في التطرف وأسبابه

 

مع انتشار وتوسع القاعدة وتنظيمات إسلامية أخرى سلفية ومجاهدة في المناطق المحررة، تنتشر بين السوريين أساطير وخرافات حول أسباب هذا التوسع. هذه الأساطير لا تسمح لنا بقراءة المشهد السوري بعقلانية. تنطلق هذه الأساطير من أن للطوائف جوهراً ثابتاً لا يتغير. فيما تخضع إلى تغيرات اجتماعية واقتصادية وسياسية مختلفة، يبقى جوهر الطائفة ثابتاً على الدوام. ما يلي محاولة لتسليط الضوء على مقاربتين في شأن انتشار التطرف بين السنة السوريين. أطروحتي أن كلا القراءتين، المتناقضتين شكلياً، تتفقان في المنهج. كلا القراءتين تحيلان إلى جوهر ثابت للسنّة السوريين.

القراءة الأولى في محاولة تفسير انتشار التطرف السني في سورية هي أن الفاشية والإرهاب خارجيان وغريبان عن السنة السوريين، جلبهما الجهاديون الأجانب أو استدعاهما النظام السوري. القراءة الثانية أن الفاشية والإرهاب داخليان، كامنان في جوهر السنة السوريين. نرى على العكس، أن السوريين السنة والعلويين، كبقية البشر، عرضة لأشكال مختلفة من الفاشية الدينية والقومية، وأنّ انتشار الفاشية يعود لأسباب متعددة، ليس بينها جوهر ثابت طائفي.

خارجية التطرف السني

القراءة الأولى في محاولة تفسير انتشار التطرف السني في سورية هي أن الفاشية والإرهاب خارجيان وغريبان عن السنة السوريين، جلبهما الجهاديون الأجانب أو استدعاهما النظام السوري. الإرهاب ليس صفة للسوريين ولا يمكن أن يكونوا مسؤولين عنه. ينتشر هذا الرأي بين المؤيدين للثورة اللذين يرون أنّ الإسلام السوري السنّي وسطي، وأنّ القاعدة، والسلفية الجهادية، تنظيمات خارجية دخيلة على المجتمع السوري. سوف أدعو هذا بخارجية التطرف السني. تبعاً لهذا الرأي، يبدو أن القاعدة لم تدخل سوريا إلا بسبب قدوم الجهاديين الأجانب. يضيف البعض أن النظام السوري مسؤول عن انتشار القاعدة في الشمال؛ ويشيرون إلى صلات قديمة للنظام بالقاعدة في العراق، وإلى تنظيمات قريبة من القاعدة كفتح الإسلام. يرى القائلون بخارجية الإرهاب أن المجتمع السوري بتكوينه غير متقبّل للحركات الإرهابية والسلفية الجهادية.

القول بوجود دور للنظام الأسدي و للجهاديين الأجانب صحيح، ولكن لا يجوز أن يكونا العاملين الوحيدين في تفسير انتشار التطرف. الدور الذي يلعبه النظام والجهاديون الأجانب في نشر التطرف السني في المناطق المحررة، وهو دور غير واضح المعالم ويخضع لاعتبارات مختلفة ومتعددة، يجد بيئة مناسبة في المجتمع السني السوري. لا يجوز التعمية على انتشار التطرف بين السنة السوريين بلوم النظام والأجانب. تقوم القراءة الجوهرية بإرجاع التطرف إلى جملة ظروف خارجية، وتتغاضى عن قابلية المجتمع السني للتطرف. هذه قراءة تمنعنا من المساهمة في مواجهة القاعدة وأسباب انتشارها المتعددة. نرى أن القراءة الجوهرية تُغفل قابلية السنة السوريين أنفسهم للتحول إلى فاشية متطرفة.

