرى، يمكن اعتبارها بوادر أو علامات مبكرة للثورة ومقياسا للطاقة الاعتراضية الكامنة في المجتمع السوري. في 17 شباط رفع أول شعار ضارب من شعارات الثورة السورية: الشعب السوري ما بينذل! وذلك إثر اعتداء شرطي على شاب في منطقة الحريقة التجارية في دمشق. حمل الشعار «خبران» جديدان: هناك كائن اسمه الشعب السوري، والمحتجون على اعتداء تعرض له الشاب أسندوا احتجاجهم فورا إلى هذا الكائن الذي لطالما استأثر النظام وحده بالكلام عليه، وغالبا ما كان يسميه الشعب العربي السوري؛ والخبر الثاني هو أن هذا الشعب لا يقبل ذلا، أو هو إعلان عزم على عدم قبول الذل. وفضلا عن ذلك هناك تضمين يفيد أن منبع ذل السوريين هو النظام. مبدأ الكرامة شغل موقعا كبيرا في الثورات العربية كلها، وهو في السياق السوري يعني أن السوري كريم، لا يهان ولا يعامل بعنف واحتقار، خلافا لما اعتاد النظام فعله.

في منتصف آذار تظاهر عشرات لوقت قصير في المنطقة نفسها من دمشق، وفي اليوم التالي اعتصم العشرات أمام مبنى وزارة الداخلية، واعتقل وأهين نحو أربعين منهم، من قبل جهاز «الأمن الجور» بخاصة، الجهاز الذي سيكون طليعة الإرهاب طوال مسار الثورة السورية. وبعد يومين اعتصم مواطنون من درعا في الجامع العمري في المدينة. بمفعول راجع قد نرى في ذلك تقاطرا للأحداث باتجاه تفجر حركة احتجاج أو انتفاضة وطنية عامة. لكن من موقع مزامن لتلك التحركات كان متعذرا تقدير ذلك، مهما أمكن له أن يكون مرغوبا.

بعد أيام قليلة هوجم الاعتصام في الجامع العمري وقتل العشرات. واكتسبت الواقعة بعدا وطنيا عاما على الفور. أخذ السوريون والعالم بدءا من هذه الواقعة علما بأن شيئا كبيرا يحدث في سورية.

وبعد ثلاثة أيام، في يوم 25/3، انعقد تجمع احتجاجي في ساحة الساعة في حمص، وهتف فوق 3000 من الناس، وهذا رقم غير مسبوق حينها في سورية البعثية، مطالبين بإسقاط محافظ المدينة، وبدرجة أقل بكثير بإسقاط النظام. كانت القوى الأمنية تقف على محيط التجمع، مترددة في شأن ما تفعل، قبل أن تحزم أمرها وتفرق المحتجين بعنف غير دموي.

وبعد ذلك لم تتوقف حركة الاحتجاج، وانتشرت إلى معظم مناطق البلد. وفي هذا ما يشير إلى طاقة معارضة كامنة كبيرة في المجتمع السوري، كان متعذرا كل التعذر على المعارضة التقليدية تعبئتها وقيادتها. وهي لم تكد تستطع التأثير فيها بعد أن تفجرت. هنا جذر مشكلات المعارضة التقليدية حتى بعد أن شكلت أطرا سياسية لخدمة الثورة.

«الشعب السوري واحد»!

هل كان من شأن استجابة النظام بإصلاحات محلية في درعا وحمص... وبمبادرات «إصلاحية» لافتة على المستوى الوطني، أن يحتوي الانتفاضة ويعيد للنظام زمام المبادرة، على ما يقال كثيرا؟ عدا أن هذا يبدو غير متوافق مع طبائع النظام الذي وثق دوما بفضائل سياسة القوة وفاعليتها في التعامل مع محكوميه، فإن المردود غير مؤكد. لدى السوريين أسباب كثيرة للخروج، وتوفر لديهم غير مثال إيجابي ناجح، ومستوى ثقتهم بالنظام ووعوده متدن جدا. وعلى كل حال واضح اليوم، بعد عام من الثورة، أن النظام لم يظهر أي إرادة إصلاح حقيقي، مجرد تحايل ومعالجات شكلية لا قيمة سياسية لها، لأنها لا تطال «النظام» فعلا، المركب السياسي الأمني المالي، أو الأسرة الأسدية والأجهزة الأمنية والعسكرية المعنية بحماية النظام والموقع الامتيازي حيال الموارد الوطنية.

