جماعة ”ما تبقى“: السنيون السوريون والسياسة

 

على نحوٍ ما، إن سورية هي “دولة ما تبقى” بعد إنشاء “لبنان الكبير” واقتطاع الأردن لأمير هاشمي فائض والتكرم بفلسطين للصهيونيين، فإن السنيين العرب في سورية هم ما تبقى من السوريين بعد عدّ المسيحيين، والعلويين والدروز والاسماعيليين والشيعة، ثم الكرد.

وينطوي الكلام على سورية بوصفها “دولة ما تبقى” أنه ليس هناك شيء إيجابي قوي، أعطاه التاريخ أو الطبيعة أو الثقافة أو تفضيلات مسبقة للسكان، يشدُّ أوصال هذه الدولة إلى بعضها. الكيان السوري حديث، عمره 94، وسورية بذلك من أحدث الدول العربية نشوءاً. ولم يسبق أن كان هنا كيان دولة مركزية، على نحو ما كان الحال بخصوص مصر، أو إقليماً مميزاً على نحو ما هو حال العراق أو اليمن.

الدولة الأموية لم تدم قرنا، وسلالتها الحاكمة لم تكن سورية أو شامية، وكانت دولة امبراطورية على كل حال. وهناك إقليم اسمه الشام أو سورية الكبرى، وهو موزع اليوم إلى أربعة دول.

1

وبالمثل فإن وصف السنيين السوريين العرب بأنهم “ما تبقى” يُضمِر أنه ليس هناك مبدأ إيجابي يجمعهم غير تمايز لا سنيين ولا عرب عنهم. ذلك أن الصفة السنية ليست قوة جذب تشُدّ أولئك المتبقين إلى بعضهم.

و”الفضل” في هذا الواقع للتاريخ والجغرافيا. فالسنيون أكثرية في سورية المعاصرة، وفي الإقليم الشامي ككل، وهم لم يتعرضوا لاضطهاد أو تمييز ضدهم بوصفهم كذلك، فلم يتطور لديهم نازع التمايز عن الغير، ولم يُطوروا سرديات جامعة تُثبِّت هذا التمايز، لا سردية مظلومية ولا سردية تفوق، وهم منتشرون في جميع مناطق البلد، تُميِّزهم عن بعضهم فروقات جهوية وطبقية وسياسية وفكرية مهمة، فلا وجه إيجابياً للكلام على طائفة سنية سورية.

هناك بالطبع سردية تفوق إسلامية، وهي مدونة في القرآن ذاته، لكن لم تتطور في سورية سردية تفوق سنية (سنستدرك على هذا الحكم لاحقا).

ثم أن مقام المسلمين غير السنيين، العلويبن والدروز والاسماعيليين، بعيداً عن الحواضر، في مناطق طرفية، أسهم في الحيلولة دون الشعور الخاص بالحاجة إلى التمايز بين السنيين. أولئك المسلمون غير السنيين يعتقدون بمذاهب “باطنية” غير معلومة للعموم، ولا تنافس الجماعات المنتسبة لها على الشرعية الإسلامية. أما الشيعة، وهم منافسون على الشرعية الإسلامية، فكانوا موجودين في لبنان أساساً، ويشغلون سياسياً واجتماعياً وجغرافياً مواقع هامشية. ولا يبدو أن الشيعة القليلين في ما آل إلى أن يكون سورية المعاصرة تعرضوا لاضطهاد نشط، لكن موقعهم بقي هامشيا على الدوام. نسبتهم إلى السكان، أقل من 1%، لا تشكل ركيزة لموقع أهم، ولا تُحفِّز نازع تمايز سني عنهم.

وفي الأصل كان الإسلام السني استمراراً للدعوة، ثم الدولة، الإسلامية، أي لـ”الإسلام العام” إن جاز التعبير، أو هو نجح في أن يجعل من نفسه كذلك فكرياً وسياسياً. فلا يستبعد الإسلام السني أحداً من جيل الدعوة الإسلامية الباكر، ولعله تشكّل كمذهب لمعالجة جُرح الضمير الإسلامي من وقائع “الفتنة الكبرى”، أي تخاصُم صحابة الرسول وتقاتُلهم فيما بينهم. من هنا تسمية أهل السنة والجماعة. كذلك لا يستبعد الإسلام السني مرحلة من مراحل التاريخ الإسلامي، ويُماهي نفسه بتاريخ الإسلام ككل. هذا أيضا سهّل له المطابقة مع “الإسلام العام”، وحدّ من حاجة منسوبيه إلى تطوير شعور خاص. وهو ما عززه أيضاً كون المسلمين السنيين أكثرية كبرى بين المسلمين جميعا.

مقابل ذلك، بدا الإسلام الشيعي تمايزاً خاصاً عن الخطّ الإسلامي العريض، يستبعد بحدة شخصيات إسلامية أساسية، وأكثر مراحل التاريخ الإسلامي.

وبمحصلة ذلك، طابق السنيون عبر القرون أنفسهم بالإسلام في عالم كان يبدو كله مسلمين، وهو ما أضعف دافع التمايز والهوية المتماسكة في أوساطهم. وغياب نازع التمايز هو بالضبط السبب في افتقار السنيين السوريين إلى مبدأ إيجابي موحد.

وفي مدن مثل دمشق وحلب وحمص وحماه جاور المسلمين جمهور مسيحي وأحياناً يهودي قديم، ما حفّز نازع التمايز الإسلامي العام، وليس السُّني. مقابل اليهود والمسيحيين هناك مسلمون، وما من داع لوصف إضافي لهم. في دمشق كانت تتجاور أحياء الشيعة واليهود والمسيحيين متلاصقة في محيط أكثري إسلامي سني.

وحتى في نظر المسلمين السنيين في الأرياف والبوادي كان وجود غير مسلمين واقعة من وقائع الطبيعة، لا تمسّ في شيء وعي الذات كمسلمين، ولا تقتضي إعادة هيكلته. ومن المحتمل أن مناطق وأجيالاً ماضية من هذه البيئات لم تسمع أصلا بوجود غير مسلمين، أو مسلمين من تكوين مغاير. أنحدر شخصيا من هذه البيئات التي تطابق نفسها بالإسلام، هكذا دون تعيين إضافي، أكثر حتى مما في المدن. وفي طفولتي سمعت من أبي أننا شافعيو المذهب، لكن لم أسمع منه أننا سنيون.

لم تهتز المركزية الإسلامية إلا في القرن التاسع عشر مع بداية وعي المسلمين بانزياح السيطرة والهيمنة العالمية بعيداً عن عالمهم. وهذا واقع لما يتصالح الوعي الإسلامي معه حتى اليوم، ولمّا يجد لما يسببه من تمزق نفسي وفكري حلاً. ونازع الخصوصية الذي يتملك الإسلاميين اليوم كالوسواس يشير إلى فقدان موقع العمومية، والتحول إلى جماعة خاصة، “طائفة” في العالم. من يطابق نفسه بالعمومية أو الكونية اليوم، وبقدر من الصدقية لا يُقارن بغيره، هو الغرب.

2

حتى نحو قرنين مضيا سارت وقائع التاريخ في الإقليم الشامي باتجاه تأكيد الهيمنة السنية وإخراج السنيين من المنافسة على تطوير تماسك ووعي ذاتيين متميزين. إنهم العام العَقَدي والاجتماعي والسياسي، “الإسلام”، وغيرهم خواص.

