سوريا الريفية

عرّفت الثورة السورية نفسها، في الإعلام بشكل رئيسي، بالنظام الذي ثارت ضده، وهذا بحد ذاته شيء عظيم، نظراً لطبيعة النظام الأسدي الخاصة جداً والتي تناولها ويتناولها الكثيرون بالتحليل دائماً، ثم أخذ متكلمون مختلفون باسم الثورة بالحديث عن الثورة السورية حسب رؤاهم، وشيئاً فشيئاً صارت الثورة السورية تعرّف نفسها بنفسها واقتضى ذلك مراحل قاسية من تعرف الشعب السوري على نفسه لأول مرة بشكل حقيقي غير زائف.

ظهرت الثورة السورية بمظهر مختلف عن مشهد التغيرات غير المسبوقة الجارية في بعض الدول العربية الأخرى. الثورة السورية أكثر جذرية تجاه تغيير النظام السياسي الحاكم، وأكثر عنفاً في وسائلها (أصبحت مسلحة بشكل رئيسي)، ولها انعكاسات إقليمية في جوارها القريب والبعيد أكثر وضوحاً ومباشرة. الثورة السورية ثورة ريف وضواحي مدن، شعبية بالدرجة الأولى، ولها طابع إسلامي سني ذو بعد ثقافي مميز مقابل باقي الشعب السوري، مما جعلها مثيرة للجدل محلياً وإقليمياً وعالمياً. الثورة السورية طرحت وما زالت تطرح أسئلة كثيرة ومتنوعة وجديدة، تتناول كل شيء تقريباً في عصرنا، وبشكل جعل الكثير من المهتمين في الشأن الإنساني الراهن في العالم الراهن يدلون بدلوهم في بئرها العميق.

تميزت سوريا عبر تاريخها (مثل معظم البلدان النامية) بهجرة كثيفة من الريف للمدينة، كما تركزت الهجرة بشكل أكبر في العاصمة (تضم عواصم معظم البلدان النامية ربع إلى ثلث السكان).

حدث ترييف واضح للمدن، إذ لم تستطع المدن السورية الكبيرة (دمشق وحلب وحمص، باقي المدن أشبه بقرى كبيرة) لم تستطع هذه المدن هضم المهاجرين، فنشأت «العشوائيات»: ضواحي السكن الشعبية غير المنظمة.

الدولة السورية كانت دائماً شديدة المركزية، وكانت بحاجة كي تدخل إلى كل جزء في سوريا، ولذلك تميز الريف السوري بوجود حد أدنى من الخدمات العامة فيه (نوع من تمدين الريف أيضاً).

طبيعة النظام الأسدي الخاصة جداً أملت عليه خيارات اقتصادية واجتماعية وسياسية طبعت كل عمليات ترييف المدن وتمدين الريف بطابع خاص: الفساد والمواصفات السيئة والتخلف واللعب الماكر بمكونات الشعب الدينية والعرقية. والنتيجة كانت أن المدن والأرياف كليهما لم يتمدنا بصورة كافية مقارنة مع ما حدث في دول أخرى في العالم في نفس الفترة الزمنية (لا ننسى أن حكام سوريا الفعليين في العهد البعثي والأسدي كانوا ريفيين بمعظمهم). ظلت الأحياء القديمة في المدن محافظة على هويتها التاريخية قياساً على الأحياء الحديثة المجاورة والملاصقة لها.

مورس عنف ريفي ضد المدن في سوريا في العهد البعثي والأسدي، واتخذ في كثير من الأحيان طابعاً دينياً وطائفياً وعرقياً تحت ستار من شعارات قومية وعلمانية وحداثية مختلفة.

ضرب النظام البعثي ومن ثم الأسدي مسيرة التمدن التاريخية في سوريا (على علاّتها) التي كانت قائمة قبلهما عبر إجراءات التأميم والإصلاح الزراعي واقتصاد الدولة الرأسمالي المتخلف (القطاع العام الضخم كان بمثابة رأسمالية دولة شمولية، احتكارية أو ما سمي بالبرجوازية البيروقراطية، وهو نظام امتيازات ممنوحة للبعض في القطاع العام وفي القطاع الخاص بناءً على الولاء للسلطة وعلى الاندماج بها عبر الشراكات والمصاهرات العائلية والسمسرة الخ)، وهكذا غابت أسماء أشخاص وعائلات وظهرت أسماء وعائلات أخرى. حدثت خلخلة كبيرة للمجتمعات المدينية بشكل خاص، وترافق ذلك مع مصادرة النظام الأسدي للمجتمع المدني السوري لصالح دولته دولة العسكر والمخابرات.

لم تتم دراسات ديموغرافية للأسف لحجم الهجرة من سوريا إلى الخارج وتوزعها المناطقي والاجتماعي والديني، ولكن من المؤكد حدوث هجرات فردية متواصلة دؤوبة ومتزايدة خلال العهد البعثي والأسدي في كل مناطق سوريا تقريباً، هرباً من الفقر والاستبداد والتمييز ومن أجل حياة أفضل، ومنها الهجرة إلى دول الخليج (وإن كانت دول الخليج لا تمنح الجنسية للمقيمين فيها). حدثت هجرات داخلية أيضاً بين المدن نفسها بسبب الجفاف أو البطالة أو فرص العمل الأفضل أو لأسباب أمنية في الثمانينيات.