 ظهرت الثورة السورية طوال أسابيع وأشهر فعل احتجاج سلمي، أداته الرئيسية للتعبير عن نفسه هي المظاهرة التي تحاول بأكبر عدد من الناس ولأطول مدى من الوقت إشغال موقع ظاهر في الفضاء العام، رافعة الصوت بهتافات وحاملة لافتات تحتج على النظام ليسمع ويرى أكبر قطاع ممكن من السكان. ومنذ وقت مبكر، وبالاستفادة من الاهتمام الإعلامي العربي والعالمي بوقائع الثورات العربية، عمل المتظاهرون السوريون على تصوير حركتهم الاحتجاجية وبثها إلى أقنية يتابعها جمهور سوري وعربي عريض (الجزيرة والعربية أساسا)، بحيث تكاد الثورة السورية تكون أول حدث عالمي على هذا القدر من السعة والاستمرارية، ينفرد بتعميمه عالميا مشاركون فيه، غير محترفين بأكثريتهم.

منذ البداية واجه النظام الاحتجاجات السلمية بعنف ساحق، شكل على الدوام أداته الرئيسية في الحكم، وتوسله لكسر معنويات وعزائم الثائرين. واقترن على الدوام أيضا بخطاب إعلامي يحرض على المحتجين ويجرِّمهم، وينشر الكراهية ضدهم بوصفهم متشددين إسلاميين، يعملون على إنشاء «إمارات سلفية» في درعا وحمص وتلكلخ وغيرها. أما في إعلامه الموازي, الجيش الإلكتروني السوري، الذي شكره بشار الأسد شخصيا في خطابه الثاني في 20 حزيران 2011 فيصف المحتجين بالعراعير، نسبة إلى رجل دين سني سوري مقيم في السعودية، يظهر على قناة فضائية دينية هناك، ولم يكن معروفا قبل الثورة إلا على نطاق ضيق. وكان في عبارات مثل سلفيين وعراعير تلميحات طائفية غير خفية على أحد من السوريين. السوريون عموما متمرسون بترجمة ظاهر الخطاب إلى باطنه لاعتيادهم على الحقيقة المزدوجة والكلام المزدوج (الدبل سبيك) طوال سنوات الحكم البعثي. لكن في عبارات مثل سلفيين وعراعير ومتعصبين أيضا تضمينات تحيل إلى عقل متحجر وتكوين بشري متخلف، ألف «النظام» وإيديولوجيون متنوعون حوله اعتباره مسلمة لا تقبل جدالا. وهذه المسلمة تسهم في تفسير ممارسات وحشية ضد متظاهرين، ومساءلتهم المستنكرة: «بدكن حريي»؟! فلأن هؤلاء غير جديرين بالحرية، يجري تعذيبهم وإذلالهم وقتلهم.

وعلى كل حال، تكلمت بثينة شعبان، المستشارة الإعلامية لبشار الأسد على فتنة طائفية حين لم يكن مضى أسبوعان على الثورة، وكانت أول شخص على الإطلاق يتكلم على الطائفية، حين كان المحتجون السوريون يهتفون «واحد، واحد، واحد/ الشعب السوري واحد»! وحين في بانياس بالذات (بلدة بأكثرية سكانية سنية، ضمن محيط أكثريته علوية) كان يهتف: لا سلفية ولا إرهاب، ثورتنا ثورة شباب!

ليس المجتمع السوري صورة مثالية للأخوة والتعالي على الطائفية، لكنه أظهر طوال شهور من الثورة استعدادا طيبا للتعالي على ما يفرقه، وتوارى استعداد آخر، طائفي وتفريقي، موجود بالتأكيد، لكن كان يمكن ألا يظهر، أو يظهر بحدود ضيقة، لولا اقتران العنف بالطائفية من طرف النظام منذ بداية الثورة.

لقد رأى السوريون والعالم معهم مشاهد تجمع بين الوحشية والكراهية والطائفية، مثل ما جرى في قرية البيضا قرب بانياس، ومنها قصف مآذن مساجد في حمص ودير الزور، ومثل ما جرى لأفراد هنا وهناك، منها بخاصة إكراه جندي على أن يشهد بأن لا إله إلى بشار، ولا إله إلا ماهر! ولقد أريد للواقعة أن تمثل إبادة رمزية للمعنيين (وقد قتل بعضهم فعلا)، وخفضا شديدا للقيم والرموز والمعاني التي يتماهى بها في سورية المسلمون المؤمنون. وفي الواقع كان الأمر عدوانا عاما على السوريين، فإن وصلنا إلى هذا الحد، فلا ضمانة ولا أمان لأحد في البلد غير عبوديته التامة.

وغير مواجهة المظاهرات بعنف مميت على ما حصل في صيدا التابعة لدرعا في نيسان 2011، وفي حمص أيضا في الشهر نفسه، تعرض معتقلو الثورة لتعذيب متطرف في قسوته. حالة حمزة الخطيب (15 عاما) معروفة، ومثله حالة تامر الشرعي. وبعدهما بقليل الدكتور صخر حلاق من حلب 2. وكثيرون جدا.