ومزيج السيطرة السياسية والهيمنة الثقافية، والعمومية المترتبة على هذا المزيج، ثم قُرب الشام من الحجاز، موطن معالم المسلمين المقدسة، وموقعها الوسيط بين تلك المعالم ومركز السلطنة العثمانية طوال قرون، أهّل البيئة السنية الشامية، وفي حواضرها بخاصة، لأن تكون مستقبلة لمسلمين من مختلف جهات العالم؛ وهو ما آل عبر القرون إلى جعل السنيين الشوام، المدينيين بخاصة، الأكثر اختلاطاً من حيث الأصول والأدنى صفاء عرقيا. وهذا واقع تعكسه كنيات الأسر الشامية. تجد أناساً منحدرين من حواضر ومناطق آسيا الوسطى، ومن البلقان، ومن أفريقيا العربية، وقليلا من المسلمين السود أيضاً، الذين ربما كانوا عبيداً. والأرجح أن المسيحيين السوريين في دمشق وحوران بخاصة، والمسيحيين الأردنيين، وحتى موارنة لبنان، أصفى عرقيا من المسلمين السنيين وأكثر عروبة بهذا المعنى المخصوص. وهو ما ينطبق أيضا على الدروز والعلويين.

هذا العامل، وخروج العرب، بما هم كذلك، من السيطرة السياسية في الدول الإسلامية المتعاقبة طوال نحو ألف عام لمصلحة سلالات من كل نوع، غير عربية غالباً، أضعف الرابط العربي ووضعه في موقع ثانوي قياساً إلى “الإسلام” الذي كان وحده العنوان الكوني للمسلمين السوريين.

3

والمحصلة الإجمالية لهذه الأوضاع أن المسلمين السنيين، بما هم كذلك، أي الواعين لكونهم مسلمين سنيين، وليسوا “المسلمين”، لم يوجدوا إلا بعد نشوء الكيانات الوطنية الحديثة. أو بالأحرى أن شروط وعي تميزهم لم تأخذ بالظهور إلا في ظل الدولة الوطنية الحديثة. لقد حصل هنا شيئان. أولهما نشوء مجال عالمي جديد، وخروج الإسلام ككل، والعالم الإسلامي، إلى موقع مسيطر عليه وفاقد للهيمنة على مستوى تصور الدولة والمجتمع والفرد. وهو ما يحمل في طياته أن الفوارق بين المسلمين غدت أقل شأناً من ذي قبل، مقابل الفارق الذي يفصلهم جميعا عن مقرِّ الكونية الجديد، الغرب (واقعة تجسدت في شخصية وعمل جمال الدين الأفغاني)؛ وثانيهما اختلاط السكان في هذه الدول الحديثة وظهور مبدأ المواطنة، وسُلّمٍ جديد للخيرات المادية والمعنوية، لا يحوز المسلمون، الناس الأكثر مطابقة لأنفسهم بالإسلام، ميزة خاصة فيه، إن لم يكن ذلك خصما من حسابهم بالأحرى.

تشكلت هذه الدولة في سياق يحمل واحداً من تصورين للأمة. “الأمة العربية”، ويشارك فيها المسلمون والمسيحيون، وطبعا العلويون والدروز والاسماعيليون، والتماهي السني بهذه الأمة ليس بديهيا على ما كان الحال بخصوص “الإسلام” و”أمة محمد”، وعتبته ليست أدنى من عتبة غير السنيين أو غير المسلمين؛ والتصور الثاني “الشعب السوري”، وفي هذا أيضاً السنيون جماعة بين جماعات أخرى، أكثرية السكان، لكنها أكثرية ضعيفة التماسك، بحيث يكاد القول إنهم “أكثرية” السوريين يكون واقعة إحصائية باردة، مفتقرة إلى أية دلالة سياسية.

ثم إنه ضمن طيف هذه الأكثرية غير الواضح المعالم ثمة من يعرفون أنفسهم كعرب أولاً، وقد كانت كلمتهم هي العليا حتى عقود قليلة ماضية. وثمة من هم علمانيون، ومن هم غير مؤمنين.

وتخترم تمايزات جهوية السنيين العرب السوريين المعاصرين أكثر من غيرهم، لكونهم منتشرون في أرجاء البلد كلها، خِلافا لما كان حال الدروز والاسماعيليين والعلويين حتى وقت قريب. فعدا المدن الأربعة العريقة، دمشق وحمص وحماه وحلب، ثمة مدن أحدث، دير الزور واللاذقية، وأخرى أحدث بعد، درعا وطرطوس وإدلب والرقة والحسكة…، وهناك أرياف زراعية حول المدن، وهناك بواد نصف زراعية ونصف بدوية في الجزيرة وبعض حمص وحماه، وبعض دمشق ذاتها، ولم يبق هناك بدو خلص.

ولا يكاد يكون هناك جامع إيجابي لذاك الطيف “السني” المتنوع. ومن هذا الباب، السنيون هم “ما تبقى” من السوريين بعد عدّ الجماعات الأخرى الأكثر تمايزا تماسكا.

ولذلك كله فإن وصف شخص ما بأنه سني لا يكاد يقول شيئاً مهمّاً عنه حتى اليوم في سورية. بالمقابل تحوز عبارات مثل شامي أو شاوي أو حوراني أو حموي أو ديري… طاقة تعريفية أكبر بالشخص. ومثل ذلك أيضاً بخصوص فوراق الطبقة ضمن كل من هذه المجموعات. أو بالأحرى فوارق المكانة الاجتماعية، وهذا مفهوم من أصول فيبرية، ويحيل إلى فوارق أوسع من ملكية وسائل الإنتاج أو الموقع ضمن علاقات الإنتاج، تتصل بالمهنة والأسرة والتعليم والنفوذ، فضلاً عن الدخل. أما حين تتعاضد فوراق الطبقة أو المكانة والفوارق الجهوية فالتباعد يرتفع إلى مرتبة التمايز بين عالمين. لا شيء يجمع مثلاً بين “فاعل” شاوي يعمل بالبناء، أو يتجمع مع أشباهه في ساحات دمشق بانتظار من يستأجره، وقد يكون أمياً أو يكاد، وبين سليل أسرة تجارية شامية “أصيلة”. والواقع أن موقف الدمشقي النمطي من الطبقة الوسطى لا يزال عدائياً من الريفيين، لا فرق إن كانوا سنيين أو غير ذلك. وأقرب شيء إلى العصبية الطائفية بين السنيين هو ما قد تسمعه من ذلك “الشامي الأصلي”، المنحدر من الطبقة الوسطى التجارية بخاصة، يتكلم بازدراء شديد على “الغرباء” من غير الشوام الذين أفسدوا مدينته، الريفيين منهم بخاصة.

هذه الفوارق في العالم الواقعي هي مما لا يريد الإسلاميون أن يروه لأن فكرهم السياسي والديني مبني على افتراض “إنسان إسلامي”، سُني ضمناً، يتغلب تماهيه الإسلامي على أية روابط أخرى له.

وقد يكون صادما لحس الإسلامي النمطي اليوم أن الشامي من الطبقة الوسطى كان يأنس للمسيحي الشامي الذي يعرف له عنواناً دينياً واضحاً، ليس ضد الدرزي الذي يعرفه قليلا، ولا ضد العلوي الذي لا يعرفه، بل وحتى ضد السني الريفي من حوران القريبة.

