التحولات الفكرية في الثورة السورية

كُتبت الكثير من المقالات والدراسات عن الثورة السورية منذ انطلاقتها في آذار 2011، وقد اقتصر معظمها على التحليل السياسي والعسكري لمجريات الثورة، دون التطرّق إلى تغيّرات البُنى والمفاهيم الفكرية خلال الثورة.

وقد أشار الكثيرون إلى ظواهر التطرّف والتشدّد الديني باعتبارها ظواهر غريبة عن المجتمع السوري ومتسلّطة على الثورة السورية، دون أن يحاولوا الولوج إلى جوهر هذه الظواهر، لنكتشف أنها ليست غريبةً حقاً عن مجتمعنا، بل هي نتيجة طبيعية للظروف التي مرّ بها الشعب السوري على مدى ثلاثة أعوام.

في هذا المقال، أتطرّق إلى أهمّ التحوّلات الفكرية في الثورة السورية، بدءاً من الفترة التي طغى فيها العمل المسلّح على الحراك السلمي، وما رافقه من طغيان للخطاب الديني على حساب الخطاب المدني، أي مع بداية العام الثاني للثورة في آذار 2012 وحتى اليوم. وهذه التحولات الفكرية متداخلة مع بعضها كثيراً، وليست متعاقبة زمنياً بوضوح.

الثورة كمشروع كبير

المشروع الكبير هو المشروع الذي يحاصرك من جميع الجهات، إنه تصميم يشتمل على كامل جوانب الحياة، ويستشرف المستقبل، فلا يترك المشروع الكبير أي تفصيل من تفاصيل الحياة إلا ويؤثّر فيه ويتأثّر به، في جدليةٍ تنمو وتتطوّر وتتصارع وتدفع إلى الأمام.

كانت الثورة السورية أكبرَ مشروع يجتمع فيه أكبر عدد من السوريين، مشروع شامل وضَع أمام عينيه هدفَ إقامة نظام ديمقراطي تعدّدي بدلاً من النظام الأوتوقراطي الاستبدادي، وقد تشارك أكبر عدد من السوريين في رسم ملامح هذا المشروع، الذي يتضمّن في تفاصيله التخلّص من الطغمة الاقتصادية التي سلبتْ ونهبتْ وأفقرت المواطن والوطن، لإقامة اقتصاد متحرّر من تسلّط النظام واحتكار العائلات المتحالفة معه. كما يتضمّن مشروع الثورة التخلّص من مفاهيم الحزب الواحد ومنطلقاته وشعاراته، بهدف فتح المجال السياسي والفكري أمام الجميع. ويتضمّن هذا المشروع الكبير تحرير المؤسسات الدينية من تحكّم فقهاء السلطان، بالإضافة إلى مشكلات أخرى كالفساد الإداري وتخلُّف التعليم.

الدين كحركة ارتدادية

كل مشروع كبير لا يمكنه أن يتخلّص من المشاريع الكبرى القديمة، بل يبني هيكله على أساساتها، وتبقى بعض دمائها ساريةً في أوردته.

إن استخدام النظام السوري للحلّ الأمني والعسكري في مواجهة المشروع الجديد، وسقوط عشرات القتلى يومياً، أعاد مفهوم الشهادة إلى مكانته الدينية المقدّسة. ومفهوم الشهادة ضروري للتخفيف من آلام الإنسان عند فقدان أقربائه وأعزّائه، فهو يتضمّن إنكار الموت واعتبار الشهيد حيّاً يرزق، والإنكار هو أولى حالات الاستجابة بعد الصدمات. وبما أن طقوس الدفن والعزاء طقوس دينية عند كلّ شعوب الأرض، فقد خيّم الجوّ الديني على المدن والقرى السورية.

نظام الاستبداد السوري يخلع على نفسه هالةً من القداسة أيضاً، فهو نظام لا يُخطئ، ولا يقبل الانتقاد. وهو نظام يهتفُ مناصروهُ لقائده بالأبد، والأبدية صفة من صفات الخالق وحده. وهو نظام يُقيم لنفسه أعياداً سنويّة، لها طقوس ومراسيم شبيهةٌ بطقوس الأعياد الدينية.

كلّ ذلك دفعَ الشعب إلى استعادة المقدّس الديني القديم في مواجهة المقدّس الدنيوي الذي صنعه النظام لنفسه. هذا في إطار الصراع بين الشعب والنظام، أما في ما يتعلّق بجوهر الثورة وماهيّتها فقد أخذ المشروع الديني القديم يتوسّع في جسد مشروع الثورة الجديد إلى أن تقمّصه تقمصاً كاملاً.

