العامل الديني في سياسة إردوغان تجاه الثورة السورية

تمارس الثورة الشعبية السورية الداخلة في شهرها السادس عشر والتي تم قمعها بطريقة عنيفة جداً وقاتلة، ضغطاً كبيراً على السياسة الخارجية التركية، ازداد هذا الضغط يوم 22 يونيو عندما أسقط الدفاع الجوي السوري طائرة تركية في ظروف ولأسباب لم تُوضّح بعد. بعد فشلها في إقناع بشار الأسد في إصلاح نظامه، لم تجد أنقرة بديلاً آخر غير وقف استراتيجيتها السابقة في التقارب مع سوريا والاصطفاف إلى جانب المعارضة الشعبية السورية. وجّه جزء من المعارضة في تركيا، انتقادات حادة لهذا التغير في السياسة، كانت حجتهم في ذلك إمكانية التحول الطائفي للنزاع الذي سينعكس على البلد ويحيي العداء القديم بين الأغلبية السنية والأقلية العلوية، التي تتجاوب مع الطائفة العلوية في سوريا. دعم تركيا للمجلس الوطني السوري، التنظيم الأساسي للمعارضة السورية في الخارج، الذي يهيمن عليه الإخوان المسلمون، أثار مخاوف عند البعض حول ما إذا كان المعيار الطائفي قد أصبح عنصراً من سياسة اردوغان الخارجية.

في سياق التوترات الإقليمية بين السنة والشيعة، تُطرح عدة أسئلة حول مكانة العامل الديني في السياسة التي تديرها أنقرة في سوريا منذ بداية الأزمة. هل رجب طيب اردوغان هو رائد لقوة سياسية سنية جديدة في دمشق؟ هل علينا أن نصدق  الفرضيات التي تؤكد أنه في حالة قيام حرب طائفية ولسبب أكثر قوة، في حالة تدخل عسكري يُدار من تركيا تحت رعاية الأمم المتحدة، سيقف العلويون الأتراك إلى جانب “اخوانهم العلويين” السوريين؟

العلويون الأتراك والعلويون السوريون في العلاقات التركية السورية

يوحي انتماء العلويين الأتراك والعلويين السوريين إلى الطائفة الشيعية التي تتبع علي، بقربهما من بعضهما البعض. في حقيقة الأمر، الاختلافات بين الطائفتين كثيرة. يغرف إيمان العلويين في تركيا من جذور التقاليد والعقائد التركمانية ما قبل الإسلام، قبائل يتجذّر منها أتراك الأناضول، لكن أيضاً من العقائد الأناضولية والإسلامية. يمثلون ما يقارب 20 % من مجموع سكان تركيا ويعرفون تحت تسمية عامة مضلّلة، في الواقع العلويون هم كتلة متباينة، تنقسم إلى مجموعات مختلفة، عرقية خاصة.  بعضهم ذوو لسان وثقافة تركية، والبعض الأخر من الأكراد ويسمون الزازا 1، بينما العلويون السوريون أو النصيريون نسبة إلى المؤسس المفترض للطائفة، محمد بن نصير النميري، عرب. سعى رجال الدين في الطائفة، عبر تاريخهم، إلى الانتماء إلى المذهب الشيعي الاثني عشري مع الاحتفاظ بالممارسات الخاصة بهم. لكن، توجد منطقة في إنطاكية، على طول الحدود بين تركيا وسوريا تقطنها فئة قليلة من الطائفة العلوية النصيرية، طالبت سوريا بهذه المنطقة طويلاً.