4

المسلمون السنيون حتى اليوم ليسوا “طائفة”: لا مبدأ إيجابياً يجمعهم ويشدهم إلى بعضهم. لكنهم بالقدر نفسه أو أكثر ليسوا “الأمة”: هناك غيرهم بين السكان، ونظرة النخب السنية إلى العالم لم تعد مهيمنة. هذا واقع مربك، لما تُستخلَص جملة نتائجه، وهو مصدر التوتر عند النخب السنية التي تعرّف نفسها كذلك، أي عند الإسلاميين. في سورية يلزم دائما التمييز بين نخب سنية بما هي كذلك، أي تعرف نفسها بصفتها السنية، وإن نسبت نفسها إلى الإسلام وحده، وبين نخب سنية بالمعنى السوسيولوجي أو الثقافي، لا تُعرّف نفسها بهذه الصفة، ولا تعود أدوارها الاجتماعية والسياسية إلى استثمار الرأسمال الإسلامي. وهذه الأخيرة لا يوحّدها بدورها مبدأ إيجابي. فقط تتمايز عن نخب وعيها الذاتي سني، أي الإسلاميين. لكن لا يندر أن تتمايز في شيوعيتها المحتملة أو في علمانيتها أو في ليبراليتها عن شيوعية وعلمانية وليبرالية مُنحدرين من أوساط اجتماعية ثقافية أخرى، تمايزا يحيل بدرجات متفاوتة إلى الأصول والتراثات المختلفة.

لكن هل لسبب سلبي فقط لا يشكل السنيون طائفة؟ أي فقط لأنه لا شيء إيجابياً يجمعهم ويتفوق على تمايزاتهم الجهوية والطبقية والثقافية؟ أليس هناك شيء إيجابي يضادُّ الطائفية لدى السنيين السوريين؟ بقدر ما نفكر في صفتهم السنية وحدها فإنه لا يمكن تَبيّن شيء إيجابي مضاد للطائفية. ما يجعل السنيين لا طائفة هو أن التنوع الجهوي والاجتماعي والثقافي في أوساطهم يتغلب على الجامع السني بينهم. وأقرب شيء إلى الإيجابية يمكن نسبته إلى المجموع السني هو ضرب من الاسترخاء النفسي أو التحرر من “القلق الوجودي” الذي يميز عموم المنحدرين من أقليات. لا يشعر السنيون أنهم مهددون بالانقراض أو الذوبان في غيرهم. لكن يبدو أن “الطوائف” الفرعية السنية، الجهوية منها (الشوام بخاصة)، أو السياسية (الإسلاميون)، لديها ضرب من هذا القلق الوجودي، وهو يدفع الأولين إلى الانكفاء على أنفسهم، والأخيرين إلى سلوك سياسي غاضب، وعدواني أحيانا.

5

في السياق السياسي التاريخي السوري العياني يشكل السنيون أرضية لعمومية سياسية من نوع ما بالتقابل مع العمومية السياسية المطعون فيها للنظام الأسدي. يظهر ذلك من واقعة متواترة أثناء الثورة السورية: يجري الكلام بين حين وآخر على معارض علوي أو معارض مسيحي أو درزي… لكن لا يجري الكلام أبداً على معارض سني. يبدو الموقف المعارض للنظام هو الاستعداد الطبيعي لدى السنيين، وليس طبيعياً بالقدر نفسه من غير السنيين، ما يقتضي تنصيصاً خاصاً على أنهم معارضون. بالمقابل، يتواتر التأكيد على وجود كثير من السنيين الموالين، الأمر الذي يبطّنه افتراض قلما يُصرّح به بأنه أكثر “طبيعية” للسني أن يكون معارضاً.

على أن العمومية السنية ضعيفة وسلبية في الواقع، استعداد نسبي ومتفاوت لموقع معارض، يظهر بخاصة أوقات الأزمات الكبيرة، ولا يصلح أساساً إيجابياً لوطنية سورية جديدة. نعم، هناك مشكلة كبيرة حين يجري وضع السنيين في مكانة ثانوية، بمن فيهم هنا الإسلاميون على ما يشهد تاريخ سورية البعثي، لكن ليس هناك حل سني لهذه المشكلة. ومن شأن إشغال السنيين، بما هم كذلك، موقع العمومية في سورية اليوم أن يولد مشكلة معاكسة كبيرة: اغتراب جميع غير السنيين (نحو ثلث السكان)، وكل السنيين غير النمطيين (نسبتهم متغيرة، لكنها كانت كبيرة على الدوام: الإسلاميون أقلية بين السنيين السوريين). وهو ما يقتضي مبدئيا إقامة عمومية سورية، دولة مواطنين متساوين، من وراء الدين والمذهب.

6

في ظل الدولة السورية المعاصرة، وبعلاقة أكيدة مع تراجع الهيمنة والسيطرة الإسلامية، ظهر عامل مُسنِّن إن جاز التعبير، “الإخوان المسلمون”، أو الإسلاميون عموماً. وعلى نحو ما عمل البعثيون على تعريب العرب، جاعلين من العروبة حزباً وإيديولوجية سياسية، يعمل الإسلاميون على أسلمة المسلمين، نازعين الطابع المباشر والبسيط للانتماء الإسلامي، ومُسبغين عليه طابعاً سياسياً وإيديولوجياً ضيقاً. الإسلاميون بهذا المعنى عنصر تطييف للمسلمين السنيين العرب، مناضلون لنقل الوعي الإسلامي الصحيح إلى هذا الطيف الغارق في تجزُّئه وتدينه الشعبي ومحليته وأنماط حياته الخاصة. إذا نجحوا يغدو المسلمون السنيون… طائفة. أي يجري تقليص ما بينهم من فوارق اجتماعية وجهوية وفكرية، وإخضاعهم جميعا لمبدأ إيجابي يقربهم من بعضهم، هو عقيدة الإسلاميين وحزبهم.

وهذا أول تناقضات المشروع الإسلامي. فالإسلاميون لن ينجحوا في السيطرة السياسية في سورية إلا بتحويل المسلمين السنيين إلى طائفة، أي إلا بفشل اجتماعي وثقافي كبير، يعادل تحويل العروبة إلى حزب سياسي وإيديولوجية سياسية على يد البعثيين، المشروع الذي أدى عملياً إلى تغريب كثير من العرب بالذات عن العروبة، وأفضى إلى إفقار اجتماعي وثقافي وأخلاقي مفرط، فوق الإفقار السياسي المعلوم. ولا نرى أن هناك فرصة لأن تتحقق للإسلاميين نتائج أفضل مما تحقق للبعثيين.

وقبل ذلك هذا مشروع فاشل سلفاً. فإذا أخفق النظام الأسدي في توحيد العلويين خلفه بالدرجة التي كان يرغبها، وهم بين سدس السنيين وخمسهم، فليس هناك أي سبب لتوقع أن يحقق الإسلاميون السوريون خُمس نجاحه أو سدسه في توحيد السنيين. وسيحتاجون إلى خمسة أو ستة أضعافه من الطغيان لنجاح هذا المشروع الهاذي.

ومن تناقضات المشروع الإسلامي في سورية أيضاً أن الأمة التي يمكن أن تتشكل حول تفكير الإسلاميين وسياستهم ليست سورية، بل طائفة سنية يراود خيالها طيف “الأمة الإسلامية”، وأنه بقدر ما يمكن أن تتشكل أمة سورية فإن الإسلاميين يندرجون ضمنها، ولا يسودون فيها. وهو ما يعني أن حكم الإسلاميين في أي من بلداننا لا يجوز أن يكون حكماً إسلامياً إن كان له أن يكون ديمقراطياً، وكي يكون ديمقراطياً فلا بد أن يكون الإسلاميون حزبا مثل غيرهم، في نظام يقر بشرعية مبدئية مساوية لأحزاب أخرى، على ما هو الحال في تركيا اليوم.

بعبارة أخرى العلمانية وحدها هي الأساس الفكري والقانوني الذي يؤهل حزباً إسلامياً كي يحكم في دولة ديمقراطية.

7

لم تتشكل جماعة الإخوان المسلمين السورية في أواسط أربعينات القرن العشرين في سياق منازعات طائفية. نشأت ضمن إطار وطني حديث، وبالارتباط مع حركة الإحياء الإسلامي وظهور الإخوان المصريين، وفي سياق محلي يتميز بصعود اجتماعي وسياسي لغير المسلمين، ولغير السنيين من المسلمين، وهؤلاء يتميزون عموما بوعي ذاتي نشط، أو سهل التنشيط.