التحولات الفكرية في الثورة السورية

1) من المدينة إلى القبيلة:

ليست المدينة مجرّد تجمّع بشري كبير، بل إن أهمّ صفات المدينة هي التعدد والتنوّع السياسي والفكري والديني والثقافي. في المدينة يوجد الغني والفقير، المتعلّم والأمّي، المتديّن والملحد، القديسة والعاهرة... هذا التنوع المتناقض/المتآلف هو ما يجعل المدينة مدينة.

كانت الثورة السورية في بدايتها أشبه بالمدينة، فهي ثورة شعبية عفوية فيها الكثير من التعدُّد والتنوّع والتناقض. كانت أشبه بوعاء انصهرت فيه الطبقات الاجتماعية والفروقات السياسية والتناقضات العقائدية، وصارت أشبه بالسمفونية المتعدّدة الآلات والعازفين، المتوحّدة في النغم.

لكنّ تحوّل الثورة من الحراك السلمي إلى العمل المسلّح، وعودة المشروع الديني بقوّة في مواجهة قمع النظام وتطرّفه، وبسبب غياب مفهوم الدولة والمواطنة في ظلّ حكم الطغمة، كلّ ذلك يسهّل من عودة الأفراد إلى انتماءات ما قبل الدولة، وينقل الثورة من حالة المدينة إلى حالة القبيلة.

 تتميّز القبيلة بأحادية اللون والفكر والعقيدة والرأي، وبالتزامها بأوامر قائد واحد، وبانتماء أفرادها إليها لا للوطن، إيماناً منهم بضرورة حماية القبيلة في مواجهة الآخر. وهذا الآخر هو أي قبيلة أخرى، أو أي طائفة أخرى، أو أي منطقة جغرافية أخرى، أو أي جماعة مسلّحة أخرى...

إن واجهة الثورة السورية اليوم واجهة قبليّة، بالمعنى الذي أشرنا إليه. فمَن يقود العمل المسلح ضد النظام مجموعات مسلحة غير منتظمة ضمن هيكلية واحدة، ولا تعمل جميعها من أجل هدف واحد. كل مجموعة منها تأتمر بأوامر قائدها، وينتمي أفرادها إليها لا للوطن، بهدف الحفاظ على هذه المجموعة في مواجهة الآخر، أياً كان هذا الآخر.

2) من القانون إلى العرف:

قلنا إنّ المدينة تجمّع بشري حرّ، فهي موئل لكل من ينشد الحرية، المدينة موئل للمواطنين لا الرعايا، وفي المدينة وحدها تتحوّل الأعراف إلى قوانين.

في الدولة البوليسية لا يوجد قانون، والقانون فيها مجرّد أداة تستخدمها الطغمة الحاكمة وزبانيتُها من أجل شرعنة أفعالهم وتصرفاتهم اللاشرعية، وضمان استمرارهم في نهب الوطن وسحق المواطن.

إن الثورة ضدّ النظام البوليسي تتضمّن الثورة ضد القوانين التي يحتمي بها هذا النظام، فالقانون سلاح من أسلحته القمعية أيضاً، هذا من الناحية الفكرية. أما من الناحية الواقعية، فإن غياب سلطة الدولة البوليسية عن بعض المناطق، يحرّر المواطن منها ومن قوانينها. ومع تحوّل الثورة من المدينة كتنوّع كبير إلى القبيلة كلون أحادي، بدأ التحوّل من القانون إلى العرف.

المناطق الخارجة عن سيطرة النظام السوري تحكم نفسها بنفسها وفق الأعراف السائدة في كل منها. وبما أن العودة إلى العُرف في البلاد العربية والمسلمة يتضمّن العودة إلى الشريعة الإسلامية، عادت الشريعة إلى الظهور كقانون رئيس ناظم لحياة الفرد والجماعة، وبدأت الهيئات والمحاكم الشرعية تتولّى وظيفة القضاء، ولو أن بعضها يمكن اعتباره هيئةً قضائية حقيقية، إلّا أن بعضها الآخر ليس كذلك، في ظل غياب الدولة والعودة إلى القبليّة.

3) من الحداثة إلى السلفية:

تتميّز الحداثة بأنها فعل كوني شمولي يغطّي كافة جوانب الحياة، كما تتميز بأنها تجمع كل التنوعات والاختلافات والتناقضات في حركة شمولية واحدة، لها هدف واحد هو التطوّر.

عندما انطلقت الثورة السورية بكل تنوّعاتها وتناقضاتها، وباشتمالها على كافة طبقات وفئات الشعب السوري، كانت حركة شمولية حداثوية. في الحداثة –وهذه أهم صفاتها- يكون العصر الذهبي في المستقبل، وكان العصر الذهبي في الثورة السورية هو المستقبل الذي سوف يبنيه السوريون بعد إسقاط النظام.

