على عتبة أطلال «جنيف2»

وفق المعطيات السياسيّة والميدانيّة، يبدو عقد مؤتمر «جنيف2» في الثاني والعشرين من الشهر الجاري ضرباً من الخيال. رغم ذلك، لم يُعلن بعد عن تأجيله أو إلغائه. قد يُعلن التأجيل أو الإلغاء في الساعات أو الأيام القادمة، أو ربما تقرّر الجهات الدوليّة المعنيّة بانعقاد المؤتمر أن اجتماعاً منقوصاً وفاشلاً أفضل من تأجيل جديد. على كلّ حال، ﻻ يمكن الجزم بما سيحصل، إذ أثبت سياق الجهود الدولية المحيطة بالأزمة السوريّة أنه ﻻ منطقي وﻻ عقلاني بما يكفي، ذلك أنه لا يمكن تتبّعه وتوقّع خطواته.

نقاهة النظام السوري، والتي بدأت منذ لحظة التوافق الروسي-الأمريكي على نزع الترسانة الكيماوية السوريّة، مستمرّة. ﻻ ضغوط دوليّة جديدة عليه، والضغوط القديمة ترتخي أو تتلاشى مع مرور الوقت. تماسك البنيان العسكري والأمني في المناطق الواقعة تحت سيطرته أكثر من مقبول بالنسبة له، وﻻ شيء في الأفق يشكّل مصدر خوف جدّي على وجوده. هكذا، وباستخدام القليل من الديماغوجيا والكثير من اﻻستقالة –حتى اللفظية– من منطق نظام حاكم لصالح لغة ميليشياويّة بحتة، تصبح أخبار السيطرة على أزقّة أو بلدات هنا وهناك، أو إطباق الحصار على مناطق وأحياء ﻻ تبعد عن القصر الجمهوري أكثر من كيلومترات معدودة، تُذاع في وسائل إعلام النظام وإعلام حلفائه واعتذارييه وكأنها أنباء تحرير اسكندرون والجولان وفلسطين سويّة. صحيح أن هذه «اﻻنتصارات» أكثر من مقلقة من ناحية قدرتها على قضم المساحات ببطء، وأيضاً من جهة إيقاعها شتى النكبات الإنسانية على رؤوس سكان المناطق المستعادة وفعاليتها في إكمال الحصار على مناطق أخرى، لكن جلجلة تعبيرات اﻻحتفال بإنجازات متواضعة كهذه تشير بوضوح إلى حجم طموح وأفق النظام-الميليشيا.

وقوف مراسلة إحدى القنوات الموالية للنظام السوري في حمص وسط جثث أكثر من 60 مقاتلاً في كتيبة «شهداء البياضة»، الذين قضوا أثناء محاولة خرق الحصار المفروض على منطقتهم، ثم لتعلن، وسط هذا المسرح الدموي، «انتصار الحق»، هذا هو الممثل الأبزر للنظام السوري، وهو المثال الأسطع على «انتصاراته».

لا يشعر النظام أنه مجبر على السياسة بأيّ شكل من الأشكال. تتعرّض المعارضات السورية لشتّى أنواع الابتزاز والضغط كي تعبر عتبة «الحل السياسي» العتيد، في حين ﻻ أحد يضغط على النظام حتى لإبداء بوادر حسن نيّة، من قبيل الإفراج عن معتقلين أو فكّ الحصار عن بعض المناطق أو السماح بدخول مساعدات إنسانيّة للمناطق المنكوبة. إن عُقد «جنيف2» فسيرسل إليه عناصر بيروقراطية من الصفّ الثالث أو الرابع، كي يكرروا «فلسفات» بشار الأسد المتذاكية حول «الإرهاب» و«المُمانعة» و«الترتيب العالمي» أو حتى «جنس الملائكة» إن لزم الأمر؛ وإن لم يُعقد «جنيف2» فبالإمكان الاستمرار في التعاطي الميليشياوي مع الجمود الحالي.

من جهة مقابلة، يتواصل تمرّغ المعارضات السوريّة في بؤسها. «الائتلاف الوطني»، ذاك الذي ﻻ أخبار عنه إﻻ مشاجرات ومشاحنات وتوتّرات بين كتله، وانسحابات أعضائه وأزمات انتخاب شخصياته، عاش قبل أيام أكبر زلازله بعد انسحاب عشرات الأعضاء منه بشكل جماعي بعد إعادة انتخاب أحمد عاصي الجربا رئيساً له. قبل أقل من أسبوعين على الموعد المفترض لـ«جنيف2»، الهيئة السياسيّة المفروض أنها المظلة السياسيّة الأوسع والأكثر تمثيلاً على مائدة المجتمع الدولي عاجزة عن الخروج من صراعاتها الداخلية، والتي، بزِقاقيتها الضيقة، ﻻ تشبه إﻻ «انتصارات» النظام العتيدة. لم يتشكل وفد مفاوضات، ولم يُطرح برنامج تفاوض وأهداف حدّ أدنى. فقط شعارات وكلام عمومي يتمحور حول المزاودة على «الخصم» داخل المعارضة نفسها، أو الرّد على مزوادات هذا «الخصم».