التأثير المتعاضد للقتل والتعذيب في الشارع والسجون، وللتحريض اليومي على الكراهية والعنف في إعلام النظام، ومنه الإيماءات الطائفية، والإمعان في ذلك كله طوال شهور، أخذ يتسبب في تصلب متزايد للمواقف والنفوس. وجرت في هذا السياق عمليتان متكاملتان أضعفتا الطبقة العقلانية والصاحية من سيكولوجية السوريين ومن مجتمعهم. فقد اعتقل أو قتل أو لوحق فتوارى أو هاجر من البلد أشخاص من الأكثر نضجا وإقداما وأقدر على التأثير في الثورة في اتجاه تحرري وديمقراطي وطني، ومنهم هادي الجندي في حمص، ومعن العودات من درعا، وغياث مطر من داريا، ومنهم معتقلون مثل يحيى شوربجي من داريا ومحمد عرب من حلب وغيرهم. ومن جانب آخر قاد العنف النفسي والمادي الممارس على الثورة وبيئاتها طول شهور إلى سيطرة الانفعال والغضب، وترقق وهشاشة الطبقة العقلانية في تفكير أكثرية السوريين. في مواجهة نظام مجنون من الصعب البقاء عاقلا.

بعد أيام من تصعيد النظام في مواجهة الثورة في مناطق دمشق وفي حمص وإدلب بعد يوم واحد من الذكرى الثلاثين لمذبحة حماه 1982، يوم 10/2، كتب طبيب وناشط سوري محترم على صفحته على الفيسبوك: هل الشعب السوري واحد؟ صرت أشك 3!وتواترت في الفترة نفسها عبارات تفيد معنى مشابها، تعبر عن غضب متراكم، لم يعد يطيق السكوت على واقعة أكيدة: إن قطاعا من السوريين يسكت على الفظائع التي تلحق بقطاعات واسعة منهم، وإن بعض ذلك القطاع يشمت بضحايا النظام أو يتحمس لسحقهم.

«الله محيي الجيش الحر!»

منذ وقت مبكر أخذت تحدث انشقاقات طرفية في الجيش، تمثلت في جنود وضباط رفضوا إطلاق النار على المحتجين السلميين. قتل بعض هؤلاء فورا، بمن فيهم من حاولوا التملص من تنفيذ الأوامر عبر إطلاق النار في الهواء، ويبدو أن هناك أوامر عليا بهذا الخصوص 4. بعضهم اعتقلوا وعذبوا وبعضهم اليوم في سجن تدمر الرهيب 5. لكن حركة الانشقاق مستمرة، ومنها تشكلت نواة ما سيسمى في وقت لاحق «الجيش السوري الحر» وغطاءه الشرعي. نتكلم على غطاء شرعي لأنه انضم إلى العناصر العسكرية للجيش الحر مدنيون، تعرضت مناطقهم وأسرهم للقمع والاعتقال والقتل 6، ومن المحتمل أن المكون المدني للجيش الحر يشكل أكثريته.

وبينما قد يمكن التحفظ على النزوع المتنامي نحو المقاومة المسلحة للنظام من وجهة نظر القيم المجردة طبعا، أومن وجهة نظر فرص التطور السياسي بعد سقوط النظام، أو حتى من وجهة نظر الملاءمة والفاعلية، فإنه لا يمكن لوم أحد على تنامي المقاومة المسلحة غير النظام ذاته. لقد تعرضت بيئات الثورة إلى معاملة بربرية لم تقتصر على الاعتقال والتعذيب والقتل، وإنما تعدت إلى النهب والتجويع والمعاملة بحقد وتشف. هذا لا ينفي أن هناك أوضاعا وممارسات فوضوية وقعت تحت مظلة الجيش الحر 7. إذا كنا نرى مستوى مؤسفا من الاضطراب والفوضى والأنانية على مستوى المكون السياسي للثورة، وهو أرفع وعيا على العموم ومختص بالتنظيم على ما يفترض، فلن يكون عجيبا أن يعرض المكون العسكري مستويات متواضعة من التنظيم والانضباط، وإن اتسم دوما بالشجاعة الخارقة. لقد قال تقرير صدر مؤخرا عن الأمم المتحدة إن عناصر الجيش من الجيش الحر قاموا بعمليات اعتقال وتعذيب وخطف وفدية، وهو إن رأى أنها لا تقارن بما يفعله النظام، فإنها تبقى ظواهر مقلقة لا يجوز السكوت عليها 8.

«المجلس الوطني يمثلني/ لا يمثلني»!

