انطباعات أولى لسوري عن الاحتجاجات التركية

 

حضرتُ يوم 3\11 مظاهرة كبيرة في اسطنبول، دعا إليها علويون أتراك طلباً للمساواة ورفضاً لذوبان هويتهم. كنت، مع ثلاثة أصدقاء بينهم جامعية تركية، نتحرك ضمن الحشد الكبير، نسمع الهتافات التي تلقى ويرددها جمهور المشاركين، ونرقب الوجوه، نساء ورجال من مختلف الأعمار، ونتفرج على الرايات والصور المرفوعة. لم تقتصر المشاركة على علويين. تضامنت معهم أيضاً مجموعات يسارية وطلابية وكردية. ويحتمل أن العدد الإجمالي للمشاركين تجاوز ربع مليون. قالت صحف يسارية تركية إن العدد بلغ 400 ألف.

تسنّت لي خلال أسبوع واحد متابعة مباشرة لمظاهرات أخرى أصغر حجماً في مناطق متعددة من المدينة العملاقة.

ماذا يفعل جمهور الاحتجاجات التركية؟ قبل كل شيء، التجمع في الفضاء العام لوقت قد يمتد ساعات، من الظهر إلى المساء مثلاً في حالة مظاهرة العلويين، بحيث يتاح للمشاركين إسماع صوتهم لأكبر عدد من الناس خلال هذا الوقت. ثانياً، امتلاك الكلام: كان على المنصة شابّان وفتاة يهتفون عبر مكبرات الصوت بشعارات يردّدها الجمهور، أو يرحّبون بمجموعات مشاركة، أو يستذكرون أسماء شهدائهم. ثالثاً، الاحتجاج ذاته، الاعتراض على السلطة العامة في البلد علناً ومحاولة تعبئة قطاعات من الجمهور لتغيير سياساتها أو تغييرها بالكامل. وقد نضيف شيئاً رابعاً هو الإبداعية المقترنة بالاحتجاج الجماعي، أعني المظاهر الاحتفالية والكرنفالية التي تعطي للاحتجاج طابعا يشبه العيد، ويتاح للنساء والرجال خلالها التصرف بطريقة أكثر حريةً وابتكاراً مما في حياتهم العادية.

في مظاهرة يوم 7\11 في جامعة اسطنبول، دعا إليها طلبة يساريون وشارك فيها بضعة آلاف من الطلاب احتجاجاً على المؤسسة المشرفة على التعليم العالي في البلد، انعقدت حلقات دبكة لطلبة كرد، وبمشاركة فرحة من عشرات الشبان والشبابات. في مظاهرة العلويين وضع كثيرون عُصبات خضراء أو حمراء على رؤوسهم وقد كتب عليها: يا علي... مدد، ورسم سيف ذو الفقار. ومن ألطف المشاهدات صور لمن يفترض أنه الإمام علي بن أبي طالب، يبدو فيها رجلاً وسيماً ثابت النظرات، وبلحية مشذّبة. ومنها أيضاً صورة لمصطفى كمال أتاتورك على العلم التركي. في الحقل السياسي التركي المستقطب حالياً، أتاتورك الذي همّش العلويين في سنوات حكمه يفيد كسند مرجعي ضد حزب العدالة والتنمية الحاكم.

أعتقد أن هناك عنواناً جامعاً يوحّد هذه الفعاليات الأربع، التجمّع والكلام والاحتجاج والاحتفال، هو محاولة امتلاك السياسة، هذا الجهد من أجل المقاومة وإدخال فاعلين سياسيين إلى الحياة العامة ينازعون شرعية الممسكين بالسلطة العمومية ويعملون على تغييرهم، وتغيير قواعد الحياة السياسية في البلد في اتجاهات أكثر تحررية. الروح المحرّكة لهذا الكفاح هي توسيع نطاق السياسة ليدخله أكبر عدد من الناس، ولتتقلص المسافة بين من يتحكمون بأجهزة الحكم العامة وبين عموم المحكومين.

لا يمرّ هذا الجهد دون محاولة من حكومة أردوغان تضييق الملعب. لم تعط الحكومة ترخيصاً لمظاهرة العلويين في ساحة تقسيم الشهيرة؛ قبلت لمظاهرتهم ساحة أقل شهرة على الضفة الآسيوية للبوسفور، وكان هناك حشد من عناصر البوليس يرقب تجمّع المتظاهرين، ويفتّش عناصره الداخلين إلى الساحة. يوم 8\11، في شارع الاستقلال المتفرع عن ساحة تقسيم، انعقد اعتصامان احتجاجيان أصغر حجماً، أحدهما ضد تصريحات لأردوغان عن أن عيش شبّان وشابّات في بيت واحد وممارستهم الجنس دون زواج يتعارض مع «ثقافتنا»، والآخر ضد جرائم قتل النساء («جرائم شرف» في بعض مناطق شرق البلاد بخاصة)، وفي هذين الاعتصامين كان عدد عناصر البوليس الذين يراقبون يكاد يعادل المحتجين عدداً.