حتى «هيئة التنسيق»، الجماعة الأكثر تحمّساً لـ«جنيف2»، عبّرت نهاية الأسبوع الماضي عن «خيبة أملها» من مواقف موسكو الأخيرة تجاه الأزمة السوريّة، ونُقل عن أحد قيادييها قوله إنن «مسؤولين روس ألمحوا بشكل غير مباشر إلى أن بلادهم غير قادرة على فرض شروط بسيطة على النظام السوري». بعد يومين من هذه التصاريح حول الموقف الروسي، أعلنت «هيئة التنسيق» أنها «ترفض حضور مؤتمر جنيف بالشروط والمعطيات المتوفرة».

الوضع العسكري ليس أفضل بكثير من السياسي، رغم المستجدات الأخيرة في الحرب التي شنّتها غالبيّة الفصائل على «داعش». الفصام بين الأرض والسياسة مرض مميت بحدّ ذاته، وهذه الحرب المستجدّة معقّدة أكثر بكثير من قدرتنا على تحليلها الآن في عجالة. على كلّ حال، يبدو واضحاً أن هذه المعارك، حتى لو تعلّقت جزئياً بمقتضيات مصالح إقليميّة ودوليّة بمحاربة «داعش» وما تمثّله من مخاطر، هي خارج سياق ما يمكن طرحه في «جنيف2».

أمام هذا الواقع، ﻻ يبدو «جنيف2» إﻻ كوميديا ساخرة، وليس التوجّه إليه إﻻ هزلاً سوريالياً، خصوصاً أمام عمق معاناة السوريين. المؤتمر فاشل ودون جدوى فعليّة لصالح السوريين، سواءً حضرت المعارضة أم غابت. وأمام إجحاف الابتزازات التي تتعرض لها المعارضة، وانعدام إزعاج النظام ولو بالكلام (رغم الجرائم اليوميّة ضد الإنسانيّة: من إمطار حلب بالبراميل المتفجّرة إلى الحصار الخانق الذي تعاني منه مناطق سوريّة شتّى والذي يوقع في مخيم اليرموك مثلاً قتلى كل يوم بسبب الجوع ونقص الدواء) لا يبدو الطريق المؤدي إلى «جنيف2» إﻻ إهانة واستهتاراً مستمرَّين مع كلّ خطوة. ﻻ يوجد أي ضمان، أو حتى مجرّد تلميح بسيط إلى أن المؤتمر سيرفع، ولو قليلاً، المعاناة الخانقة التي يعاني منها السوريون. بالتالي ﻻ معنى للذهاب إليه. «جنيف2»، إن عُقد، لن يكون أكثر من مراسم إعادة تعريف المسألة السوريّة، من ثورة شعبيّة ضد طاغية مستبد ومجرم يجب دعمها والوقوف معها إلى مجرّد «حرب أهليّة» فيها «طرفان» يتساويان في «السوء»، وﻻ تَعاطي ممكن معهما إﻻ عبر البحث عن «تسوية»؛ وقد تُصنع هذه التسوية تحت عنوان «محاربة إرهاب داعش»، الشديد البريق في أروقة السياسة الدوليّة. تطالب المعارضة بالتعاون مع هكذا مأساة سياسيّة دون أيّ مقابل، بل توبَّخ إن طالبت بشيء لقاء هكذا مجهود. لم نسمع أيّ وعد بتكبيل قدرة النظام على الأذى، ولا أيّ التزام بفكّ الحصار أو إطلاق سراح معتقلين.

الموقف المعارض في سوريا اليوم بحاجة لاستجماع القوى، والخروج من منطق التكتيك الظرفي البائس نحو تخطيط أكثر صلاحيّة للمقتضيات الاستراتيجيّة لوضع طويل الأمد. هناك حاجة ماسّة للعمل سياسياً وفكرياً على مجابهة التحدّيات المتراكمة، والتي تبدأ من مقاومة النظام المجرم إلى مجابهة الفاشيّات الدينية، مروراً بالعمل في الداخل المحرّر على استجماع قدرة المجتمع على الصمود في وجه الحرب الإباديّة الشاملة التي يتعرّض لها... تحديات كلّها امتحانات بحجم وطن. وليس «جنيف2»، وﻻ أي مُسايسة ﻻ تمرّ عبر تعطيل قدرة النظام على الأذى وإجباره على السياسة فعلاً، جواباً على أي سؤال فيها، مهما كان حجم هذا السؤال.