كان انزياح العمومية والهيمنة بعيداً عن الإسلام ونظمه، ثم أكثر صعود تيارات سياسية “علمانية”، قومية ويسارية، قد قاد إلى إعادة هيكلة للحساسية التاريخية السنية باتجاه شيعي إن جاز التعبير. ظهرت نخب سنية تيارات تستبعد معظم التاريخ الإسلامي بوصفه مروقاً عن الإسلام الصحيح، وبالكاد تستبقي زمن “الخلفاء الراشدين”، وتتشدد حيال غير المسلمين وغير السنيين، وترفع من شأن شخصيات إسلامية نضالية تتمثل فيها هذه الميول، ظهرت في منعرجات تاريخية قلقة، ابن تيمية بخاصة، وكذلك الغزالي وابن حنبل وابن القيّم… الإسلاميون عموماً، و”الجهاديون” منهم بخاصة، هم امتداد لهذا التراث الذي يُضمِر في الواقع نشوء فرقة إسلامية جديدة هي “الإسلاميين”. لسنا هنا حيال استمرار تاريخي طبيعي لـ”أهل السنة والجماعة”، بل أمام تشكل عَقَدي سياسي مرضوض وقتالي، وطائفي، لا يمكن أن تتشكل حوله أكثرية مستمرة حتى بين المسلمين السنيين.

التقاء هذا الاستعداد الفكري “الحديث” مع التحولات الاجتماعية والسياسية التي مثلها الحكم البعثي في سورية هو ما قاد إلى منازعات طائفية قوية بعد أقل من عقدين من السنين كن ظهور الإخوان المسلمين السوريين، ثم إلى صراع عنيف مع النظام الأسدي بعد أكثر بقليل من ثلاثة عقود. الإسلاميون أحدّ وعياً من غيرهم من عموم المسلمين السنيين بالتمايزات الدينية والمذهبية، وإن كانوا لا يحظون بشرعية سنية مضمونة، بينما هو يواجهون ما يرونها سياسة أقليات عازمة على خفض قيمة واعتبار العنصر الإسلامي في تكون المجتمع السوري.

وهذا التقدير ليس خاطئا كليا في الواقع، لكن له جانب موضوعي يتمثل في انطواء الصفحة التاريخية للهيمنة الإسلامية، وخروج مجموعات غير إسلامية وإسلامية غير سنية من هامشية ألفية، لم تعد مقبولة. وله جانب ذاتي وإيديولوجي، اندرج ضمن ما يجدر تسميته سياسة الأقليات، وهي سياسة يحركها نازع تعميم الوضع الأقلوي على الجميع، والحيلولة دون تشكل أية أكثرية وطنية.

برزت المشكلة في عهد حافظ الأسد الذي شهد تداعي القومية العربية، حركة وفكرة، وفشل بناء أكثرية وطنية حول فكرة العروبة (فوق فشل أي عملية توحد عربي)، دون أن يبذل أي جهد لتشكل أكثرية جدية حول الوطنية السورية. “سورية الأسد”، أي جعل الولاء لحافظ الأسد أساساً للوطنية السورية، ليس برنامجاً صالحاً لتشكل أكثرية وطنية. هذا حتى لو لم نقل شيئا عن اعتماد الرجل سياسة الأقليات، محلياً وإقليمياً.

8

في عهد الأسد الأب جرت الاستفادة العظمى من الصفة اللاطائفية للسنيين السوريين العرب، أو من عسر تطييفهم. وحين سحق الإخوان المسلمين في أواخر السبعينات، وهم عامل التطييف النشط في الوسط السني، لم يجر ذلك في سياق نزع تطييف عام، بل بالعكس في سياق يعزز الطائفية عموما عبر أشكال متنوعة من التمييز، وبكثير من الغش والمخاتلة. نظام حافظ الأسد طائفي لأنه اعتمد في إعادة إنتاجه على ركائز طائفية، وعلى توسيع الفوارق الدينية والمذهبية بين السوريين بآليات يتوسط فيها نمط ممارسة السلطة، فوق التفاوت الظاهر لعتبات تماهي السوريين فيه، تفاوتا يتصل بالدين والمذهب.

أقام الرجل نظامه على التبعية الشخصية، مازجا الترغيب بالترهيب، ومقوضا المؤسسات والقواعد القانونية العامة، أي الدولة. ومع صعود المحسوبيات في سنوات حكمه كبديل عن الدولة، نزعت الطوائف إلى التشكل كشبكات محسوبية فعالة، وشكل نافذون (ضباط كبار، رجال دين، رجال سلطة، أصحاب ثروات كبيرة، شيوخ عشائر…) عُقَد تلك الشبكات أو نقاط الكثافة والتماسك فيها، النقاط التي تشدُّ نسيجها إلى بعضه وتمنحه قواما وصلابة.

تشكلت شبكات محسوبية فعالة علوية (ضباط ورجال حكم بخاصة) ومسيحية (مطارنة و”رجال أعمال” بخاصة) ودرزية (“شيوخ عقل” وحزبيين)، وشيعية (رجال مال ودين). أو بالأصح تشكلت هذه المجموعات الاجتماعية الثقافية في صورة لا تكاد تُبقي أحداً منها بعيدا عن “واسطة” مؤثرة أو محروماً من صلات تتيح له النفاذ إلى بيروقراطية الدولة لتأمين مصالحه المشروعة. ولعل في ذلك ما يسهم في شرح صعوبة التعبئة السياسية المعارضين في هذه الأوساط التي آل موقفها من الثورة والمعارضة السياسية إلى أن يحاكي موقف الشوام من البعثيين والشيوعيين في خمسينات القرن العشرين.

هذا بينما تعذر أن تتشكل شبكة محسوبيات (“واسطات”) سنية جامعة، رغم تشكل شبكات محلية في أوساط سنية سورية، في حوران أو دير الزور مثلاً، أو بعض عشائر الجزيرة وحلب، لكن كل واحد منها كانت ضيقة التأثير وقوتها محدودة، أشبه بطوائف فرعية صغيرة، ولا تأثير طائفياً سنياً عاما لها.

على أن أهم هذه الشبكات “السنية” هي الشبكة الشامية. وقد كانت قبل الحكم البعثي قوية ومتداخلة بصورة كبيرة مع الحزب الوطني ذي القاعدة الدمشقية الغالبة. وكانت قوتها ونفاذها في مراتب الحكم بين زمن الاستقلال والحكم البعثي هي ما جعل “الشام” منيعة دون اختراقات بعثية وشيوعية في خمسينات القرن العشرين، ودون اختراقات مهمة من طرف الإخوان المسلمين أيضاً. وإضعاف تلك الشبكة أيام الوحدة السورية المصرية هو بلا ريب من العوامل التي حفزت “الضباط الشوام” إلى الانقلاب عليها. والموقف السلبي للشوام من الحكم البعثي عموماً، وبخاصة من حكم “الشباطيين” في سنوات 1966 و1970، وهو العهد الذي يناصبونه أشد العداء، تعود إلى تقويضه الأسس الاقتصادية والاجتماعية لـ”الطائفة” الشامية التي سترحب بحرارة بحافظ الأسد حين أسقط نظام 23 شباط، وأعاد تقريب ما بقي من الشبكة الشامية، التجار ورجال الدين بخاصة. وفي سنوات ابنه أخذ يتنامى ميل معارض في الأوساط الشامية بتأثير المفعول الاستقطابي المتعدد المستويات (اجتماعي، مكاني، ثقافي…) لتحرير الاقتصاد، وقد تسبب في تهميش البلدات المجاورة لدمشق (دوما، حرستا، داريا، قدسيا، الهامة، التل، عين ترما، زملكا، سقبا، المليحة…)، والعلاقة بينها وبين المدينة متشابكة على مستويات متعددة وتشكل المجال الحيوي للمدينة بتأثير الغوطة وبردى بخاصة؛ وكذلك بفعل احتلال برجوازية جديدة تكونت في ظل الحكم الأسدي مراتب الصدارة في اقتصاد السوق الجديد.