تغير السوريون في سفرهم وإقامتهم في بلدان أخرى حين رأوا ببساطة أنه يمكن للمرء أن يعيش بطريقة أخرى غير طريقة حياته في سوريا، وأنه يمكن لكل شيء في سوريا أن يكون بشكل آخر.

فشل النظام الأسدي في نهايات عهد الأب وخلال عهد الابن في تنمية الريف فشلاً ذريعاً، بسبب تراكم الركود الاقتصادي خلال عهد الأب الذي انشغل في معظم عهده بالسياسات الخارجية وتبعاتها، كما انشغل نظامه في السنوات الأخيرة من عهده بمرض الديكتاتور وترتيب وراثة ابنه للسلطة، وكذلك يعود ذلك الفشل إلى السياسة الاقتصادية النيوليبرالية المتوحشة التي انتهجها الوريث، والتي أدت فيما أدت إليه إلى نزوح السكان من الطبقة الوسطى في المدن، والذين هددهم الفقر، إلى الضواحي الشعبية المحيطة بالمدن، مما خلق مزيجاً شعبياً فريداً كان له أثره الكبير في المجتمع والثورة فيما بعد.

اندلعت الثورة السورية من الريف ومن الضواحي الشعبية (العشوائيات) في المدن، ومن الأحياء القديمة في المدن، ولكن ليس في كل المناطق! مناطق المسلمين السنّة هي متن الثورة (وإن لم تشترك كل مناطق المسلمين السنة في الثورة)، فقد حدث افتراق الاجتماعي عن الاقتصادي هنا بالضبط وأحدث شقاً أفقياً وعمودياً في المجتمع السوري. الريف غير السني لم يشارك أو شارك بصورة غير كافية، وكذلك ضواحي المدن الشعبية (العشوائيات) ذات الأغلبية غير السنية لم تشارك أو شاركت بصورة غير كافية. فشل النظام الأسدي بعهديه في عملية الدمج الوطني. بهذا المعنى أصبح للثورة السورية بُعد ثقافي حضاري واضح، حيث يختلف طرفان على الأقل على معنى سوريا كلها ومعنى الشعب السوري كله ومعنى الدولة السورية.

تتفاعل المناطق الثائرة وغير الثائرة وسكانها في سوريا مع مناطق وسكان دول الجوار بحسب تنوعها الديني والعرقي بنفس الدرجة وربما أكثر أحياناً، مما يحدث بين بعضها البعض داخل سوريا (البلدان العربية مقسمة من قبل الغرب بشكل اعتباطي).

الدمار الكبير الذي خلفه النظام الأسدي في حربه على المجتمع الثائر شمل مناطق كبيرة من الريف السوري والضواحي الشعبية والأحياء القديمة في المدن السورية ومن المدن السورية نفسها. يمكن رؤية خريطة الثورة وخريطة القتال العسكري وخريطة الدمار بوضوح في الجغرافية السورية، كما يمكن رؤية التوزع الديموغرافي الديني والطائفي والعرقي بوضوح.

حدثت خلال الثورة هجرات جماعية داخلية وخارجية ضخمة غير مسبوقة في سوريا، مما أعاد ويعيد دائماً توزع السكان بطريقة عجيبة (في هجرات الداخل جرى أحياناً التنقل أكثر من مرة في أكثر من منطقة)، ولا نعلم في السنين القادمة كيف ستكون حركة عودة المهجرين في الداخل والخارج، وكيف سيحدث إعادة توزيع بطرق مختلفة أيضاً، وما هو تأثير ذلك على تجربة السكان في اختلاطهم مع بعضهم البعض ومع غيرهم في مناطق لجوئهم. لا شك أن شعباً سورياً جديداً سيظهر، بعد أن كان الكثير من السوريين أسيري مناطقهم الأصلية ومنغلقين فيها حيث يبقون فيها دائماً أو يعودون إليها دائماً.

لم تكن مشاركة المدن في الثورة قوية إلى الدرجة التي تطبع الثورة بطابع مديني غالب، لأسباب كثيرة ناجمة عن سياسات النظام الأسدي خلال عشرات السنين والتي حطمت المجتمع المديني وشوهته، وناجمة أيضاً عن شراسته داخل المدن في قمع كل بادرة ثورية منذ أول يوم للثورة.

يعود الريف السوري من جديد إلى تاريخ سوريا ليفرض نفسه بالقوة (قوة السلاح الثائر) بعد أن تحولت الثورة السورية إلى ثورة مسلحة بالدرجة الأولى ويحمل السلاح فيها أبناء الريف وضواحي المدن الشعبية والأحياء القديمة في المدن بالدرجة الأولى، ولكنه هذه المرة ريف السهول والبوادي وريف الأنهار بمعظمه وليس ريف الجبال.