هل تكون اللامركزية الموسّعة هي الحل؟

يتكاثر الحديث في الفترة الأخيرة عن صيغ متعددة لمستقبل سوريا، تتراوح بين التقسيم الكامل لعدة دويلات إلى المحافظة على دولة مركزية تبقى فيها كل القرارات في دمشق. بين هذين الحلين تتعالى أصوات تطالب بالفيدرالية وأخرى تقبل باللامركزية الإدارية على مضض كوسيلة لتجاوز مخاطر التقسيم.

المشكلة

سوريا بلد ذو أغلبية عربية سنية تبلغ حوالي الستين بالمئة من سكانه، البالغ عددهم ثلاثة وعشرين مليون نسمة، بينما حوالي الأربعين بالمئة من السكان ينتمون لأقليات عرقية وطائفية مختلفة. تتنامى لدى هذه الأقليات تخوفات عديدة من ديمقراطية الأغلبية، والتي يمكن ان تفرض قيمها وآراءها على هذه الأقليات. لذا تبحث بعض هذه الأقليات عن أدوات تسمح لها بالحفاظ على طرق حياتها وثقافاتها الخاصة، بينما يعارض بعضها الآخر عملية الانتقال إلى الديمقراطية بشكل عام خوفاً من تسلط الأغلبية. ولا يساعد انتشار المد الجهادي والتيارات المتطرفة على تخفيف هذه المخاوف.

بالإضافة للخوف من الديمقراطية، هنالك بعض المجموعات التي ترغب بأن يكون لثقافتها وخصوصيتها دور محوري بحياتها في المناطق التي تشكل بها الأغلبية. تتراوح هذه الرغبة بين مواضيع بسيطة كنوع الملبس الذي يرتدونه إلى مواضيع هامة كلغة تُستخدم، إلى علم يُرفع أو أيام عطل خاصة بالمناطق التي تقطن بها هذه المجموعات.

بنفس الوقت علينا أن لا نفترض أن الأغلبية العربية السنية هي أغلبية متجانسة تتشارك نفس الأهداف. هنالك اختلافات مناطقية وطبقية وعشائرية في بعض المناطق تحدد أولويات مختلفة لأبناء هذه الأغلبية. هنالك شعور بالغبن يشعر به أبناء المناطق الريفية أو المدن الشرقية والجنوبية، حيث ركزت الحكومات المتعاقبة معظم مشاريعها التنموية على مدن الوسط وبدرجة أقل على مدن الساحل، بينما تم إهمال المناطق الأخرى الغنية بالموارد والتي تزود الاقتصاد السوري بمعظم مداخيله، ويميل سكان هذه المناطق الآن لطلب دور أكبر في تقرير شؤونهم واستثمار مواردهم. يميل أيضاً الكثير من سكان المدن الرئيسية لأن يقرروا شؤونهم الخاصة من دون تدخل الحكومة المركزية في دمشق بشكل يراعي خصوصيات كل منطقة من بنية إجتماعية وعادات وتقاليد. فنشاهد مثلاً خلال الثورة ومن مجموعات متعددة ميولاً لتطبيق قوانين مختلفة تراعي الخصوصيات الإجتماعية لمناطقها، وتحاول كل من هذه المجموعات فرض رؤيتها على المجموعات الأخرى من دون احترام لخصوصية المناطق الأخرى، مما يدفع بها نحو التصادم. نرى مثالاً على ذلك في محاولة فرض بعض المجموعات العسكرية من ريف حلب لطرق حياتها على سكان مدينة حلب التي لها خصوصيتها المختلفة.

في ظل كل هذه الاختلافات هنالك ضرورة قصوى لتغيير النظام المركزي المطبق في سوريا حالياً، والذي يركز كل أدوات القرار في العاصمة.

الحلول المطروحة ومشاكلها

لن نناقش ضمن الحلول الموضوعة بقاء الوضع على ما هو عليه، فكما ذكرنا سابقاً، هذا الوضع ليس مقبولاً من قبل الكثير من فئات الشعب السوري، وستكون هنالك أثمان غالية لمحاولة الإستمرار بفرضه.