أما في النطاق السوري العام فقد بقي كثير من الناس والمناطق خارج تأثير الشبكات الجديدة، ولا تحميهم في الوقت نفسه مؤسسات وقواعد عامة. يشمل هذا النطاق الكرد السوريين عموماً، الأمر الذي يسهم في تفسير درجة التعبئة السياسية الأعلى في الوسط الكردي. حيث هناك شبكات محسوبية فعالة، تتدنى فرص التنشيط والتعبئة السياسية. والعكس بالعكس.

وبقدر ما جرى إضعاف الدولة وحلول الأشخاص والمجموعات والروابط بينهما محلها، فقد انعكس ذلك بصورة مباشرة تصاعدا في نفوذ وقوة وجهاء ومشايخ دين أو قرابة والموسرين من الناس. هنا الأساس في انتعاش العشيرة والطائفة في ظل الحكم الأسدي. إنه انتعاش “سياسي” في الواقع، كما يعرف شيوخ العشائر قبل غيرهم. فقلما يكون لهم نفوذ حقيقي لهم في عشائرهم ذاتها، ويندر أن يكونوا حتى “واسطات ثقيلة” لمن يحتاجهم.

وفي الوقت نفسه لم تتشكل شبكات محسوبية عابرة للطوائف، ربما إلا على مستوى الشرائح العليا من البرجوازية السورية، وهي الشرائح الأدنى حاجة إلى مثل هذه الشبكات. ثروتها تفتح أمامها الأبواب المغلقة.

قد يكون ما يترتب على هذا الواقع من انكشاف وشعور بالعجز من أشد أسباب السخط المنتشر في أوساط سنيين سوريين أكثر من غيرهم، وقد تكشف مداه في الثورة السورية. ففي غياب العدالة القانونية، وغياب شبكة محسوبية سنية عامة فعالة، أو شبكات جهوية وعشائرية تغطي البلد كله، يجد سوريون كثيرون، من منابت سنية، في الأرياف وضواحي المدن وأحيائها الطرفية أنفسهم في موقع الغارمين المفتقرين إلى سند يحميهم. وأكثرهم لا يملكون المال الكافي لدفع رشاوى تيسر تسيير مصالحهم، علماً أن الرشوة هي القوة الثانية بعد المحسوبية لتسيير الأمور في “سورية الأسد”. يضاف إلى ذلك استلاب سياسي وثقافي في أوساط الإسلاميين، من جراء شروط سياسية تحرمهم من النشاط العام وتشدِّد الرقابة حتى على غير المنظمين منهم.

وإنما في الزمن البعثي، وفي عهد حافظ الأسد بخاصة، بدأت تظهر سردية مظلومية سنية: إن النظام يميز في الوظائف، في الجيش والأمن والإعلام بخاصة، ضد السنيين، وعند الفئات المحافظة إنه يتعمد إفساد أخلاق السكان (الأخلاق الجنسية تحديداً)، وإنه يضطهد المسلمين (= السنيين) بما هم كذلك. ويجري التركيز على نحو متوقع على ما وقع على الإسلاميين من تعذيب وقتل ونفي ومجازر، وبخاصة في مدينة حماه 1982، وقبلها مذبحة تدمر وسيرة سجنه. وبموازاة سردية المظلومية هناك عناصر لسردية تفوق، تبرز تدين السنيين وأخلاقهم، وتضحياتهم، مع تلميح متفاوت في صراحته إلى قلة إيمان وأخلاق غيرهم. سردية المظلومية أقوى وأوسع تداولاً بكثير من سردية التفوق التي تبقى داخلية عموماً، محصورة في الأوساط السنية المعيارية، أعني الأكثر مطابقة لنفسها مع الإسلام السني من رجال دين ومناضلين إسلاميين. والواقع أن هذه السردية منتشرة بخاصة في الأوساط التي تنتجها، ويصعب وصفها بأنها سردية سنية عامة، أو يروج لها عموم السنيين.

يلزم التوضيح هنا أن السرديات ليست تاريخاً ولا هي معرفة اجتماعية “موضوعية”، إنها خطابات جمعية، لا مؤلف لها، تمتزج فيها من وقائع صحيحة بهواجس وتطلعات ومخاوف وأوهام وأشواق، وهي موجهة نحو توحيد الجماعة المعنية ووضعها في أحسن صورة وإظهار جدارتها وإضفاء أكبر قدر من الشرعية على مطالبها. ولذلك فإن المساس بالسرديات، حتى حين تشمل خرافات مكشوفة، وكثيرا ما يكون الحال كذلك، يبدو طعناً بكرامة الجماعة المعنية وإباحة لها. وبخاصة حين يأتي في سياق صراع السرديات، وليس في سياق البحث الاجتماعي والتاريخي. من السرديات على سبيل المثال أن قتلى مذبحة حماه 30 ألف أو 40 ألفاً. ومن السرديات أيضاً أن نسبة المعتقلين العلويين إلى نسبة العلويين من السكان هي الأعلى سورياً أيام حافظ الأسد. الأخيرة غير صحيحة قطعاً، والأولى مجادَل فيها. أكرم الحوراني يقدر الرقم بنحو 25 ألفا، أما روبرت فيسك فيخفضه إلى 8 آلاف.

ورغم الطابع الجمعي واللاشخصي للسرديات إلا أن منتجيها عموماً هم المناضلون والمثقفون العضويون للجماعات الذين يعملون على تحويل سرديتهم إلى قصة مهيمنة في أوساط جماعتهم وفي المجتمع الأوسع ككل، بما في ذلك عبر الصراع مع سرديات أخرى داخل الجماعة نفسها وضمن المجتمع.

وعلى هامش هذا الاستطراد قد يكون مفيداً القول إن ما يقوم به المثقفون العضويون في مجتمع متراجع الاندماج مثل مجتمعنا هو إنتاج السرديات بغرض الهيمنة، وليس النقد وإنتاج المعرفة إلا بقدر ما يقتضيهما إنتاج السرديات.

وبالعودة إلى سياقنا، المقصود من سرديتي التفوق والمظلومية السنيتين شد السنيين إلى بعضهم، بخاصة عبر إظهار أنهم يتعرضون إلى تمييز جمعي من وراء أي فوارق محتملة بينهم. الفاعلية التوحيدية لسردية الاضطهاد أقوى بكثير من سردية التفوق.

وكخلاصة فإن “صورة” الطوائف تتشكل في السرديات وعبرها، أما “مادة” الطوائف فتتكون من شبكات المحسوبية. الشبكات تشد هذه الجماعات إلى بعضها، والسرديات تضفي عليها الشرعية والقيمة. لكن هذه كله ينبغي أن يفهم على خلفية الصراع على السلطة والنفوذ العام. الطائفية مسألة سياسة وسلطة، وليست مسـألة أديان ومذاهب.

9

قد نلاحظ أنه ليس هناك ما يعادل التمييز بين إسلاميين وعموم المسلمين السنيين عند المجموعة الدينية والمذهبية الأخرى. الكنيسة أو الكنائس المسيحية تقوم بدور عام، لكنها لا تفكر بنفسها كطليعة سياسية للمسيحيين، رغم أن الأمور سارت في العهد الأسدي باتجاه تقوية روابط الاستتباع بين عموم المسيحيين والكنائس، وبين الكنائس والنظام. وليس بين الدروز والعلويين والاسماعيليين ما يشبه ذلك أيضاً.