بعد أسابيع من تفجرها أخذ يظهر بصورة مطردة أن الثورة السورية ستستغرق وقتا أطول من نظيرتيها المصرية والتونسية. في الشهور الأولى كان تطاول أمد الثورة أمرا إيجابيا. فقد كانت التجربة العامة المكونة لتفكير ودور مئات ألوف السوريين، الشبان بخاصة، في الشأن الوطني العام، وزجت المجتمع السوري بكامله في مواجهة نفسه، وألزمت الجميع بأن يقولوا شيئا أو يعبروا عن مواقفهم. لكن على مستوى آخر كانت تظهر مفاعيل التصلب السياسي والنفسي، ودرجة لا تني تكبر من الخندقة الاجتماعية والسياسية والنفسية في المجتمع السوري. هذا بينما سجل ظهور مظلة سياسية للثورة السورية تعثرا كبيرا، وظهر أن القوى الإقليمية والدولية عاجزة تقريبا عن فعل شيء مهم لإضعاف اليد الأذرع القمعية الضاربة للنظام السوري.

نشطت الثورة الحياة السياسية في البلد، ومثلت فرصة لكثيرين، معارضين سابقين للنظام، ورجال سابقين للنظام، ومهتمين بأشكال متنوعة بالشأن العام، كي يدلوا بدلوهم أو يؤسسوا مجموعات سياسية أو شبه سياسية، أو يعقدوا مؤتمرات في الداخل والخارج. مع ذلك فقد تعذر كل التعذر تشكل إطار جامع يجمع بين طاقة تمثيلية واسعة وبين قدرة على القيادة وصدقية سياسية محلية ودولية. تأخر تشكل المجلس الوطني السوري نحو سبعة أشهر، وحظي بشرعية شعبية طيبة ولا تقارن بما حظي به أي إطار آخر. إلا أن المجلس قلما ارتفع إلى مستوى هذه الثقة. من جهة، ظلت هياكله الداخلية ضعيفة التماسك، ولم يتكون كمركز ثقل جاذب، ولم يعرض أبدا وجهة سياسية واضحة محددة. ومن جهة ثانية تبنى المجلس الوطنى قضية الثورة، إسقاط النظام، وهذا طيب، لكنه تبنى أيضا شعارات وتصورات غامضة ظهرت في بعض بيئات الثورة المباشرة، وربما بإيحاء من بعض قوى المجلس، الإسلاميين تحديدا، عن الحماية الدولية أو عن منطقة عازلة أو عن حظر جوي، دون أن يوضح المجلس أبدا أيا من هذه الأفكار أو يظهر تعقيدها، أو آليات تنفيذها، أو يتبين إن كان هناك أية جهات دولية تفكر في ذلك أم لا. وبغد مذبحة كرم الزيتون ليلة 11-12 آذار دعا المجلس إلى تدخل عسكري دولي ضد النظام، الأمر الذي يجمع بين الخرق السياسي (لم تكف كل القوى القادرة على الدخل عن الإعلان أنها لا تفكر فيه) وبين كونه حساسا إيديولوجيا وأخلاقيا، يتعذر أن تتشكل أكثرية وطنية حوله، ويجازف من يدعو إليه بأن يحرق نفسه. ومن جهة ثالثة سمح التكوين الفضفاض للمجلس وضعف تماسكه بأن تتجاذبه قوى إقليمية ودولية متنوعة، وأن تعطي شخصيات أو مجموعات منه أذنها إلى هذه الجهة أو تلك. وكل ذلك تحقق على حساب التكلم بصوت واحد واضح، والتصرف كمرجعية سياسية وازنة للثورة السورية.

وبمحصلة هذه العوامل أخفق الإطار الأكثر تمثيلا في أن يكون إطار قياديا للثورة، يمكن أن يعمل على تنظيم بعض أنشطتها ويعترض على بعضها، ولم ينجح في أن يكون مركز مبادرات وأفكار سياسية مستقلة. في المحصلة أيضا لم يغدُ المجلس، وقياداته تقيم خارج البلد، تعويضا عن تراجع فرص التفكير المنظم والواضح داخل البلد.

خارج المجلس ظهرت تشكيلات أقل تمثيلية، وأدنى شرعية، دون أن تعوض عن ذلك بشيء آخر. ولقد انشغلت هيئة التنسيق الوطنية بالنيل من المجلس الوطني حيث وجدت آذانا تسمع، بما في ذلك عند قوى عربية وغربية، أكثر مما ببلورة رؤية خاصة لدفع الثورة إلى الأمام.

وخارج جميع التشكيلات ظل هناك عدد كبير من الأفراد المتحمسين للثورة، لكن يشيع أن يشغلوا أنفسهم بمناكفة الجميع. لقد عرض المشهد السياسي السوري المعارض خصام الجميع للجميع ونفور الجميع من الجميع وعدم ثقة الجميع بالجميع. وهو ما يمنح النظام هامش مناورة سياسي مريح. لقد كان تدني الثقة بين السوريين شيئا تعب عليه على الدوام.