داخلية التطرف السني

الرأي الثاني هو أنّ الفاشية داخلية، موجودة في جوهر السنة. التحوّل إلى التنظيمات الإرهابية السنية قدر لا مفر منه؛ ما إن يتحرّك جموع السنة حتى يتحولوا إلى تنظيمات متطرفة. هذه هي البروباغندا الرسمية للنظام السوري. منذ اليوم الأول للحراك في درعا، اتهم نظام الأسد السوريين بالتطرف الإسلامي. نعتقد هنا أن هيئة التنسيق وبعض اليساريين والعلمانيين على اختلاف توجهاتهم، من أصدقاء النظام إلى التيار الثالث، يتبنّون رؤية جوهرانية للسنة. حين يرى قادة الهيئة على سبيل المثال أنّ التسليح سيقود حتماً إلى انتشار التطرّف، وحين يؤكدون اليوم أنّ ما حذّروا منه في بدايات الثورة قد أثبتت الأيام صحته، يبدو لنا أن التأويل الوحيد لمثل هذا الرأي هو أنّ جوهر الحراك السنّي المسلّح عنفي: ما إن يحمل سنة سوريا السلاح حتى يتحولوا إلى التطرف. لا حلول أخرى. علينا أن نسجّل للهيئة وبعض اليسار أنهم يختلفون عن النظام السوري فيما يلي: بالنسبة للنظام، كل حراك سني سيقود إلى التطرف؛ بالنسبة للهيئة، كل تسليح سينتهي إلى التطرف. لو حافظ المتظاهرون على سلميتهم لما وصلنا إلى الحرب الأهلية. لا يشرح لنا منظّرو الهيئة، لماذا ستتجه الثورة المسلّحة حُكماً إلى التطرّف؟ ولماذا تعتقد الهيئة أنّ كل الاحتمالات الأخرى في تطور الثورة المسلّحة غير واقعية؟ لماذا ترى الهيئة أن التحول إلى التطرف السني قدر مفروض على السنة السوريين؟ يبدو لنا أن الجواب هو أن الهيئة تشارك النظام السوري في رؤية جوهرانية للحراك السنّي. يوجد عنف أصيل داخلي سني سيتجلى ما إن يتوفر السلاح للسنة. نعتقد، بعكس الهيئة وأحكامها القدرية، أنّ هناك احتمالات مختلفة لتطور الحراك السوري المسلّح، وأنّ أحدها هو بروز التطرف السني، الذي بدأ بالانتشار التدريجي نتيجةً لعوامل متعددة ومعقّدة.

التطرف وأسبابه: في خطل القراءات الجوهرية

يشترك القائلون بخارجية التطرف وبداخليته في رؤية جوهرية للسنة السوريين، تعرّف السنة بصفات ثابتة فيهم، وتنحو إلى تفسير الظواهر الاجتماعية، كانتشار التطرف، بهذه الصفات. بالرغم من الاختلاف الظاهر بين القراءتين، إلا أنهما تتبعان المنهج نفسه، وهو منهج عنصري أسطوري علينا تجاوزه إن أردنا فهم أسباب انتشار التطرف في المناطق المحررة، تمهيداً لمواجهة هذا التطرف.

علينا أن نسجّل هنا أنّ هناك قراءة جوهرية للعلويين، تحديداً عند متطرفي السنة. هكذا يبدو أنّ العلويين في جوهرهم وبطبيعتهم عنفيون فاشيون، يبرّرون استخدام الكيماوي ويتغاضون عن سقوط السكود على رؤوس المدنيين السنة. بالطبع، للعلويين أيضاً رؤيتهم الأسطورية للسنة اللذين يريدون إذلالهم واستعبادهم، هذا هو محرك الثورة وفق هذه القراءة.

نرى من جهتنا أنّ كل القراءات الجوهرية خاطئة. لا يوجد شعب أو فئة اجتماعية أو دينية تمتنع على الإرهاب والفاشية. والسوريون ليسوا استثناءً. لم يكن الألمان في الجوهر نازيين، ولا اليهود في الجوهر صهاينة، ولا العراقيون السنة أو الأفغان أو في الجوهر متطرفين يتبعون القاعدة. في الحالة السورية، لدينا إرهاب مزدوج، علوي/ شيعي وسنّي، على ضفتي القتال. ولكن لا يوجد صفات جوهرية للطوائف ينبع منها التطرف والإرهاب. ليس العلويون في الجوهر متوحّشين يتبعون آل الأسد، وليس السنّة في الجوهر إرهابيين يتبعون القاعدة. نحن بحاجة إلى تفسير عقلاني لأسباب انتشار التطرف السني والعلوي/الشيعي في سوريا، إلى تفسير لا يقبل بجواهر خالدة أبدية للطوائف.

نقدّم، بدلاً من أساطير الجوهر، التفسير التالي لانتشار الفاشية بين العلويين و السنة في سوريا:

تتركب الهوية في سوريا على طبقات مختلفة، دينية واجتماعية وطبقية ومناطقية. تتحول إحدى الجماعات إلى فاشية صريحة لأسباب متعددة ومتنوعة، منها الخوف من عمليات إبادة جماعية، كما نجد عند العلويين السوريين؛ أو بسبب عمليات قتل تطال المدنيين على أساس طائفي-طبقي بلا تمييز، كما يحصل مع فقراء السنة السوريين. المسؤول الأول عن انتشار الفاشية بين السوريين هو النظام الفاشي السوري، ذلك الذي اختطف الطائفة العلوية، وشيطن فقراء السنة: أيّ خروج على الأسد يعني التحول إلى إرهاب القاعدة حُكماً في عرف النظام، وفي عرف من يشابهه في الهيئة وبعض اليسار. من مصلحة النظام السوري انتشار الفاشية بين العلويين كي يبرر المقتلة المفتوحة ضد السنة، ومن مصلحته انتشار التطرف في المناطق المحررة كي يبرر قصفها اليومي بحجة مواجهة الإرهاب. مسؤولية النظام السوري في انتشار القاعدة لا تكمن في تغاضيه عن دخول القاعدة، أو إطلاق سراح القادة الإسلاميين، أو بصلاته مع تنظيمات القاعدة في العراق ولبنان، بل في تهيئة الظروف التي ستنمو فيها القاعدة في المناطق المحررة ذات الأغلبية السنية. ينتشر التطرف في بيئة تعاني من تهميش وقصف وحشي يومي. من هنا فإن تنظيمات التطرف السني ستصبح، بل ربما أصبحت، مقبولة في المناطق المحررة. بالمقابل، نجد أن معظم العلويين، والأقليات، يقبلون بالنظام الفاشي، وببراميل الموت التي تنصب على إخوتهم السنة، فقط خوفاً من التطرف السني.

أسباب انتشار الفاشية في سوريا إذن تتمثل في نظام قمعي فاشي يستثمر في قابلية العلويين والسنة للتطرف والفاشية. يتبعها العوامل الخارجية، من تدخلات إيرانية وعراقية ولبنانية ذات طابع شيعي صريح، وتدخلات شيشانية وسعودية وتونسية وغير ذلك ذات الطابع السني الصريح، والتي تجد بيئة خصبة مهيّأة سلفاً وقابلة لانتشار التطرف. هذه القابلية هي التفسير لانتشار الفاشية، وليس الصفات الجوهرية المزعومة. لا يوجد صفات جوهرية عند السنة والعلويين تجعلهم متطرفين أو معتدلين. كل ما في الأمر أن جملة الظروف التي يعيشونها تدفعهم إلى الفاشية والتطرف. لوقف تدهور سوريا في هذا الدرك، علينا تغيير هذه الظروف. لا بديل عن إسقاط النظام لوقف انتشار التطرف؛ سيؤدي ذلك إلى نزع الخوف العلوي المقيم من عمليات إبادة جماعية، وإيقاف المقتلة المفتوحة بحق الفقراء السنة. هذا بداية الحل. أما وقف انتشار التطرف، فيتطلب عقوداً من إعادة بناء الثقة.

تتيح هذه القراءة العقلانية أيضاً طرح بعض الاقتراحات لوقف انتشار التطرف في المناطق المحررة. فشلت المعارضة السورية في التواصل مع السوريين اللذين يعيشون تحت القصف، وتركت البلد لشيوخ الجهاديين. ما زال الائتلاف متردداً في إدانة «داعش» وممارساتها، وما زال تحرك مشايخ السنة المعتدلين في المعارضة إزاء انتشار التطرف والجهاديين الأجانب خجولاً ومحدوداً. بناء جسور جديدة مع المجتمع السني التقليدي في المناطق المحررة، ومحاولة إحياء تقاليد المجتمع المدني، تتطلب عملاً مؤسساتياً متكاملاً، وقد يكون أحد السبل لوقف انتشار التطرف.

تخطئ القراءة الجوهرية في فهم طبيعة البشر. طبيعة الكائن البشري أكثر تعقيداً من اختزالها إلى مجموعة صفات ثابتة. السوريون، العلويون والسنة، بشر كغيرهم. في لحظات مفصلية في التاريخ، تتبنى جماعات بشرية مختلفة أيديولوجيات فاشية متطرفة، وتسعى إلى تبرير هذه الفاشية عن طريق موروث مختلط ومعقّد يحمل الاعتدال كما يحمل التطرف. تحطيم الأساطير التي تعرّف الطوائف بجواهر ثابتة هي الخطوة الأولى على طريق طويل قد يمتد لعشرات السنين. السنة والعلويون في سوريا، كغيرهم من البشر، يستحقون أكثر بكثير من الفاشية التي تأكل أبناءهم يومياً بتسارع مفزع. العقلانية هي السبيل الوحيد لمواجهة أساطير الفاشية. العقلانية، والإيمان بأنه في نهاية النفق المُظلم ستتفتّح طبيعة الكائن البشري في ظروف مختلفة، سيجعلان التسامح ينمو ليصبح طبيعة ثابتة. لا يجوز أن نكفر بالعقلانية، وبالتسامح. ملايين السوريين يواجهون براميل الموت يومياً حالمين بغد أفضل. لهم علينا أن نُبقي هذا الإيمان حياً