1- التقسيم:

في هذه الحالة سيكون هنالك حكومات مختلفة في المناطق المنفصلة عن سوريا تسعى للحصول على اعترافات دولية بوجودها وبناء جيوشها المستقلة وسياساتها الاقتصادية المستقلة. حالياً لا تدعو أي مجموعة في سوريا وبشكل مكشوف للتقسيم، إذ إن أي طرح من هذا النوع سيعرضها لاتهامات بالخيانة والعمالة للخارج. لكن نتيجة تداخل المجموعات البشرية في سوريا، فإن محاولة أي مجموعة للاستقلال في مناطق تواجدها لا يمكن أن تتحقق من دون عمليات تطهير عرقي واسعة في مناطقها، تعرض هذه المجموعة لعمليات تطهير معاكسة من المناطق التي لا تحقق بها أغلبية أو من المناطق التي قد تحقق بها أغلبية ولكنها معزولة عن منطقة تواجدها الرئيسية. هذه المناطق التي تسعى للانفصال ستعاني لفترة طويلة من مشاكل قانونية (كمحاولة بعض المجموعات المهجرة أن تعود إلى مناطقها، ومحاولات الحصول على تعويضات) وأزمات اقتصادية وصراعات حدودية، ومن غياب اعترافات دولية بكياناتها مع حاجتها إلى حماية خارجية في نفس الوقت. بعض المجموعات الصغيرة لن تستفيد من هذا الحل وستبقى تشعر بأنها أقليات في هذه الدول الجديدة، كمثال الآشوريين والسريان في المناطق الكردية.

2- الفيدرالية:

في هذه الحالة ستسعى المجموعات المختلفة لإنشاء كياناتها ضمن دولة سورية واحدة. تعني الفدرالية أن كل كيان ضمن الدولة السورية له بقعة جغرافية واضحة وموارد دخل مستقلة وبرلمان خاص به ورئيس. حسب الاتفاق مع الحكومة المركزية، يمكن لهذا الكيان أن يسيّر الكثير من شؤونه الداخلية والاقتصادية وبعض شؤونه الخارجية بنفسه، وحتى أن يمتلك جيشه الخاص في بعض الحالات كما هو الحال في كردستان العراق أو في جمهورية سربسكايا داخل البوسنة. في الحالة السورية سيعتمد مدى هذه الصلاحيات على الحالة التفاوضية للأطراف المتفاوضة، وعلى مدى قدرة الحكومة المركزية على فرض نفوذها بالقوة او عدم تمكنها من القيام بذلك.

لنفس أسباب تداخل المجموعات البشرية، الذي ذكرناه سابقاً في حل التقسيم، فإن هذا الحل أيضاً قد يتطلب قيام بعض المجموعات بعمليات تطهير عرقية لتحقيق أغلبيات في مناطق معينة، وسوف يولّد ردات فعل مماثلة، وقد يؤدي لخسارة بعض المجموعات لأراض تحقق فيها الأغلبية ولكنها معزولة عن مناطق تواجدها الرئيسية. بعض المجموعات الصغيرة لن تستفيد أيضاً من هذا الحل وستبقى تشعر بأنها أقليات في هذه الكيانات الجديدة. ستعاني هذه الكيانات أيضاً من مشاكل قانونية وصراعات حدودية، وقد تكون بحاجة لحماية خارجية للحفاظ على وجودها. علينا ألا ننسى أيضاً أن الكثير من المواطنين السوريين سيربطون التجربة الفدرالية بالتجربة العراقية التي ولّدت دولة مفككة غير قادرة على تأمين أي خدمات أو رفاه اقتصادي لمواطنيها، في ما عدا تأمين بعض الدخل الريعي الناتج عن تصدير النفط.

3- المحاصصة الطائفية والعرقية:

في هذه الحالة تكون المحاصصة سياسية بحيث تحصل المجموعات العرقية والدينية المختلفة على نسبة معينة توازي نسبتها السكانية من مقاعد البرلمان، وقد تشمل محاصصات أخرى لبعض المراكز الحساسة كرئاسة الجمهورية ورئاسة الوزراء وبعض الوزارات والمواقع الهامة. المشكلة الرئيسية لهذه العملية هي أنها تلغي الشعور بالمواطنة وتحافظ بدلاً عنه على الانتمائين الطائفي والعرقي كانتماءات رئيسية تتجاوز البعد الوطني. كما أنها لا تعتمد على الكفاءات كالمقوم الأول للحصول على أدوار هامة في الدولة. مشكلة أخرى هي أنها وبمعظم حالاتها لا تأخذ بعين الاعتبار مطالب المجموعات المناطقية، وخاصة تلك التي تنتمي للأغلبية العرقية والدينية. كما في حالة الفيدرالية أيضاً، علينا ألا ننسى أن الكثير من المواطنين السوريين سيربطون هذه التجربة بالتجربة اللبنانية التي ولّدت دولة مفككة غير قادرة على تأمين أي خدمات أو رفاه اقتصادي لمواطنيها، ولكنها أمنت لهم هامش حرية معقول بالمقارنة مع الدول الأخرى المحيطة.

4- اللامركزية الإدارية:

في هذه الحالة تحصل المناطق أو المحافظات على صلاحيات إدارية تعنى بشؤونها الذاتية. قد تضم هذه الصلاحيات أموراً كإدارة المدارس والطرق ورخص البناء وحتى إدارة الموارد الطبيعية. هذا النموذج يحافظ على وحدة البلاد ولكنه لن يرضي المجموعات القومية والطائفية، لأن تقسيم المحافظات لا يعبر دائماً عن التقسيمات العرقية والطائفية، كما أن هذه الصلاحيات عادة لا تتضمن حقوقاً قومية وثقافية أوسع.