والأساس الجوهري لذلك أن من شأن تشكل “إخوان مسيحيين” أو “إخوان علويين”… أن يجمد الجماعات المعنية في وضع أقلّي، تتفوق مضاره العازلة على التمثيل المفترض لمصالح هذه الجماعات. أنسب لها من الانزواء في تشكيلات دينية تُضعِفها وتعزلها أن تنحاز هذه الجماعات إلى أطر سياسية وفكرية تحتفي بمثل غير دينية للنظام الاجتماعي والسياسي، ويمكن أن تتشكل حولها أكثرية جديدة، تجمعها على قدم المساواة مع غيرها. وكان هذا ميلها السياسي العام بالفعل قبل أن يتمكن النظام الأسدي من استتباع أكثرياتها عبر شبكات محسوبية فعالة. انعكس هذا إيديولوجياً في الخوف من التغيير السياسي، وفي المطالبة بضمانات وأوضاع خاصة، وليس بالمساواة والحرية. وهو ما يشجع عليه اليوم في سياق الثورة السورية مفهوم “حماية الأقليات” الذي تروج له القوى الغربية وروسيا. ولعل أقرب شيء إلى التقابل بين إسلاميين وعموم السنيين هو العلاقة بين النواة الأمنية للنظام في “سورية الأسد” والبيئة العلوية. لكن هذه العلاقة ذاتها نتاج الانحطاط الأسدي للنظام البعثي باتجاه إنتاج علوية سياسية تمسك بالمفصل الأمني للنظام، وليست مبدأه الأول. ومعلوم أنها اقتضت إضعاف أية قيادات دينية علوية أو مرجعيات مستقلة، كي يكون النظام المرجع الحصري للعلويين.

لدينا في الحالين قوة سياسية تستند إلى مبدأ عام، “الدولة” في حالة المخابرات و”الدين” في حالة الإسلاميين، وتعمل على تحقيق الذاتية السياسية لمن تحاول احتكار ولاءهم، وتعادي بشدة، وقد تقتل، من يعترض على ولايتها إن اقتضى الأمر. ومعلوم أن العلاقة بين الكيانين، نواة النظام الأمنية والإسلاميين، بالغة العدائية، على نحو يصعب تفسيره بمنطق الدولة العامة وحاجاتها الأمنية. وبالمثل نرى تماثلاً بنيوياً بين الشكلين العدميين لكل من الأجهزة الأمنية والإسلاميين، أعني الشبيحة والقاعدة.

على أن علاقة الإسلاميين بجمهورهم المسلم المفترض تنحدر في الواقع من تراث فكري سياسي مختلف، هو الذي تنحدر منه علاقة البعثيين بجمهورهم العربي المفترض وعلاقة الشيوعيين بجماهير الكادحين في بلدانهم. وعلى نحو ما يعتبر البعثيون سكان بلداننا عرباً حصراً، ما يقود حتماً إلى تهميش غير العرب، ومعهم العرب الذي لا يتعرفون في البعثية على حقيقتهم و”رسالتهم”؛ وعلى نحو ما يعتبر الشيوعيون شعوب بلدانهم جماهير من البروليتاريا والفلاحين والكادحين، فيهمشون من ليسوا كذلك، ويلحقون بهم الكادحين الذين لا يروق لهم التمثيل الشيوعي لمصالحهم الحقيقية؛ على هذا النحو أيضاً يعمل الإسلاميون على تمثيل المسلمين، وهم ما يهمش غير المسلمين، والمسلمين غير السنيين، والسنيين غير الإسلاميين. لا يخطئ البعثيون في افتراض أن العرب أكثرية، بل في تقرير ماهية عربية ثابتة ودائمة وغير تاريخية أو متغيرة، تجعل من وجود غير العرب واقع عارضاً ولا قيمة له، وتالياً غير جدير بالحسبان سياسياً. ومثلهم، لا ينكر الشيوعيون وجود غير البروليتاريا، لكن في البروليتاريا وحدها تتكثف الإنسانية، وحريتها وحدها تؤسس لحرية البشر جميعاً، الأمر الذي يجعل من كل اضطهاد يقع على غير البروليتاريين أمراً قليل الأهمية، أو حتى شيئاً تقدمياً. وينطلق الإسلاميون من أن بلداننا إسلامية على نحو ماهوي وثابت، وتالياً يتعين أن يحكمها “الإسلام”، أي هم. غير المسلمين وغير الإسلاميين موجودون، لكن وجودهم ثانوي ولا يؤثر على الماهية. هذه هي السياسة التي تنبع من مفهوم الإسلاميين لذاتهم وللدولة والمجتمع، وليست بالضرورة السياسة التي يمارسونها فعلياً، والتي تنضبط بالأوضاع الواقعية بصورة أكبر. لكن بذور الطغيان كامنة هنا، وفي المثالين البعثي والشيوعي نعلم أن هذه البذور أينعت طغياناً ناضجاً. وليس هناك سبب قوي لافتراض أن تكون المحصلة مغايرة بخصوص الإسلاميين.

والأرجح أن أول من قد يدفع ثمن سياسة تعمل على مطابقة الواقع العارض لمجتمعاتنا مع ماهيتها الإسلامية الحقيقية أو “الأصيلة” هم السنيون غير الإسلاميين والمقاومون للإسلاميين.

وهذا في الواقع يطرح معضلة بالغة القسوة على عموم الفاعلين العامين في سورية (والبلدان العربية)، المنحدرين من أصول سنية بخاصة. فمن جهة لم يعرف تاريخنا المعاصر حالة واحدة جرى استبعاد الإسلاميين فيها من الحياة السياسية إلا في سياق استبعاد عام طال غيرهم من يساريين وقوميين وليبراليين. وتالياً فإن الدفاع عن الحريات العامة والديمقراطية لا يستقيم دون أن يشمل الإسلاميين. لكن من جهة أخرى تتعارض نظرة الإسلاميين الماهوية إلى مجتمعاتنا كمجتمعات إسلامية جوهرياً مع أسس التفكير الديمقراطي. الديمقراطية تُبنى على الوجود الواقعي والنثري للناس وليس على الماهيات. ولا نرى سبيلاً لمعالجة هذه المعضلة غير الانخراط في الصراع والعمل على تأهيل موازين قوى اجتماعية وسياسية تحول دون أن يكرر الإسلاميون سيرة البعثيين والشيوعيين.

هل هناك فرصة كبيرة لذلك؟ ليس كثيراً. لكن من وجهة نظر تاريخية قد يكون صعود الإسلاميين السياسي اليوم مدخلا إلى مقاومة سياسية الماهيات وفكر الماهيات، أي إلى التجدد الثقافي والفكري، وهو منذ الآن يغدو ضرورة حياة في مجتمعاتنا، فضلاً عن التحرر السياسي.

ولعل نقطة الانطلاق في المقاومة الفكرية والسياسية أن الماهية الإسلامية ذاتها بناء سياسي، مصمم كي تكون السلطة حقاً بديهياً للإسلاميين، وليست تلك الماهية طبيعة مجتمعاتنا أو حال البداهة فيها. ومثلها في هذا الشأن الماهية العربية. وهما لذلك بالذات محتاجتان للطغيان لدعمهما وإقامتهما نظامين سياسيين.

فرص التجدد الإسلامي والعربي تمر عبر نقد الماهيات ومقاومة سياسة الماهيات والطغيان، وإظهار وتعهد التعدد والتاريخية إلى قلب الإسلام والعروبة.