بالنتيجة لم يخيب المعارضون السوريون خيبة الرجاء بهم، فكان أن افتقرت الثورة السياسية إلى جناح سياسي فعال. وهو أمر لا يسهل فهمه رغم كل شيء، ويصعب غفرانه في مثل ظروف الثورة السورية.

وهذا أسهم في حصر المبادرات السياسية الخاصة بالشأن السوري بالقوى العربية والدولية. الإسهام الأكبر في هذا الشأن هو للنظام بلا ريب، فهو لا يعترف بأية قوى سياسية سورية مستقلة، ولم يقترح شيئا أفضل من «الإصلاحات» التي هي إجراءات شكلية تبقي النظام، أي الرئيس والعائلة والأجهزة الأمنية، دون مساس. لكن المعارضة بالمقابل لم تتقدم بمبادرة سياسية كبيرة، تعرف بها مطالبها وتخاطب من خلالها الشعب السوري وتعمل على محاصرة النظام سياسيا. وهذا مؤشر ضعف لا قوة.

«... يسقط العالم، يسقط كل شيء»!

في الوقت ذاته تعرض النظام السوري لتدهور في علاقاته مع أكثر دول العالم، أكثر الدول العربية والدول الغربية بخاصة، بعد أن كانت هذه العلاقات تسير قبل ذلك نحو تحسن مطرد. وتموجت الضغوط  العربية والدولية على النظام صعودا ونزولا، لكن دون محصلات عملية. هذا فيما أظهر حلفاء النظام، إيران وروسيا بخاصة، عزما قويا على دعمه ماديا وسياسيا ومعنويا، بالسلاح والمال والخبرات، والإعلام.

وخلال هذه الشهور الطوال كان يسقط الضحايا من السوريين كل يوم، في حمص «عاصمة الثورة السورية» بخاصة، لكن أيضا في درعا ومحيط دمشق وإدلب ودير الزور. من الواضح أن النظام لن يقدم أي تنازل، ولا يملك أدنى حد من العطف على محكوميه أو الاحترام لهم، ولا يصدر في مفهومه للسياسة والحكم عن مبادئ وطنية أو إنسانية.

على هذه الخلفية من نظام عائلي مجرم، ومن نظام دولي منقسم، لكنه يكاد يتوحد في تجنب الشيء الوحيد الذي يخيف النظام السوري: مواجهته بالقوة، ومن مجتمع وقوى سياسية منقسمة، تبدو الأزمة الوطنية السورية مرشحة لمزيد من العنف وسقوط الضحايا، ومن الإزمان وطول الأمد، وربما من التعفن. هذا مناسب لإسرائيل، القوة الإقليمية الوازنة التي كانت تفضل استقرار نظام ضمن استقرار جبهة الجولان أكثر من الجبهتين الأردنية والمصرية (البلدان «متصالحان» مع إسرائيل)، وإلا فأن لا تستقر سورية أبدا. وهو لا يكاد يلحق ضررا مهما بمصالح القوى الغربية التي تولي أمن إسرائيل واستقراره موقعا متقدما في رسم سياستها حيال سورية. ولعلها أيضا تفضل تطاول الأزمة السورية كي تشتد حاجة السوريين والمعارضة السورية لها، ولا شيء يسوؤها في سورية منهكة منهارة، تحتاجها اقتصاديا وسياسيا كي تعاود الوقوف على قدميها.

ويبدو كذلك أن القوى الغربية تريد التحكم بنتائج الثورة، وتفضل مرحلة انتقالية بدون بشار وحده، مع بقاء الجسم الأساسي للنظام على الطريقة اليمنية. هذا هو جوهر ما يمكن تسميته إجماع تونس، أي التوافق العربي الغربي على انتقال متحكم به، مبني على المبادرة العربية. وقد تبلور هذا الإجماع في اجتماع عقد في تونس لـ«أصدقاء الشعب السوري» في الجمعة الأخيرة من شهر شباط الماضي,

وحدها دول الخليج العربية، تحديدا السعودية وقطر، تبدو خارجة على إجماع تونس ونزاعة إلى القطع التام مع النظام لأسباب تتصل بالاستقطابات الطائفية والإقليمية المتراكبة في الإقليم، أي تلاقي المنافسة الشيعية السنية بالتنازع الخليجي، السعودي بخاصة، الإيراني. لكن الدول العربية هذه، ومعها ليبيا وتونس، لا تستطيع التأثير على سياسة نظام مستميت، تقف إيران وروسيا بقوة سندا له.