5- اللامركزية الموسعة:

ما أعنيه هنا باللامركزية الموسعة هو مستوى عالٍ من اللامركزية الإدارية، مع السماح للمجموعات السكانية بتحديد حدود مناطقها كما ترغب. يمكن تطبيق هذه اللامركزية على الشكل التالي: كل تجمع سكاني متواصل جغرافياً ولا يقل عدد سكانه عن 500 ألف مواطن (على سبيل المثال) يمكنهم تشكيل منطقة إدارية خاصة بهم. يمكن أن تعبر هذه المنطقة عن طائفة أو مجموعة قومية أو مجموعة سكانية ذات مصالح مشتركة. يسمح لهذه المناطق التوحد مع غيرها من المناطق أو الانفصال عنها إن هي ارتأت ذلك، ولا يمكن لذلك أن يحصل إلا عن طريق استفتاء لسكان هذه المناطق. ستسمح هذه المرونة في تشكيل المناطق لمختلف الفئات بأن تعبر عن نفسها وبأن تتجاوب هذه المناطق للتغييرات السكانية التي تحصل عبر الوقت من توزعات جغرافية إلى عمليات اندماج طبيعية تحصل مع مرور الوقت. تعتبر هذه المناطق كمناطق انتخابية، بحيث يكون ممثلو كل منطقة من أبنائها، ويكون التمثيل موازياً لعدد السكان في هذه المنطقة.

بالنسبة للصلاحيات فهي يجب أن تضم، بالإضافة للصلاحيات الإدارية العادية، بعض الصلاحيات التي تسمح لأبناء كل منطقة بالتعبير عن انتماءاتهم وتسمح لهم باحتكار وسائل القوة المحلية، كإدارة شرطة محلية (طبعاً يجب أن يكون هنالك شرطة مركزية ذات صلاحيات أعلى)، وكذلك رفع علم خاص إلى جانب العلم الوطني، اعتماد لغات أخرى إلى جانب اللغة الوطنية، وتحديد أيام عطل خاصة بالإضافة إلى العطل الوطنية. كما أنها تتضمن صيغاً لتقاسم الموارد الطبيعية والضرائبية مع الحكومة المركزية.

يجب ألا يقف تشكيل المناطق عائقاً أمام حرية حركة المواطنين السوريين وحقهم بالحياة والعمل بأي منطقة يختارونها، من دون الحاجة لتقديم طلبات لأي جهة، كما لا يجوز تجاوز الحقوق الأساسية المعترف بها ضمن الشريعة الدولية لحقوق الإنسان.

كل ما سبق يمكن أن يسمح للمجموعات المختلفة المكونة للنسيج السوري، ولا نحصر هذا بالمجموعات العرقية والطائفية، بأن تحقق ذاتها وتحافظ على خصوصيتها من دون الاضطرار للتصادم مع المجموعات الأخرى. كما أنه يسمح بإعادة تشكيل المناطق بشكل دائم بحسب درجات الاندماج الطبيعية التي تحصل عادة في المجتمعات. تسمح هذه المنظومة أيضاً لكل مجموعة بأن تحصل على تمثيل في البرلمان السوري متناسب مع حجمها.

خاتمة

يجد المجتمع السوري نفسه الآن مضطراً لإعادة النظر في هيكلية الحكم المركزية، ويجد نفسه أمام مقترحات عدة لها مساوئها وإيجابياتها. مشكلة معظم هذه الحلول هي أنها مستوردة من تجارب أخرى ولا تطابق تماماً احتياجات الشعب السوري، كما أن لبعض هذه الحلول صدىً سلبياً لدى الشارع السوري لارتباطها بتجارب في دول الجوار قد تراها بعض الفئات فاشلة.

هذا يدفع بنا لمناقشة أفكار جديدة تمزج بين الأفكار السابقة وتسعى لتحقيق طموح المجموعات المكونة للوطن السوري، من دون رسم خطوط نهائية تكرّس الانتماءات ما تحت الوطنية وتمنع عملية تكوين وطنية لم تكتمل في المراحل السابقة من تاريخ سوريا. حاولنا في طرح هذه الأفكار التركيز على مصالح المكونات المختلفة مع محاولة الابتعاد عن التسميات المرتبطة بأفكار سلبية لدى بعض الفئات المجتمعية.

ونرى أن نظاماً لا مركزياً موسعاً قد يحقق مصالح مختلف الفئات ويسمح لها بالاندماج المستقبلي، ولكنه في نفس الوقت يحافظ على دولة متماسكة تحتكر شؤون الجيش والمال والعلاقات الخارجية.