يشكل العلويون 10% من مجموع سكان سوريا. يسيطرون على البلد، ذو الأغلبية السنية، منذ قدوم حافظ الأسد إلى السلطة سنة 1970. من الناحية الدينية واللغوية، العلويون السوريون والعلويون في منطقة إنطاكية قريبون جداً من بعضهم (يسمون أيضاً النصيريون)، بينما تجمعهم بعلويي تركيا نقاط مشتركة قليلة. تعرضت الطائفتان للتمييز من قبل الأغلبية السنية لفترة طويلة. في ظل الإمبراطورية العثمانية، أطلقت الكثير من الأحكام على العلويين الأتراك، حيث تم اعتبارهم كفار. كان عليهم انتظار مجيء الجمهورية ليتحسن وضعهم. على الرغم من أن تركيا دولة علمانية إلا أن سيطرة الغالبية السنية عليها واضحة مما يبقي شعوراً عند العلويين بهيمنة الأغلبية السنية عليهم. عاش العلويون السوريون دائما تحت حكم الطائفة السنية حتى أثناء التواجد العثماني. اتكأ الاستعمار الفرنسي على هذه الطائفة التي رأى أن هناك تقارباً بين معتقداتها والمعتقدات المسيحية  ليفرض سيطرته على المنطقة. انتقدت الطائفة السنية هذا التقارب وفقد العلويون بسببه امتيازاتهم بعد رحيل المستعمر الفرنسي وأثناء الاستقلال سنة 1946. استولوا بعد ذلك على السلطة سنة 1970 مع قدوم حافظ الأسد.

يشترك العلويون الأتراك والعلويون السوريون في الاضطهاد الذي تعرضوا له من قبل الطائفة السنية عبر الزمن. ربما يفسر هذا الاضطهاد تمسكهم وإخلاصهم لكل قوة معادية لصعود الطائفة السنية. من هذا المنطلق يدعم العلويون الأتراك والعلويون السوريون الأنظمة العلمانية التي تحد من النفوذ السني في البلد. لكن هل هذا يكفي لخلق شعور طائفي مشترك يتجاوز الحدود الوطنية، اللغوية، العرقية والثقافية؟

لا يتكلم العلويون الأتراك والعلويون السوريون نفس اللغة كما أن ممارساتهم الدينية مختلفة اختلافاً جذرياً. العلويون في محافظة إنطاكية تحولوا إلى أتراك بعد سبعين عاماً من الدمج. العلاقات بين المجموعتين قليلة.

رغم ذلك، يتساءل الكثيرون حول الانعكاسات المحتملة للصراع السوري على تركيا ونتائجه على العلاقات بين الأغلبية السنية والأقلية العلوية في البلد. في حالة تدخل عسكري أجنبي باشتراك تركي، هل سيدعم العلويون الأتراك نظام بشار الأسد العلوي خوفاً من اضطهاد نظام سني؟

الجواب ليس واضحاً. يبدي الـ400000 علوي في محافظة إنطاكية الكثير من الحذر منذ بداية الثورة الشعبية في سوريا، كما يحتفظون ببعض الود تجاه النظام في دمشق. اجتذبت مظاهرات التضامن مع الثورة السورية، مثل التي جرت في شباط 2012 في المدينة الحدودية إنطاكية، القليل من الناس. بينما لا يزال شعور التضامن عند العلويين الأتراك اتجاه النظام السوري أضعف. لم تتم التعبئة لأي تجمع ثقافي علوي لصالح النظام في دمشق. رغم أن الإعلام العلوي أو المناصر للعلويين لم يكف عن انتقاد السياسة التي تديرها أنقرة في سوريا. يتهمون طيب رجب اردوغان بالمغامر ويؤكدون أنه يرغب في ظهور قوة سنية قريبة من حزب العدالة والتنمية في دمشق. رغم ذلك، ينبغي وضع هذه الانتقادات في السياق التركي الداخلي. يشكل العلويون الأتراك واحدة من قواعد حزب الشعب الجمهوري المدافع عن العلمانية الموروثة عن أتاتورك الذي يعد الحزب المعارض الرئيسي في البلد. يُعتبر انتقاد حزب الشعب الجمهوري لسياسة رئيس الوزراء خطاباً سياسياً أكثر منه دعماً لنظام بشار الأسد والطائفة العلوية في سوريا. من جهة أخرى، دعم اردوغان للمعارضة السورية يعزز من شعبيته لدى مواطنيه.

من الصعب إذن اعتبار العلويين الأتراك داعمين للعلويين السوريين أو لنظام بشار الأسد كما أنه من غير المحتمل أن تدخلاً عسكرياً في سوريا تحت رعاية الأمم المتحدة وبمشاركة تركية سيعقّد العلاقات بين الطوائف في تركيا. التزام أنقرة ستحركه بالتأكيد، دوافع إنسانية وسياسية أكثر من الاعتبارات الطائفية.