إلى ذلك تكثر القوى الغربية الكلام على حقوق الأقليات، وللأسف لم تجد من يرد عليها من المعارضين السوريين. ليس هناك أي مؤشر على أن الأقليات مهددة بوصفها كذلك. هناك صراع سياسي، قد يكون قاسيا جدا، ويفترض أن يفضي إلى تشكل سياسي وقانوني جديد قائم على المواطنة. دون ذلك صعوبات كبيرة، لكن كان أجدى وأليق بالقوى الغربية الكلام على الكفاءات والعدالة والمساواة وحكم القانون، بدل تكرار إسطوانة قديمة والدفع نحو أشكال من المحاصة الطائفية.

«يا ألله، ما لنا غيرك يا ألله»!

لا بد لهذا المسح العام من إلقاء نظرة إلى عملية الأسلمة الجارية في أوساط الثورة السورية. الواقعة التي لا جدال فيها هي تنامي الحس الديني والخطاب الديني في أوساط الثورة، بعد أن كان في بدايتها محدودا، وشعبيا.

للأمر صلة يكون البيئات السنية هي الأكبر عددا والأيسر تماهيا بالثورة، لذلك تصطبغ الثورة بصبغتها أكثر من غيرها.

ثم إن هذه البيئات تشعر بانكشاف سياسي وأمني متزايد مع تطاول الأمد بالثورة وقمع النظام، وتشعر بالخذلان وفقدان جذري للسند، فلا تجد في غير تدين يوحِّدها سندا. هذا يتكيف في شعار معروف: يا ألله، ما إلنا غيرك يا ألله! ومن المرجح أن نرى انتشارا أوسع للتدين وتشددا دينيا أكبر كلما طال أمد هذا الانكشاف.

وتوفر الشروط ذاتها بيئة مناسبة لعمل الناشطين الدينيين وتسهل أمر انتشار الأفكار وأنماط السلوك الدينية الإسلامية الأكثر تشددا. بينما تضعف التدين الشعبي والتفكير الديني المنفتح، فضلا عن أنماط التفكير والسلوك العلمانية، ولا تترك في قلوب أناس احترقت قلوبهم مساحة لسماعها وأخذها بالاعتبار.

ونقدر أن الإخوان المسلمين ليسوا هم المستفيدين من انتشار المزاج الديني، بل ربما التيارات السلفية. وإن كان الأمر بحاجة إلى تقص أوسع. نقدر أيضا أن من شأن التقاء نزعات التشدد الديني مع ميل العسكرة المتولد عن الشروط ذاتها التي ولدت التدين، الانكشاف وفقدان السند، أن يؤدي إلى ظهور مجموعات جهادية ترتبط أو لا ترتبط بالقاعدة.

وليس منعزلا عن هذه الظواهر تنامي الوعي الذاتي السني والخطاب الطائفي في أوساط سنية، في مناطق الاحتكاك بخاصة، وحمص أكثر من غيرها. وبعد بابا عمرو، وأكثر بعد مجزرة كرم الزيتون، يبدو أن هناك ميلا مطردا إلى التشدد الديني واللغة الطائفية.

هذه تطورات مقلقة، من شأن تطاول أمد المحنة السورية أن يفاقمها.

«يا أحرار العالم، أغيثونا!»

يبدو مسار الثورة السورية «مصمما» بحيث يمتنع التنبؤ به، يتشكل يوما بيوم، ويتطاول بفعل عدم قدرة النظام على حسم المعركة ضد الثورة لصالحه، وما يبدو من عدم قدرة المجتمع الثائر على إسقاط النظام أو التراجع عن الثورة، ومع وجود ضرب من التوازنات االدولية تلائم في الحساب النهائي استمرار الأزمة. وبفعل هذا التمادي صار يسعنا الكلام على مسألة سورية، يجتمع فيها التنازع الداخلي والعنف المرشح للانتشار والتدخلات الخارجية المتنوعة.

وطوال عام انقضى كان هناك ما يدهش وما لا يكف عن الإدهاش في شجاعة الشعب السوري وإبداعيته، وفي طاقته المتجددة على الاحتجاج عبر تنقّل البؤر الطليعية للثورة التي تبقى شعلتها مضيئة وحية. تبدو الثورة السورية أشبه بسباق مسافات طويلة، هناك على الدوام عداؤون جاهزون للانطلاق وإكمال السباق حتى النهاية المظفرة. لم يكن أحد على الإطلاق يتوقع شيئا كهذا في سورية ومن السوريين. لكن إن كان في دفقات الطاقة المتجددة ما يشرف البلد وأهله، وما يجعل التنبؤ بتطور الثورة مستحيلا، وما يدفع إلى إقامة الحد على التشاؤم، فإنه لا يصح فيما نرى أن يؤدي إلى تفاؤل غيبي أو بالاعتماد على طاقة عامة الشعب على الاستمرار رغم ما يقوم بها النظام الفاشي من تدمير واسع النطاق لحياتهم وبيئاتهم. ولذلك يقع على جميع المرتبطين بالثورة تقديم كل ما يتاح من أشكال الدعم، المادي والإغاثي طبعا، لكن أيضا ما يستطاع من  الدعم السياسي. وأضعف الإيمان في هذا الشأن هو البقاء قريبا من الثورة والالتهاء أقل بالمخاصمات السياسية.