لم يحصل صدام في الأنشطة الاحتجاجية الأربعة، ولم يُعتقل أحد. لكن ليس نادراً أن يُعتقل أشخاص وأن يتعرضوا محتجون للهجوم بالهراوات وخراطيم المياه والغاز المسيل للدموع. في صيف هذا العام قتل 7 مواطنين (في واقعة هي الأسوأ منذ سنوات) أثناء احتجاجات منتشرة انطلقت من ساحة تقسيم وسط اسطنبول اعتراضاً على محاولة الحكومة بناء مجمع تجاري ضخم في حديقة غيزي القريبة من الساحة. تراجعت الحكومة في النهاية، لكن غالباً ما يتبيّن حتى الغريب انتشار كثيف للشرطة في الساحة الشهيرة ومناطق قلب المدينة.

في المحصلة هناك دينامية صراع اجتماعي وسياسي، حول صُنع السياسة وامتلاك السياسية وتعريف السياسة، وما يمكن وما لا يمكن سياسياُ. تشغل الحكومة في هذا الصرع موقعاُ محافظاُ أو نزّاعا نحو التقييد والقمع، وتحاول إضفاء طابع عام ولاسياسي على أفعالها، فيما يشغل المحتجون موقعاً تغييرياً وتحررياً من حيث المبدأ، نزاعاً إلى توسيع ممكنات التفكير والعمل.

ما كان يمكن لي كسوري إلا أن أشعر بالحسد: ها هم مواطنون أتراك يحتشدون دونما خوف في ساعة عامة في وطنهم، يرفعون بأصوات عالية شعارات حماسية تندد بحكومة أردوغان، وتصف الشرطة بالقتلة، وتهتف للحرية والشهداء. قبل نحو ألف يوم تفجّرت موجة متّسعة من الاحتجاجات في سورية على حكم بشار الأسد، الذي ورث حكم «جمهوريتـ»نا عن أبيه، وطوال شهور فعل السوريون، نساء ورجال، كل ما يمكن من أجل التجمع في الفضاءات العامة في مئات المدن والبلدات السورية، والتدرّب على الكلام في الشأن العام وانتقاد الحاكمين، والاحتجاج العلني، وكان لاحتجاجهم طابع الاحتفال والعيد دوماً، واستعادوا فيه تراث الاحتجاج الشعبي وحّولوا أغاني الحب الشعبية إلى أغاني للحرية والشهداء، وحولوا جنازات الشهداء إلى أعراس. وظلت نقاط التظاهر الاحتفالي تتكاثر حتى حزيران 2012، أي بعد 15 شهراً من بداية الثورة، حيث بلغت حينها نحو 800 نقطة. لقد حاولنا نحن أيضاً امتلاك السياسة التي جُردنا منها وطردنا من ملعبها طوال عقود، نحو نصف قرن في الوقع. لكن ووجهنا بالحرب منذ البداية. ومنذ سقوط أوائل الشهداء بعد أيام قليلة من بداية الثورة السورية، لم يمرّ يوم واحد دون سقوط العشرات أو المئات، وصولاً إلى سقوط 1466 شهيدا يوم 21 آب الماضي في غوطة دمشق بالسلاح الكيميائي للنظام.

بالحرب أراد النظام حماية احتكاره للسياسة، وقتل خلال ذلك وتسبب في قتل فوق 120 ألف من السوريين، كي تبقى أسرة فاسدة متحكمة في البلد.

في تركيا يبدو أن السياسة تتحول بالتدريج إلى لعبة وفقاً لقواعد لعب مقررة. لهذا مخاطره على البعد التحرري للعمل السياسي، وبالتحديد إخفاء علاقات السيطرة والنفوذ وراء قواعد «اللعب العادل». لكنها لا تقارن بكون السياسة في سورية حرباً ساخنة جداً، بعد أن كانت لعقود حرباً فاترة. الخطر في تركيا أن يجري احتواء الاحتجاجات التحررية، وإن عبر توسيع متحكم به للملعب السياسي، لكن ليس بما يسمح لدخول جميع الناس وإسماع أصواتهم فيه ومشاركتهم في صنع مصيرهم. في سورية الخطر أكبر من ذلك بكثير: قتل الناس، والاستمرار في القتل بحصانة كافية، وصولاً إلى الحال الذي نراه اليوم: مجتمع محطّم وبلد محطّم، ونحو ثلث السكان مقتلعون من بيوتهم وبيئاتهم.

لم يكن هذا أمرا محتوماً. كان يمكن اجتنابه لو أظهر النظام الأسدي في أي وقت أدنى استعداد لتقاسم السلطة، والاعتراف بمحكوميه، والاستعداد للتفاوض مع أي منهم. لم يفعل. كان ولا يزال يريد أن يحتفظ بـ100% من السلطة و«إلى الأبد»، وذلك حسب شعار فُرض على طلبة المدارس تكراره طوال نحو عقدين من حكم حافظ الأسد.