10

سجلت الثورة تصاعداً في الوعي الذاتي السني غير مسبوق. المتن الاجتماعي الثقافي للثورة يتشكل من سنيين. لكن أسباب ذلك اجتماعية قبل أن تكون دينية أو مذهبية. الأمر يتصل أساساً بضعف أو انعدام شبكة المحسوبيات السنية في نظام اجتماعي سياسي يعتمد بقدر واسع جداً على المحسوبيات.

وبفعل “تحرير الاقتصاد” وتراجع وظائف الدولة الاجتماعية في عهد بشار، عانت بيئات سنية في العديد من مناطق البلد انكشافاً اجتماعياً خطيراً يفوق ما تعرضت له غيرها. وقاد “تحرير الاقتصاد” أيضاً إلى تشكل سوق عمل جديدة محابية للمدن على حساب الأرياف، وللمدن الكبرى على حساب الأصغر، ومراكز المدن على حساب أطرافها وضواحيها، ولأصحاب الثروة (وطبعا النافذين في السلطة) على حساب الشرائح الأفقر.

والمهمشون هم أساساً من الأوساط السنية. ولعل مشاركة اسماعيليين في الثورة، وهي لافتة ومبكرة، تتصل بوضع المناطق التي يقيمون فيها، وهي بلدات وأرياف متدهورة، في سوق العمل الجديدة، وليس بأية خصائص ذاتية طائفية. وفوق القوة النسبية لشبكات المحسوبية الطائفية، فإن الدروز (3% من السكان) يغتربون كثيراً وتسهم تحويلات المغتربين في مساعدة ذويهم المقيمين، ومثلهم المسيحيون (دون 10%) الذين تتوفر لهم أيضاً مؤسسات تأهيل تعليمي مهني تضعهم في موقع جيد في سوق العمل الجديدة (بنوك، إعلام جديد، وكالات أجنبية، مهن علمية…)، فيما يتجه جمهور علوي واسع إلى العمل عند الدولة (الجيش، المخابرات، الإدارة، التعليم…)، أو في المجال الثقافي والإعلامي (العلويون 10-12% من السكان).

في وقت لاحق من الثورة، وبعد ارتفاع عدد الشهداء إلى الألوف، مع الظهور الواضح للاستهداف التمييزي للبيئات السنية الثائرة (النظام الذي يقوم قسط من شرعيته الدولية على مبدأ “حماية الأقليات” يُحاذر أن يقع شهداء مسيحيون أو دروز أو اسماعيليون، أو كرد)، أخذت المشاركة السنية في الثورة تتغذى أيضاً من هذا الواقع التمييزي الجديد، وليس من واقع الهامشية الاجتماعية والاقتصادية وحده.

وبعد أن كان هذا المحدد الاجتماعي الاقتصادي ينعكس في شعارات وطنية واجتماعية عامة (الشعب يريد إسقاط النظام؛ الله، سورية، حرية وبس؛ واحد، واحد، واحد/ الشعب السوري واحد؛ بدنا نقولها عالمكشوف، حرامية ما بدنا نشوف…)، أخذ المحدد الطائفي التمييزي ينعكس في شعارات إسلامية، تزداد تشددا مع إمعان النظام في إجرامه التمييزي. ومن الشعارات التي تعبر عن تصاعد الشعور الطائفي السني واحدٌ منسوج على شاكلة شعار أسدي وله البنية الاستبعادية نفسها: قائدنا للأبد/ سيدنا محمد!

على أن أعم ما انعكس فيه القتل التمييزي ظهور المكون العسكري للثورة، وهو ليس مكوناً حصراً من سنيين، لكن أكثريتهم فيه تفوق كثيراً أكثريتهم بين السوريين، وأكثريتهم بين الثائرين بالذات. وأسماء أكثر الكتائب مأخوذة من التاريخ الإسلامي الباكر، وبعضها ذات رنين سني خاص.

ومن وجهة نظر تاريخية قد يرى إلى الزمن الأسدي ككل بأنه الزمن الذي تعرض فيه السنيون، بما هم كذلك لتمييز، فكان أن انعكس ذلك اشتداداً في تماسكهم ووعيهم الذاتيين.

مع ذلك ليس هذا واقعاً ناجزاً أو في سبيله إلى النجاز. التمايزات الجهوية في البيئات السنية السورية يرجح لوزنها أن يزيد، ولا يقل، بعد سقوط النظام. وهناك “تطور غير متكافئ” لهذه البيئات على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والدينية، وتشكل بعضها أوساطاً مستقبلة لإسلاميين متفاوتي التشدد (إخوان، حزب التحرير، سلفيين، سلفيين جهاديين…)، وبعضها أقل ترحاباً. هذا فضلا عن التمايزات الطبقية القديمة والجديدة.

11

كانت الميزة التاريخية للسنيين السوريين أنهم لا يشكلون طائفة. هذا ما أهّل هذه البيئة التي تتماهى أوساطها النشطة بالإسلام العام لأن تكون متناً اجتماعياً وسياسياً وثقافياً في سورية طوال نحو نصف قرن بعد نشوء كيانها المعاصر. انتهت هذه الفترة مع الحكم البعثي. وغدت استعادة الموقع “المتني” للسنيين اليوم مشروعاً رجعياً بكل معنى الكلمة، غاية ما سنحصل عليه دكتاتورية حزبية تسيّس الإسلام بعد دكتاتورية حزبية تسيس العروبة.

وبدل متن سوري معرف دينياً، وممتنع لذلك بالذات، سيتحول السنيون الذين يحاول الإسلاميون جعلهم متن سورية بعد الثورة إلى طائفة خاصة، أي بالضبط إلى لا متن (لا متن طائفيا ممكن لسورية، أو لأي بلد)، وربما يحرض ذلك ديناميات صراعية ضمنهم، فكرية وسياسية واجتماعية، تميز بين طائفة (أو طوائف) الإسلاميين السنية، وبين جمهور سني مؤمن وغير مؤمن متنوع، يعمل على تطوير عالم وحياة جديدين.

من شأن نجاح مشروع الإسلاميين، وهو تطييف السنيين، أن يكون فشلاً كبيراً على المستوى الاجتماعي والثقافي والنفسي، للمسلمين السنيين ولسورية ذاتها. وربما يفتح الباب لأسوأ المخاطر: تقسيم الدولة كمؤسسة حكم وفق نظام محاصة طائفية يبقي سورية مريضة إلى ما شاء الله، على ما هو حال لبنان اليوم، أو أسوأ تقسيم الدولة ككيان وتوزيعها بين طوائف لا تطيق بعضها.

12

بقدر ما تعمل الثورة اليوم على إسقاط النظام الأسدي فإنها تتجه إلى ضرب شبكات المحسوبية القائمة، والتجزؤ الاجتماعي المتكون حولها والمعمِّم للحالة الأقلوية على المجتمع السوري.

قام هذا النظام على استبعاد شرائح اجتماعية من أشكال الحماية التي لم يعد يستطيع توفير غيرها في السنوات الأخيرة، الرشوة والمحسوبية. هذه الشرائح تعرض حركية سياسية وفكرية، واستعدادا للتعبئة السياسية لم تعرفه سورية منذ خمسينات القرن العشرين. الثورة هي التعبير الكبير عن هذه الحركية. لكن السلفية، وهي إيديولوجية إسلامية طهرانية متشددة، يمكنها أن تكون الشكل الأبرز للحركية السياسية لأوساط سنية متسعة يتطور مزاجها الثوري ويتجذر، بالتناسب مع عنف النظام وتطرفه. الفكر السلفي أكثر ملاءمة للطلب الفكري والسياسي لشرائح مفقرة في الأرياف والبلدات والأحياء الطرفية التي ينحدر منها الشباب الثائرون الغاضبون، من أشكال الفكر والتدين الإسلامي الأكثر تعقيدا، التي ربما تلائم شرائح مدينية من الطبقة الوسطى.