ومنذ 3 شباط وبالتوقيت مع ذكرى مذبحة حماه دشن النظام طورا جديدا من العنف الفاشي الموجه ضد بؤر الثورة النشطة وحواضنها المدنية ومجموعات الجيش الحر. وهو مستفيد في هذا التصعيد الذي جرى التمهيد له بالقول إنه «مطلب جماهيري» من تشجيع ودعم روسيين ومن شلل دولي، وبدرجة ما أيضا مما يمنحه له تنازع المعارضة من هامش مناورة طيب.

وإذا استمر الدعم الروسي والإيراني، والخذلان الدولي، فلا يبعد أن يتمكن النظام من سحق بؤر الثورة الأنشط، قبل أن يستدير إلى بؤرها الأخرى، ويستكمل سحق المجتمع السوري. هذا الاحتمال الأسوأ من أي احتمال آخر يتلامح اليوم، على أعتاب مرور عام على تفجر الثورة، أكثر من أي وقت مضى.

النظام يتصرف كقوة متماسكة قوية العزم، ويركز قواه على خصمه الأقوى: المجتمع الثائر بمكونيه المدني والعسكري. وفي مقابله جبهة سياسية مفككة، وجبهة عربية ضعيفة، وجبهة دولية مشلولة أو متواطئة.

  قد تجد الجبهة العربية والدولية مخرجا في تسليح الجيش الحر. هذا وحده إجراء يصعب أن يثمر، وربما يزج البلد في حروب وكالة متمادية. ومثال أفغانستان ليس بعيدا. لكن يبدو أن البديل الوحيد عن ذلك هو بقاء النظام واستمراره في ذبح الشعب السوري.

كل الخيارات معضلة في الشأن السوري.

توصيات تنفيذية

إلى الناشطين الميدانيين وتنسيقيات الثورة

أنتم الأساس في استمرار المظاهرات والأنشطة الاحتجاجية، بما فيها الإضراب والعصيان المدني وتعطيل الحياة العامة، التي هي أساس الثورة. الثورة مستمرة طالما هذه الأنشطة قائمة.

يتعين الضغط على السياسيين من أجل الدعم والمساندة، ومساءلتهم علنا عما يفعلون.

إلى المجلس الوطني

من الملح أن يصلح المجلس من نفسه من حيث البنية الداخلية والتعامل مع الحراك الثوري في الداخل. هناك غضب متراكم من المجلس، قد يصل في وقت قريب إلى العمل ضده. ينبغي تفهم هذه الغضب والعمل على إزالة أسبابه.

ويفترض بالمجلس أن يقول بوضوح ما يريد في شكل مبادرة سياسية موجهة إلى الشعب السوري تتضمن الحد الأدنى مما يقبله.  وليس له أن يختبئ وراء ضعف الموقف العربي والدولي من أجل أن لا يقوم بما ينتظر منه، وهو المشاركة في الثورة ودعمها ودفع قضيتها إلى الأمام.

قيادة المجلس مدعوة إلى أن تتعاون مع الجيش الحر، وتدعمه ماديا ومعنويا، وتوجهه سياسيا، وتساعده على احتكار السلاح واحتكار ممارسة العنف.

على مكتب الإغاثة في المجلس أن يكون فاعلا، وأن لا تتحكم أي اعتبارات سياسية بنشاطه، ولا يجب أن تسيطر عليه أطراف سياسية، فالإغاثة علم إنساني. وعليه أن يتعاون مع المنظمات الدولية المعنية في هذا الشأن، على مستوى المعلومات والإمدادات.

ليس للمتكلمين أن يدخلوا في سجالات مع أي معارضين آخرين. المنتظر منهم أن يكرسوا اهتمامهم على الثورة واستمرارها ودفعها إلى الأمام.

أيا تكن النيات، فإنكم تخطئون سياسيا وإيديولوجيا بالدعوة إلى تدخل عسكري دولي.

إلى الإسلاميين في المجلس الوطني

العجلة من الشيطان، والتفكير بمنطق الحصص يضعف الثورة، والسيطرة على مواقع مفتاحية في مكاتب المجلس لا يعطي فكرة مثالية عنكم.

المأمول ألا تضيعوا فرصة ظهور إعلامي دون مخاطبة المجتمع السوري ككل، والتعبير عن احترام السوريين جميعا، ليس الطوائف والأديان فقط، ولكن أيضا الأحزاب والتيارات العلمانية.

ويقع عليكم دور مهم في الحد من الشعارات المتطرفة مثل الدعوة إلى الجهاد، والكلام الطائفي.