حزب العدالة والتنمية التركي والإخوان المسلمون السوريون

يظهر العامل الديني في موقف تركيا اتجاه الأزمة السورية من خلال دعم أنقرة لجماعة الإخوان المسلمين السورية. يؤكد البعض أن حزب العدالة والتنمية يريد تثبيت هذه الأخيرة التي تربطه بها علاقات متينة على رأس السلطة في سوريا، عندما يتخلص البلد من الديكتاتور. الخوف هنا شرعي. أشاد رئيس الوزراء التركي عدة مرات بحزبه الذي اعتبره نموذجاً للتشكيلات السياسية الجديدة في عالم عربي 2، أتت معظم أحزابه السياسية الإسلامية من تنظيم الإخوان المسلمين. منذ الآن، تبدي عدة تشكيلات سياسية عربية ولاءها لحزب العدالة والتنمية بصراحة متفاوتة، أو تستوحي اسمها أو خطابها منه. من جهة أخرى، تعتبر عدة دول غربية، قلقة من الصعود القوي للإسلاميين في العالم العربي، إدارة حزب العدالة والتنمية للبلد مرضية نوعا ما وتفضل هذا “النموذج التركي”.

العلاقات بين حزب العدالة والتنمية وجماعة الإخوان المسلمين قديمة. استقر عدد من الإخوان المسلمين السوريين الذين انجذبوا إلى حزب العدالة والتنمية في تركيا منذ زمن طويل. لكن، اردوغان، وعن براغماتية سياسية بحتة، لم يستعمل أبداً هذه العلاقات، تحتفظ أنقرة بعلاقات جيدة ومثمرة مع النظام في دمشق منذ 1998. في سنة 1998، عقدت تركيا تحالفاً مع النظام السوري الذي وافق على وقف دعمه لحزب العمال الكردستاني، الحزب الكردي الذي ينشط في تركيا اعتباراً من الأراضي السورية. لكن، الثورة السورية غيرت الوضع وفرضت تقارباً استراتيجياً بين أنقرة وجماعة الإخوان المسلمين. الاتصالات سرية، لكن، مصادر عدة تؤكد أن الحكومة التركية تستخدم نفوذها لتعزيز موقف الإخوان المسلمين في المعارضة السورية. لو أخذنا بعين الاعتبار التقارب الإيديولوجي بين فكر الإخوان المسلمين والقيم التي يدافع عنها حزب العدالة والتنمية، لن يفاجئ هذا الدعم الذي يندرج ضمن الخط المستقيم لسياسة اردوغان العربية، أحداً.

رغم ذلك، لا ينبغي أن نبالغ. الإخوان المسلمون حركة قديمة تتعزز اليوم بفضل ضعف أو ذهاب الأنظمة الاستبدادية في العالم العربي. بالإضافة إلى ذلك، تدعم أنقرة دائماً مجمل تركيبة المجلس الوطني السوري. وجدت المعارضة السورية في الخارج نفسها تحت سيطرة سنيين، من ضمنهم جماعة الأخوان المسلمين التي تعتبر قوة ناشئة، وفي الوقت ذاته قاطعتها معظم التشكيلات السياسية الكردية ولم تستطع ضم المسيحيين والدروز إلى صفوفها.

بعيداً عن المظاهر، العامل الديني أو التضامن الطائفي بين السنة والإخوان المسلمين ليس عاملاً مُحدِداً لسياسة حكومة اردوغان اتجاه سوريا. البعبع الإسلامي الذي يلوح به الغرب سريعاً، ليس واقعاً. تردّد أنقرة في القطيعة مع دمشق سببه الحذر السياسي وليس الاعتبارات الطائفية. اردوغان هو رجل براغماتي يريد تحقيق غايته السياسية: حليف للنظام العلوي عندما تتطلب مصالح تركيا ذلك وداعم للمعارضة السورية والمجتمع الدولي عندما يفقد نظام بشار الأسد شرعيته بسبب ممارسته للقمع العنيف وتهديده لمصالح تركيا.