لكن حركة الارتداد إلى الدين والعنف، التي جاءت كردّ فعل طبيعي على عنف النظام وتطرّفه، والتي أدت إلى الانتقال من المدينة إلى القبيلة ومن القانون إلى العرف، وضعت المسلمين (غالبية الشعب السوري) أمام سؤال وجودي، بل أمام مشكلة وجودية حقيقية. عندما ينظر المسلم إلى التاريخ الإسلامي المجيد، ويقارن بينه وبين واقع المسلمين اليوم، يطرح على نفسه سؤالين: الأول: ماذا فعلنا بأنفسنا؟ والثاني: ماذا فعل الآخرون بنا؟

الإجابة على السؤال الأول تكون بالعودة لاتباع نهج السلف، والإجابة على السؤال الثاني تكون باتخاذ موقف عداء صارم من «أعداء الإسلام». وهكذا يصبح العصر الذهبي في الفكر السلفي هو الماضي المفقود، على عكس الحداثة التي ترى العصر الذهبي في المستقبل.

4) من الانفتاح إلى الخروج:

مع بداية الثورة، بدأ السوريون يكتشفون أنفسهم، بعد أن كانت «الأنا» ذائبة في بحر النظام الشمولي. كما بدؤوا يكتشفون السوري الآخر، بعد أن كان مجهولاً بالنسبة إليهم.

كانت الثورة انفتاحاً اجتماعياً أفقياً واسع النطاق، حطّمَ كافة الحواجز العمودية. في الثورة اجتمعَ الغنيّ والفقير، المتعلّم والأمّي، المتديّن والملحد، المحافظ والمتحرّر... اجتمعوا في ساحةٍ واحدة، وهتفوا بصوتٍ واحد.

لكن الانتقال من السلْمية والمدنيّة إلى التسليح والأسلمة، والذي أدّى إلى التحوّلات التي ذكرناها (من المدينة إلى القبيلة، من القانون إلى العرف، من الحداثة إلى السلفية)، ومع طول مدّة الثورة والاقتتال، أدى ذلك إلى تحوّل أكبر وأخطر، ألَا وهو التحوّل من الانفتاح إلى الخروج. وهنا لا بدّ أنْ نتوقّف عند مصطلح الخروج مطوّلاً.

الخروج طاقة كامنة في التفكير الديني، تتحوّل إلى طاقة حركيّة عندما تجد الظروف المناسبة لها، وهي تعمل دائماً وفق ترتيب معين.

يبدأ الخروج بقراءة جديدة للنصّ الديني تتضمّن تأويلاً جديداً أكثرَ تشدّداً من التأويلات السائدة، ثم تعتبر الجماعة الخارجة نفسها صاحبة الحق، ما يسهّل عليها اتهام الآخرين بالباطل والكفر. ويتضمن الخروج إعلاء الذات الخارجة لنفسِها على ذواتِ الآخرين، ما يبرّر لها احتقار الآخرين واستخدام العنف ضدهم. وتخلع الجماعة الخارجة على فكرها وعلى أفرادها صفاتِ القداسة، المستمدّة أصلاً من قداسة النصّ وقداسة الآلهة، فيصبح قائدُها الناطقَ الأوحدَ باسم الرب.

إن عدم تقبُّل المجتمع لهذه الفئة الخارجة يدفعها للنزوح الجغرافي إلى مكان آخر، وهناك تُقيم دويلة مستقلة منعزلة عن العالم. تتغذّى هذه الدويلة على منهلين: إيمانها بقوة الحقّ الذي تناضل من أجله، وكراهية المحيط الاجتماعي لها.

كان من أشهر الخروجات عبر تاريخ المنطقة: خروج موسى باليهود من مصر، وخروج المسيح على اليهود في أورشليم، ثم خروج تلاميذه من فلسطين إلى أصقاع الأرض، وخروج الرسول محمد من مكة إلى المدينة، ثم خروج الخوارج على التحكيم بين معاوية وعلي، وكذلك خروجات الفرق الشيعية المتكررة، ومن أشهرها خروج حسن الصبّاح لإقامة دويلة منعزلة في قلعة ألَمُوت... واستمرّت ظاهرة الخروج إلى يومنا هذا، كخروج القاعدة في أفغانستان.

وبالعودة إلى الثورة السورية، فقد تعمّدت السياسات الدولية إطالة أمد الحرب، كما تعمدت تحويل سوريا إلى ساحة تجتمع فيها كافة التيارات الدينية المتشددة (سنّية وشيعية)، مما شكّل البيئة المناسبة لعودة ظاهرة الخروج الديني.