إلى الجيش الحر

أنتم ذراع الثورة المسلح. والمفترض بالسلاح أن يبقى نظيفا، وموجها حصرا لحماية الشعب وضد النظام.

يجب أن تعملوا على احتكار السلاح، وأن ينتظم أي نشاط مسلح تحت مظلتكم، ويلتزم بالهدف نفسه.

وأن لا تسمحوا بأية ممارسات غير منضبطة أو غير أخلاقية، كالخطف والفدية والتعذيب.

إلى هيئة التنسيق الوطنية

تعطون انطباعا عاما بأنكم منشغلون بالمجلس الوطني أكثر من النظام. هذا توجه غير صائب، يسيء إليكم. ووحده النظام من يستفيد منه.

سيكون أمرا طيبا أن تضبطوا التصريحات العدائية من أوساطكم، وليس من المناسب التحريض على غيركم من المعارضين عند حلفاء النظام السوري، وعند قوى عربية وغربية. كيف تستقيم الدعوة إلى وحدة المعارضة إن كنتم لا تكفون عن النيل من غيركم وتخوينهم؟

ليس منطقيا ولا صائبا سياسيا أن ترفضوا الجيش الحر، وتعتبروا بعض أطراف النظام شركاء في المرحلة الانتقالية.

إلى عموم المعارضين المستقلين

العلاقة بالثورة الثورة لا تمر بأي جسم سياسي، لكن كلما كانت الخصومات السياسية أقل كان ذلك أفضل للثورة والمناخ العام. كثرة المناكفات السياسية «تكفر» الناس بالسياسيين ككل.

إلى الجامعة العربية والدول العربية

تبالغون في الكلام على ضرورة توحد المعارضة السورية، لن تتوحد، ولا لزوم لذلك. لكن من المفيد أن تضغطوا من أجل ميثاق تفاهم بين مكوناتها، وتعترضوا على التصريحات الاستفزازية من ناطقين باسمها.

إلى القوى الدولية

الرجاء ألا تختبئوا وراء عدم وحدة المعارضة لإخفاء ارتباككم وافتقاركم إلى سياسة واضحة.

وليس مثمرا الكلام الكثير على حقوق الأقليات. في سورية مشكلة سياسية، ومن المحتمل أن تقع مشكلات طائفية، لكن ليس سليما مقاربة الأوضاع السورية من هذه الزاوية لأنكم تثبتون بذلك الإنقسامات الطائفية.

  • 1. المقابلة متاحة على هذا الرابط: http://online.wsj.com/article/SB1000142405274870383320457611471244112289...
  • 2. من أجل الحالات الثلاث، يراجع تقرير لجان التنسيق المحلية المعنون: بعض أبرز الانتهاكات التي ارتكبها النظام السوري بين 15 آذار و15 تشرين الأول 2011؛ متاح على الرابط: http://www.lccsyria.org/wp-content/uploads/2011/11/11.pdf
  • 3. الدكتور اسماعيل الحامض: facebook.com/ismaeel.alhamed
  • 4. ينظر تقرير هيومان رايتس ووتش «بأي طريقة»، مسؤولية الأفار\ والقيادة عن الجرائم ضد الإنسانية في سوريا. التقرير صادر في منتصف الشهر الأخير من عام 2011. متاح على الرابط: . http://www.hrw.org/ar/reports/2011/12/15-0
  • 5. «بأي طريقة»، تقرير هيومان رايتس ووتش نفسه. تحدث التقرير عن وجود 2500 سجين في السجن الرهيب.
  • 6. تنظر مقابلة أجرتها رزان زيتونة مع قائد كتيبة مالك الأشتر في الرستن: قائد كتيبة الأشتر في الرستن : هكذا تحوّلنا الى العمل العسكري. متاحة على الرابط: http://international.daralhayat.com/internationalarticle/355074
  • 7. ألمح إليها في مقدمته ودون تفصيل تقرير منظمة العفو الدولية المعنون: I wanted to die. وقال إنها «تشمل الخطف وقتل أفراد أو أقاربهم، لكونهم مجاهرون بدعم الحكومة، أو أعضاء في العصابات المسلحة المعروفة بالشبيحة...». على أن التقرير واضح في القول إن الغالبية الساحقة من انتهاكات حقوق الإنسان وقعت على يد القوى الأمنية. التقرير متاح على الرابط https://doc.es.amnesty.org/cgi-bin/ai/BRSCGI/MDE2401612?CMD=VEROBJ&MLKOB...
  • 8. انظر تقرير لجنة التحقيق الدولية المستقلة في الجمهورية العربية السورية، الصادر في 22 شباط عن الأمم المتحدة، الفقرات 69، 114- 119، و133. التقرير متاح على الرابط: http://www.ohchr.org/Documents/HRBodies/HRCouncil/RegularSession/Session....