في تبسيطها وقاعدتها الاجتماعية “البرجوازية الصغيرة” وطابعها التعبوي وغضب معتنقيها المتولد عما تعرضت له بيئاتهم الاجتماعية من تدهور في السنوات الأخيرة والمفعول الاستفزازي لاقتصاد السوق الجديد،  قد يمكن اعتبار السلفية تحديدا وريثة للإيديولوجية البعثية التي اجتذبت جمهوراً مماثلاً في خمسينات القرن العشرين وستيناته. كان البعثيون أبناء أرياف مهمشة، من “الأقليات” أو من بيئات سنية طرفية، يجمعهم الغضب من المدينة التي تهيمن فيه طبقة ملاك أراضي وتجار موسرين، سنية أساساً، ويحولون غضبهم إلى نضال ضد ما يوصف بأنه تحالف رجعي بين البرجوازية والإقطاع. وقد وفر لهم ميشيل عفلق ضرباً ملائماً من الكفاف الفكري النضالي، لم يتأخر في الابتعاد عنه كل بعثي متطلع إلى تفكير أكثر تعقيداً. أما السلفية فتجتذب شباباً سنياً حصراً، ضد أوضاع امتيازية، تسيطر فيها البرجوازية الجديدة التي أثمرها نصف قرن من الحكم البعثي. مراكز المدن الكبرى، دمشق بخاصة، تشكل معرضاً لمباهج تشبه تلك التي استفزت الشاب القادم من ريف اللاذقية في قبل نصف قرن وأكثر.

هل يكون السلفيون بعثيو اليوم؟ دلالة الاسمين متقاربة.

لكن الأكيد أن ما فرقه البعثيون يتعذر على السلفيين توحيده.

13

ختاماً، السؤال الذي يلزم أن يطرح في مقالة تتكلم على السنيين السوريين هو: هل ستتعرض “الأقليات” للمخاطر إذا سقط النظام الأسدي، وتصدرت المشهد السياسي السوري نخبة جديدة، أكثريتها من السنيين؟ هذا السؤال مضمر في مبدأ “حماية الأقليات” الذي يبدو أنه يشغل بال قوى غربية وروسيا على ما سبق القول. ويتضمن المبدأ أن مصدر الخطر على الأقليات هو “الإسلام” أو الأكثرية الإسلامية التي تبدو عدوانية على نحو متأصل، وكلية الأنانية، وتهديد الأقليات مُحتّم على يديها. والافتراض المضمر في هذا التقدير أن الأكثرية الإسلامية المزعومة موحدة دوماً وتتصرف بصورة موحدة، وتنضبط في تصرفها بعقائد إسلامية عدوانية حيال كل من هو غير مسلم. يفترض التقدير ذاته أن هناك أقليات متماثلة المكانة، وأنها تعامل ككتل متجانسة، وتلقى المعاملة العدوانية نفسها.

لكن مجمل هذا الطرح غير تاريخي ومفتقر بالكامل إلى الحس الواقعي، وهو يبني صورة معيارية أو ماهوية لما يفترض أنه الإسلام، ثم يفترض أن إسلام مجتمعاتنا الواقعية ينضبط به، وأن المسلمين الواقعيين منضوون تمام الانضواء تحت راية هذا الإسلام المجرد. هذا في الواقع استيهام أوروبي لا يقول أي شيء واقعي عن الإسلام التاريخي اليوم، أو في أي يوم.

فإن كان لنا أن نقدر بصورة قريبة من الواقع المخاطر التي يمكن أن تصيب أية أقليات سورية فعلينا أن نهمل هذه العقيدة.

الواقع أن ما يحتمل أن يعرض لبعض الأقليات من مخاطر لا يتولد عن وجود جماعة إسلامية موحدة، أو عن طائفة سنية موحدة، بل بالضبط عن امتناع توحد السنيين أو حتى اقترابهم من التوحد. يمكن تصور مجموعات متشددة، طائفية التفكير والسياسة، تجعل من تفوق العقيدة الإسلامية السنية حجر الزاوية في سياستها، ولا يشغل غير المسلمين والمسلمين غير السنيين غير مواقع ثانوية في تصوراتها للدولة والمجتمع. هذا ينطبق بخاصة على ما نسميه “الإسلام العسكري” أكثر من “الإسلام السياسي”، أعني السلفية الجهادية بخاصة، أو أية مجموعات إسلامية سنية مسلحة. الطائفية موقف مبدئي عند هذه المجموعات. لكن “الإسلام السياسي” ليس مبرأ من هذا المنزع أيضاً. ومعلوم أنه ضعيف فكرياً أمام الإسلام العسكري، وقلما يتجرأ على نقده أو هو يفعل ذلك على نحو عابر. “الإسلام العسكري”، بالعكس، يوجه نقداً لاذعاً للإسلام السياسي، ويحصل أن يصفه حتى بالعلمانية، وهذا تحقير ما بعده تحقير من وجهة نظر الإسلاميين العسكريين.

على أية حال، هذه الأقليات السنية، أو الطوائف السنية الفرعية، يمكن أن تشكل خطراً متفاوتاً على الأقليات غير السنية وغير الإسلامية. وربما تختلط في مثل ظروفنا الراهنة نوازع الانتقام (ومحركاتها سياسية) باعتبارات عقدية وسوابق تاريخية. ولذلك يمكن لهذه المخاطر أن تزداد كلما دفعت أوساط سنية نحو مزيد من التصلب والراديكالية في مواجهة النظام، وهو الميل العام اليوم بفعل تصلب النظام وتطرفه.

على أن “الأقلية” الأشد تعرضاً للمخاطر على يد “طائفة” فرعية سنية متشددة هم السنيون العلمانيون وغير المؤمنين على ما سبق القول. سياسات الماهية تقتضي أولاً استئصال هذه الشوائب. وأول الطائفية دوماً ليس مواجهة طوائف أخرى، بل “الخونة” من طائفتنا.

ثم إن هذه “الأقلية” هي الأكثر تعرضاً للتهميش أيضاً إذا وقع الممتنع: تَوَحُّد السنيين، وتحوُّلهم إلى طائفة. هذا غير ممكن في الشروط الراهنة إلا بإشراف نظام طغيان سني، تسيطر فيه الأقلية التي تسمى الإسلاميون. وأول ما سيحطمه نظام كهذا هو أيضاً من يجسدون اللاطائفية بين السنيين، العلمانيين، والبيئات المحلية الأقل تمذهباً دينياً، الإسلام الشعبي. أي عمليا أكثرية السنيين.

والخلاصة أن منبع الخطر على أية أقليات ممكنة هو منبع الخطر على أية أكثريات أيضاً: الطغيان. وفي مواجهة طغيان ديني محتمل لا يصلح طغيان بلون آخر سنداً. ما يمكن أن يصلح هو العمل على بناء أكثرية وطنية جديدة، فيما وراء أكثريات الدين والإثنية والمذهب، وفيما وراء تعميم الوضع الأقلوي على الجميع.

هذا يتطلب إصلاحا كبير لسلم القيم الاجتماعي لمصلحة العمل والعلم والكفاءة، على حساب السلطة والثروة والقرابة التي تتصدر سلم القيم القائم اليوم. وهو ما يقتضي أن يكون نصيب العمل والعلم من الدخل الوطني أعلى بكثير مما هو الحال اليوم. حيث يتمركز المجتمع حول السلطة أساسا يصعب نصب حواجز في وجه الطائفية. المجتمع اللاطائفي هو مجتمع العمل.