«أبو مصعب السوري» الإسباني

«لو كان اسم زوجي فيليبي أو أنطونيو لتحرّكت السلطات الإسبانية لمعرفة مصيره. زوجي هو المواطن الأوروبي الوحيد في هذا الوضع الآن».

الاقتباس السابق هو تصريح كرّرته الإسبانيّة إيلينا مورينو، من مكان إقامتها الحالي في الدوحة حيث تعمل مدرّسة للغة الإنكليزيّة، على مسمع عدّة وكالات أنباء إسبانيّة بين عامي 2010 و2011. زوجها سوري الأصل، إسبانيّ الجنسيّة منذ عام 1987، واسمه مصطفى ستّ مريم نصّار. إيلينا تؤكد أنه «كاتب ومثقف مسلم» وله «إسهامات إنسانيّة في أفغانستان وباكستان»، وترى أن هذا فقط ما جعل وكالات اﻻستخبارات العالمية تلاحقه وتعتقله بشكل سرّي، بل وتسلّمه لمخابرات النظام السوري حيث يواجه خطر الموت. لهذه الوكالات اﻻستخباراتيّة، كما لأوساط صحفيّة وبحثيّة متابعة للحركة السلفيّة الجهاديّة، رأي آخر: مصطفى ستّ مريم هو «أبو مصعب السوري»، وأيضاً «عمر عبد القادر» وأيضاً «عمر عبد الحكيم»...، أحد أهم العقول المدبّرة لاستراتيجيا وتكتيك الجهاد العالمي منذ تسعينات القرن الماضي، لدرجة أن صحفاً غربيّة عديدة تكرر «مانترا» –فيها من التشويق والإثارة أكثر مما فيها من الموضوعيّة الصحفيّة– حول أنه واضع المرادف الإسلامي لكتاب أدولف هتلر «كفاحي».

ستّ مريم نصّار اسم متداول بكثافة في الصحافة الإسبانيّة خلال العقد الماضي. هو رجل سوري من مواليد عام 1958 حسب وثائقه الإسبانية، وصل إلى إسبانيا أواسط الثمانينات، بعد خروجه من سوريا نتيجة انخراطه في «الطليعة المقاتلة» عام 1980، وهو النشاط الذي قطع دراسته الجامعية في هندسة الميكانيك في جامعة حلب. مرّ ستّ مريم بالعراق والأردن وفرنسا قبل استقراره في إسبانيا، حيث أقام في غرناطة وعمل في البيع المتجوّل. تعرّف على المدريديّة إيلينا مورينو وهي في مطلع العشرينات من العمر، وأسلمت إيلينا وتزوجته عام 1987، العام الذي حصل فيه على الجنسيّة الإسبانيّة.

خلال عشر سنوات من إقامته في إسبانيا، بين أواسط الثمانينات وأواسط التسعينات، سافر ستّ مريم كثيراً إلى دول أوروبيّة أخرى، وأيضاً إلى باكستان وأفغانستان، حيث تعرّف على عبد الله عزّام، ثم على أسامة بن ﻻدن. ترك إسبانيا نهائياً عام 1995 متوجهاً إلى بريطانيا، حيث عمل في منشورات الحركات الإسلاميّة الجهاديّة هناك، ليؤسس بعدها مركزاً إسلامياً لدراسات الصراعات، والذي كان بمثابة وسيط بين قيادة «القاعدة» في أفغانستان والإعلام العالمي. من لندن قفز إلى الصفّ الأول من القيادات الجهاديّة. معروفة بقيّة قصته: من دوره الكبير جداً في وضع الأسس واﻻستراتيجيات الجهاديّة، إلى خلافه مع بن ﻻدن حول التكتيكات التي اتّبعتها القاعدة في بداية القرن، مروراً باعتقاله الغامض في باكستان عام 2005، وحتّى التقارير عن تسليمه بعدها للمخابرات السوريّة، والتقارير التي تؤكد إطلاق سراحه في سوريا بعد اندلاع الثورة ضمن مئات المعتقلين الإسلاميين الذين خرجوا من السجون السوريّة.

مصطفى ستّ مريم مطلوب في إسبانيا لثلاثة قضايا: أولها الاشتباه في دورٍ إيديولوجي وتنظيمي في تشكيل خليّة «القاعدة» في إسبانيا في نهاية التسعينات بقيادة السوري عماد الدين بركات، وقد اعتُقل أفراد هذه الخلية عام 2003، وحوكم تيسير علّوني (مراسل الجزيرة الشهير) وسُجن لعلاقته بمؤسس وقائد الخليّة؛ القضية الثانية هي طلب إفادته بخصوص تفجيرات القطارات في مدريد في آذار عام 2004، والتي أسفرت عن سقوط 191 قتيلاً؛ أما الثالثة، والأقدم، فهي اﻻشتباه بأنه منفّذ تفجير مطعم «إل ديسكانسو» في ضواحي مدريد في نيسان عام 1985. تفجير «إل ديسكانسو» كان أول عمليّة إرهابيّة إسلاميّة على الأراضي اﻻسبانية، واستهدفت مطعماً قريباً من قاعدة «تورريخون» الجوّية قرب مدريد، حيث تتواجد كوادر عسكريّة أمريكيّة. سقط في التفجير 19 قتيلاً، كلّهم أسبان، وأعلنت منظمة «الجهاد الإسلامي» مسؤوليتها عن التفجير. وضعت السلطات الإسبانيّة التفجير حينها في سياق استهداف المصالح الأمريكيّة من قبل «حزب الله» اللبناني، بانية شكوكها حول الموضوع بتقارير استخباراتيّة حول تعاون «حزب الله» مع خلايا تابعة لـ«الجهاد الإسلامي» وضبط شحنات أسلحة ومتفجرات قيل أنها قادمة من «حزب الله». وقد رُبط ستّ مريم بالقضية عام 2004، حين تعرّف أحد الناجين من تفجير «إل ديسكانسو» على صورته المميّزة، بشعره ولحيته الحمراوين، في وسائل الإعلام.

عامي 2010 و 2011 كرّرت إيلينا مورينو أنها تجهل مصير زوجها، وأكّدت أن آخر اتصال تلقته منه –هي وأبناؤهما الأربعة– كان قبل اعتقاله عام 2005 بأسابيع عديدة. ﻻ وضوح حول مصير ستّ مريم، وآخر ما يُعرف عنه هو تقارير غير مؤكدة تقول بإطلاق النظام السوري سراحه بين صيف 2011 و بدايات عام 2012. يرى حازم الأمين، في مقاله في ملحق «تيارات في صحيفة «الحياة» (9-11-2013)، أن هناك بصمة واضحة لستّ مريم في تكتيك «جبهة النصرة» وفي منطلقات صراعها مع «داعش». أياً يكن، «أبو مصعب» لغز محيّر وحرج للسلطات الأسبانيّة، ولإيلينا مورينو ربما..