تظهر في سوريا اليوم جماعات دينية متشددة جداً، تعتبر نفسها صاحبة الحق الأوحد، وتبرّر بهذا الحقّ استخدام العنف ضد أي كان. جماعات تفرض على المجتمع ما لا يطيقه، فلا يتقبّلها المجتمع، ولا هي تتقبّله، فتخرج عنه لتشكّل إمارات خارج الأماكن الحضرية أو على أطرافها.

هنالك تشابه بين الخروج والثورة، باعتبار الثورة خروجاً على السلطة الحاكمة والمجتمع الداعم لها. لكن الفارق واضح، فالثورة تنطلق من أسس واقعية (فيزيقيّة) وتهدف لتحقيق غايات بشرية (ناسوتيّة)، بينما ينطلق الخروج من أسس دينيّة (ميتافيزيقيّة) ويهدف لتحقيق غايات إلهيّة (لاهوتيّة).

5) من الناسوت إلى اللاهوت:

بعد سيادة المؤسسة الدينية لقرون طويلة من تاريخ البشرية، وشيوع ثقافة الحتمية والجبرية والضرورة، ظهرت منذ القرن السابع عشر نظريات فلسفية علمية ترى أن إرادة الإنسان غير خاضعة لمشيئة الآلهة، وأن الإنسان قادر على صناعة القدر وكتابة التاريخ.

وهنا حلّت حتمية الشعب محلَّ حتمية الآلهة، وتجسّد هذا المفهوم عملياً في الثورة الفرنسية 1789، وفي ثورات أوروبا عام 1848، وفي الثورة البلشفية 1917، وغيرها من الثورات.

ومع انطلاق ثورات الربيع العربي، عاد مفهوم حتمية الشعوب بتحقيق النصر إلى الواجهة، وعاد الإيمان بقدرتها على صناعة القدر وكتابة التاريخ. وكانت قناة «الجزيرة» تبثّ في العام الأول من الربيع العربي أغنيةً للسيدة أم كلثوم من كلمات كامل الشناوي تقول: «أنا الشعب لا أعرفُ المستحيلا \ ولا أرتضي بالخلود بديلا». إذاً للشعب صفتان: الأولى أنه لا يعرف المستحيل أي يصنع المعجزات، والثانية الخلُود؛ وكلتاهما صفتان من صفات الآلهة، تكفيان لندرك كيف حلّت حتمية الشعب محلّ حتمية الآلهة، دون أن ننتبه إلى ذلك، أو نقرّ به صراحةً.

إن التحولات الأربعة في البنية الفكرية التي ذكرناها، من المدينة إلى القبيلة ومن القانون إلى العرف ومن الحداثة إلى السلفية ومن الانفتاح إلى الخروج، كانت تشكّل اللَّبنات الأساسية لهرم فكري يتربّع على قمّته التحوّل الأكبر: من الناسوت إلى اللاهوت.

التحول من الناسوت إلى اللاهوت يعني تحوُّل الثورة من الإيمان بالشعب كصانع للمعجزات ومحطّم لحتميّة القدر إلى الإيمان بالآلهة وحدها كصانع للمعجزات والقدر. ويعني تحوُّل أهداف الثورة من إعادة الحقوق السياسية والمدنية للإنسان المحروم منها، وبناء دولة ومجتمع يرفعان من قيمة الإنسان، إلى أهداف إعلاء كلمة الله وحده، وتطبيق شريعته على الأرض، وبناء دولة ترفع المفاهيم الدينية المتشدّدة، ولو أدّى ذلك إلى سحق الإنسان.

إن التحوّل من الناسوت إلى اللاهوت يضع عجلة التطوّر في مهبّ الريح، لأنه يجعل مملكة الإنسان خارجَ هذا العالم. كما أنّ الله ليس بحاجة للبشر لكي يدافعوا عنه، فهو لا يضرّه مخلوق ولا ينفعه مخلوق.

في التحوّل من الناسوت إلى اللاهوت يرتفع شعار مثل «النصر أو الشهادة»، وهنا يتساوى النصر والهزيمة، طالما أن النصر الحقيقي في العالم الآخر وليس في هذا العالم.

عندما تثور أو تحارب لغايات دينية/أخروية/لاهوتية، فإن النصر الذي تحققه فارغ من معناه، لأن الله لا ينفعه مخلوق. وعندما تنهزم فإن الهزيمة فارغة من معناها أيضاً، طالما أن الله معك، وهو لا تضرّه هزيمة مخلوق كذلك.

إن تحوّل الثورة من الناسوت إلى اللاهوت يعني انتقالها من صراع بشري على الأرض إلى صراع لاهوتي في السماء، وبالتالي دخولها في مرحلة المراوحة في المكان.